مريض القلب والجراحات غير القلبية

خطوات الاستشارة والتقييم قبل الخضوع لها

مريض القلب والجراحات غير القلبية
TT

مريض القلب والجراحات غير القلبية

مريض القلب والجراحات غير القلبية

أفادت دراسة سويسرية حديثة بأن احتمالات حدوث مضاعفات مهمة وسلبية في القلب بعد الخضوع لـ«عمليات جراحة كبرى غير قلبية» Major Non - Cardiac Surgery هي بالفعل أعلى مما كان يُعتقد سابقاً. ووفق ما تم نشره ضمن عدد 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي من «مجلة القلب الأوروبية - العناية القلبية الوعائية الحادة»European Heart Journal - Acute Cardiovascular Care، فإن واحداً من كل خمسة مرضى يتم تصنيفهم قبل العملية بأنهم «معرَّضون لمخاطر عالية» High - Risk عند الخضوع لـ«جراحة كبرى غير قلبية»، سوف يُصابون بمضاعفات قلبية واحدة أو أكثر في غضون عام.

- عمليات غير قلبية
ويتم سنوياً إجراء أكثر من 300 مليون عملية جراحية غير قلبية على الصعيد العالمي. وتشكل مضاعفات القلب سبباً رئيسياً للمرض Morbidity وللوفيات Mortality التي تعتري المرضى بعد العمليات الجراحية، خصوصاً في العمليات الجراحية الكبرى.
وتفيد الإحصائيات الطبية بأنه سنوياً وفي جميع أنحاء العالم، يعاني أكثر من 10 ملايين مريض من أحداث قلبية مهمة صحياً في الفترة التي يُطلق عليها «فترة ما حول إجراء العملية الجراحية» Perioperative Period. و«فترة ما حول إجراء العملية الجراحية» هي الفترة ما قبل وما بعد الفترة الفعلية لبقاء المريض على طاولة العمليات للجراحة غير القلبية Intraoperative Period. وأنه في كل عام يموت أكثر من مليون بالغ في غضون 30 يوماً من الخضوع للعملية الجراحية غير القلبية.ويعد حصول حالة «نقص إمداد عضلة القلب بالأكسجين»، أو ما يُعرف طبياً بـ«حالة إقفار عضلة القلب» Myocardial Ischemia (سواء تطورت أو لم تتطور إلى نوبة الجلطة القلبية)، المضاعفة القلبية الأعلى شيوعاً والأعمق خطراً لدى مرضى الجراحة غير القلبية. وفي الإحصائيات العالمية، تتفاوت نسبة الإصابات بنوبة الجلطة القلبية في فترة «ما حول العملية الجراحية غير القلبية» Perioperative MI بين 1 و17%، وذلك وفق مدى الدقة في إجراء الإحصائيات في أماكن مختلفة في العالم، ومستوى العناية الطبية التي يتلقاها المرضى قبل وفي أثناء وبعد العملية الجراحية غير القلبية.

- تقييم إكلينيكي
وكسلوك إكلينيكي قبل الإقدام على تخدير وإجراء العملية الجراحية لمرضى القلب، يحرص الجراحون وأطباء التخدير على استشارة طبيب القلب حول مدى ملاءمة الحالة الصحية لأولئك المرضى لجميع متطلبات وخطوات إتمام العمليات الجراحية. وفي هذا الشأن، تعتمد أوساط طب القلب إجراء خطوات دقيقة في التقييم الإكلينيكي لمرضى القلب، أو المرضى الذين ترتفع احتمالات وجود مرض قلبي لديهم، قبيل خضوعهم لأي نوع من العمليات الجراحية غير القلبية.
كما تشمل العوامل الأخرى التي تساعد في تحديد المخاطر القلبية للعملية الجراحية:
• القدرة الوظيفية Functional Capacity،
• مقدار العمر.
• الحالات المرضية المصاحبة مثل: داء السكري، وأمراض الأوعية الدموية الطرفية PVD، وضعف الكُلى Renal Dysfunction، وأمراض الرئة المزمنة.
• نوع الجراحة (جراحات الأوعية الدموية، والجراحات الطويلة والمعقدة في الصدر والبطن والرأس والرقبة).
• مدى إلحاح التوقيت في سرعة إجراء العلاج الجراحي.
ووفق نتائج هذا التقييم، يتم تصنيف المرضى إلى: ذوي خطورة عالية أو متوسطة أو منخفضة لحصول مضاعفات أو تداعيات قلبية جراء الخضوع لأيٍّ من أنواع العمليات الجراحية غير القلبية.
ومع توفر العديد من الوسائل التي تُمكن من تقديم عناية قلبية تُسهم في حمايتهم من تلك المضاعفات والتداعيات القلبية، يتم إعطاء النصائح الطبية (التي تتشابه لذوي الخطورة العالية أو المتوسطة) حول جوانب رعايتهم الطبية خلال مراحل العملية الجراحية والاحتياطات الوقائية التي يجدر تطبيقها آنذاك. وهي التي ترفع من فرص نجاح إجراء العمليات الجراحية غير القلبية لهم، وخروجهم من المستشفى بسلامة وصحة.وعليه، يعد هذا التقييم القلبي إحدى أهم خطوات إعداد المريض للعبور بشكل آمن خلال مراحل العملية الجراحية وفترة النقاهة بعدها.

- أخطار الجراحة
وأفاد الدكتور كريستيان بولاشر، من جامعة بازل بسويسرا والباحث الرئيس في الدراسة، بالقول: «تكشف دراستنا عن أن احتمال الإصابة بمشكلات قلبية أو الوفاة، بعد الخضوع للجراحة غير القلبية، هو أكبر مما هو معروف حتى الآن، وأن المرضى أيضاً مُعرضون للخطر فترة أطول مما كان يعتقد سابقاً».
وأُجريت الدراسة على فئة المرضى المعرضين لمخاطر عالية High - Risk Patients، والتي تشمل: الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 65 و85 عاماً، وأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عاماً والذين يعانون بالفعل من أمراض القلب والأوعية الدموية (مثل مرض الشريان التاجي أو أمراض الشرايين الطرفية أو السكتة الدماغية السابقة). وخضع جميع المرضى لجراحة غير قلبية كبرى، تطلبت منهم البقاء في المستشفى ليلة واحدة على الأقل بعد ذلك. وشملت أنواع الإجراءات الجراحية: جراحات البطن، وجراحة العظام، وجراحات إصابات الحوادث، وجراحات الأوعية الدموية، والمسالك البولية، والعمود الفقري، والصدر.
وعلق الدكتور بولاشر بالقول: «ترتفع بشكل متزايد أعداد الأشخاص المتقدمين في السن والمُصابين بعدد من الأمراض، الذين يخضعون لعمليات جراحية كبرى، وهؤلاء هم المرضى الذين ركزنا عليهم في دراستنا. ومن خلال توفير هذه المعلومات التي قدمتها الدراسة حول مضاعفات ما بعد الجراحة، يوفر بحثنا فرصاً أفضل لجعل الجراحة أكثر أماناً».
وأفادت جمعية القلب الأوروبية (ESC) في نشرتها الإخبارية عن الدراسة السويسرية الحديثة، بأنه رغم المزايا العلاجية المهمة والحاسمة للعملية الجراحية في كثير من الحالات، فإنه يمكن للجراحة أن تؤدي إلى أحداث قلبية سلبية، بما في ذلك: النوبات القلبية، وفشل القلب، واضطراب ضربات القلب، وهو ما يتم العمل على تفاديها. وأضافت أن الأبحاث السابقة أظهرت أن ما يقرب من ثلاثة أرباع المرضى الذين يموتون بعد الجراحة لم يتم قبولهم مطلقاً في أقسام الرعاية الحرجة Critical Care Unit، مما يشير إلى أن مستوى الخطورة لديهم لم يتم التنبه والتعرف عليه قبل إجراء العملية الجراحية. وأنه بالإضافة إلى ذلك، لا يتم اكتشاف بعض المضاعفات القلبية لعدم وضوح أعراضها. وعلى سبيل المثال، قد لا يعاني المرضى الذين أُصيبوا بنوبة قلبية بعد الجراحة بفترة وجيزة من ألم في الصدر بسبب تلقيهم أدوية تسكين ألم العملية الجراحية. هذا مع العلم أن هذه النوبات القلبية غير المصحوبة بأعراض، تُعرِّض المريض لخطر الموت أسوةً بأولئك الذين يعانون من الأعراض.

- مضاعفات على القلب
وخلال الدراسة، شمل الباحثون نحو 2300 مريض خضعوا لعملية جراحية كبرى، وكان متوسط العمر لديهم 73 سنة. وتمت متابعة مدى إصابتهم بنوبة الجلطة القلبية أو فشل القلب أو اضطرابات إيقاع نبض القلب أو الوفاة بسبب القلب، خلال السنة التالية للعملية الجراحية. وتم قياس مستوى التروبونين Troponin في الدم قبل العملية الجراحية وبعد يومين منها. ومعلوم أن ارتفاع مستوى التروبونين في الدم يحصل عادةً عند تلف خلايا القلب نتيجة تدني أو توقف تزويد عضلة القلب بالأكسجين والدم من خلال الشرايين القلبية المريضة. ولاحظ الباحثون في نتائجهم أن 15% من المشمولين في الدراسة عانوا من أحد المضاعفات القلبية خلال 30 يوماً بعد الجراحة، خصوصاً في الأسبوع الأول بعدها. وكان ذلك أعلى فيما بين المرضى الذين خضعوا لعمليات جراحية كبرى في: الصدر والأوعية الدموية وحوادث الإصابات.
وعلق الدكتور بولاشر بالقول: «هذه واحدة من أولى الدراسات لمراقبة مدى إصابة المرضى بالنوبات القلبية من دون أعراض (Asymptomatic Heart Attacks) بعد الجراحة». وأضاف: «35% من المرضى الذين أُصيبوا بنوبة قلبية من دون أعراض تعرضوا لمضاعفة قلبية واحدة على الأقل خلال السنة التالية، مقارنةً بـ10% فقط من أولئك الذين لم يصابوا بنوبة قلبية من دون أعراض. وتشير الدراسة إلى أن قياس مستويات التروبونين قبل الجراحة ولمدة يومين بعد ذلك يمكن أن يحدد هؤلاء المرضى ويوفر فرصة لمنع المزيد من المضاعفات القلبية والوفاة». وأضاف الدكتور بولاشر قائلاً: «لا تؤجل الجراحة، لكن إذا كان هناك وقت وترغب في الاستعداد لها، أقلع عن التدخين، وكن نشيطاً بدنياً، وتناول طعاماً صحياً، حتى يكون جسمك في حالة أفضل».

- أنواع من الجراحات وفق إلحاح الحاجة لإجرائها
ضمن إرشاداتها الطبية الحديثة، تفيد رابطة القلب الأميركية والكلية الأميركية لطب القلب بأن تقييم الحالة الصحية للقلب قبل الخضوع للعملية الجراحية يجب أن يكون مصمماً بعناية، وفق ظروف حالة القلب لدى المريض، ووفق الاعتبارات الجراحية لإجراء العملية من جوانب مختلفة، وكذلك وفق مدى إلحاح التوقيت في سرعة إجراء العلاج الجراحي.
وبشكل تقريبي، تختلف الحاجة إلى سرعة إجراء العملية الجراحية وفق الفئات التالية:
• عملية جراحية مستعجلة (Emergency)، وهي التي قد يتسبب عدم إجرائها في تهديد سلامة الحياة أو سلامة طرف أو عضو بالجسم، ويجدر إجراؤها خلال أقل من 6 ساعات.
• عملية جراحية عاجلة (Urgent)، وهي التي يجدر إجراؤها خلال ما بين 6 و24 ساعة.
• عملية جراحية لا تحتمل التأخير الطويل (Time – Sensitive)، وهي التي يجدر إجراؤها خلال أقل من 6 أسابيع، مثل جراحات الأورام.
• عملية جراحية اختيارية (Elective)، وهي التي يُمكن إجراؤها في غضون عام ولا تكون ضرورية عادةً لبقاء المرء بصحة جيدة، مثل عمليات التجميل والمياه البيضاء في العين.
وتحت عنوان «المخاطر الخاصة بالجراحة نفسها»، تفيد رابطة القلب الأميركية والكلية الأميركية لطب القلب بأن مخاطر الجراحة غير القلبية على القلب (Surgery - Specific Cardiac Risk) ترتبط بعاملين مهمين: الأول هو نوع الجراحة نفسها، والآخر هو درجة الإجهاد الديناميكي الدموي (Hemodynamic Stress) المرتبط بالإجراء الجراحي. وأن تلك المخاطر القلبية تنقسم إلى ثلاث فئات وفق «درجة خطورة» العملية الجراحية، وهي:
• جراحة «عالية الخطورة»، وتشمل كلاً من: العمليات الجراحية الطارئة الكبرى لكبار السن، وجراحات الشريان الأبهر والأوعية الدموية الرئيسية الأخرى، والجراحات التي تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب إعطاء كثير من السوائل أو التي قد يحصل فيها فقد كثير من الدم.
• جراحة «متوسطة الخطورة»، وتشمل كلاً من: الجراحة داخل البطن والصدر، وجراحة الرأس والرقبة، وجراحة العظام، وجراحة البروستاتا.
• جراحة «منخفضة الخطورة»، وتشمل: العمليات الجراحية بالمنظار والعمليات الجراحية السطحية، كجراحة المياه البيضاء للعين (Cataract Surgery) وجراحات الثدي.


مقالات ذات صلة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

صحتك السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

لم تختفِ السالمونيلا من المشهد الصحي العالمي؛ ففي عام 2026 وحده، تعقبت الجهات الصحية والرقابية في الولايات المتحدة وأوروبا فاشيات امتدت عبر دول وولايات عديدة.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

أظهرت دراسة حديثة، أن المراهقين الذين يعانون سلوكيات مضطربة وسمات تتميز بالقسوة يحتاجون إلى مجموعة متنوعة من الطرق العلاجية، تشمل تقويم السلوك والدعم النفسي

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

في ظل تزايد الاهتمام عالمياً بالحالات غير المشخصة، وارتفاع معدلات الشكوى من الألم المزمن غير المفسر، يتنامى تساؤل جوهري في الأوساط الطبية: كم من هذه الحالات...

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تصلب الشرايين... هل بإمكان الذكاء الاصطناعي معاونة طبيبك على رصده؟

تصلب الشرايين... هل بإمكان الذكاء الاصطناعي معاونة طبيبك على رصده؟

يُشار أحياناً إلى تصلُّب الشرايين - الذي ينجم عن تراكم اللويحات داخل جدران الشرايين بمصطلح «تصلب الشرايين atherosclerosis» (أو تيبُّسها).

جولي كورليس (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك مجموعة من الأثقال اليدوية في صالة رياضية (بيكسباي)

أفضل تمرين لتقوية العظام... اكتشفه الآن

تُعدُّ تمارين تَحمُّل الوزن مثل؛ المشي السريع، وصعود الدرج، وتمارين المقاومة، من أفضل الخيارات لدعم قوة العظام وكثافتها، خصوصاً مع التَّقدُّم في العمر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة
TT

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

لم تختفِ السالمونيلا من المشهد الصحي العالمي؛ ففي عام 2026 وحده، تعقبت الجهات الصحية والرقابية في الولايات المتحدة وأوروبا فاشيات امتدت عبر دول وولايات عديدة، وارتبطت بمصادر مختلفة من البيض والدواجن إلى براعم البرسيم و«المورينغا» و«النودلز»، بل وحتى الحيوانات المنزلية.

وتكشف هذه الفاشيات أن عدوى السالمونيلا، رغم كونها معروفة منذ زمن طويل ورغم التقدم الكبير في أنظمة سلامة الغذاء، لا تزال قادرة على العودة إلى الواجهة من وقت إلى آخر. وتُعدّ «منظمة الصحة العالمية» السالمونيلا أحد أربعة أسباب عالمية رئيسية لأمراض الإسهال.

لكن؛ لماذا تستمر هذه البكتيريا في إحداث الفاشيات؟ وكيف تنتقل إلى الإنسان؟ وهل تقتصر على الدجاج والبيض كما يعتقد كثيرون؟ ومتى تتحول العدوى من اضطراب معوي عابر إلى مرض قد يستدعي دخول المستشفى؟

فاشيات عابرة للحدود

> أميركا: شهد عام 2026 عدداً من فاشيات السالمونيلا اللافتة؛ ففي الولايات المتحدة سجلت السلطات الصحية ثماني فاشيات مرتبطة بالدواجن المنزلية، ووصل عدد المصابين، وفق تحديث رسمي في يوليو (تموز) الماضي، إلى 814 شخصاً في 44 ولاية وإقليماً أميركياً، دخل منهم 201 المستشفى، وسُجلت وفاة واحدة. وكان نحو ربع المصابين من الأطفال دون الخامسة، وفقاً للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، في يوليو 2026.

كما شهدت الولايات المتحدة فاشية مرتبطة بالبيض أصابت أكثر من مائة شخص وأدت إلى سحب كميات كبيرة من الأسواق، إلى جانب فاشيات أخرى ارتبط بعضها بمنتجات من نبات المورينغا (البان الزيتي) وبراعم البرسيم.

> أوروبا: امتدت فاشية من نوع «Salmonella Bovismorbificans ST377» إلى 10 دول أوروبية إضافة إلى المملكة المتحدة، وسُجلت 109 إصابات و18 حالة دخول إلى المستشفى، مع تسجيل وفاة مؤكدة وأخرى محتملة في فنلندا. وقادت التحقيقات إلى براعم البرسيم، ثم إلى البذور المستخدمة في إنتاجها، وفقاً للمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC)، يونيو (حزيران) 2026. ولم تكن هذه الفاشية الوحيدة؛ فقد شهدت أوروبا أيضاً فاشية من «Salmonella Stanley ST2045» ارتبطت بمنتجات «نودلز» منكّهة، وسُجلت 106 حالات مؤكدة في 13 دولة أوروبية، إضافة إلى المملكة المتحدة، مع دخول 49 مصاباً على الأقل إلى المستشفى.

وتقدم هذه الأحداث رسالة واضحة: السالمونيلا ليست مشكلة مرتبطة بنوع واحد من الغذاء، ولا تتوقف بالضرورة عند حدود دولة واحدة.

> السعودية: الوقاية تبدأ قبل وصول الغذاء إلى المستهلك. وتخضع السالمونيلا للترصد والتبليغ ضمن الأمراض المنقولة بالغذاء أو الماء، وفق تصنيف وزارة الصحة. وحتى إعداد هذا الموضوع، لم يُعلن رسمياً عن فاشية واسعة مماثلة لما شهدته دول أخرى خلال عام 2026.

وفي المقابل، تكشف البيانات المنشورة عن إجراءات رقابية تستهدف منع الأغذية الملوثة قبل وصولها إلى المستهلك؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء في فبراير (شباط) 2026، أنها منعت خلال الربع الأخير من عام 2025، دخول نحو1671 طناً من المنتجات الغذائية الملوثة أو غير المطابقة، بعد أن كشفت التحاليل المخبرية عن تلوث منتجات بالليستيريا والسالمونيلا والإشريكية القولونية.

وفي تقرير لاحق عن أعمالها الرقابية خلال الربع الأول من 2026، أعلنت الهيئة تنفيذ 15230 زيارة تفتيشية، ومنع دخول 1057 طناً من المنتجات الغذائية غير المطابقة. وكان التلوث بميكروبات قد تؤدي إلى التسمم الغذائي، ومنها السالمونيلا والليستيريا والإشريكية القولونية، من بين أسباب المنع.

وتعكس هذه الإجراءات أهمية الرقابة والفحص المخبري ومنع المنتجات الملوثة قبل وصولها إلى الأسواق، إلى جانب متابعة سلامة الغذاء داخل المملكة، بوصفها خطوط دفاع وقائية تحدّ من وصول السالمونيلا، وغيرها من مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء إلى المستهلك.

ما السالمونيلا؟

السالمونيلا جنس من البكتيريا يضم أنواعاً وسلالات متعددة. وعند الحديث عن الفاشيات الغذائية الشائعة، يكون المقصود غالباً السالمونيلا غير التيفية (Non-typhoidal Salmonella)، وهي تختلف عن السلالات المسببة لحمى التيفوئيد والباراتيفوئيد. وتوجد هذه البكتيريا على نطاق واسع في الحيوانات، ويمكن أن تحملها الدواجن والأبقار والخنازير والطيور، وكذلك بعض الحيوانات الأليفة والزواحف. والمشكلة أن الحيوان قد يحمل السالمونيلا من دون أن يبدو مريضاً.

وتحدث العدوى لدى الإنسان غالباً بعد تناول طعام ملوث بالبكتيريا، إلا أن انتقالها قد يحدث أيضاً عن طريق ملامسة الحيوانات أو بيئتها، أو من شخص إلى آخر عبر الطريق البرازي الفموي عند عدم الالتزام الجيد بنظافة اليدين.

• عدوى ليست مقصورة على الدجاج والبيض فقط:: يرتبط اسم السالمونيلا في أذهان كثيرين بالدجاج النيئ أو البيض، وهما بالفعل من المصادر المعروفة للعدوى، لكن القائمة أطول من ذلك؛ فاللحوم والحليب ومنتجاته غير المبسترة وبعض الخضراوات والفواكه قد تتلوث بالبكتيريا، كما أن البراعم النباتية تستحق اهتماماً خاصاً؛ إذ توفر البيئة الدافئة والرطبة اللازمة لإنبات البذور ظروفاً يمكن أن تساعد أيضاً في تكاثر البكتيريا.

وهناك طريق آخر قد لا يخطر على البال: الحيوانات المنزلية؛ فالدجاج والبط والسلاحف والسحالي وغيرها من الحيوانات قد تحمل السالمونيلا من دون علامات ظاهرة، ثم تنتقل البكتيريا إلى الإنسان عبر اليدين أو الأسطح والأشياء الموجودة في بيئة الحيوان.

> متى تصبح العدوى شديدة؟: تظهر أعراض السالمونيلا عادة خلال ساعات إلى بضعة أيام من التعرض للبكتيريا، وأكثرها شيوعاً الإسهال والحمى وتقلصات أو آلام البطن، وقد يصاحبها الغثيان والقيء والصداع وفقدان الشهية. وتكون غالبية الإصابات محدودة ذاتياً، ويتعافى كثير من المرضى خلال عدة أيام من دون علاج نوعي. لكن العدوى قد تصبح أكثر خطورة إذا أدى الإسهال والقيء إلى الجفاف، أو إذا انتقلت البكتيريا من الأمعاء إلى مجرى الدم أو أعضاء أخرى. وقد تسبب في هذه الحالات مضاعفات خطيرة؛ مثل تجرثم الدم أو التهاب السحايا أو إصابات العظام والمفاصل. وقد يصاب بعض المرضى بعد انتهاء العدوى بما يعرف بـالتهاب المفاصل التفاعلي (Reactive Arthritis)، الذي يسبب آلاماً في المفاصل، وقد يستمر لدى بعض الأشخاص أشهراً أو سنوات.

> من الأكثر عرضة للمضاعفات؟: يمكن لأي شخص أن يصاب بالسالمونيلا، لكن احتمالات المرض الشديد ليست متساوية بين الجميع.

ويأتي الأطفال الصغار، لا سيما دون الخامسة، وكبار السن، والأشخاص ذوو المناعة الضعيفة ضمن الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات. ولذلك تكتسب الوقاية أهمية أكبر في المنازل التي تضم أحد هؤلاء.

> هل يحتاج المصاب إلى مضاد حيوي؟: ليس بالضرورة؛ فمعظم حالات السالمونيلا غير المعقدة تتحسن من دون مضادات حيوية، ويتركز العلاج أساساً على تعويض السوائل والشوارد الكهربائية ومنع الجفاف.

ولا توصَى المضادات الحيوية بصورة روتينية للحالات الخفيفة أو المتوسطة لدى الأشخاص الأصحاء؛ إذ لا يحتاج معظم المصابين إليها، كما أن استخدامها عندما لا تكون هناك حاجة إليها يمكن أن يسهم في مشكلة مقاومة المضادات الحيوية. لكن الطبيب قد يلجأ إليها في الحالات الشديدة، أو عند انتشار العدوى خارج الأمعاء، أو لدى بعض المرضى الأكثر عرضة للإصابة بالمرض الغازي. ومن هنا فإن الإصابة بالإسهال بعد تناول طعام مشتبه فيه لا تعني أن يبدأ المريض مضاداً حيوياً من تلقاء نفسه.

وقد يستمر طرح السالمونيلا في البراز بعد زوال الأعراض؛ لذلك تظل العناية بنظافة اليدين مهمة حتى بعد التعافي، ويوصي «CDC» بمزيد من الحرص على النظافة لمدة أسبوعين على الأقل بعد انتهاء الإسهال.

تظل العناية بنظافة اليدين مهمة حتى بعد التعافي من أعراض السالمونيلا

الاستشارة الطبية والوقاية

> متى نحتاج إلى الطبيب؟: ينبغي طلب المشورة الطبية عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة، خصوصاً إذا استمر الإسهال أو القيء أكثر من يومين، أو ظهر دم في البراز، أو ارتفعت الحرارة بصورة ملحوظة، أو ظهرت علامات الجفاف.

ومن العلامات التي تستدعي الانتباه: قلة التبول، والبول الداكن، والعطش الشديد، وجفاف الفم أو الحلق، والدوخة. ويحتاج الأطفال الصغار وكبار السن وذوو المناعة الضعيفة إلى قدر أكبر من الحذر؛ لأن حالتهم قد تتدهور بصورة أسرع.

> الوقاية تبدأ من المطبخ: يمكن الوقاية من نسبة كبيرة من العدوى عبر ممارسات بسيطة في التعامل مع الغذاء. ووفقاً للإرشادات الأميركية لسلامة الغذاء، يمكن تلخيص المبادئ الأساسية في 4 قواعد: نظّف، وافصل، واطهِ، وبرّد.

- نظّف (Clean): اغسل اليدين جيداً بالماء والصابون قبل إعداد الطعام وبعد التعامل مع اللحوم والدواجن النيئة، ونظّف الأسطح والأدوات وألواح التقطيع. ومن الأخطاء الشائعة غسل الدجاج النيئ قبل طهيه؛ إذ قد يؤدي تناثر الماء إلى نشر البكتيريا في الحوض والأسطح والأطعمة المجاورة.

- افصل (Separate): افصل اللحوم والدواجن النيئة عن الأطعمة الجاهزة للأكل، ولا تستخدم لوح التقطيع أو السكين نفسيهما للخضراوات بعد ملامستهما للدجاج النيئ من دون تنظيف مناسب.

- اطهِ (Cook): اطهِ الدواجن جيداً حتى تصل حرارتها الداخلية إلى نحو 74 درجة مئوية، واطهِ البيض جيداً، مع مزيد من الحذر تجاه الأطعمة التي تحتوي على البيض النيئ أو غير مكتمل النضج، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

- برّد (Chill): لا تترك الأطعمة القابلة للتلف وبقايا الطعام في درجة حرارة الغرفة أكثر من ساعتين، وتنخفض المدة إلى ساعة واحدة إذا تعرض الطعام لحرارة تتجاوز نحو 32 درجة مئوية؛ وهي قاعدة تكتسب أهمية خاصة في الأجواء الحارة والرحلات والتجمعات.

- التعامل مع الحيوانات. القاعدة التي ينبغي تذكرها بسيطة: الحيوان لا يحتاج إلى أن يبدو مريضاً حتى ينقل السالمونيلا.

ومن المهم غسل اليدين بالماء والصابون بعد لمس الدواجن المنزلية أو بيضها أو الأدوات الموجودة في محيطها، وعدم تقريب الكتاكيت والبط من الوجه أو تقبيلها.

ويحتاج الأطفال الصغار إلى حماية أكبر عند التعامل مع الدواجن المنزلية. وينطبق الحذر كذلك على الزواحف والبرمائيات، التي قد تحمل السالمونيلا وهي تبدو سليمة تماماً. وتؤكد فاشيات الدواجن المنزلية التي سجلها «CDC» خلال 2026، أهمية هذه الرسالة، لا سيما أن ربع المصابين فيها تقريباً كانوا دون الخامسة.

- خط الدفاع الأخير: سلوكنا اليومي. تكشف فاشيات 2026 أن السالمونيلا لم تصبح مرضاً من الماضي، وأن أنظمة إنتاج الغذاء وتوزيعه عالمياً يمكن أن تجعل منتجاً ملوثاً واحداً يتجاوز حدود مدينة أو دولة خلال فترة قصيرة.

وفي المقابل، تكشف وسائل الوقاية أن كثيراً من خطوط الدفاع ضد العدوى يبدأ بسلوكيات يومية بسيطة.

وتوفر الرقابة الصحية وسلامة الغذاء خطوط الدفاع الأولى على مستوى المجتمع، لكن خط الدفاع الأخير يبقى في المنزل وبين يدي المستهلك؛ فسلامة الطعام لا تتوقف عند وصوله إلى الأسواق، وإنما تستمر حتى لحظة إعداده وتقديمه على المائدة.

* استشاري طب المجتمع


علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»
TT

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من قسم علم النفس بجامعة كونكورديا Concordia University في كندا، ونُشرت في مجلة علم النفس the journal BMC Psychology في نهاية شهر يونيو (حزيران) من العام الحالي، أن المراهقين الذين يعانون سلوكيات مضطربة وسمات تتميز بالقسوة يحتاجون إلى مجموعة متنوعة من الطرق العلاجية، تشمل تقويم السلوك والدعم النفسي والقضاء على الأسباب الرئيسية لها.

خلل سلوكي

من المعروف أن الأطفال والمراهقين الذين يعانون خللاً سلوكياً، في الأغلب يتسببون في حدوث مصاعب كثيرة لهم وللأسر التي ينتمون إليها، وتكمن المشكلة الحقيقية في عدّ المشاكل التي تتعلق بالخلل السلوكي، مثل ممارسة العدوانية والتحدي وخرق القواعد بشكل خطير، مجرد مشاكل سلوكية فقط، ولكن في حقيقة الأمر هذه السلوكيات لها أسباب متعددة تحتاج إلى مجموعة من العلاجات.

وقد استشار الباحثون 86 خبيراً من مختلف المجالات للوقوف على أولويات العلاج، بحيث شملت قائمة الخبراء آباء وأطباء وباحثين اجتماعيين، وكانوا جميعاً في منتصف العمر تقريباً؛ لضمان مواكبة طرق التعامل مع المراهقين والأطفال.

وتناولت آراء الخبراء ومقترحات العلاج جميع جوانب مشاكل اضطرابات السلوك، فيما يتعلق بالدوافع الرئيسية والأسباب النفسية والعاطفية التي يمكن أن تؤثر على سلامة الإدراك، وتم أيضاً مناقشة أولويات العلاج لكل مرحلة عمرية.

أُجريت التقييمات بشكل منفصل للأطفال (من عمر الثالثة إلى عمر الثانية عشرة)، والمراهقين (من عمر 13 إلى 18 عاماً)، حيث ناقش الخبراء البيئة المحيطة بالأطفال والمراهقين بالتفصيل، وركّزوا بشكل خاص على البيئة الأساسية للطفل، وهي الجوانب الأسرية مثل طريقة المعاملة في المنزل، سواء من الآباء أو من الإخوة، وهل يتمتع المراهق والطفل بالدعم النفسي من أفراد أسرته من عدمه.

وتمت أيضاً مناقشة العوامل الداخلية والخارجية التي يمكن أن تدفع الطفل إلى ممارسة السلوكيات التخريبية، وشملت العوامل الداخلية المزاج العام للطفل وصحته النفسية وطبيعة تصرفاته، وهل تتسم بالتخريب في كل وقت وكل مكان، بمعنى: هل يمارس الطفل أو المراهق هذه السلوكيات في المدرسة فقط أو النادي فقط أو مع الأقران في الجوار فقط، أم يمارسها بشكل عام في كل المجتمعات التي يتردد عليها؟

اهتم الخبراء أيضاً بمعرفة تأثير عامل العمر والتغيرات النفسية والهرمونية على الأطفال؛ لأن هذه التغيرات يمكن أن تكون السبب الأساسي في هذه التصرفات. وعلى سبيل المثال، هناك بعض الأطفال لا يمارسون هذه التصرفات التخريبية إلا في مرحلة المراهقة فقط، في حين هناك البعض الآخر يبدأ في ممارسة هذا التصرفات عند بداية دخول المدرسة؛ لذلك من المهم وضع المرحلة العمرية في الحسبان عند تقييم الحالة والبحث عن علاج مناسب لكل مرحلة عمرية.

وناقش الخبراء أيضاً، اختلاف السلوكيات التخريبية بين الذكور والإناث، سواء قبل البلوغ أو بعده، من حيث اختلاف شكل السلوكيات التخريبية وممارسة العدوانية ومدى شدة الإيذاء والاستجابة للتدخلات العلاجية من عدمه.

أهداف علاجية

حدَّد الخبراء 26 هدفاً علاجياً لهم أولوية عالية بالنسبة للأطفال و30 هدفاً للمراهقين، حيث تركزت أهم الأولويات العلاجية بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاماً، على البيئة المنزلية بشكل أساسي. لأنها البيئة الأكثر تأثيراً في سلوك الطفل سلباً وإيجاباً في هذه المرحلة العمرية، وتُعدّ المحرك الرئيسي للأفعال التخريبية وممارسة العدوانية تجاه الآخرين.

شملت العوامل التي يجب تعديلها في البيئة المنزلية، المعاملة السيئة للطفل من قِبل الوالدين واستخدام العنف في التعامل معه، سواء العنف الجسدي أو العنف اللفظي، إهمال الطفل وعدم الاهتمام به وعدم التفاعل مع المشكلات التي يقابلها وإرشاده إلى الطريقة السليمة لحلها، ضعف المشاركة بين الوالدين والتنصل من رعاية الطفل من أحد الطرفين، والمعتقدات السلبية المسبقة للوالدين تجاه الطفل وتوقعهم لحدوث أفعال سيئة باستمرار.

على الرغم من أن عامل التمتع بالمهارات العاطفية للطفل مثل التعاطف مع الآخرين والقدرة على تنظيم المشاعر، لم يكن بالقدر نفسه من الأهمية مثل البيئة المنزلية في هذه المرحلة العمرية، فإنه لعب دوراً كبيراً أيضاً في حدوث السلوكيات التخريبية، وقال الخبراء إن تعديل هذا العامل بالإيجاب يمكن أن يساعد في العلاج لأن تنمية التعاطف مع الآخر والتفاعل مع حزنه تمنع بالضرورة وجود أي سلوكيات تؤدي إلى إيذاء الآخرين.

في المقابل، لعبت العوامل المدرسية والبيئة المحيطة بالأطفال، دوراً أقل أهمية من المنزل والمهارات العاطفية في هذه الفئة العمرية. فبالنسبة للمراهقين، على الرغم من أن العوامل الأسرية والتربوية ظلت مهمة، لكن قائمة أولويات العلاج والتعديل اتسعت، حيث قام الخبراء بتحديد أهداف تتعلق بضرورة التركيز على تعديل العوامل العاطفية بشكل أساسي، بما في ذلك صعوبات التعاطف وعدم القدرة على تنظيم المشاعر، والغضب العارم وممارسة العدوانية بمختلف الأشكال سواء على الآخرين أو على الممتلكات، والرغبة في فرض السيطرة على الأقران.

أوصت لجنة الخبراء بضرورة إعطاء الأولوية لزيادة الوعي بين الأطفال والمراهقين، مثل تصحيح القيم المنحرفة والمفاهيم الخاطئة التي تمجّد العنف والعدوانية. وأكدت اللجنة على ضرورة تكاتف الجميع سواء أطباء أو آباء للقضاء على هذه المشكلة التي تهدد المجتمع، والتعامل مع السلوكيات التخريبية بالقدر الكافي من الاهتمام وعدم الاستهانة بها حتى في الفئات العمرية الصغيرة.

* استشاري طب الأطفال


متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر
TT

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

في ظل تزايد الاهتمام عالمياً بالحالات غير المشخصة، وارتفاع معدلات الشكوى من الألم المزمن غير المفسر، يتنامى تساؤل جوهري في الأوساط الطبية: كم من هذه الحالات قد يكون مرتبطاً باضطرابات كامنة في النسيج الضام لم يتم التعرف عليها بعد؟

ومع التقدم في فهم اضطرابات النسيج الضام وتأثيراتها متعددة الأجهزة، برزت الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على الأنماط الأكثر شيوعاً والأقل تشخيصاً. وفي هذا السياق، يتقاطع هذا الطرح مع ما يُعرف في الأدبيات الطبية بـ«رحلة التشخيص الضائع Diagnostic Odyssey»، التي يمر بها المرضى قبل الوصول إلى تفسير دقيق لأعراضهم.

ومن بين أبرز النماذج التي تجسّد هذه الفجوة بين الانتشار الحقيقي والتشخيص السريري، تبرز متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Hypermobile Ehlers–Danlos Syndrome (hEDS)، حالةً قد تبدو شائعة في ممارسات الطب اليومي، لكنها لا تزال غير مرئية بالشكل الكافي في الوعي الطبي والتشخيصي.

اضطراب في النسيج الضام

تُصنَّف متلازمة إهلرز– دانلوس (EDS) ضمن اضطرابات النسيج الضام (Connective Tissue)، وهو النسيج الذي يمنح الجسم تماسكه ومرونته، ويشمل الجلد والأربطة والأوتار وجدران الأوعية الدموية. ويكمن الخلل في هذه المتلازمة في بنية أو وظيفة الكولاجين، وهو البروتين الأساسي المسؤول عن قوة الأنسجة ومرونتها.

وفي النمط مفرط الحركة من هذه المتلازمة (hEDS)، لا يكون الخلل مرتبطاً بطفرة جينية محددة يمكن رصدها مخبرياً كما في الأنماط الأخرى؛ وهو ما يجعل هذا النوع تحديداً أكثر تعقيداً من حيث التشخيص، رغم إدراجه ضمن التصنيفات الحديثة لاضطرابات النسيج الضام (Malfait et al., 2017).

• أنماط المتلازمة. لا تقتصر متلازمة إهلرز– دانلوس (EDS) على نمط واحد، بل تضم مجموعة من الأنماط السريرية التي تختلف في شدتها وخصائصها الجينية والعضوية. ووفق التصنيف الدولي الحديث، تُقسَّم المتلازمة إلى 13 نمطاً رئيسياً، من أبرزها:

- النمط الكلاسيكي (Classical EDS – cEDS)، ويتميّز بفرط مرونة الجلد مع قابلية عالية للتمدد، ووجود ندبات مميزة وضعف في التئام الجروح.

- النمط الوعائي (Vascular EDS – vEDS)، وهو الأكثر خطورة نظراً لارتباطه بهشاشة الأوعية الدموية واحتمالية حدوث تمزقات مفاجئة في الشرايين أو الأعضاء الداخلية.

- النمط المرتبط بالحداب (Kyphoscoliotic EDS – kEDS)، ويظهر عادة منذ الطفولة بانحناء العمود الفقري (حداب وجنف) مع ضعف في العضلات والمفاصل.

- النمط مفرط الحركة (Hypermobile EDS – hEDS)، الذي يُعدّ الأكثر شيوعاً والأقل تشخيصاً، ويتميّز بفرط حركة المفاصل وآلام مزمنة دون وجود اختبار جيني محدد.

وتتميّز معظم هذه الأنماط بإمكانية تحديد الطفرة الجينية المسببة لها؛ ما يسهم في تسهيل التشخيص، باستثناء النمط مفرط الحركة، الذي لا يزال يفتقر إلى اختبار جيني محدد، ويعتمد تشخيصه بشكل أساسي على المعايير السريرية. ويعكس هذا التنوع في الأنماط اختلافاً واسعاً في المظاهر السريرية، يتراوح بين أعراض خفيفة تقتصر على المفاصل والجلد، وحالات أكثر تعقيداً قد تشمل مضاعفات جهازية خطيرة؛ ما يستدعي تقييماً دقيقاً لكل حالة على حدة.

ومن بين هذه الأنماط المتعددة، يبرز النمط مفرط الحركة بوصفه الأكثر شيوعاً، والأكثر إثارة للتساؤلات، ويستدعي اهتماماً خاصاً؛ نظراً لانتشاره الواسع مقابل محدودية أدوات تشخيصه. وسوف نسلط الضوء عليه في هذا المقال.

• متلازمة إهلرز– دانلوس «مفرطة الحركة». تشير الأدبيات العلمية ومنها (Castori et al., 2017) إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة تمثل ما يقارب 80 إلى 90 في المائة من جميع حالات المتلازمة، غير أن نسبة كبيرة من المصابين بها لا يتم تشخيصهم، أو يتم إدراجهم تحت تشخيصات أخرى مثل الألم العضلي الليفي أو متلازمة التعب المزمن.

وتعكس هذه الفجوة واقعاً سريرياً معقداً، حيث تتداخل الأعراض، وتتفاوت شدتها، وتغيب المؤشرات المخبرية الحاسمة؛ ما يجعل التشخيص يعتمد على التقييم السريري الدقيق والمعايير الإكلينيكية.

الأعراض والتشخيص

> أعراض المتلازمة. غالباً ما تبدأ القصة بمرونة لافتة في المفاصل خلال الطفولة أو المراهقة، وهي سمة قد تُفسَّر في البداية على أنها طبيعية أو حتى إيجابية. إلا أن هذه المرونة قد تتحول مع مرور الوقت مصدراً للمعاناة، حيث يعاني الطفل المصاب:

- فرط حركة المفاصل وعدم استقرارها

- خلعاً أو شبه خلع متكرراً

- آلاماً مزمنة في المفاصل والعضلات

- إرهاقاً شديداً ومستمراً

ولا تقتصر الأعراض على الجهاز الحركي، بل تمتد لتشمل اضطرابات متعددة، منها:

- مشاكل الجهاز الهضمي مثل القولون العصبي

- اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، مثل متلازمة تسارع القلب الوضعي (POTS)

- صداع مزمن واضطرابات النوم

- أعراض نفسية مثل القلق والاكتئاب

وقد أظهرت دراسات منها (Tinkle et al., 2017) أن هذا الطيف الواسع من الأعراض يعكس طبيعة شاملة للاضطراب، تتجاوز كونه مشكلة موضعية في المفاصل.

• التشخيص. كيف يتم تشخيص هذا النمط من المتلازمة؟ بعكس بعض الأنماط الأخرى من متلازمة إهلرز– دانلوس، لا يتوفر حتى الآن اختبار جيني محدد لتشخيص النمط مفرط الحركة؛ وهو ما يجعل التشخيص يعتمد على معايير سريرية تم اعتمادها حديثاً في عام 2017.

وتشمل هذه المعايير:

- تقييم فرط الحركة باستخدام مقياس Beighton

- وجود أعراض داعمة متعددة

- استبعاد اضطرابات أخرى مشابهة

ويستلزم ذلك مستوى عالياً من الوعي الطبي والخبرة السريرية، وهو ما قد لا يتوفر دائماً؛ ما يؤدي إلى تأخر التشخيص لسنوات.

• تبعات المتلازمة... المآل المرضي. على الرغم من أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة لا تُعدّ من الحالات المهددة للحياة في معظم الأحيان، فإن تأثيرها على جودة الحياة قد يكون عميقاً ومتعدد الأبعاد. فالألم المزمن، الذي يتراوح بين الخفيف والمعيق، والإرهاق المستمر غير المتناسب مع الجهد المبذول، إلى جانب عدم استقرار المفاصل، تجعل الأنشطة اليومية البسيطة - مثل المشي، أو الجلوس لفترات طويلة، أو حتى أداء المهام الوظيفية - تحدياً مستمراً لكثير من المرضى.

ولا يقتصر التأثير على الجانب الجسدي، بل يمتد ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية، حيث يرتبط المرض بزيادة معدلات القلق والاكتئاب؛ نتيجة التعايش مع أعراض غير مرئية في كثير من الأحيان، وما يرافقها من سوء فهم أو تقليل من قبل المحيطين. كما قد يؤدي تذبذب الأعراض إلى صعوبة في الحفاظ على نمط حياة مستقر، سواء على المستوى المهني أو الدراسي.

ومن الناحية الوظيفية، تشير الملاحظات السريرية في الدراسات التي أجريت ومنها (Hakim et al., 2021) إلى أن نسبة من المرضى قد تعاني تراجعاً في القدرة على العمل أو الحاجة إلى تعديلات وظيفية خاصة، نتيجة الألم المزمن أو الإرهاق أو اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، مثل متلازمة تسارع القلب الوضعي (POTS)، التي تسهم في زيادة الشعور بالدوخة وعدم التحمل الوقوفي.

ويُعدّ ما يُعرف بـ«رحلة التشخيص الضائع» من أبرز التحديات التي يواجهها المصابون، حيث قد يستغرق الوصول إلى التشخيص الصحيح سنوات طويلة، مع تعدد الزيارات الطبية واختلاف التفسيرات؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على ثقة المريض بالنظام الصحي، ويؤخر بدء التدخلات المناسبة.

ورغم هذه التحديات، فإن المآل المرضي (Prognosis) في معظم الحالات يمكن تحسينه بشكل ملحوظ عند التشخيص المبكر واتباع خطة علاجية متعددة التخصصات، ترتكز على التأهيل الحركي، وإدارة الألم، والتعامل مع الحالات المصاحبة. ويؤكد ذلك أن العبء الحقيقي للمتلازمة لا يكمن في خطورتها الحيوية، بقدر ما يتمثل في أثرها التراكمي على جودة الحياة، وهو أثر يمكن التخفيف منه بقدر كافٍ من الوعي والتشخيص الدقيق والتدخل المبكر.

« رحلة التشخيص الضائع» من أبرز التحديات التي يواجهها المصابون... مع تعدد الزيارات الطبية واختلاف التفسيرات

إدارة الحالة

حتى اليوم، لا يوجد علاج شافٍ لمتلازمة hEDS، غير أن التدخل المبكر يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في مسار المرض. ويُعد العلاج الطبيعي حجر الأساس في التعامل مع الحالة، حيث يركز على:

- تقوية العضلات المحيطة بالمفاصل

- تحسين الاستقرار الحركي

- تقليل خطر الإصابات

كما تشمل الخطة العلاجية:

- إدارة الألم بوسائل دوائية وغير دوائية: تعتمد على مزيج من المسكنات البسيطة عند الحاجة، إلى جانب تقنيات غير دوائية مثل العلاج الحراري، وتمارين التمدد، والعلاج السلوكي؛ بهدف تقليل شدة الألم وتحسين القدرة الوظيفية دون الاعتماد المفرط على الأدوية.

- تعديل نمط الحياة: يشمل تجنب الأنشطة التي تزيد من إجهاد المفاصل أو خطر الخلع، وتنظيم فترات الراحة والنشاط، مع تبني عادات يومية داعمة مثل النوم الكافي واستخدام وسائل مساعدة عند الحاجة، بما يسهم في تقليل الأعراض وتحسين الاستقرار الحركي.

- علاج الحالات المصاحبة: يتطلب التعرف على الاضطرابات المرتبطة، مثل اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي كـ(POTS) أو مشاكل الجهاز الهضمي أو المشاكل النفسية، والعمل على علاجها بشكل متكامل؛ لما لها من دور كبير في شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة.

ويؤكد المختصون على أهمية تبني نهج متعدد التخصصات لضمان أفضل النتائج.

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن رعاية مرضى متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة تمثل مسؤولية مشتركة، تبدأ بالوعي ولا تنتهي عند التشخيص. وتبرز هذه المتلازمة كنموذج لحالة طبية شائعة، لكنها لا تزال غير مشخصة بالشكل الكافي في الممارسة السريرية.

وبين التقدم العلمي والتحديات الواقعية، تبقى الحاجة ملحّة إلى رفع مستوى الوعي، وتقليص فجوة التشخيص، وتعزيز الفهم الطبي لهذا الاضطراب. فليست كل مرونة دليل صحة، ولا كل ألم بلا تفسير... بل قد يكون وراءه اضطراب يحتاج إلى أن يُرى، ويُفهم، ويُتعامل معه بوعي علمي دقيق.

* استشاري طب المجتمع