كتابات فرنسية تثير جدلا بين المثقفين وفزعا في الشارع

«باري ماتش» وويلبيك ولوران تحدثت عن «الخطر الإسلامي» المقبل

كتابات فرنسية تثير جدلا بين المثقفين وفزعا في الشارع
TT

كتابات فرنسية تثير جدلا بين المثقفين وفزعا في الشارع

كتابات فرنسية تثير جدلا بين المثقفين وفزعا في الشارع

حتى صباح أمس، تاريخ صدور «الاستسلام»، الرواية الجديدة للكاتب الفرنسي ميشال ويلبيك، لم يكن ممثلو المسلمين المقيمين في البلد، قد دخلوا طرفا في السجال الفكري الدائر حول الرواية. دار الجدل في البداية، بين المثقفين الفرنسيين أنفسهم على شاشات التلفزيون وصفحات الرأي حتى وإن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند تحدث قبل يومين عن «هوية فرنسا» مع تفاقم عدد المهاجرين ونسبة كبيرة منهم من المسلمين. فالرواية، التي استلهمت مجلة «شارلي بيدو» الساخرة منها فكرة غلافها الأخير، تجسد التساؤلات داخل فرنسا حول هوية البلاد.
ولم يصدر عن أي جهة تمثل الجالية الإسلامية ما يشير إلى أنهم بصدد التحرك للمطالبة بمنع الكتاب أو مقاضاة المؤلف كما حدث مع روايات سابقة له. تقوم فكرة الرواية، على وصول رئيس مسلم إلى سدة الحكم في فرنسا عام 2022. ورغم أنها فكرة من وحي الخيال، فإن ويلبيك وضع نفسه في صف المنددين بمخاطر الحضور الإسلامي الظاهر في فرنسا، وتزايد نفوذ المتحدرين من الهجرة في مرافق الحياة الفرنسية.
ونفى الكاتب الفرنسي ميشال ويلبيك مجددا أي عداء للإسلام، وذلك يوم صدور روايته «الاستسلام» التي تتناول موضوعا يثير سجالا محتدما وهو أسلمة المجتمع الفرنسي. وقال ويلبيك أحد أشهر الروائيين الفرنسيين في الخارج: «لا أجد ذلك فاضحا في هذا الكتاب»، متحدثا لإذاعة «فرانس إنتر» العامة.
تبدأ قصة «الاستسلام» عام 2022 مع انتهاء الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند في فرنسا مشرذمة ومنقسمة على نفسها، مع فوز شخصية ابتكرها الكاتب باسم محمد بن عباس زعيم حزب «الأخوية الإسلامية» (من ابتكار المؤلف أيضا) على زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بعد حصوله على دعم أحزاب يسارية ويمينية على السواء.
وقال ويلبيك إن «القسم المخيف من الرواية هو بالأحرى قبل وصول المسلمين إلى السلطة.. لا يمكن القول عن هذا النظام بأنه مرعب».
والرواية التي تنقسم الآراء حولها ما بين «رائعة» أو «غير مسؤولة»، والتي تصدر في طبعة أولى من 150 ألف نسخة، أثارت سيلا من التعليقات سواء في الصحافة أو على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو برأي الكثير من الخبراء أمر غير مسبوق بالنسبة إلى رواية في فرنسا. ويتواجه الصحافيون والكتاب وعلماء الاجتماع عبر مقالات محتدمة ومتناقضة بينما احتل الكاتب المثير للجدل الساحة الإعلامية في الأيام الأخيرة متنقلا بين المحطات التلفزيونية والإذاعية. وبينما اتهمه مدير صحيفة «ليبراسيون» اليسارية لوران جوفران باللعب على وتر الخوف من المتشددين وبتعزيز «أفكار الجبهة الوطنية» (يمين متطرف)، دافع عنه الكاتب إيمانويل كارير بحماسة شديدة. وقال عن «الاستسلام» إنه «كتاب رائع يتسم بزخم روائي استثنائي»، في مقالة ينشرها الملحق الأدبي لصحيفة «لوموند».
وتابع كارير صاحب الكتاب الرائج «المملكة» عن فجر المسيحية، أن «تكهنات ميشال ويلبيك الاستباقية تنتمي إلى العائلة ذاتها»، مثل روايتي القرن العشرين الرؤويتين «1984» لجورج أورويل و«أفضل العوالم» لألدوس هاكسلي.
وأقرت الصحافية كارولين فوريست بأن «الروائي ليس صاحب مقال، لا يمكن أن نحكم عليه بالطريقة نفسها»، ورأت أنه «من الطبيعي أن نتساءل حول نجاح أدب يتناول نظرية انحطاط (فرنسا)».
ورد الكاتب على منتقديه أمس قائلا: «لا أعرف أحدا بدل نيات تصويته بعد قراءة رواية».
الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة. فقد نقل عن الجنرال ديغول أنه رضخ لانسلاخ الجزائر عن فرنسا خشية أن تبقى هذه المستعمرة تابعة للأمة الفرنسية، مع ما يشكله ذلك من خلخلة للتقسيم الديمغرافي وتزايد نسبة المسلمين لبقية السكان.
وقبل ربع قرن نشرت مجلة «باري ماتش» على غلافها صورة أثارت فزع بعض الفرنسيين في حينها، وسخرية البعض الآخر. إنها صورة ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية وهي تغطي شعرها بحجاب.
ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، ازداد الحضور الشكلي والفعلي للمسلمين الفرنسيين. لكن رغم تزايد حجاب المسلمات في الفضاء العام، فإن هذا الحضور لم يهدد السلام الاجتماعي، بل كان إيجابيا في الكثير من المجالات، لا سيما على صعيد الفن والرياضة والتمثيل الوزاري.
مع مقتلة صحيفة «شارلي إبدو» أمس، يبدأ زمن جديد صعب لملايين المسلمين الفرنسيين المسالمين. فالجريمة ستضر بهم قبل غيرهم، ستصب مياها كثيرة في طاحونة اليمين المتطرف، المتحفز لتسلم السلطة في الانتخابات المقبلة. وكان الباحث والصحافي الفرنسي، صموئيل لوران، تحدّث بيقين، عن وجود أمير لـ«القاعدة» في فرنسا. وبحسب «معلوماته» فإنه يصول ويجول ضمن الأراضي الفرنسية، ويتمتع بحرية التنقل من دون خوف. وقد صدم حديثه ذاك الجمهور وأذهله. وفي كتابه الأخير «تنظيم القاعدة في فرنسا»، يروي صموئيل لوران، كيف أسست منظمة إرهابية نفسها بقوة، ولم يخف مخاوفه من أن تقع المزيد من الهجمات على نطاق واسع في البلاد. قال لوسائل الإعلام إنّ القادم أسوأ وغير متوقع، لأنه يحدث في غفلة من أعين الحكومة وأجهزة الاستخبارات المرتاحة، على حد قوله، الحكومة التي ما تزال مصرّة على اعتبار ما يجري مجرد حوادث فردية.
يعد لوران في المقام الأول، رجلا عمليا، سافر لسنوات طويلة إلى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة، وكوّن مجموعة من العلاقات داخل المنظمة، تعتبر الأقوى على الإطلاق، مكنته من انتزاع اعتراف أحد قيادات التنظيم، بعبارة قلبت الموازين: «لن يتوقف الجهاد إلا عندما نرى راية الإسلام ترفرف على شرفة قصر الإليزيه والبيت الأبيض».
يعرض صموئيل لوران، لتاريخ الحركات الراديكالية وبنيتها الداخلية، ويدرس نفسية هؤلاء المقاتلين الشباب، فضلا عن تلخيصه لتطلعات وأهداف هذه الحركات، وما إذا كان تنظيم القاعدة أو باقي الجماعات تشترك في الآيديولوجية نفسها.
قال لوران إن «القاعدة»، هم بقايا «عصر» في أفغانستان، طرأت عليه جملة تغيرات عميقة. وقد طورت «القاعدة» نفسها مع بداية الحرب في سوريا، لدرجة أننا لم نعد نواجه حفنة مقاتلة جاءت من أرض بعيدة، ولكن الآلاف من المتطوعين الشباب، ممن يؤمنون بعقيدة تسيطر الآن، على الكثير من المدن الأوروبية، وستحول الأمر إلى كارثة، ستفشل دول الغرب في معالجتها. وهي تهدف إلى ظهور خلافة إسلامية عالمية. إن كانت الحكومة تريد علاج «النتائج» أي ظاهرة «الجهاديين» فيما لا تعالج «الداء» فهي حتما ستفشل، والداء بنظره، هو تنامي التيار السلفي الجهادي في البلاد بشكل غير مسبوق، ليس فقط في أوساط المهاجرين بل والفرنسيين أيضا.
حقا، لم يكن خيال ويلبيك، وتوقعات لوران بعيدة عن ما وقع صباح أمس، وإن كان كل منهما نظر إلى أوضاع المسلمين في فرنسا، من موقعه الخاص.



التفاف خاطف للجيش اليمني يستعيد «ذو باب» وباب المندب

الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)
الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)
TT

التفاف خاطف للجيش اليمني يستعيد «ذو باب» وباب المندب

الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)
الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)

فتحت القوات الحكومية اليمنية، الاثنين، جبهة جديدة في الساحل الغربي وسيطرت على مديرية ذو باب ومنطقة باب المندب، في تحول ميداني بارز تزامن مع إطلاق رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عملية «فجر اليمن» لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الجماعة الحوثية، في حين استمرت المعارك العنيفة في ريف تعز الجنوبي وسط مساعٍ حوثية لقطع الطريق الرئيسي بين مدينة تعز ومدينة التربة والمناطق المحررة جنوباً، حيث لحج وعدن.

وأعلنت القوات الحكومية تنفيذ عملية عسكرية واسعة في مديرية ذو باب المطلة على مضيق باب المندب، قالت إنها تمكنت خلالها من تنفيذ التفاف ميداني والوصول إلى مواقع استراتيجية والسيطرة على المديرية والمطار وقطع الطريق بين ذو باب والمخا، في حين أعلن الناطق باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي أن قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة أحكمت السيطرة على باب المندب.

وتزامن التطور مع إعلان العليمي إطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلاً إن العملية تهدف إلى «استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية». وقال إن القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية، بدعم من الأشقاء والأصدقاء، ستمضي نحو استعادة الدولة.

قوات من ألوية العمالقة ودرع الوطن اليمنية تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (إعلام محلي)

وأفاد النزيلي بأن القوات الحكومية بدأت تنفيذ العملية «بنطاق واسع» لاستهداف القدرات والعناصر الحوثية، مشيراً إلى أن الالتفاف الذي نفذته القوات أدى، وفق روايته، إلى السيطرة على باب المندب، في حين أصبح مطار ذو باب تحت سيطرتها، وقطعت الطريق بين ذو باب والمخا وأحكمت السيطرة النارية عليه.

وأضاف أن مئات العناصر الحوثية باتوا محاصرين في منطقة ذو باب، داعياً إياهم إلى تسليم أنفسهم، وقال إن بعض عناصر الجماعة فرّوا بالقوارب عبر البحر بعد محاصرتهم.

وأعلنت القوات الحكومية، في بيان رسمي، أن قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة، مسنودة بالمقاومة الشعبية وغطاء جوي، تمكنت من تحرير مديرية ذو باب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وقال مصدر عسكري إن العمليات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة وتدمير وإعطاب عدد من الآليات والمعدات، في حين واصلت القوات عمليات التمشيط وتأمين المواقع وقطع طرق الإمداد.

1122 استهدافاً

وبالتوازي مع الهجوم في الساحل، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1122 عملية استهداف دقيقة خلال الفترة الأخيرة ضد مواقع وقدرات حوثية في محاور صعدة والجوف وتعز والساحل.

وقال النزيلي إن الاستهدافات طالت مرابض المدفعية والراجمات والتحصينات الدفاعية وطرق الاقتراب والإمداد والتعزيزات والتحشيدات القتالية، إلى جانب مراكز القيادة والسيطرة، مستخدمة الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والصواريخ والراجمات والقناصة.

وحسب الحصيلة التي أعلنتها القوات المسلحة، أسفرت العمليات عن «تحييد» 1747 عنصراً حوثياً، إلى جانب تدمير وإعطاب 364 آلية ومعدة ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

ويمثل فتح محور الساحل الغربي تحولاً لافتاً في مسار العمليات؛ إذ ينقل القوات الحكومية من التعامل مع محاولات التقدم الحوثية في محيط تعز والطرق الجنوبية إلى العمل على محور ذو باب وباب المندب، بما يضع خطوط الإمداد الحوثية في الساحل تحت ضغط مباشر.

تعز تحت الضغط

وفي المقابل، بقيت تعز محوراً رئيسياً للمواجهة، مع استمرار القتال في مديريات الشمايتين والمواسط والمعافر ومحاور أخرى جنوب وغرب المحافظة.

وقالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية استعادت زمام المبادرة في عدد من المحاور وأحبطت محاولات تسلل وهجمات حوثية، في حين تحدثت مصادر ميدانية عن استمرار القتال في مناطق الشمايتين بعد توغل حوثي من جهة الغرب وقطع الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة تعز بالتربة، مركز المديرية، ويمتد جنوباً باتجاه لحج وعدن.

مواجهات ضارية في جبهات تعز بين القوات الحكومية والحوثيين (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه المعارك أهمية خاصة بالنسبة لمدينة تعز، التي باتت تواجه ضغطاً من محاور متعددة، في ظل محاولات حوثية لدفع القتال نحو أريافها الجنوبية والغربية وقطع صلاتها بالمناطق المحررة. كما تحدثت مصادر ميدانية عن تحركات حوثية باتجاه منطقة الأعلوم في ريف تعز، بالتزامن مع استمرار المواجهات في محيط المدينة نفسها.

وكان القتال في ريف تعز الجنوبي قد تصاعد خلال اليومين الماضيين، مع إعلان القوات الحكومية إحباط هجمات ومحاولات تسلل، في حين قالت مصادر عسكرية إن المواجهات خلفت خسائر بشرية كبيرة في صفوف الحوثيين نتيجة الكمائن ونيران القناصة والطائرات المسيّرة والاشتباكات المباشرة والغارات الجوية.

وتقول القوات الحكومية إن المعركة في تعز تجري بالتزامن مع خطة أوسع لاستعادة المبادرة على مختلف الجبهات، في وقت تسعى فيه الجماعة الحوثية إلى تثبيت مكاسبها التي حققتها أخيراً على الساحل الغربي والضغط على مدينة تعز من جهتي الغرب والجنوب.

من التعبئة إلى الهجوم

ويأتي الهجوم في ذو باب بعد أقل من 24 ساعة على إعلان العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الدولة وبسط سلطتها على كامل البلاد.

وأكد العليمي أن القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية تلقت توجيهات بتنفيذ مهامها، مشدداً على أن المعركة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة، وليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين أو على مذهب أو قبيلة.

قوات يمنية في تعز تخوض مواجهات ضد الحوثيين في أكثر من جبهة (أ.ف.ب)

كما دعا السكان إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً التزام الدولة بالعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد العليمي على أن المهمة لا تقتصر على استعادة الأرض، وإنما تشمل إعادة الدولة إليها، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون وعدم الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

وأعلنت قيادة «تحالف دعم الشرعية» بعد خطاب العليمي تقديم الدعم العملياتي للقوات اليمنية، والوقوف مع الحكومة حتى استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء تهديد الجماعة الحوثية لحرية الملاحة البحرية.


اليمن يطالب باستجابة دولية عاجلة لمواجهة موجات النزوح

عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)
عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطالب باستجابة دولية عاجلة لمواجهة موجات النزوح

عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)
عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)

تضع موجات النزوح الجديدة الناجمة عن التصعيد العسكري لجماعة الحوثيين في اليمن، الأمم المتحدة وشركاء العمل الإنساني أمام اختبار متزايد، مع اتساع الاحتياجات في مناطق النزوح وارتفاع الضغط على المحافظات المستضيفة، في وقت تُحذر فيه الحكومة اليمنية من فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات ومستوى الاستجابة المتاحة.

ودعت الحكومة اليمنية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لتعزيز الاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في محافظة تعز ومناطق أخرى، وما يرافقها من نزوح للسكان من مناطق المواجهات إلى محافظات أكثر أمناً؛ بينها عدن ولحج وأبين ومأرب.

وأكد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني، خلال استقباله، في العاصمة المؤقتة عدن، جون جينج، مستشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، أن التطورات المتسارعة في البلاد تفرض «مسؤولية مضاعَفة» على المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتحرك العاجل، وتعزيز الاستجابة بما يضمن حماية المدنيين وتخفيف معاناة المتضررين.

رئيس الحكومة اليمنية يستقبل في عدن مسؤولاً أممياً (سبأ)

وقال الزنداني إن هدف الحكومة المتمثل في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية وإنهاء انقلاب الحوثيين المدعوم من إيران «ثابت» ولا تحكمه التطورات الميدانية، مؤكداً أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي وقيادة القوات المسلحة للحفاظ على تماسك الجبهة الوطنية والتمهيد لاستعادة صنعاء.

في المقابل، أكد جون جينج استمرار دعم الأمم المتحدة لليمن وتعزيز التنسيق مع الحكومة والوكالات الإنسانية، والعمل على حشد مزيد من التمويل والمساهمات الدولية لمواجهة الاحتياجات الطارئة.

أولوية التدخل الإغاثي

بحث الجانبان، وفق الإعلام الرسمي اليمني، مستجدات الوضع الإنساني وتداعيات التصعيد العسكري وأولويات التدخل الإغاثي، إلى جانب سُبل تعزيز التنسيق بين الحكومة والأمم المتحدة في مواجهة الاحتياجات المتزايدة.

وقال الزنداني إن المطلوب لم يعد يقتصر على الاستجابة للاحتياجات الآنية، داعياً إلى مقاربة أكثر فاعلية واستدامة تقوم على توفير التمويل الكافي، وتسريع إيصال الإمدادات، وتعزيز قطاعات الصحة والتغذية والحماية والإيواء.

وأكد التزام حكومته بتقديم التسهيلات اللازمة للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وتوفير الظروف الملائمة لأداء مهامّها، في وقت تواجه فيه عمليات الإغاثة ضغوطاً متزايدة بفعل اتساع رقعة النزوح وتعدد المناطق المتضررة.

تقديرات يمنية رسمية بوجود 200 ألف نازح هربوا من جحيم الحوثيين خلال الأسابيع الماضية (أ.ف.ب)

وفي مأرب، عقدت السلطة المحلية وشركاء العمل الإنساني اجتماعاً لمناقشة الاستجابة للنزوح الجديد والمتوقع، وسط دعوات إلى رفع الجاهزية وتوفير مخزونات إنسانية مسبقة في قطاعات الغذاء والمياه والصحة والمأوى والحماية والتعليم.

وقال وكيل محافظة مأرب عبدربه مفتاح إن المتغيرات الميدانية تستدعي مضاعفة التنسيق وحشد الموارد، محذراً من تداعيات استمرار التصعيد على حركة السكان، ومطالباً بالاستعداد للتعامل مع موجات نزوح جديدة وكثيفة.

وطالب المسؤول المحلي بتوفير مخزون إنساني يمكّن المنظمات والسلطات من الاستجابة السريعة، خصوصاً في ظل ما تصفه السلطات اليمنية باستهداف المدنيين وإجبارهم على النزوح من القرى والمدن ومخيّمات النازحين.

157 ألف نازح

تكشف أرقام برنامج الأغذية العالمي حجم الضغط الجديد على الاستجابة الإنسانية. وقال مدير البرامج في المكتب القطري للبرنامج في اليمن، داميين فاكير، إن البرنامج تمكّن، حتى الآن، من التحقق من بيانات نحو 113 ألف نازح، من أصل 157 ألفاً، نزحوا جراء موجة التصعيد الأخيرة، في حين تقول بيانات الحكومة اليمنية إن الأعداد تجاوزت 200 ألف نازح.

وأوضح المسؤول الأممي، خلال لقائه وزير الدولة المكلَّف بملف النزوح والهجرة غير النظامية وليد الإبارة في عدن، أن البرنامج مستعد لتوسيع نطاق تدخُّله ليصل إلى نحو مليون ونصف المليون مستفيد، وفق الإمكانات والاحتياجات القائمة.

آلاف الأُسر اليمنية النازحة تفتقد المأوي والمساعدات الطارئة (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الاستجابة الإنسانية تقوم على مرحلتين؛ الأولى طارئة خلال 72 ساعة، والثانية تمتد ثلاثة أشهر، وتشمل تقديم المساعدات الأولية، مع اللجوء للمساعدات النقدية في المناطق التي تتوفر فيها أسواق قريبة.

ويقدم البرنامج، وفق المسؤول، خدمات لنحو 1.7 مليون نازح في اليمن، ما يعكس حجم الاعتماد المستمر على المساعدات الإنسانية في بلدٍ يعيش أزمة ممتدة منذ سنوات.

من جهته، قال الإبارة إن استمرار التصعيد في تعز ينذر بتفاقم الوضع الإنساني، مشيراً إلى وجود فجوة كبيرة بين الاحتياجات المتزايدة ومستوى الاستجابة المتاحة.

وأضاف أن الحكومة تعمل على إعداد خطة وطنية للنزوح تهدف إلى تنظيم وتنسيق التدخلات الإنسانية وتسهيل وصول المساعدات إلى مستحقيها، بالتعاون مع الشركاء الدوليين.


جرحى حوثيون يعودون من الجبهات إلى خانة الإهمال

عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)
عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جرحى حوثيون يعودون من الجبهات إلى خانة الإهمال

عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)
عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)

يواجه المئات من جرحى الجماعة الحوثية العائدين من جبهات القتال، ولا سيما جبهات محافظة تعز، أوضاعاً صحية ومعيشية قاسية، في ظل شكاوى متزايدة من الإهمال ونقص الرعاية الطبية اللازمة داخل المستشفيات والمراكز الصحية الخاضعة لسيطرة الجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء.

وقالت مصادر طبية ومحلية لـ«الشرق الأوسط» إن موجة الإصابات التي خلفتها المعارك الأخيرة في تعز والحديدة وجبهات أخرى دفعت بأعداد كبيرة من جرحى الحوثيين إلى مستشفيات قريبة من مناطق الصراع، قبل نقل الحالات الأشد خطورة إلى صنعاء، حيث باتت منشآت صحية عدة تواجه ضغطاً متزايداً.

وأضافت المصادر أن عدداً من الجرحى الذين نُقلوا إلى صنعاء عقب إصابتهم في الجبهات وجدوا أنفسهم أمام رحلة جديدة من المعاناة، بعدما واجهوا صعوبات في الحصول على العلاج والأدوية والفحوصات اللازمة، بينما اضطر بعضهم إلى تحمل تكاليف علاجية تفوق قدراتهم المالية.

جرحى حوثيون في مركز الأطراف في صنعاء يشكون الإهمال (فيسبوك)

ومع تزايد أعداد القتلى والجرحى القادمين من الجبهات، لجأت الجماعة، وفق المصادر، إلى نقل العشرات من المصابين إلى مركز الأطراف الواقع شمال صنعاء، في محاولة لتخفيف الضغط عن المستشفيات، غير أن المركز نفسه يواجه صعوبات في توفير الرعاية اللازمة للأعداد المتزايدة.

وأفادت المصادر بأن العشرات من المصابين الذين نُقلوا أخيراً إلى المركز يعانون مضاعفات بسبب تأخر العلاج أو عدم انتظام المتابعة الطبية، بينما تضطر أسرهم إلى البحث عن الأدوية والمستلزمات الطبية من خارج المركز، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من ظروف اقتصادية قاسية.

خدمات متراجعة

يتحدث عاملون في مركز الأطراف الخاضع للحوثيين بصنعاء عن عجز في تقديم العلاج للجرحى الجدد الذين يصلون يومياً وهم في حالات حرجة ويحتاجون إلى رعاية متكاملة.

وأوضح العاملون أن هذا العجز يتزامن مع تدهور الخدمات في المركز، وتعطل عدد من الأجهزة الطبية، وعدم توفر أسرّة شاغرة، إلى جانب شح الأدوية، في ظل الأعداد الكبيرة من الجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج والتأهيل.

وكشف العاملون الصحيون لـ«الشرق الأوسط» عن استقبال المركز خلال الأشهر القليلة الماضية أكثر من 35 ألف حالة إصابة كانت بحاجة إلى رعاية طبية وأطراف صناعية، معظمها من جرحى الجماعة الحوثية القادمين من مختلف الجبهات.

الحوثيون يتجاهلون معاناة السكان ويخصصون الأموال لأتباعهم (رويترز)

ولا تتوقف احتياجات المصابين عند العلاج الأولي، إذ يحتاج كثير من الجرحى إلى عمليات متخصصة وعلاج طبيعي وتأهيل طويل الأمد، وهي خدمات يصعب على كثير منهم الحصول عليها بصورة منتظمة.

وتتحدث أسر جرحى عن تعامل حوثي مختلف مع المصابين، إذ يتم التركيز، بحسب إفاداتها، على استغلال قصص القتلى والجرحى في الخطاب الدعائي للجماعة، بينما تتراجع العناية بهم بعد انتهاء حاجتها الإعلامية.

وتقول بعض الأسر إن عدداً من الجرحى الحوثيين يجدون أنفسهم لاحقاً أمام احتياجات علاجية متواصلة، من دون رعاية كافية أو متابعة منتظمة، ما يضاعف معاناتهم ويترك أسرهم أمام أعباء مالية وصحية ثقيلة.

ندم متأخر

عامر، وهو جريح حوثي اكتفى باسمه الأول، أبدى ندمه البالغ على انضمامه إلى القتال في صفوف الجماعة، وقال إن مندوباً فيما تسمى «مؤسسة الجرحى» الحوثية طلب من أسرته التكفل بعلاجه، متحججاً بمواجهة الجماعة ضغوطاً كبيرة بسبب تزايد أعداد الجرحى.

وتعرض عامر قبل شهر لإصابة فقد فيها ساقه اليمنى في إحدى جبهات مأرب، لكنه واجه صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية، واضطرت أسرته إلى تحمل كامل نفقات علاجه.

بدوره، قال أحد أقارب جريح، طلب إخفاء اسمه، إن قريبه، وهو أب لثمانية أولاد، عاد قبل أيام من إحدى جبهات تعز بإصابة بالغة، لكنه واجه صعوبة في الحصول على العلاج والمتابعة، واضطر أحد فاعلي الخير في منطقتهم إلى تحمل جزء كبير من النفقات.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

وأضاف أن «الجريح كان يُعامل في الجبهة باعتباره مقاتلاً، لكن بعد إصابته أصبح عبئاً على أسرته»، متهماً الجماعة بتقديم وعود يصفها بـ«الكاذبة» للمقاتلين قبيل التحاقهم بالجبهات، ثم تركهم يواجهون مصيرهم بعد تعرضهم للإصابة.

وخلال الأيام الأخيرة، تكبدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية كبيرة في صفوف عناصرها على أيدي القوات الحكومية اليمنية في جبهات محافظة تعز، بالتزامن مع عمليات استهداف جوية ومدفعية طالت مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم في مختلف جبهات المحافظة، مما يرجح استمرار تدفق المصابين إلى المرافق الصحية الخاضعة للجماعة في صنعاء.