خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

الثورة العلمية في أوروبا فسرت العالم عقلانياً لا غيبياً

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب
TT

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

لإيضاح هذه المسألة الشائكة جداً سوف أقول ما يلي: في العصور الوسطى وحتى القرن السابع عشر كان المسيحيون الأوروبيون متعصبين وظلاميين، وكانوا لا يسمحون بوجود أديان أخرى في بلدانهم غير الدين المسيحي والمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني فيما يخص فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبقية البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية. وويلٌ للإنسان البروتستانتي هناك بأقليته الطائفية. وكانت عقوبة التجديف أو الاستهزاء بالمقدسات والأديان هي قطع الرؤوس تحت المقصلة بكل بساطة. وبالتالي فلا ينبغي أن تخدعنا صورة أوروبا الحالية الحداثية جداً والعلمانية جداً والخالية من كل أثر للقمع الديني أو الطائفي فيها. ينبغي أن نعود إلى الوراء عدة قرون لكي نعرف كيف كانت وكيف أصبحت. وهذا يساعدنا على حل مشكلة النظر إلى الإسلام من هذه الزاوية «الظلامية» التي تعززها أعمال التطرف والعنف الديني، وذلك عن طريق المقارنة والنظر. ينبغي العلم بأن الفيلسوف الكبير جيوردانو برينو دفع الثمن باهظاً عام 1600 لأنه ندد بالظلامية المسيحية، وأنكر صحة بعض العقائد اللاهوتية كعذرية مريم مثلاً. فقد قطعوا لسانه وألقوه حياً طعمة للنيران في كهوف الفاتيكان المظلمة. وكانت ميتة شنيعة ونهاية مرعبة لواحد من أكبر علماء أوروبا في ذلك الزمان. كانت الظلامية المسيحية عندئذ ترعب كل المفكرين تماماً كما الظلامية الإسلامية حالياً. ولكن لحسن حظ أوروبا فإنها شهدت بعدئذ ثلاث ثورات علمية وفلسفية وتنويرية دينية أنقذتها وأخرجتها من جحيم التعصب الديني الأعمى. الثورة الأولى تمت على يد كوبرنيكوس وجيوردانو برينو ذاته وغاليلو وديكارت وكيبلر ونيوتن وآخرين. وأما الثورة الفلسفية فقد تمت على يد ديكارت ولايبنتز وسبينوزا ومالبرانش كمرحلة أولى. ثم تواصلت على يد كانط وهيغل وماركس... إلخ. وأما الثورة التنويرية للدين فقد تمت على يد فولتير وديدرو والموسوعيين وسبينوزا وكانط... إلخ. هذه الثورات الثلاث مترابطة بشكل وثيق فيما بينها إلى درجة أن أحدهم قال: لولا نيوتن ما كان كانط! المقصود لولا الثورة العلمية ما كانت الثورة الفلسفية. فالعلم الفيزيائي الرياضي الفلكي الاستكشافي له الأولوية. بعدئذ تجيء الفلسفة لكي تنظَر على هامشه أو لكي تستخلص الدروس والعبر من مكتشفاته. وهذه الثورات الثلاث هي التي جعلت أوروبا تقلع حضارياً بشكل صاروخي وتتفوق على كل النطاقات الثقافية الأخرى وفي طليعتها النطاق الثقافي العربي الإسلامي الذي كانت تطبق عليه ظلاميات السلطنة العثمانية البائدة.
ولكن فلسفة الأنوار لم تستطع تغيير الوضع الظلامي التعصبي جذرياً إلا بعد أربعة قرون من النضال والعراك ضد الكنيسة ورجال الدين: أي من القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن العشرين. وهذا أكبر دليل على مدى خطورة مواجهة الدين أو الظلامية الدينية. المسألة ليست سهلة على الإطلاق وليست مزحة بسيطة. كما أنه أكبر دليل على مدى صعوبة تغيير التفسير الظلامي للدين وإحلال التفسير الأنواري أو التنويري محله. ولذلك يخطئ من يظن أن العملية ستتم بسهولة في العالم العربي أو الإسلامي كله. ويخطئ من يظن أنها ستتم بين عشية وضحاها. هذه قصة طويلة؛ هذه قصة القصص ومعضلة المعضلات. نحن دخلنا الآن في صيرورة نرى بداياتها ولا نرى نهاياتها. لقد كان هذا الإنجاز البطولي طويلاً في أوروبا. كان صعباً عسيراً، بل دموياً أيضاً. لكنه نجح في نهاية المطاف وهذا هو المهم. أصبحت الشعوب الأوروبية لأول مرة في تاريخها متحررة من نير الاستبداد اللاهوتي والأصولية الدينية. وأصبح يحق لها الاستخفاف برجال الدين علناً ونقد العقائد الدينية الدوغمائية المتحجرة. ولكن بالمقابل يحق لمن يريد أن يظل مؤمناً متديناً أن يظل متديناً إذا ما أراد. فهذه هي الديمقراطية: الرأي والرأي المضاد يتجاوران جنباً إلى جنب، المؤمن والملحد، كلاهما موجود. ثم أصبحت أغلبية الشعوب الأوروبية لا دينية ولا ترهق نفسها بالطقوس والشعائر على عكس القرون الوسطى وعلى عكس الشعوب العربية والإسلامية حالياً. وإنما تكرس طاقاتها للعمل والإنتاج والإبداع. وحتى الأقلية التي بقيت متدينة أصبحت هي الأخرى متنورة قياساً إلى الماضي.
راحت الثورة العلمية التي دشنت في أوروبا إبان القرن السابع عشر تفسر العالم عقلانياً لا غيبياً كما كان يفعل التفسير الديني الموروث. لقد أخذت تفسره بواسطة الملاحظة العيانية والتجريب العملي والمنطق الرياضي أو الحسابي الدقيق. لقد تجرأت على تفسيره أو تفسير ظواهره خارج نطاق أي تأثير للعقائد الدينية الدوغمائية التي كانت تفرض نفسها كإلهية وبالتالي ملزمة قطعاً. إن التحرر من هذه الهيبة الطغيانية للدين ورجال الدين يمثل أكبر حدث في تاريخ البشرية. ولم تتجرأ عليه حتى الآن إلا مجتمعات أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا وإنجلترا... إلخ. أما مجتمعات أوروبا الشرقية فلا تزال متدينة أكثر بكثير. هذا وقد اضطر العلماء في البداية إلى إقناع السلطات الكهنوتية المسيحية المهيمنة بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. وكان ذلك يعتبر كفراً في ذلك الوقت لأنه يتعارض مع ما جاء في الكتب المقدسة. ومعلوم أن الكنيسة أدانت نظرية كوبرنيكوس هذه ولم تعترف بها إلا بعد قرون طويلة. ثم أرعبت غاليليو كما هو معروف. ولكن الشيء غير المعروف كثيراً هو أنها أرعبت ديكارت أيضاً فتراجع عن نشر كتابه الذي يؤيد نظرية كوبرنيكوس ويبطل نظرية بطليموس. لقد تراجع بعد أن سمع بما لحق بغاليليو وأراد أن ينجو بجلده على الأقل مؤقتاً. ومعلوم أنه كان حذراً جداً ويحسب لرجال الدين ورهبتهم وطغيانهم ألف حساب.
ثم بعدئذ في القرن التاسع عشر رفض الفاتيكان نظرية داروين واعتبرها مضادة لما ورد في الكتاب المقدس، وبخاصة سفر التكوين عن نشوء الكون والعالم والإنسان. وهي فعلاً كذلك. ولكن برغم معارضة السلطات الدينية الكهنوتية الشديدة فإن الروح العلمية الجديدة استطاعت في نهاية المطاف أن تفرض نفسها. وبعدها أو بفضلها أصبحنا نعرف اليوم أشياء كثيرة مذهلة عن كيفية تشكل الكون والطبيعة وكيفية ظهور الإنسان على سطح الأرض.
ثم أدت الثورة العلمية إلى الثورة التكنولوجية وتحقيق إنجازات رائعة. فلولاها ما كنا نتمتع الآن بالهاتف الجوال، والتلفزيون، والبراد، والغسالة، والسيارة، وعشرات المخترعات الأخرى. وإذا كنا اليوم نركب القطار والطائرة ونتمتع باللقاحات ضد الأمراض العديدة، ونعمل راديو لجسمنا لمعرفة أين يكمن الخلل، فإن كل ذلك بفضل الروح العلمية أو الثورة التكنولوجية التي انتصرت في أوروبا على الظلامية الدينية والغيبيات والخرافات والمعجزات الخارقة التي لا هدف لها إلا انتهاك قوانين الطبيعة! وكلما انتهكتها أكثر زاد إيمان المتدينين وإعجابهم بها أكثر. أتذكر أني في طفولتي أو شبابي الأول كنت أستمتع كل الاستمتاع بالقصة التي تقول إن الإمام علي فتح باب خيبر وخلعه بيده ورفعه بإصبعه الصغيرة وكأنه ريشة خفيفة رغم أنه يزن ألف طن مثلاً! أنقل من الذاكرة ولا أعرف فيما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا؟ ولكن هذه هي الفكرة. كنت أصدق ذلك كل التصديق وأعيش لحظات لا توصف من الإعجاب والانبهار والتبجيل والتقديس وإلغاء العقل كلياً. وكنت أشهق وأبكي وأضحك وأذوب ذوباناً في لحظات قدسية لا يتصورها العقل. وكلما ألغي العقل أكثر وتضخمت المعجزة وخرجت عن حد السيطرة كنت أستمتع أكثر. ولكن هل توجد ذرة عقل في مثل هذه التربية الدينية القروسطية الظلامية المتخلفة؟ نعم كنت أصولياً خرافياً قبل أن أتحول إلى حداثي تنويري من أعلى طراز. ولله في خلقه شؤون.
نعود إلى قصة الصور الكاريكاتيرية. هل نعلم أن الجرائد الهزلية في فرنسا من أمثال هارا كيري سابقاً وشارلي إيبدو حالياً تسخر من رموز الدين المسيحي أكثر بكثير مما تسخر من الرموز الدينية الأخرى. لقد صوروا السيد المسيح بشكل شنيع وكذلك مريم العذراء في صور قبيحة مشهورة. ورغم ذلك لم يتحرك أي مسيحي كاثوليكي لتوبيخ رسامي الكاريكاتير هؤلاء ناهيك عن ذبحهم! وإنما أخذوا الأمور بفلسفة وأقاموا مسافة للحظة بينهم وبين عقائدهم الحميمة وألقوا على كل ذلك ابتسامة ساخرة متسامحة. فهذه الرسوم والألاعيب لا تؤثر إطلاقاً على تعلقهم بعقيدتهم وإيمانهم. ولكن المشكلة هي أن هذا المسيحي الكاثوليكي كان سيقتلهم قبل مائتي سنة فقط. وهذا يعني أن مستوى وعي المسلم حالياً لا يقارن بمستوى وعي المسيحي الأوروبي حالياً وإنما بمستوى وعي أسلافه قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة. وذلك لأن المسلم لم تتح له الفرصة لكي يهضم هذه الثورات العلمية والفلسفية والدينية التنويرية كما حصل لنظيره المسيحي الأوروبي. هل يعلم هؤلاء الجهلة عندنا أن الصور الكاريكاتيرية تظل صوراً كاريكاتيرية ولا يمكن أن تصل إلى الأنبياء؟ إنها أقل من أن تصل إلى كعبهم. ولا يمكن أن تخدشهم أو تخدش سمعتهم مجرد خدش. بالمقابل: هل نعلم أن أكبر كارثة يمكن أن تحل بالأنبياء ورسالتهم هي أن يدافع عنهم المجرمون وقطاع الطرق والأفاقون من أمثال هذا الشيشاني سيئ الذكر. الدواعش أساءوا إلى سمعة الإسلام أكثر من الصور الكاريكاتيرية بمليون مرة. هذه الأفعال الإجرامية هي التي شوهت صورة الإسلام على مدار الكرة الأرضية بأسرها. نضيف بأن المسؤولين الفرنسيين وعلى رأسهم ماكرون ليسوا ضد الإسلام بأي شكل. فقد صرحوا مراراً وتكراراً أن للإسلام المعتدل المتسامح كل مكانته في فرنسا. وهناك أكثر من 1500 مسجد في بلاد فولتير وموليير. ولكنهم ضد جماعات الإسلام السياسي العدوانية والمشاغبة كالإخوان المسلمين مثلاً. فهل هذا ممنوع أيضاً؟ وهي جماعات تكفر الآخرين وتحتقر أديانهم وتنظر إليهم شزراً وتثير القلاقل والمشاكل في المجتمع.
أخيراً في عام 1766 قطعت السلطات الكهنوتية رأس الشاب فرنسوا دولابار (20 سنة) لأنه اتهم بكسر تمثال المسيح في قريته. وبعد أن قطعوا رأسه وضعوا كتاب القاموس الفلسفي لفولتير على جسده وحرقوهما معاً. ومعلوم أنهم وجدوا هذا الكتاب في بيته واعتبروا ذلك أكبر دليل على كفره وزندقته. العالم العربي لا يزال هنا. العالم الإسلامي لا يزال هنا متسمراً ومتحجراً ومتجمداً عند عام 1766: أي قبل قرنين ونصف. وهي مسافة التفاوت التاريخي بين العرب - والغرب. فنحن أيضاً نقطع الرقاب على صور كاريكاتيرية سخيفة لا قيمة لها على الإطلاق، بل فاشلة من الناحية الفنية. ولولا غباؤنا لكانت قد ماتت في أرضها واندثرت.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.