خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

الثورة العلمية في أوروبا فسرت العالم عقلانياً لا غيبياً

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب
TT

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

خواطر حول مسألة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب

لإيضاح هذه المسألة الشائكة جداً سوف أقول ما يلي: في العصور الوسطى وحتى القرن السابع عشر كان المسيحيون الأوروبيون متعصبين وظلاميين، وكانوا لا يسمحون بوجود أديان أخرى في بلدانهم غير الدين المسيحي والمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني فيما يخص فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبقية البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية. وويلٌ للإنسان البروتستانتي هناك بأقليته الطائفية. وكانت عقوبة التجديف أو الاستهزاء بالمقدسات والأديان هي قطع الرؤوس تحت المقصلة بكل بساطة. وبالتالي فلا ينبغي أن تخدعنا صورة أوروبا الحالية الحداثية جداً والعلمانية جداً والخالية من كل أثر للقمع الديني أو الطائفي فيها. ينبغي أن نعود إلى الوراء عدة قرون لكي نعرف كيف كانت وكيف أصبحت. وهذا يساعدنا على حل مشكلة النظر إلى الإسلام من هذه الزاوية «الظلامية» التي تعززها أعمال التطرف والعنف الديني، وذلك عن طريق المقارنة والنظر. ينبغي العلم بأن الفيلسوف الكبير جيوردانو برينو دفع الثمن باهظاً عام 1600 لأنه ندد بالظلامية المسيحية، وأنكر صحة بعض العقائد اللاهوتية كعذرية مريم مثلاً. فقد قطعوا لسانه وألقوه حياً طعمة للنيران في كهوف الفاتيكان المظلمة. وكانت ميتة شنيعة ونهاية مرعبة لواحد من أكبر علماء أوروبا في ذلك الزمان. كانت الظلامية المسيحية عندئذ ترعب كل المفكرين تماماً كما الظلامية الإسلامية حالياً. ولكن لحسن حظ أوروبا فإنها شهدت بعدئذ ثلاث ثورات علمية وفلسفية وتنويرية دينية أنقذتها وأخرجتها من جحيم التعصب الديني الأعمى. الثورة الأولى تمت على يد كوبرنيكوس وجيوردانو برينو ذاته وغاليلو وديكارت وكيبلر ونيوتن وآخرين. وأما الثورة الفلسفية فقد تمت على يد ديكارت ولايبنتز وسبينوزا ومالبرانش كمرحلة أولى. ثم تواصلت على يد كانط وهيغل وماركس... إلخ. وأما الثورة التنويرية للدين فقد تمت على يد فولتير وديدرو والموسوعيين وسبينوزا وكانط... إلخ. هذه الثورات الثلاث مترابطة بشكل وثيق فيما بينها إلى درجة أن أحدهم قال: لولا نيوتن ما كان كانط! المقصود لولا الثورة العلمية ما كانت الثورة الفلسفية. فالعلم الفيزيائي الرياضي الفلكي الاستكشافي له الأولوية. بعدئذ تجيء الفلسفة لكي تنظَر على هامشه أو لكي تستخلص الدروس والعبر من مكتشفاته. وهذه الثورات الثلاث هي التي جعلت أوروبا تقلع حضارياً بشكل صاروخي وتتفوق على كل النطاقات الثقافية الأخرى وفي طليعتها النطاق الثقافي العربي الإسلامي الذي كانت تطبق عليه ظلاميات السلطنة العثمانية البائدة.
ولكن فلسفة الأنوار لم تستطع تغيير الوضع الظلامي التعصبي جذرياً إلا بعد أربعة قرون من النضال والعراك ضد الكنيسة ورجال الدين: أي من القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن العشرين. وهذا أكبر دليل على مدى خطورة مواجهة الدين أو الظلامية الدينية. المسألة ليست سهلة على الإطلاق وليست مزحة بسيطة. كما أنه أكبر دليل على مدى صعوبة تغيير التفسير الظلامي للدين وإحلال التفسير الأنواري أو التنويري محله. ولذلك يخطئ من يظن أن العملية ستتم بسهولة في العالم العربي أو الإسلامي كله. ويخطئ من يظن أنها ستتم بين عشية وضحاها. هذه قصة طويلة؛ هذه قصة القصص ومعضلة المعضلات. نحن دخلنا الآن في صيرورة نرى بداياتها ولا نرى نهاياتها. لقد كان هذا الإنجاز البطولي طويلاً في أوروبا. كان صعباً عسيراً، بل دموياً أيضاً. لكنه نجح في نهاية المطاف وهذا هو المهم. أصبحت الشعوب الأوروبية لأول مرة في تاريخها متحررة من نير الاستبداد اللاهوتي والأصولية الدينية. وأصبح يحق لها الاستخفاف برجال الدين علناً ونقد العقائد الدينية الدوغمائية المتحجرة. ولكن بالمقابل يحق لمن يريد أن يظل مؤمناً متديناً أن يظل متديناً إذا ما أراد. فهذه هي الديمقراطية: الرأي والرأي المضاد يتجاوران جنباً إلى جنب، المؤمن والملحد، كلاهما موجود. ثم أصبحت أغلبية الشعوب الأوروبية لا دينية ولا ترهق نفسها بالطقوس والشعائر على عكس القرون الوسطى وعلى عكس الشعوب العربية والإسلامية حالياً. وإنما تكرس طاقاتها للعمل والإنتاج والإبداع. وحتى الأقلية التي بقيت متدينة أصبحت هي الأخرى متنورة قياساً إلى الماضي.
راحت الثورة العلمية التي دشنت في أوروبا إبان القرن السابع عشر تفسر العالم عقلانياً لا غيبياً كما كان يفعل التفسير الديني الموروث. لقد أخذت تفسره بواسطة الملاحظة العيانية والتجريب العملي والمنطق الرياضي أو الحسابي الدقيق. لقد تجرأت على تفسيره أو تفسير ظواهره خارج نطاق أي تأثير للعقائد الدينية الدوغمائية التي كانت تفرض نفسها كإلهية وبالتالي ملزمة قطعاً. إن التحرر من هذه الهيبة الطغيانية للدين ورجال الدين يمثل أكبر حدث في تاريخ البشرية. ولم تتجرأ عليه حتى الآن إلا مجتمعات أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا وإنجلترا... إلخ. أما مجتمعات أوروبا الشرقية فلا تزال متدينة أكثر بكثير. هذا وقد اضطر العلماء في البداية إلى إقناع السلطات الكهنوتية المسيحية المهيمنة بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. وكان ذلك يعتبر كفراً في ذلك الوقت لأنه يتعارض مع ما جاء في الكتب المقدسة. ومعلوم أن الكنيسة أدانت نظرية كوبرنيكوس هذه ولم تعترف بها إلا بعد قرون طويلة. ثم أرعبت غاليليو كما هو معروف. ولكن الشيء غير المعروف كثيراً هو أنها أرعبت ديكارت أيضاً فتراجع عن نشر كتابه الذي يؤيد نظرية كوبرنيكوس ويبطل نظرية بطليموس. لقد تراجع بعد أن سمع بما لحق بغاليليو وأراد أن ينجو بجلده على الأقل مؤقتاً. ومعلوم أنه كان حذراً جداً ويحسب لرجال الدين ورهبتهم وطغيانهم ألف حساب.
ثم بعدئذ في القرن التاسع عشر رفض الفاتيكان نظرية داروين واعتبرها مضادة لما ورد في الكتاب المقدس، وبخاصة سفر التكوين عن نشوء الكون والعالم والإنسان. وهي فعلاً كذلك. ولكن برغم معارضة السلطات الدينية الكهنوتية الشديدة فإن الروح العلمية الجديدة استطاعت في نهاية المطاف أن تفرض نفسها. وبعدها أو بفضلها أصبحنا نعرف اليوم أشياء كثيرة مذهلة عن كيفية تشكل الكون والطبيعة وكيفية ظهور الإنسان على سطح الأرض.
ثم أدت الثورة العلمية إلى الثورة التكنولوجية وتحقيق إنجازات رائعة. فلولاها ما كنا نتمتع الآن بالهاتف الجوال، والتلفزيون، والبراد، والغسالة، والسيارة، وعشرات المخترعات الأخرى. وإذا كنا اليوم نركب القطار والطائرة ونتمتع باللقاحات ضد الأمراض العديدة، ونعمل راديو لجسمنا لمعرفة أين يكمن الخلل، فإن كل ذلك بفضل الروح العلمية أو الثورة التكنولوجية التي انتصرت في أوروبا على الظلامية الدينية والغيبيات والخرافات والمعجزات الخارقة التي لا هدف لها إلا انتهاك قوانين الطبيعة! وكلما انتهكتها أكثر زاد إيمان المتدينين وإعجابهم بها أكثر. أتذكر أني في طفولتي أو شبابي الأول كنت أستمتع كل الاستمتاع بالقصة التي تقول إن الإمام علي فتح باب خيبر وخلعه بيده ورفعه بإصبعه الصغيرة وكأنه ريشة خفيفة رغم أنه يزن ألف طن مثلاً! أنقل من الذاكرة ولا أعرف فيما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا؟ ولكن هذه هي الفكرة. كنت أصدق ذلك كل التصديق وأعيش لحظات لا توصف من الإعجاب والانبهار والتبجيل والتقديس وإلغاء العقل كلياً. وكنت أشهق وأبكي وأضحك وأذوب ذوباناً في لحظات قدسية لا يتصورها العقل. وكلما ألغي العقل أكثر وتضخمت المعجزة وخرجت عن حد السيطرة كنت أستمتع أكثر. ولكن هل توجد ذرة عقل في مثل هذه التربية الدينية القروسطية الظلامية المتخلفة؟ نعم كنت أصولياً خرافياً قبل أن أتحول إلى حداثي تنويري من أعلى طراز. ولله في خلقه شؤون.
نعود إلى قصة الصور الكاريكاتيرية. هل نعلم أن الجرائد الهزلية في فرنسا من أمثال هارا كيري سابقاً وشارلي إيبدو حالياً تسخر من رموز الدين المسيحي أكثر بكثير مما تسخر من الرموز الدينية الأخرى. لقد صوروا السيد المسيح بشكل شنيع وكذلك مريم العذراء في صور قبيحة مشهورة. ورغم ذلك لم يتحرك أي مسيحي كاثوليكي لتوبيخ رسامي الكاريكاتير هؤلاء ناهيك عن ذبحهم! وإنما أخذوا الأمور بفلسفة وأقاموا مسافة للحظة بينهم وبين عقائدهم الحميمة وألقوا على كل ذلك ابتسامة ساخرة متسامحة. فهذه الرسوم والألاعيب لا تؤثر إطلاقاً على تعلقهم بعقيدتهم وإيمانهم. ولكن المشكلة هي أن هذا المسيحي الكاثوليكي كان سيقتلهم قبل مائتي سنة فقط. وهذا يعني أن مستوى وعي المسلم حالياً لا يقارن بمستوى وعي المسيحي الأوروبي حالياً وإنما بمستوى وعي أسلافه قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة. وذلك لأن المسلم لم تتح له الفرصة لكي يهضم هذه الثورات العلمية والفلسفية والدينية التنويرية كما حصل لنظيره المسيحي الأوروبي. هل يعلم هؤلاء الجهلة عندنا أن الصور الكاريكاتيرية تظل صوراً كاريكاتيرية ولا يمكن أن تصل إلى الأنبياء؟ إنها أقل من أن تصل إلى كعبهم. ولا يمكن أن تخدشهم أو تخدش سمعتهم مجرد خدش. بالمقابل: هل نعلم أن أكبر كارثة يمكن أن تحل بالأنبياء ورسالتهم هي أن يدافع عنهم المجرمون وقطاع الطرق والأفاقون من أمثال هذا الشيشاني سيئ الذكر. الدواعش أساءوا إلى سمعة الإسلام أكثر من الصور الكاريكاتيرية بمليون مرة. هذه الأفعال الإجرامية هي التي شوهت صورة الإسلام على مدار الكرة الأرضية بأسرها. نضيف بأن المسؤولين الفرنسيين وعلى رأسهم ماكرون ليسوا ضد الإسلام بأي شكل. فقد صرحوا مراراً وتكراراً أن للإسلام المعتدل المتسامح كل مكانته في فرنسا. وهناك أكثر من 1500 مسجد في بلاد فولتير وموليير. ولكنهم ضد جماعات الإسلام السياسي العدوانية والمشاغبة كالإخوان المسلمين مثلاً. فهل هذا ممنوع أيضاً؟ وهي جماعات تكفر الآخرين وتحتقر أديانهم وتنظر إليهم شزراً وتثير القلاقل والمشاكل في المجتمع.
أخيراً في عام 1766 قطعت السلطات الكهنوتية رأس الشاب فرنسوا دولابار (20 سنة) لأنه اتهم بكسر تمثال المسيح في قريته. وبعد أن قطعوا رأسه وضعوا كتاب القاموس الفلسفي لفولتير على جسده وحرقوهما معاً. ومعلوم أنهم وجدوا هذا الكتاب في بيته واعتبروا ذلك أكبر دليل على كفره وزندقته. العالم العربي لا يزال هنا. العالم الإسلامي لا يزال هنا متسمراً ومتحجراً ومتجمداً عند عام 1766: أي قبل قرنين ونصف. وهي مسافة التفاوت التاريخي بين العرب - والغرب. فنحن أيضاً نقطع الرقاب على صور كاريكاتيرية سخيفة لا قيمة لها على الإطلاق، بل فاشلة من الناحية الفنية. ولولا غباؤنا لكانت قد ماتت في أرضها واندثرت.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.