اقتراب المرشحين لجوائز الـ«غولدن غلوب» من الليلة الفاصلة في الحادي عشر من يناير (كانون الثاني) 2015 يشبه وقع أقدام ليلية تقترب من مكان غامض في فيلم تشويقي. كلنا كنا هناك متابعين أو حاضرين لكن لا يمكن إلا ومعايشة الشعور بالإثارة خصوصاً عندما تكون أقسام الجائزة مشغولة بمن يستحق. التنافس قوي والاختيار صعب ولكن النتائج عليها أن تظهر على المنصة ليفوز المرشحون، من أفلام وأشخاص، بما سعوا إليه.
* بين فيلمين
هذا الوضع مثالي بالنسبة للممثلات التسع المتنافسات على مسابقتي «أفضل ممثلة في فيلم درامي» و«أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو موسيقي».
9 وليس 10 لأن إحداهن مرشحة مرتين. هذا يمنحها فرصتين لكنه لا يعزز موقعها من المنافسة إلا نسبيا كما سنرى.
الممثلات المرشحات لـ«غولدن غلوبس» أفضل ممثلة في دور درامي هن جنيفر أنيستون عن «كعكة» وفيليسيتي جونز عن «نظرية كل شيء» وجوليان مور عن «ما زلت أليس» وروزاموند بايك عن «فتاة مختفية» وريز ويذرسبون عن «وحشي».
الممثلات المرشحات لـ«غولدن غلوبس» أفضل ممثلة في دور كوميدي أو موسيقي هن آمي أدامز عن «عينان كبيرتان» وإميلي بلنت عن «في الغابات» وجوليان مور عن «خريطة إلى النجوم» وكوفنزانه ووليس عن «آني» وهيلين ميرين عن «رحلة المائة قدم».
طبعا الممثلة المتكررة هي جوليان مور عن فيلمين متناقضين إلى حد بعيد ليس فقط من حيث اختلاف نوعيهما (درامي وكوميدي) بل أيضا لاختلاف أجوائهما على نحو تام.
«ما زلت أليس» هو دراما شخصية تلعب فيها جوليان مور دور زوجة مثقفة وميسورة تكتشف أنها تعاني من مرض فقدان الذاكرة، والفيلم الذي حققه اثنان ووش وستمورلاند ورتشارد غلاتزر، يتابع ازدياد الحالة وكيف يزداد تأثير ذلك المفجع لا عليها فقط بل على الأسرة بكاملها. لكن لا عجب أن الفيلم لم يدخل سباق الأفلام الدرامية، تلك التي شملت «صبا» و«فوكسكاتشر» و«لعبة المحاكاة» و«سلما» و«نظرية كل شيء»، ذلك أنه لا يحمل سوى نذر من الرصانة الفنية ويبدو أشبه بعمل أريد له أن يتحلى ببعض المشاهد التي تغازل العين ولا تدخل عميقا في صلب ما يعرضه.
«خريطة إلى النجوم» لديفيد كروننبيرغ الذي تؤدي فيه جوليان مور شخصية ممثلة تستقبل في منزلها شابة طموحة بينما تبحث عن سبل للبقاء على سدة الشهرة في جملة من الأوضاع التي يعري المخرج من خلالها العلاقات القائمة في هوليوود اليوم، هو بدوره خارج مسابقة أفضل فيلم كوميدي.
ما قد يقترح أن جوليان مور هي، برأي أعضاء «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب»، أفضل ما في الفيلمين ولو أن هذا ليس صحيحا بالنسبة لفيلم كروننبيرغ على الأقل.
لكن هل هي أفضل المرشحات لجائزة أفضل ممثلة درامية أو أفضل ممثلة كوميدية؟
* أوضاع خطرة
في «كعك»، الذي عرف عرضا أميركيا محدودا حتى الآن، تؤدي جنيفر أنيستون دورا جديدا عليها. من اعتبرها، حتى الآن، وجه مسلٍ في أفلام كوميدية وعاطفية، عليه أن يراها في هذا الفيلم الجديد لدانيال بارنز ليشهد كم تحاول هنا إعادة تقديم نفسها كممثلة جادة.
مثل «خريطة إلى النجوم» تقع الأحداث في مدينة لوس أنجليس. كلير (أنيستون) هي امرأة تعيش وحيدة في مدينة من الخطر أن يبقى فيها الإنسان وحيدا. صديقتها نينا (آنا كندريك) انتحرت وفريق من الذين كانوا يعرفونها عن كثب يقرر أن يكتب كل منهم شيئا عن الراحلة. في حين أن كتابات أفراد الشلة كانت متجانسة في رثائها كصديقة مخلصة وصادقة وجدت كلير نفسها تتوق إلى الحقيقة وتعلنها. بالنسبة إليها لم تكن نينا على حق في اختيارها الموت وذلك من زاوية الألم الذي تركته في عائلتها. إذا ما كانت الشلة الصغيرة الملاذ الأخير لكلير، فإن هذا الملاذ انتهى عندما طلبت منها الشلة فصل نفسها كونها وجدت في نعي كلير نقدا لا يحتمل.
والأمور تتطور على نحو مريع بعد ذلك، أيضا أداء أنيستون الذي يمسك الفيلم جيدا على الرغم من هوانه في أكثر من نحو.
هذا الدور يشابه، من موقع اجتماعي، ما تقوم به روزاماند بايك من أداء في «فتاة مختفية». كل من هاتين الشخصيتين تنتمي إلى الطبقة الوسطى. تعيش وضعا مستقرا ماديا وغير مستقر على الإطلاق نفسيا. في فيلم ديفيد فينتشر، تختفي الزوجة من الشاشة ردحا طويلا كونها اختفت في مناسبة زواجها الخامس وعلى الزوج (بن أفلك) لا البحث عنها فقط، بل تبرئة نفسه من تهمة قتلها. والعلاقة الإضافية أن وحدة الشخصية التي تؤديها أنيستون في حياتها شبيهة بوحدة بايك في حياتها ولو أن الأخيرة تعيش حياة أسرية متكاملة.
كلاهما في مواجهة ريز ويذرسبون في «وحشي» التي ينص دورها على وضع مختلف: هي طريدة المجتمع الذي تعيشه بالاختيار. وحدتها ناتجة عن قرار تمضي فيه إلى حد خطر: تقوم برحلة تزيد مسافتها عن 1000 كلم بمفردها. تريد أن تبتعد عن ماضيها ومشكلاته وبذا ترمي نفسها في أوضاع أقلها حدة يشكل خطرا على حياتها.
تبقى فيليسيتي جونز التي مثل ريز ويذرسبون تؤدي شخصية حقيقية. جونز تقوم بأداء رائع في «نظرية كل شيء» كزوجة الدماغ العلمي ستيفن هوكينز. تحب وتجهد في سبيل من تحب وتمنحه كل طاقتها رغم إعاقته البدنية ثم تبدأ بالالتفاف إلى البعيد.
ليس هناك من دور صعب لأي من الممثلات المذكورات (في مقابل صعوبة بدنية فائقة بالنسبة للممثل إيد ردماين الذي يقوم بدور ستيفن هوكينز في «نظرية كل شيء»). لكن ريز تمشي كثيرا في فيلمها وفي البرية، على ذلك لا خلط بين تلك الصعوبة وبين بذلها العاطفي والنفسي لإجادة الدور.
في نهاية المطاف، ومن وجهة نظر نقدية محضة، فإن ترتيب الأفضلية بالنسبة لهؤلاء الممثلات هو:
1 - ريز ويذرسبون
2 - جنيفر أنيستون
3 - فيليسيتي جونز
4 - جوليان مور
5 - روزاموند بايك
ولو أن هذا لا يعني أن ريز ويذرسبون ستنجح في تلقف الـ«غولدن غلوبس» بالضرورة.
* سارقة القلوب
كما أن ريز ويذرسبون وفيليسيتي جونز ينتميان إلى شخصيتين حقيقيتين، فإن آمي أدامز في «عينان كبيرتان» تؤدي شخصية حقيقية في الواقع. الفيلم لا يرد في مسابقة أفضل فيلم كوميدي أو غنائي ولا مخرجه تيم بيرتون يتسلل إلى قائمة أفضل المخرجين. لكن بطلته آمي أدامز تقود التوقعات في مسابقة أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو غنائي. وعن استحقاق.
أحداث «عينان كبيرتان» تقع في الستينات وبطلته الرسامة مرغريت كين. أميركية واسمها الأصلي هو بغي Peggy دوريس هوكينز عرفت الشهرة ليس بفن رسمها، بل بمنح الوجوه التي ترسمها عيون كبيرة لا تتناسب مع باقي ملامح الوجه المرسوم، لكنها تحوله وبنجاح إلى حالة تعبيرية خاصة. هدف المخرج بيرتون الحديث عن الحياة الزوجية الصعبة وما بعدها عندما ادعى مطلقها (كريستوف فولتز) بأنه هو من رسم لزوجته.
مهما يكن فإن أدامز جيدة في كل ما تؤديه عادة ولا يختلف الأمر هنا. هذا صحيح أيضا بالنسبة لإميلي بلنت عن «في الغابات» وهيلين ميرين في «رحلة المائة قدم» ما يجعل التنافس مثيراً من حيث إن المسألة تختلف عن وضع الممثلات المتساويات في مسابقة أفضل تمثيل نسائي في فيلم كوميدي أو استعراضي، كما سبق.
هنا يستطيع المرء دائما أن يتحدث عن أن هيلين ميرين لا تتغير كثيرا من دور إلى دور. في «رحلة المائة قدم» تؤدي شخصية صاحبة مطعم ستتضرر ما إذا قام هندي وعائلته بإشادة مطعمه للمأكولات الهندية اللذيذة في البلدة ذاتها. تؤمن الممثلة الدور حسب المقاس المطلوب ولا تزيد.
أما كويفنزانه ووليس، فهي فتاة صغيرة (12 سنة) يتاح لها أن تكون سندريللا لهذه الأسابيع أو أليس في بلاد العجائب. إنها ممثلة أفرو - أميركية (الوحيدة بين زميلاتها) تؤدي شخصية آني في الفيلم الموسيقي الذي يحمل ذلك الاسم. الفيلم متوسط وهي مثل جوهرته التي تسرق القلوب لكن هذا الأداء هو جيد لما هو مطلوب منها أن تؤديه (رقص وغناء ونعومة السن الذي تحياه) وليس من النوع الذي يكثف التجارب كما الحال مثلا مع ممثلات أخريات.
إميلي بلنت هي أيضا في فيلم موسيقي هو «في الغابات» (معها على نحو متساو آنا كندريك لكن إميلي بلنت من فازت بغالبية الأصوات التي أدّت بها للترشيحات الرسمية) وهي أيضا جيدة لكن جودتها محددة في الإطار ذاته مع فارق السن طبعا.
هذا ما يعيدنا إلى… جوليان مور.
على الحرقة التي تعكسها في دورها الدرامي «ما زلت أليس»، فإن دورها في «خريطة إلى النجوم»، وحسب ما سبق إيضاحه، هو الذي يبدو مهيئا للفوز. هي جيدة هناك، لكنها خاصة وجريئة وجوليان مور التي اعتدنا عليها وأحببناها هنا.
بذلك فإن تفضيل هذا الناقد الشخصي بين ممثلات مسابقة «غولدن غلوبس» الممثلات في فيلم كوميدي أو غنائي تتوزع كالتالي:
1 - جوليان مور
2 - آمي أدامز
3 - إميلي بلنت
4 - كويفنزانه ووليس
5 - هيلين ميرين.
ربما هناك بعض القسوة على بعضهن والخطأ جائز ولو إلى حد.

