إيطاليا تستعدّ لـ«الأسوأ»... وإسبانيا «تغلق» عاصمتها

«مشكلة فنية» أدّت إلى تضاعف إصابات «كورونا» اليومية في بريطانيا

شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
TT

إيطاليا تستعدّ لـ«الأسوأ»... وإسبانيا «تغلق» عاصمتها

شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)

ليس أدلّ على مستوى القلق الذي يسري في الأوصال الأوروبية أمام موجة الوباء الثانية التي أطلّت باكراً مع بدايات الخريف، من المشهد الذي استفاقت عليه أمس مدينة روما عاصمة البلد الذي يعتبره كثيرون قدوة تُحتذى في إدارة جائحة «كوفيد - 19» بعد التجربة القاسية التي مرّ بها خلال المرحلة الأولى في الربيع الماضي.

كمامات إلزامية
لأول مرة منذ ظهور الفيروس أصبح استخدام الكمامات الواقية إلزامياً حتى في شوارع المدينة الخالدة وحدائقها العامة، فيما أعلن وزير الصحة الإيطالي روبرتو سبيرانزا أن استخدامها سيصبح إلزامياً أيضاً في جميع أنحاء البلاد اعتباراً من الأربعاء المقبل. جاء ذلك بعد تحذير المعهد الأعلى للصحة العامة من أن «الوضع الوبائي يتدهور بسرعة»، وأن حزمة جديدة من التدابير الصارمة ستُعلن قريباً، من بينها إجراءات لفرض العزل التام في المناطق التي ينتشر فيها الفيروس بكثافة.
وفيما أعلنت وزارة الصحة الإيطالية أن عدد الإصابات اليومية الجديدة اقترب من عتبة ثلاثة آلاف التي لم يبلغها منذ 23 أبريل (نيسان) الماضي، بعد أن كان يتراوح حول 300 في الأسابيع الماضية، وارتفع عدد الحالات التي تقتضي علاجاً في المستشفى وفي وحدات العناية الفائقة، قال خبراء المعهد الأعلى للصحة العامة إن عدد البؤر الفيروسية تجاوز ثلاثة آلاف في جميع أنحاء البلاد، منها حوالي الألف في المدارس التي استأنفت نشاطها منتصف الشهر الماضي.
ويفيد التقرير الأخير للمعهد المذكور بأن معدّل انتشار الفيروس تجاوز الخط الأحمر في اثني عشر من الأقاليم الإيطالية، وأن التدهور السريع للوضع الوبائي يعود للتراخي في تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء والأنشطة الاجتماعية والرياضية التي استؤنفت في الفترة الأخيرة والسلوك الفردي في التجمعات العائلية. وكانت الإصابات المتتالية التي ظهرت مؤخراً في صفوف لاعبي كرة القدم وأدّت إلى إلغاء بعض مباريات الدوري، قد دفعت بالاتحاد الإيطالي للدعوة إلى اجتماع استثنائي هذا الأسبوع لتقويم الوضع، فيما دعت جهات علمية إلى تعليق المباريات حتى نهاية الجائحة.
وبينما حذّرت وزارة الصحة السلطات الإقليمية من خفض فترة الحجر الصحي من أسبوعين إلى سبعة أيام والالتزام بتوجيهات المعهد الأعلى للصحة العامة، أعلنت وزارة الداخلية عن قائمة العقوبات التي يبدأ تطبيقها الاثنين على الذين يخالفون تدابير الوقاية، والتي تشمل غرامات أدناها 400 يورو وأقصاها ثلاثة آلاف يورو، وعقوبات بالسجن لمن لا يلتزم إجراءات الحجر الصحي أو يتعمّد إخفاء إصابته بالوباء، وأن قوات الجيش ستتولّى الإشراف على تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء، إلى جانب الأجهزة الأمنية.
وكان رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي قد صرّح، السبت، أن الحكومة مصممة على احتواء الموجة الثانية للوباء مهما كان الثمن، «لأن المهدَّد اليوم هو الأمن القومي في أهمّ اثنتين من ركائزه: صحة المواطنين وبقاء المنظومة الإنتاجية». وقال كونتي إن الحكومة لن تتردد في فرض تدابير العزل التام في المناطق، حيث تقترب المستشفيات من بلوغ قدرتها الاستيعابية.
من جهته، حذّر مستشار وزير الصحة البروفسور والتر ريتشاردي من أنه في حال عدم التمكّن من احتواء انتشار الوباء قبل نهاية الشهر الجاري على أبعد تقدير، ستخرج الأمور عن السيطرة بفعل القدرة الاستثنائية التي يتمتع بها الفيروس للسريان.

عودة العزل التام
في مدريد التي أصبح 5 ملايين من سكانها في حالة من العزلة شبه الكاملة، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز إن الوضع الوبائي الحرج في العاصمة ومحيطها هو الذي فرض التدابير الصارمة التي اعتمدتها الحكومة اعتباراً من فجر السبت، والتي أثارت موجة من الاحتجاجات الشعبية بسبب قلّة وضوحها والشكوك في فاعليتها، وقرار السلطات الإقليمية الطعن في مشروعيتها أمام المحكمة الوطنية والامتناع عن معاقبة المخالفين لها في انتظار الحكم القضائي.
وتعتمد وزارة الصحة الإسبانية منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي نظاما شبيهاً بإشارات المرور يتضمّن مجموعة من المعايير والمؤشرات لتحديد مستوى خطورة الوضع الوبائي في المناطق واتخاذ التدابير المناسبة. ويفيد التقرير الأخير الذي صدر عن الوزارة بأن جميع المناطق الإسبانية أصبحت عند الإشارة الحمراء، وأن تدابير أكثر صرامة لا بد من اتّخاذها قبل فوات الأوان وخروج الوضع عن السيطرة. وكانت جمعيات علمية وطبية عدة قد شكّكت في نجاعة التدابير التي فرضتها الحكومة على إقليم مدريد، ودعت إلى إعلان العزل التام على العاصمة ومحيطها لفترة أسبوعين أو ثلاثة، قبل أن تعود المستشفيات إلى الوضع المأساوي الذي شهدته خلال فترة الذروة في الموجة الأولى، سيّما وأن بعض هذه المستشفيات اقترب من بلوغ أقصى قدراته الاستيعابية في وحدات العناية الفائقة والأجنحة المخصصة لمرضى «كوفيد - 19». وكانت منظمة الصحة العالمية قد أوصت إسبانيا بخفض معدلات السريان المعتمدة كحد فاصل لتشديد تدابير الوقاية والاحتواء والخطوط الحمر التي ترسم دائرة الانتقال إلى إجراءات العزل.
وقالت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد إيزابيل آيوسو إن تدابير العزل والقيود التي فرضتها الحكومة المركزية على العاصمة ستكلّف اقتصاد الإقليم 8 مليارات يورو. وتجدر الإشارة إلى أن إسبانيا كانت، إلى جانب إيطاليا، أكثر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تضرراً على الصعيدين الصحي والاقتصادي خلال الموجة الأولى من الوباء. وفيما تسجّل كل العدّادات الأوروبية ارتفاعاً متواصلاً في أعداد الإصابات الجديدة والوفيّات، تركّزت الأنظار على المشهد الوبائي في فرنسا التي سجّلت حوالي 17 ألف إصابة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، وحيث بلغ عدد الإصابات في الأيام الثلاثة الماضية 43 الفاً. وقال مسؤول في منظمة الصحة العالمية إن الوضع في فرنسا يدعو إلى القلق بعد ارتفاع عدد بؤر السريان الكثيف للوباء، خاصة في العاصمة باريس التي تترقّب الإعلان عن تدابير صارمة للوقاية اعتباراً من مطلع هذا الأسبوع بعد أن بلغ معدّل انتشار الفيروس فيها 7.7 في المائة. ومع ارتفاع عدد الإصابات التي تعالج في وحدات العناية الفائقة، تدرس السلطات الصحية الفرنسية حجز أفراد الطواقم الطبية والتمريضية ومنع الإجازات عنهم حتى إشعار آخر.
أشهر صعبة
وفي بريطانيا، توقع رئيس الوزراء بوريس جونسون أن تشهد بلاده أشهرا صعبة بحلول عيد الميلاد، «وربما بعد ذلك». وسجلت بريطانيا 12872 حالة إصابة جديدة بـ«كوفيد - 19» السبت في زيادة يومية قياسية، مع توضيح الحكومة أن هذه القفزة جاءت عقب تأخير في الإبلاغ عن حالات تراكمت منذ 24 سبتمبر (أيلول) وحتى أول أكتوبر (تشرين الأول). كما ذكرت الحكومة أن إعلان الحصيلة اليومية سيتضمن حالات إضافية خلال الأيام المقبلة. وقال الموقع الإلكتروني للحكومة إن مشكلة فنية أخرت نشر عدد حالات الإصابة الجديدة بـ(كوفيد - 19).
ويبقى تسجيل 12872 حالة إصابة في يوم واحد مؤشرا مقلقا، إذ إنه حوالي ضعف ما تم تسجيله من إصابات في اليوم السابق الذي جرى فيه رصد 6968 حالة.
وفي بلجيكا، تعدّى عدد الوفيّات الناجمة عن الوباء عشرة آلاف لتصبح الدولة الأولى في أوروبا والثانية في العالم بعد البيرو من حيث نسبة الضحايا من عدد السكان. ومع الارتفاع المستمر للإصابات في النمسا وسويسرا، قرّرت ألمانيا تقييد حركة التنقّل على حدودها مع هذه البلدين وفرضت الحجر الصحي على الوافدين منهما، وأوصت مواطنيها بتحاشي السفر إليهما إلا لأسباب الضرورة.
ومع الانتشار السريع والواسع الذي يشهده الوباء في جميع البلدان الأوروبية دعت رئيسة المفوضية إلى عقد اجتماع لوزراء الصحة في بلدان الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل لتنسيق جهود مواجهة الموجة الثانية التي باتت تهدد حركة التنقّل داخل الاتحاد بفعل التدابير الفردية التي اتخذتها الحكومات خلال الأسابيع الأخيرة.
وعادت منظمة الصحة لتحذّر من منحى انتشار الوباء في الهند التي تجاوز عدد الوفيات فيها عتبة المائة ألف لتحتلّ المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والبرازيل، وأشارت إلى أن خمس الوفّيات العالمية خلال الأسبوع المنصرم سُجّل في الهند. كما حذّرت المنظمة أيضا من تطور المشهد الوبائي في المكسيك والأرجنتين حيث سُجّل 15 ألف إصابة جديدة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.