العصابات العنيفة والشوارع الخطرة في سينما سكورسيزي

تقاسما الاهتمام الأول لديه

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي
TT

العصابات العنيفة والشوارع الخطرة في سينما سكورسيزي

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

ليس من بين المخرجين الأحياء اليوم من غيّر وجه سينما العصابات كما فعل فرنسيس فورد كوبولا، عبر ثلاثيّته «العرّاب»، ومارتن سكورسيزي في سبعة أفلام هي «بوكسكار برتا» (1972) و«شوارع دنيئة» (1973) و«أصحاب طيّبون» (1990) و«كازينو» (1995) و«عصابات نيويورك» (2002) و«المغادر» (2005) و«الآيرلندي» (2019).
لكن في حين تناول كوبولا العصابة كنظام اجتماعي صارم وكيان دولة داخل دولة في ثلاثيته تلك، مال سكورسيزي للتعامل مع أفراد العصابة في الشوارع المنحطة لنيويورك. أولئك الذين لا يملكون القرار بالضرورة، لكنهم منفّذين لصالح من يملك القرار. على الأقل هذا بالنسبة لأفلامه الأولى قبل أن ينتقل إلى العمق الرئاسي في «كازينو» و«المغامر» و«الآيرلندي».
- نيويورك… نيويورك
‫أطل سكورسيزي على السينما عبر أفلام قصيرة حققها منذ أن كان في السابعة عشرة من العمر عندما أنجز «ماذا تفعل فتاة طيبة مثلك في مكان كهذا؟» (What’s a Nice Girl Like You Doing in a Place Like This؟) سنة 1963. في عام 1967 أنجز «من ذاك الذي يطرق بابي» (Who’s That Knocking at My Door) وبعده بخمس سنوات أنجز ما يمكن قوله أول فيلم روائي طويل محترف وهو «بوكسكار برتا»: امرأة شابه (باربرا هيرشي) ورجل (ديفيد كارادين) يؤسسان عصابة في عشرينات القرن الماضي.‬
هذا الفيلم يختلف تماماً عن منهج سكورسيزي اللاحق في سينما العصابات من حيث إنه لا ينتمي إلى أفلام غير مافاوية وغير نيويوركية، بل لجيل من أفلام عصابات العشرينات والثلاثينات التي أشاعت الفوضى في وسط الولايات المتحدة مثل الثنائي بوني وكلايد وماشين غن كَلي وبايبي فايس نلسون ودلنجر.
لكن سكورسيزي هو ابن نيويورك، ونيويورك هي القاسم المشترك لمعظم أفلامه على اختلاف أنواعها. هي في أفلامه الدرامية مثل «أليس لم تعد تعيش هنا» (1974) و«تاكسي درايفر» (1976) و«ملك الكوميديا» (1982) والموسيقية مثل «نيويورك، نيويورك» والسير البيوغرافية مثل «ثور هائج» (1980) و«الملاح» (2004) كما في «لون المال» (1986) وقبله «بعد الدوام» (1985) وسواها.
لديه نصيب من الأفلام التاريخية غير المعنية بأميركا ككل، أو بنيويورك على وجه خاص، مثل «العشاء الأخير للمسيح» (1988) و«عصر البراءة» (1993) و«كوندون» (1997) و«صمت» (2016).
وجهة سكورسيزي في أفلام العصابات تأسست سنة 1973 في «شوارع دنيئة». روبرت دي نيرو وهارفي كايتل قطبا شخصيات الفيلم العنيف الذي لا يصوّر العصابة النيويوركية في لون باهٍ، بل يمعن في تقديم صورة واقعية لها تتألف من الشخصيات المطبوعة بالعنف والممتثلة لانتماءاتها والتي تعيش في رقعة من قاع المدينة. هو ليس عن صعود وهبوط رجل العصابة بل عن استمراريته.
كذلك هو فيلم محض نيويوركي، حيث وُلد سكورسيزي وعاش ومحض إيطالي - أميركي (كما حال سكورسيزي وبطله المفضل روبرت دي نيرو).
«تاكسي درايفر» (1976) لم يكن فيلم عصابات لكنه كان فيلماً نيويوركياً بجدارة. دي نيرو يريد إصلاح العالم. يتحوّل سريعاً إلى أقصى اليمين ملاحظاً ما ورد في سيناريو بول شرادر من عزوف المجتمع من إصلاح حاله بحاله. فيلم سكورسيزي الوحيد الذي يتعامل مع عنف الشوارع من موقع التعليق ولو أنه ليس الفيلم الوحيد في مسيرته الذي يدور حول العنف في الذات بعيداً عن حياة العصابات. هناك كذلك «ثور هائج» (1980).
بعد 17 سنة على ابتعاد سكورسيزي عن سينما العصابات عاد ليبقى. في عام 1990 أنجز «أصحاب طيّبون» (Goodfellas) الذي جاء امتداداً لـ«شوارع دنيئة» بفارق أن هناك طارقاً جديداً على العصابة الإيطالية (علماً بأنه غير إيطالي) متمثل بشخصية الشاب هنري (راي ليوتا) سيتلى دي نيرو وجو بيشي وبول سورفينو تطويعه. سيفاجأ هنري بقسوة ذلك العالم وعنفه، لكن ليس سكورسيزي الذي يقرر هنا ما قام به هوارد هوكس في Scarface سنة 1932 عندما لم يحكم على بطله بول موني أخلاقياً، بل ترك المشاهد يتولى التقييم. برايان دي بالما عمد إلى إعادة صنع ذلك الفيلم سنة 1983 مع آل باتشينو في الدور الأول من المنطلق ذاته.
- النأي بالنفس
فيلم العصابات التالي لـسكورسيزي هو «كازينو»، (1995) لكنه يختلف في أنه أقرب إلى نوعية «العرّاب» في اهتماماته (خصوصاً الجزء الثاني الذي تناول السياسة الأميركية في كوبا قبيل الثورة ووقوف المافيا وراء الحكم السابق). «كازينو» بدوره ليس عن شوارع نيويورك الخطرة ولا عن الأشقياء والأزلام الذين يعيشون فيها، بل عن كيف بنت المافيا (إيطالية ويهودية) مدينة لاس فيغاس. ليس الفيلم الأول عن الموضوع (يخطر لي مباشرة فيلم Bugsy سنة 1991.
ما بين «كازينو» و«الآيرلندي» في العام الماضي فيلما عصابات هما و«عصابات نيويورك» (2002) و«المغادر» (2005). الأول يختلف عن باقي عصابات نيويورك حسب ‫سكورسيزي، من حيث إنه يدور في رحى مرحلة تاريخية تقع سنة 1862 والصراع الذي قام بين المهاجرين الآيرلنديين هذه المرّة. العصابات هي أقرب، في هذا الفيلم، إلى شلل همجية في زمن صعب (يجاور الحرب الأهلية). يتعامل سكورسيزي هنا مع مادة أكبر حجماً من أفلامه الأخرى في هذا المجال. يدفع بعنصر نفسي ويخلط الأوراق بين من هو شرير في طبعه وطبيعته (دانيال داي لويس)، ومن يعمد إلى العنف من موقع مناوئ لم يخطط له أو يتبناه عندما حط رحاه في بلد الحلم الكبير (ليوناردو ديكابريو في أول تعاون بينه وبين المخرج).‬
الفيلم الثاني بين ديكابريو وسكورسيزي كان «المغادر» (The Departed) الذي جمع أيضاً جاك نيكلسون (في آخر دور رائع له) ومات دامون ومارتن شين ومارك وولبرغ.
العصابة هنا مافاوية (حديثة) وتتعامل ونوع آخر من هذه السينما هي تلك التي يداخلها البوليس. سكورسيزي لم يقدّم فيلم عصابات من بطولة رجل بوليس. في الحقيقة ليس لديه فيلم عصابات فيه شخصية رجل بوليس رئيسية. لكنه هنا يوفر علاقة مزدوجة: عميل للبوليس في العصابة وعميل للعصابة في سلك البوليس والاثنان سيكشفان بعضهما بعضاً.
كل ما سبق يقودنا إلى فيلم «الآيرلندي» حيث يعود سكورسيزي إلى التاريخ. الصراع هنا السبعينات بين المافيا (التي تبدو هنا ملتزمة وعظيمة الشأن وصارمة القرار) وبين جيمي هوفا، رجل الاتحادات العمالية الذي أراد الاستئثار بالسلطة والانقلاب على المافيا التي ساعدته.
نهاية، أفضل أفلام العصابات في تاريخ السينما هي التي تقدّم أبطالها كشخصيات تراجيدية. هذه ضرورة لازمة لإظهار الحياة البائسة والنهايات المأسوية لرجال العصابات. ليس عبر مشاهد موت بالضرورة، لكن عبر الألم الكامن في الصدور والضمير الذي يكاد يصحو ولا يفعل.
هذا يتضح في بعض أفلام سكورسيزي لكن له خلفية تمتد عبر التاريخ من «سكارفايس» و«العشرينات الهادرة» في الثلاثينات إلى اليوم. ما خشي منه سكورسيزي هو الموقف الأخلاقي. لذلك نفهم سبب ما يتبدّى من تلميع صورة المافيا في العدد الغالب من هذه الأفلام.


مقالات ذات صلة

وفاة الممثل باتريك ستيوارت نجم «ستار تريك» عن 86 عاماً

أوروبا أرشيفية للممثل البريطاني باتريك ستيوارت بجوار ملصق يحمل صورته خلال مؤتمر صحافي (د.ب.أ)

وفاة الممثل باتريك ستيوارت نجم «ستار تريك» عن 86 عاماً

توفي الممثل البريطاني باتريك ‌ستيوارت عن عمر ناهز 86 عاما، بعد مسيرة بدأت من الفقر في إنجلترا وقادته إلى أن يصبح ممثلا مسرحيا كبيرا في أعمال شكسبير.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق أعمال الفنان عبد الله السدحان أسهمت في تشكيل جانب من ذاكرة الدراما السعودية (البحر الأحمر)

إيداع مجموعة عبد الله السدحان في الأرشيف السعودي للأفلام

أبرمت هيئة الأفلام السعودية اتفاقية لإيداع مجموعة الفنان عبد الله السدحان في الأرشيف الوطني للأفلام، لتُعزِّز جهود حفظ التراث السينمائي وذاكرة الإنتاج الفني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سينما السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام...

محمد رُضا (لندن)
سينما من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).

شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

في منتصف هذا الفيلم التسجيلي يطرح المخرج محمد مصطفى سؤالاً مهمّاً: «هل يتصرّفون الآن لأنهم أمام الكاميرا؟ ماذا لو لم تكن هناك كاميرا؟».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق من الفيلم السعودي «الدنيا حفلة» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

مهرجان الدوحة يختار 3 أفلام سعودية لتمثيل «سينما الخليج»

يحتفي مهرجان «الدوحة السينمائي» 2026، الذي تقام فعالياته في الفترة من 19 إلى 27 نوفمبر المقبل، بتنوع الأعمال السينمائية في منطقة الخليج.

داليا ماهر (القاهرة)

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).


شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
TT

شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).

مفيش راجل بيعيط

★★★

* إخراج: محمد مصطفى

* مصر (2026) | عروض مهرجان الجونة

في منتصف هذا الفيلم التسجيلي يطرح المخرج محمد مصطفى سؤالاً مهمّاً: «هل يتصرّفون الآن لأنهم أمام الكاميرا؟ ماذا لو لم تكن هناك كاميرا؟».

المعنيّون بسؤاله هم مجموعة من الرجال الذين يُظهرون المودّة والألفة والمحبّة في مشهد يجمع بينهم. نعم، تلعب الكاميرا دورها. لا أحد يمكن أن ينسى الكاميرا التي تصوّره منفرداً أو بين مجموعة. يدرك أنها هناك وسيتصرّف حسب هذا الإدراك. لذلك السؤال وجيه من حيث محاولة المخرج قراءة حقيقة موازية.

الرجال هم رافعو حديد وبناة أجسام يفاخر كل منهم بعضلاته وتكويناته البدنية؛ نفور العضلات، وصلابة الجسد، وجمال التكوين عموماً، لكن أليس هناك من عوامل داخلية كالغيرة أو الشعور بأن أحدهم أفضل من الباقين؟ هل يبقى عنصر «الأنا» مطموراً؟

إنها أسئلة مُحقّة يوحي بها الفيلم لكنه لا يرصدها كفاية. لا يجيب عنها جميعاً، وربما يعود ذلك إلى أن المخرج لم يُرِد التطرّق إلى هذا الموضوع حتى لا يثير خلافات أو يشعل ناراً تحت القش. من هذه الناحية فإن الفيلم حسناً يفعل بطرح هذه الخواطر من دون الدخول إليها. يهتم بتصوير بيئتها الداخلية وبعض تطلّعاتها وأحوالها. بعضهم يرغب في التمثيل في فيلم روائي، آخر يود الاستقالة من عمله كحارس مرقص ليلي، وآخر يبدأ، عند نهاية الفيلم بالتساؤل حول نبذ كل ذلك والبحث عن حياة جديدة.

هذا الأخير هو عبد الله الذي يُعيره المخرج الاهتمام الأكبر بين أترابه. رجل دخل السجن قبل مدّة وخرج بعد عامين واتصل بالمخرج وقال له إنه مستعد ليكون تحت تصرّفه في مشروع الفيلم.

الفيلم يبقى خاصّاً وليس للعموم. بعض ذلك يعود إلى أن شخصياته مغلقة وهو مُغلق بدوره عليها. لكن العمل بأسره جديد كموضوع لم نرَ مثيلاً له من قبل. تقوم الكاميرا بدور أساسي أكبر من الدور الذي يقوم به المونتاج، بينما كان من الممكن إضافة مشاهد موازية خارج الإطار المحصور برجاله وتمريناتهم وحواراتهم. مشاهد من شأنها توسيع انشغالات الفيلم قليلاً لتتضمن تصوير علاقة هؤلاء بالمجتمع من حولهم. من ناحية أخرى، هناك حرص جيّد من المخرج على أن يجعل من حضوره جزءاً مما يعرضه الفيلم. هو حاضر بنفسه، صورةً وتعليقاً، كما من خلال حواراته.

«كلايفايس» (سينيموندو)

Clayface

★★☆

* إخراج: ‪جيمس ووتكنز‬

* الولايات المتحدة (2026) | رعب | عروض تجارية

شخصية «كلايفايس» من تلك التي ظهرت في الأربعينات، في مجلات الكوميكس. تم تقديمها كشخصية شريرة قادرة على تغيير وجهها بملامح مختلفة. ظهرت في بعض أعداد مجلة «باتمان». مثل شخصية «جوكر» كان «كلايفايس» أحد أعداء ومناوئي شخصية «باتمان». وعلى نحو «جوكر» في فيلمي تود فيليبس، ينطلق الفيلم الجديد ليؤسس للشخصية الجديدة حضوراً تجارياً قد يؤدي إلى سلسلة منفصلة.

في مطلع الفيلم نجد مات هاغن (الذي سيُكنى بكلايفايس ويؤديه توم رايز هاريس) ممثلاً شاباً وطموحاً يتطلع إلى النجاح ومرشّحاً لإحدى جوائز التمثيل. هو إنسان طيّب وسط عالم يشعر بأنه ينتمي إليه ويود النجاح فيه ليتحوّل إلى نجم كبير. لكن ما يحدث له قلَب ذلك الطموح رأساً على عقب وحوّله إلى شخص آخر (أو إلى عدة أشخاص في الواقع). فهو التقى فتاةً جميلةً (جوانا ريبييرو) ليكتشف أنها عشيقة زعيم عصابة (ديڤيد دنسيك) الذي لن يرضى بأن يخسر عشيقته، فيقتحم خلوته ويشوّه وجه هاغن بمادّة سامّة.

هذه هي الأرضية التي سيعمل الفيلم عليها لكي يرينا كيف انهارت أحلام الشاب الوسيم وتحوّل إلى مجرم يستطيع، بسبب تناوله عقاراً كيميائياً يجعله قادراً على تغيير وجهه المشوّه وتقمص ملامح أخرى. لكن كلما عمد إلى حقن نفسه بالمادة الخطرة زاد خطره وعنفه. هو عالق وسط حالات يائسة ووضع تراجيدي، ولو أن الفيلم لا يود التوقف عند هذا البعد بقدر ما يريد استعراضه. ما يُثير اهتمامه هو توفير مشاهد عنف وتشوّهات بدنية وإبر تدخل العين وأشياء أخرى كُتبت وصُورت بغرض جذب المشاهدين لشخصية لا يمكن أن تُثير تعاطفاً ولا حتى تفهّماً كافياً. على ذلك، يعرف المخرج كيف يلعب بأعصاب مشاهدي فيلمه ويضم عمله، ولو بصعوبة، إلى ما يتم إنتاجه من مسلسلات.

هاريس مشروع جيد كممثل لكنه ليس آل باتشينو في فيلم «Dick Tracy»، (إخراج وارن بيتي، 1990) حين لعب دور الشرير «كابريس» في فيلم مستقى بدوره من روايات التحري «دك ترايسي» الشعبية. هنا الرحلة طويلة ما بين إصابة وجه مات هاغن بالتشوّه وبين تحوّله إلى منتقم يستطيع الانتقال ما بين الشخصيات بدافع الانتقام.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.