«الصحة العالمية» تدعو أوروبا إلى الاستعداد لمواجهة «معركة الشتاء الطويلة»

إسبانيا تتحول «بؤرة» للوباء... وارتفاع مقلق في حصيلة «كورونا» الفرنسية

تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)
تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)
TT

«الصحة العالمية» تدعو أوروبا إلى الاستعداد لمواجهة «معركة الشتاء الطويلة»

تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)
تستعد السلطات الإسبانية لإعادة فرض إجراءات العزل على مدريد الاثنين (أ.ب)

تقترب أوروبا من أعتاب الخريف، فيما تلوح أمامها بوادر العودة إلى المشهد المأساوي الذي عاشته في الربيع الماضي، عندما كان الوباء ينسدل عليها، ويتمدد الخوف والقلق في أوصالها، وتدخل اقتصاداتها في حال من الإغماء. ومرة أخرى، يرتفع الصوت العالي من «منظمة الصحة العالمية» محذراً من موجة ثانية قاسية، داعياً إلى الاستعداد لمعركة طويلة في الشتاء ضد فيروس «كوفيد-19» الذي اقترب عدد ضحاياه في العالم من المليون، ولا يُعرَف له علاج شافٍ بعد 9 أشهر على رصده للمرة الأولى.
ومنذ مطلع الصيف والمنظمة العالمية تنبه لضرورة عدم التراخي في التقيد بتدابير الوقاية والاحتواء، وتدعو إلى عدم التردد في تشديدها عند ظهور بؤر السريان الجديدة، وتكثيف حملات الفحص ومتابعة الإصابات، وعدم تبدية الاعتبارات الاقتصادية على الصحية، في انتظار التوصل إلى تطوير اللقاح وإنتاجه وتوزيعه على نطاق واسع. لكن الأرقام المتداولة منذ أواسط الشهر الماضي تبين أن معظم الدول الأوروبية أخفقت في إدارة أزمة «كوفيد-19» خلال فترة الصيف التي كان من المفترض أن تكون مرحلة التقاط الأنفاس، والاستعداد لموجة ثانية، وأيضاً لاستخلاص العِبر من المرحلة الأولى، وعدم الوقوع في الأخطاء نفسها التي ارتُكبت خلالها.
وإذا كانت إيطاليا هي المرآة التي تابع الأوروبيون من خلالها ماذا كان ينتظرهم في المرحلة الأولى، فإن إسبانيا هي اليوم تلك المرآة التي تستشرف الدول الأوروبية منها ما ستكون عليه الموجة الثانية التي عادت تطل وتهدد بفصل جديد من العزل التام والإقفال الذي كان الكل يعده محظوراً «مهما كلف الأمر» منذ أسابيع، وصار اليوم «خط الدفاع الأخير» كما وصفه وزير الصحة البريطاني، أو «السلاح النووي» على حد تعبير رئيسه بوريس جونسون.
- حصيلة عالمية مقلقة
الأرقام الأوروبية والعالمية لم تعد تترك مجالاً للشك، أو حتى للتردد: عدد الإصابات المؤكدة في العالم تجاوز 30 مليوناً، وهو رقم دون الواقع بكثير، حسب منظمة الصحة العالمية، فيما يقترب عدد الضحايا من المليون. وعدد الضحايا في الولايات المتحدة يدنو من 200 ألف، والرئيس الأميركي الذي كان يعد بالمباشرة بتوزيع اللقاح عشية الانتخابات، في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يتحدث الآن عن توزيعه على الجميع في أبريل (نيسان) المقبل. وفرنسا تواصل تحطيم الأرقام القياسية بعدد الإصابات اليومية الجديدة التي بلغت أمس 13215 إصابة، فيما وصل عدد الوفيات إلى 123، وهو الأعلى منذ 3 أشهر. أما بريطانيا، فتجاوزت إصاباتها اليومية الجديدة عتبة الأربعة آلاف، للمرة الأولى منذ مطلع مايو (أيار)، فيما يخضع الملايين من مواطنيها للعزل الجزئي في الشمال الشرقي من البلاد. والهند تقترب من المائة ألف إصابة يومية جديدة، والمكسيك تتجاوز الخمسة آلاف، فيما ألمانيا التي نجحت في احتواء الفيروس وصلت إصاباتها اليومية إلى 2297. ولم تمنع الأرقام المخيفة في البرازيل، حيث بلغت الإصابات 4.5 مليون، وزاد عدد الضحايا عن 135 ألفاً، الرئيس جاير بولسونارو من القول إن «البقاء في المنزل لتحاشي العدوى بالفيروس هو من شِيم الضعفاء».
- إجراءات عزل جديدة
وبعد أن سجلت إسبانيا أمس 14389 إصابة جديدة، منها 682 في العاصمة، أعلنت السلطات الإقليمية في مدريد عن حزمة من الإجراءات، بدءاً من غد (الاثنين)، في محاولة لاحتواء الوباء الذي أصبحت بؤرته الرئيسية في أوروبا. وتقضي هذه الإجراءات بعزل 37 منطقة في العاصمة ومحيطها، يعيش فيها نحو مليون شخص، لفترة أسبوعين على الأقل، ومنع التجمعات التي تزيد على 6 أشخاص، وإقفال الحدائق العامة، والسماح بفتح المتاجر والمقاهي والمطاعم ودور العبادة، لكن بنصف قدرتها الاستيعابية.
ولإعطاء فكرة عن خطورة الوضع الوبائي في العاصمة الإسبانية، تكفي الإشارة إلى أن معدل الإصابات من عدد السكان بلغ 998 لكل مائة ألف مواطن، فيما يبلغ المعدل الوطني الإسباني 267، وفي بريطانيا 62، وإيطاليا 33، وألمانيا 24. ويوازي معدل سريان الوباء في مدريد معدل إسرائيل التي بدأت مرحلة جديدة من العزل التام.
وقالت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، إيزابيل آيوسو: «نريد أن نتحاشى إعلان حالة الطوارئ، وأمامنا أسابيع صعبة جداً ومعقدة». لكن الخبراء والاختصاصيين في العلوم الوبائية يعدون أن هذه التدابير جاءت متأخرة، وليست كافية لاحتواء انتشار الوباء الذي تجاوز الخط الأحمر الذي يستدعي العزل التام لفترة لا تقل عن 3 أسابيع، ويشددون على أنها لا تكفي لمنع استمرار سريان الفيروس عبر المصابين الذين لا تظهر عليهم عوارض. وتجدر الإشارة إلى أن مدريد كانت قد انتقلت إلى المرحلة الثالثة (الأخيرة) من رفع تدابير العزل، أواخر الربيع الماضي، من غير أن تستوفي الشروط التي وضعتها الحكومة المركزية.
ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء، بيدرو سانتشيز، اجتماعاً يوم غد (الاثنين) مع رئيسة الحكومة الإقليمية لاتخاذ التدابير اللازمة لاحتواء الوباء في العاصمة، ومنع انتشاره إلى المناطق الأخرى. وكان سانتشيز قد أعلن أنه على استعداد لوضع الجيش في تصرف بلدية العاصمة التي عادت تقيم المستشفى الميداني الضخم الذي أقامته إبان المرحلة الأولى، عندما عجزت مستشفيات مدريد عن استيعاب المصابين بالفيروس.
- ازدحام في مستشفيات فرنسا
وفي حين تقترب معظم الدول الأوروبية من أعداد الإصابات التي سجلتها خلال المرحلة الأولى، يراقب الخبراء في المركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة من كثب الوضع في فرنسا التي سجلت أمس رقماً قياسياً في عدد الوفيات منذ مايو (أيار) الفائت (بلغ 123)، وينبهون إلى التغيير الذي طرأ مؤخراً على مواصفات المصابين الجدد الذين ارتفع معدلهم العمري من 31 عاماً إلى 43 عاماً، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات التي تستدعي العلاج في المستشفى، وتلك التي تحتاج إلى العناية الفائقة، ما أدى إلى الازدحام في مستشفيات مرسيليا وبوردو ونيس وليون. لكن وزير الصحة قال: «لسنا في الوضع نفسه الذي كنا فيه خلال الربيع؛ لدينا اليوم الكمامات الواقية والفحوصات السريعة والعلاج بالكورتيزون الذي يخفف من نسبة الوفيات في الحالات الخطرة».
وكان وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لومير، قد أعلن عن إصابته بـ«كوفيد-19»، وأنه يخضع للحجر الصحي في منزله، حيث يتابع نشاطه من غير عوارض.
وفي إيطاليا، أفاد التقرير الأخير لهيئة متابعة الأزمة الصحية أن الوضع الوبائي ما زال يتفاقم ببطء، مع ارتفاع متواصل في عدد الإصابات منذ 7 أسابيع. وكانت الحكومة الإيطالية قد سمحت بعودة المشاهدين إلى الملاعب الرياضية بنسبة لا تتجاوز الألف في مباريات كرة القدم، و1500 في الأدوار النهائية لبطولة روما الدولية لكرة المضرب، و10 آلاف على حلبة سباق الدراجات النارية.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».