أورويل في كوبا

كيف تُرجِمت رواية «1984» بعد غروب كاسترو؟

فيدل كاسترو
فيدل كاسترو
TT

أورويل في كوبا

فيدل كاسترو
فيدل كاسترو

كان قيامي ببحث حول كوبا، أنا الكندية المقيمة في نيويورك، تجربة مربكة. حين أصف شغلي، يشعر معظم الناس بالدهشة، بالاستغراب، وحتى بالحسد: هل ذهبتِ إلى هناك فعلاً؟ أحياناً تبدو الآراء منقسمة انقسامها حول أي جدال إسرائيلي - فلسطيني. في ألبرتا، قلب كندا المحافظ (كما يوصف)، تقابَل دراستي باللامبالاة. حين خططت لرحلتي الأولى إلى هافانا، علق أحد الأصدقاء: «يمكنك الذهاب حين تكونين في الستين. الآن، لم لا تجربي مكاناً أكثر متعة، مثل الأرجنتين؟».
ردود فعل كتلك كانت تذكيراً مستمراً بأن كوبا تعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين في أماكن مختلفة، وهي أيضاً نتائج مباشرة لسياسات خارجية مختلفة.
جاء فيديل كاسترو ومجموعته من المحاربين إلى السلطة عام 1959. وبدأت الولايات المتحدة حملتها لتغيير النظام هناك منذ 1960، حين ولدت المقاطعة الشهيرة. وتمنع واشنطن معظم مواطنيها من زيارة كوبا؛ حتى الإصلاحات التي أجراها باراك أوباما عام 2016 لم تسمح بسياحة غير مقيدة. في تلك الأثناء، كانت كندا تقريباً الدولة الوحيدة في القارة الأميركية التي احتفظت بعلاقات دبلوماسية واقتصادية ثابتة مع الجزيرة على مدى الستين عاماً الماضية (المكسيك هي الدولة الأخرى). في السنة الواحدة، يقوم الكنديون عادة بنحو مليون زيارة، معظمها في منتجعات الشواطئ. في مخيلتنا الشعبية، كوبا «فاكهة محرمة» بدرجة أقل، و«كانكون بسيارات قديمة وطعام سيء» بدرجة أكبر.
في كتاب فريدرك لافوا «أورويل في كوبا»، لا توجد شواطئ. لكن ذلك الصحافي من كيبيك يرسم إطاراً مختلفاً آخر: كوبا من حيث هي بقايا شيوعية متهدمة محاصرة بين الماضي والمستقبل. يقدم هذا الكتاب نفسه بصفته كبسولة زمنية، بعنوانه الأصلي معبراً عن الإحساس الحاد بحالة تعلق زمني: «Avant l’après» التي تعني حرفياً «قبل البَعد». بعد أن فاز بجائزة الحاكم العام عام 2018 للكتب غير الروائية، ترجم الآن إلى الإنجليزية على يد دونالد ونكلر.
كان لدى لافوا كل الأسباب التي تقنعه بأن كوبا كانت على شفا نقلة كبيرة حين زارها 3 مرات بين فبراير (شباط) 2016 وفبراير (شباط) 2017. زيارته الأولى سبقت وصول أوباما إلى هافانا بقليل؛ الزيارة التي مثلت نقلة دراماتيكية في علاقة الولايات المتحدة بكوبا على مدى خمسين عاماً. هاجم الرئيس المقاطعة، وبدا أن التحرك نحو المصالحة غير قابل للإيقاف (ملاحظة لافوا بأنه «مهما يكن الرئيس الذي سيخلف أوباما في نوفمبر (تشرين الثاني)، تبدو العودة إلى الماضي غير محتملة بشكل متزايد» تحمل الآن إيحاءات مأساوية). حين جاءت زيارة المؤلف الأخيرة، كان دونالد ترمب قد نُصب رئيساً وفيديل كاسترو قد مات عن تسعين عاماً. لم يلغ ترمب (حتى الآن) إصلاحات أوباما، لكنه خفضها بشكل حاد، ولم يعد إنهاء المقاطعة متوقعاً في القريب. في تلك الأثناء، كانت وفاة كاسترو عام 2016 ذات تأثير محدود على سير العمل في دولة كان يديرها أخو كاسترو (راؤول) على مدى عشر سنوات، ولم تؤدِّ إلى ما تمناه بعضهم من أزمة في الشرعية. العام الماضي، تنازل راؤول عن الرئاسة لميغيل دياز - كانيل، وهو بيروقراطي من جيل أصغر، بينما ظل هو على رأس الحزب الشيوعي. مرة أخرى، التغير الضخم لم يحدث. ربما أن الـ«بعد» ما يزال بعيداً إلى حد ما.
أحد أسباب زيار لافوا للجزيرة سعيه لحل مسألة غامضة. في عام 2016، أعلنت دار نشر كوبية أنها ستشرع في ترجمة جديدة لرواية جورج أورويل «1984» في معرض هافانا الدولي للكتاب. كان الاختيار محيراً؛ دولة حزب واحد بتاريخ طويل من الرقابة، كانت لا تفعل أكثر من مجرد السماح بنشر نقد كلاسيكي للتوتاليتارية، تنتجه على نطاق واسع وتشجعه في مناسبة كبرى. هل كان هذا مؤشراً على مدى التغير، أم أنه محاولة ساخرة تجعل كوبا تبدو كما لو كانت أكثر ليبرالية مما هي، أم أن ذلك كان مجرد أمل للناشر بأن يكون لديه عمل رائج، لا سيما أن الحكومة كانت تقترب من إصلاحات تنحو باتجاه اقتصاد السوق، وليس لديها الوقت للتفكير بالنقاء الآيديولوجي؟ أسئلة كتلك، وكذلك القراءة المكثفة لأعمال أورويل، تهيمن على كتاب لافوا.
«أورويل في كوبا» كتاب معني بظلال الدلالات، آسر من حيث هو تحقيق في الكيفية التي تؤثر فيها الرقابة على الأدب. التحدي الرئيس في مواجهة الرقابة الكوبية هو في غموضها؛ إلقاء القبض بشكل واضح على الفنانَين إل سيكستو وتانيا بروغويرا حالة استثنائية في عملية تتسم غالباً بالسرية. لا توجد قائمة رسمية بالكتب الممنوعة، مثلاً: العناوين غير المرغوب بها لا توزع ببساطة. مع أن كل المطابع جرى تأميمها في الستينيات، تظل آليات صنع القرار غامضة. يسعى الأفراد إلى توسيع هامش المسموح به بتقديم طلب يتضمن مقترحات بطبعات جديدة لمواد يفترض أنها غير مسموح بها. الخط الأحمر الوحيد هو التهجم الواضح بالاسم على الأخوين كاسترو. وحتى في تلك الحالات، تختلف القواعد بالنسبة للأجانب، ويستطيع لافوا أن يعبر الخط دون أن يكون لذلك سوى القليل من النتائج.
في محاولته للكشف عن خفايا نشر «1984»، يواجه لافوا باستمرار هذه الحالات الرمادية. ربما أن بعض من يحاورهم يكذبون. الأكثرية ليس لديهم سوى فكرة محدودة حول ما يجري. أحياناً، يكون حتى هو في حالة من الارتياب الشديد -يفترض وجود حالات من المقاومة حين لا يكون شيء من ذلك مقصوداً، أو يستغرب حين ينتقد النظام بعض مرافقيه بشكل معلن. وبالفعل، فإنه من المعتاد أن يناقش دارسو الأدب في كوبا ويهاجمون الرقابة في أثناء السبعينيات، بعد أن أعيد الاعتبار بعد ذلك لكثير من الكتاب الذين كانوا ممنوعين في تلك الفترة. لكن الغموض المستمر حيال ما هو مسموح به حالياً هو أيضاً جزء من الطريقة التي تعمل بها الرقابة. يخفف الناس من حدة مواقفهم، في محاولة لتفادي اجتياز حدود باهتة، الأمر الذي يجعل من النادر أن يضطر النظام لفرض تلك الحدود.
سيكون من الإهمال في مناقشة كتاب يتمحور حول الترجمة، ويبرز إلى حد كبير مترجمين كوبيين، ألا تكون الترجمة موضوعاً للنقاش. المترجم دونالد ونكلر حصل على ثلاث من جوائز حاكمه العام، ومعالجته لكتاب «أورويل في كوبا» معبرة باستمرار، حاملة نغمة مثقفة ميسورة للقارئ في الوقت نفسه. لديه الفرصة ليظهر لمساته حين يقطع لافوا صيغة الريبورتاج، ليضمن الكتاب مسرحية هجائية مصغرة وقصيدة طويلة. لكن الأسلوب في الغالب يظل مع ذلك مباشراً بشكل مقصود، بليغاً لكن ليس إلى درجة الاستعراض؛ يتذكر المرء الخطوط العامة التي رسمها أورويل نفسه في مقالته «السياسة واللغة الإنجليزية».
أحياناً، يبالغ لافوا في اعتماده على أورويل، حين يوحي بأن الرقابة دليل قاطع على وجود الأشكال الأخرى من قمع الدولة. مقارناته تدعونا لتخيل فيديل وراؤول كاسترو من حيث هم قادة لأوقيانوس في العالم الحقيقي يستهدون في إدارة جهاز توتاليتاري بـ«أخ أكبر». ما يتضمنه ذلك هو أن أي دولة تسعى للسيطرة على مصادر المعلومات، للحد من تعدد الرؤى حول الحاضر والماضي، لا بد أن لديها جرائم أخرى تخفيها. هذا التأطير يخفي ملمحاً رئيساً لكوبا بين الديكتاتوريات الشيوعية في القرن العشرين: انخفاض عدد الجثث فيها. الملايين التي هلكت في أرخبيلات ستالين، والمجاعات الجماعية في «القفزة الصينية إلى الأمام»، والتطهير الذي صاحب الثورة الثقافية، وحقول القتل التي مارسها الخمير الحمر -هذه الأمثلة من سفك الدماء لا يكاد يشبهها شيء على الجزيرة. تاريخياً، الغالبية العظمى من معارضي كاسترو جرى ترحيلهم إلى الولايات المتحدة، بدلاً من تصفيتهم. «منظمة العفو الدولية» ذكرت 120 سجيناً سياسياً في كوبا عام 2018، وهو رقم كبير مقارنة بسجون خالية، وأقل بكثير مما يفترضه كثيرون. في رواية أورويل «1984»، يُعذب البطل. في كتاب لافوا، الوصف المؤلم الوحيد حقيقة لعنف الدولة يعود إلى أوائل الستينيات.
من نواحٍ أخرى، يسعى لافوا جاهداً إلى تحقيق التوازن، متفادياً الشجب الشامل مستكشفاً التناقضات لدى بعض الكوبيين المقيمين في ميامي الذين أجرى لقاءات معهم. أجد ما يغريني بعزو هذا الموقف إلى الحياد الكندي، لكنه كما يتضح أكثر نتيجة لعمله الصحافي في الاتحاد السوفياتي السابق. هناك، شاهد نتائج الانتقال «الفاشل» للرأسمالية الذي أفاد القليل من الأوليغاركيين وفتت الحماية الاجتماعية. يأمل لافوا أن تتفادى كوبا هذا المصير، وأن تتحرك بدلاً من ذلك إلى شكل من الديمقراطية الاجتماعية. إنه يكرس مساحة كبيرة للتناقضات في النظام الاقتصادي للجزيرة، حيث تتجاور عملتان، والأطباء الذين تدفع لهم الدولة يحصلون على مداخيل أقل بكثير مما يحصل عليه سقاة البارات إذ يجمعون الإكراميات من السياح.
فوق ذلك كله، يسعى لافوا إلى تفادي مصيدة النظرة الرومانسية إلى البلد، وإنتاج دعاية حكومية في أثناء ذلك دون أن ينتبه. يتضح هذا بشكل خاص في تصويره جان - غي ألار، وهو صحافي متقاعد من كيبيك انتقل للعيش في هافانا، ووجد نفسه محل حفاوة لأنه كتب ما يعجب الحكومة. يصور لافوا ألار بصفته «أحمقاً مفيداً» في القرن الحادي والعشرين، عبارة سبق استعمالها لوصف جان بول سارتر، وهو معجب آخر من معجبي كوبا.
كانت صحة ألار تسوء حين لقيه لافوا لأول مرة، ووفاته بعد ذلك تصبح رمزية تقريباً -مؤشراً إلى أن النظر إلى الثورة الكوبية نصر مذهل لستينيات القرن الماضي لم يعد ممكناً.لكن ثمة وجهاً آخر لتناول لافوا لكوبا مدفوناً في هذه الصفحات. بعد أن يقدم قراءة تحريضية في معرض هافانا الدولي للكتاب، يتحدث إلى الجمهور كاتب لم يُسمَّ من بورتوريكو، قائلاً: على لافوا أن يأخذ في الاعتبار «التوتاليتارية الرأسمالية» لكي يفهم الوضع في كوبا وبقية أميركا اللاتينية. استناداً إلى خلفية ألار، يمكن بسهولة عدم الالتفات إلى الكاتب غير المعروف على أنه أحمق مفيد آخر، لكن التعليق تذكير أيضاً بأن إطارنا المرجعي يحدد الأسئلة التي نطرح.
ضمن أميركا اللاتينية، حققت كوبا شرعيتها منذ أمد طويل ليس على أساس الشيوعية، وإنما على أساس معاداة الإمبريالية. وجوه الشبه بينها وبين الاتحاد السوفياتي كانت أقل أهمية من وجوه اختلافها عن الديكتاتوريات العسكرية المؤيدة للرأسمالية في المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي التي كانت تحصل باستمرار على الدعم الأميركي. في هذه الأثناء، كان المحللون الكاريبيون والأفارقة الأميركيون غالباً ما يحللون كوبا من حيث هي اقتصاد زراعي سابق، متسائلين عن الكيفية التي واجهت بها ثورة 1959 الآثار المتبقية من العبودية واللامساواة العرقية.
لكن ليس لدى لافوا الكثير مما يقوله عن العرق، وهو موضوع بارز في زيارة أوباما، أو عن تاريخ التدخل الأميركي في الأميركتين. إطاره المرجعي يظل شمال أطلسي بشكل راسخ؛ إنه يسافر مع جورج أورويل، الإنجليزي في نهاية المطاف.
إن هذا ليس نقداً بقدر ما هو تذكير بالطرق الكثيرة التي ما تزال فيها كوبا «تُكسَب المعنى» بالنسبة للزوار. تعلَّقَ ألار بالثورة الرومانسية، حيث يرى معظم الكنديين بقعة عادية لقضاء الإجازة. أما لافوا، فرأى فرصة لتفادي الاستسلام الكارثي في شرق أوروبا للرأسمالية، حيث يبحث آخرون عن معركة ضد العنصرية أو التخلف. وماذا عن الكوبيين أنفسهم؟ مما يحسب للافوا أنه يختم كتابه بوضع المستقبل -والأمل المتردد بأن يكون مستقبلاً أفضل- في أيديهم.

- المصدر: «ليتراري ريفيو أوف كندا» (يوليو (تموز) / أغسطس (آب) 2020)



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».