«العالقون في العصور الوسطى»... أسباب صعود الغرب وتراجع الشرق؟

علي بريشة يدرس أسبابهما السياسية والاجتماعية في كتاب جديد

«العالقون في العصور الوسطى»... أسباب صعود الغرب وتراجع الشرق؟
TT

«العالقون في العصور الوسطى»... أسباب صعود الغرب وتراجع الشرق؟

«العالقون في العصور الوسطى»... أسباب صعود الغرب وتراجع الشرق؟

سعى الباحث المصري الدكتور علي بريشة، في كتابه «العالقون في العصور الوسطى... لماذا تقدموا وتخلفنا» إلى تحليل المشهد السياسي والعقلي والاجتماعي لدى الغرب والشرق، وفحص منتجات الحضارة بمعناها الواسع، من أجل استجلاء الأسباب التي تقف وراء تقدم الغرب، وقدرته المستمرة على تطوير آليات تدفع بمجتمعاته لمزيد من الترقي في سلم الحضارة، وتلك التي تكبل الشرق وتمنع أبناءه من تقديم منجزات علمية تدفع مجتمعاتهم خطوة للأمام، وتقيلها من عثراتها.
وقال بريشة في كتابه الذي صدر حديثاً عن «دار ميريت» إن «البوصلة... المطبعة... البارود» مثلت نقطة فارقة في تاريخ البشرية، وحملت حضارة الغرب بعيداً في سباق الحضارات، وجعلته ينطلق ويحلق ويتفوق ويسبق حضارات المشرق بأشواط، رغم أنها اكتشف هذا الثالوث الدافع للتقدم قبل الغرب بقرون، لكنها لم تستفد منه، ولم يؤثر في مسيرتها، ولم يكن له دور فاعل في تطور المجتمعات المشرقية.
إن السباق الحضاري بين الشرق والغرب منذ فجر التاريخ، كان يبدو متوازناً، كما يرى المؤلف، يتفوق المشرق أحياناً، وأحياناً أخرى الغرب، ومرة تتصادم الحضارتان، فينتصر الإسكندر على داريوس في موقعة أسوس، أو تنكسر أشرعة كليوباترا أمام أوكتافيوس في أكتيوم، وفي المقابل يمكن أن يمتد الشرق بحضارته وسيوفه فيجتاح طارق بن زياد «الأندلس»، أو يطرق سليمان القانوني أبواب فيينا. تصيب الشيخوخة حضارات الفراعنة وبلاد النهرين، فيتقدم الإغريق ليحملوا المشعل، وتغرق أوروبا في ظلام العصور الوسطى، فينير ابن سينا وابن رشد والفارابي وتلاميذهم للبشرية طريقها، وقد ظل هذا الوضع يسيطر على المسيرة الإنسانية لقرون، لكن فجأة، وفي مرحلة معينة من التاريخ حول الغرب جناحه إلى طائرة، ثم إلى صاروخ، وضمر جناح الشرق ليبدو مثل عضو منقرض في جسد البشرية، فماذا حدث ليظهر الأمر بين الشرق والغرب على هذا الحال؟
كان هذا هو السؤال المحوري الذي سعى بريشة في كتابه الذي يتكون من خمسة فصول الإجابة عنه، واستقصاء الأمر والبحث في الأسباب التي جعلت السباق الذي استمر آلاف السنين بين المعسكرين يتم حسمه في مائة عام، وفي البداية يقوم الباحث بتحديد الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كنقطة للفصل بين العصور الوسطى وعصر النهضة من ناحية، وبين مرحلة العصور الحديثة من ناحية أخرى، ويذكر أن البعض يؤرخ للعصور الحديثة بعام 1453، باعتبار أنه العام الذي تم فيه اختراع المطبعة، فيما يشير آخرون إلى عام 1492م باعتباره العام الذي اكتشف فيه كولمبوس أميركا.
ويحلل بريشة في الباب الثاني من الكتاب «الجانب الآخر من المشهد... الثالوث المقدس الذي حكم أوروبا» عدداً من العناصر التي رآها مؤثرة في التقدم الغربي، منها ما يخص الاستقرار السياسي، وإمكانية انتقال السلطة من شخص لآخر، وقال إنها كانت تتم في سياق واحد فقط، وهو أن يكون الحاكم له حق في العرش، ومن الذين يجري في عروقهم الدم الأزرق، لم تكن هناك فرصة لأن يستولي صاحب قوة على عرش ملك بالسيف، مثلما كان يحدث في الشرق في دولة المماليك، أو في إسبانيا في زمن ملوك الطوائف، أو في العصر العباسي في عصر الدويلات.
وذكر الباحث أنه عند النظر إلى عمق العلاقة بين مكونات السلطة داخل المعسكرين الغربي والشرقي، يبدو المشهد مختلفاً قليلاً، فثنائية العمامة والسيف المشرقية نراها في أوروبا ثالوثاً مقدساً هو الصليب والتاج والذهب، وتمثل الأول سلطة الكنيسة والبابا، والثاني تمثله سلطة الإمبراطور الروماني والملوك، أصحاب الدم الأزرق والحق الإلهي في الحكم، أما الثالث فكان يمتلكه الملوك، والكنيسة، وكان حال توفره في يد الأفراد بعيداً عن سلطة الملوك والبابا قادراً على أن يكون لاعباً مستقلاً يؤسس دولاً كاملة، مثلما حدث في الدويلات الإيطالية، عندما أصبح التجار الأغنياء في البندقية وجنوة وفلورنسا وغيرها قادرين على إقامة حكومات خاصة أقرب إلى شركات استثمارية، وكانت أساطيلها يتم تأجيرها في الحملات الصليبية مقابل المال، ولم تكن سلطة التيجان المشاركة فيها ولا البابا قادرين على إجبار البنادقة أو الجنونيين على التعاون إلا بعد دفع إيجار الأساطيل التي تنقل الجنود.
وفي هذه النقطة يضع بريشة يده على خلاف جوهري في علاقة المال بالسلطة بين الجانبين، ويقول: رغم أن بلاد المشرق الإسلامي كانت أكثر ثراءً بشكل عام من بلاد الغرب الأوروبي، إلا أن طبيعة النظام السياسي في بلاد المشارق جعل للمال سلطة محدودة وغير مؤثرة في السياسة الداخلية، فالسلطة المطلقة كانت قادرة على إعادة توزيع الثروة كلما أرادت، وكان الحاكم يستطيع بقوة السيف أن يرفع الضرائب كما يريد، يصادر الأموال والممتلكات إذا غضب، ويمنح الإقطاعيات والأراضي إذا رضي، أما في أوروبا فقد كان التجار الأثرياء قادرين على التصرف بشكل مستقل كسلطة موازية لسلطتي التاج والصليب، وكان حق الملك المطلق في فرض الضرائب مزعجاً للنبلاء يحاولون التملص منه، وليست مصادفة أن يشهد القرن الثالث عشر في إنجلترا ميلاد وثيقة «الماجنا كارتا» (1215م)، وبمقتضاها التزم الملك جون بقواعد تحد من سلطته المطلقة في إعلان الضرائب متى شاء بعد أن ضاق النبلاء بتمويل حروبه وهزائمه.
وتحدث المؤلف في فصل بعنوان «القرن الرابع عشر... نقطة الانفصال» عما سماه «الموت الأسود»؛ ذلك الوباء الذي اجتاح العالم بين عامي «1347 - 1353» وقتل الملايين من سكانه شرقاً وغرباً، وقال إنه أحدث نوعاً من الحراك الاجتماعي في الغرب الأوروبي، ومنح المحظوظين الذين نجوا قدرة على إعادة توزيع الثروة فيما بينهم بشكل أفضل.
وذكر أن الوباء أصاب كل قطاعات المجتمع في أوروبا بما فيها الجيش، وأدى إلى اختراق النخب العسكرية ودفع دماء جديدة لخدمة السيف من أبناء الطبقات الدنيا، فأصبحوا قادرين على التحرك والثورة عند اللزوم، وبدأ المفكرون والفلاسفة في الحديث عن «عقد اجتماعي» يؤسس للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وراح العقل الأوروبي يعيد النظر في المسلمات السياسية والعلمية والاجتماعية والدينية، ويمنح قوى المجتمع المختلفة أهمية موازية لقوى الصليب والتاج والذهب، وبرزت قوة العنصر الرابع (المجتمع) وكان له دور كبير في تشكيل منظومة السياسة والفكر والعقل المتوارثة.
وقال «بينما كانت البندقية تنتعش انتعاشاً سريعاً بفضل تعاون جميع طبقاتها تعاوناً منظماً قائماً على الإخلاص للمصلحة العامة في سبيل إعادة التجارة والرخاء المادي»، كانت الثورات تجتاح جنوة، وصارت مسرحاً لعشر ثورات في فترة لا تزيد على خمس سنين (1390 - 1394)، وفي فلورنسا مركز صناعة أفخر الثياب والأصواف في أوروبا تشكلت نقابة خاصة بعمالها، وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، اندلعت ثورات الفلاحين والطبقات الفقيرة لتعيد ضخ دماء جديدة في الحراك الاجتماعي، وتحول أبناؤها إلى علماء وفلاسفة ومخترعين وشعراء ومبدعين.
أما على الجانب الآخر من البحر المتوسط، فقد تأثرت المجتمعات المشرقية بالموت الأسود أيضاً، ولكن بطريقة مختلفة تماماً، فبعد موت نصف السكان، لم ينتج عن ذلك حراك اجتماعي أو إعادة توزيع للثروة، فالسلطة والثروة كانت في يد أصحاب السيف من المماليك، والنقص الذي حدث في الجيش جرى تعويضه بطريقة تلقائية بشراء مماليك جدد، ما يعني أن العامة لم تدخل في اللعبة ولم تستفد مما جرى، والنتيجة أن كل التغيير تركز في قمة السلطة، وانحصر في زوال دولة المماليك البحرية وبداية عصر المماليك الجراكسة 1385، كما حدث في مصر.
وفي فصل بعنوان «بريق البشر... الفن يقود المواجهة»، تحدث المؤلف عن القرن الخامس عشر في أوروبا، وذكر أن البشر العاديين كانوا مصدر البريق في أهم الأحداث، وقد كان قرن مطبعة جوتنبرج وعالم كولومبوس الجديد، والمغامرين البرتغاليين دياز ودا جاما ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وكوبر نيكوس وإرازموس وتوماس مور ونيكولو مكيافيلي.
وفي الفصل الخامس، تحدث المؤلف عما سماه متلازمة الجندي الياباني هيرو أونودا، الذي ظل يقاتل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولم يصدق أنها انتهت، وأن بلاده استسلمت بعد هزيمتها، وقال بريشة إن مجتمعاتنا المشرقية تعاني من «متلازمة الجندي الياباني» في بنيتها السياسية والاجتماعية والفكرية، وتخوض حروباً منتهية الصلاحية على كل الجبهات.



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.