كسلا... المدينة الفاتنة تقاوم «الفتنة»

صراعات القبائل تحيل حاضرة شرق السودان الخضراء لكوم رماد

الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)
الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)
TT

كسلا... المدينة الفاتنة تقاوم «الفتنة»

الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)
الدخان يتصاعد في مدينة كسلا بعد اشتباكات قبلية (صورة متداولة على شبكة الانترنت)

دوماً، يستعيد السودانيون أسطورة «تاجوج» حسناء شرق السودان الفاتنة، وجميلته الشهيرة التي اغتيلت بسبب «حسنها» في نواحي «جبل التاكا» بمدينة كسلا، كي لا يفتتن بها الرجال، ودفنت هناك فصار مرقدها عند سفح جبل «التاكا»، «مزاراً» ترتاده طالبات الخصب من بنيات ونساء السودان.
ومثلما اغتيلت أجمل النساء في تاريخ الشرق أو السودان لا لسبب إلا لكونها جميلة، فإن مدينة «كسلا» هي الأخرى ولكونها جميلة، «مهددة» وتحيط بها أيدٍ تخبئ الخناجر وتشهر الأسلحة النارية، لاغتيال «حسن» المدينة، لكنها بـ«جمالها تقاوم».
لم يشفع لكسلا جمالها واعتدال مناخها وخضرتها الأبدية، وأنها من بين أجمل مدن البلاد، ولم تكسبها القصائد والأغنيات، وسيرة مأوى العشاق والمحبين، وحديثي الزواج الذين يرتادونها لقضاء شهر العسل، بين خضرتها وماءها العذب المتحدر من جبالها الشهيرة «التاكا وتوتيل»، فاشتعل فيها الاقتتال الإثني الكامن.
وشهدت كسلا الأسابيع الماضية صدامات قبلية وعرقية، أدت لمقتل نحو ستة أشخاص، وجرح العديدين، وإحراق أعداد كبيرة من المتاجر والمساكن، كأن الخنجر «القميء» الذي اغتال تاجوج امتد هو الآخر ليسلب المدينة خضرتها، ويكسيها بالسواد.
اضطر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لإرسال وفد وزاري برئاسة وزير الداخلية الطريفي إدريس، وبرفقته وزير الإعلام فيصل صالح، ووزيرة الشباب آلاء البوشي، ومدير الشرطة وعدد من قادة الأجهزة الأمنية والإعلامية، للاطلاع على الأوضاع على الأرض.
تعود حكاية الدم، إلى إصدار حمدوك لمرسوم رئاسي بتعيين والي «حاكم» للولاية، من المدنيين الذين نصت الوثيقة الدستورية على حكمهم لولايات البلاد الثمانية عشر، في 23 يوليو (تموز) الماضي، ومن بينهم حاكم ولاية كسلا شرقي البلاد صالح عمار.
انقسم المجتمع الكسلاوي حيال الوالي الجديد، أيدته قوى إعلان الحرية والتغيير والمكونات المدنية في كسلا، والمكونات الإثنية الأخرى إلى جانب قبيلته «بني عامر» بمن فيهم رجل القبائل القوى «سليمان بيتاي» المنتمي للمجموعة البجاوية. وعارضته بقوة مجموعة «البجا» التي يقودها الناظر «سيد محمد الأمين ترك» ويساعده مساعد الرئيس المعزول الأسبق «موسى محمد أحمد»، وتوعدت بتفجير الولاية حال إصرار حكومة حمدوك على الوالي صالح عمار.
حطت الطائرة الصغيرة التي كانت تقل الفريق الوزاري القادم لتقصي أبعاد النزاع بمطار المدينة، فوجدت نفسها محاصرة بالخضرة والغيوم والسحاب والمطر، وحسن المناخ واعتداله، لكنها مشحونة بالتوتر والقلق والخوف اللافت.
بدت كسلا خاوية على عروشها نهار «الجمعة» الماضي، واضطر الموكب الوزاري للسير في طرق فرعية، متجنباً الطريق الرئيسي الذي تسيطر عليه مجموعة من المحتجين، برغم حظر التجوال المفروض هناك منذ أيام، ورغم الحراسة المشددة والعربات المسلحة التي كانت ترافقه.
اجتمع وفد حمدوك مطولاً مع اللجنة الأمنية للولاية، وقياداتها في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير ولجان المقاومة، وقرر رئيس الوفد وزير الداخلية الطريفي إدريس تمديد حظر التجوال لثلاثة أيام قابلة للتجديد، ووجه بتطبيق القانون وفرض هيبة الدولة.
وقال الطريفي للصحافيين إن السلطات شكلت قيادة متقدمة لمتابعة الوضع الأمني واتخاذ ما يلزم من قرارات، وإنه وجه بمحاسبة كل من أخفق من المسؤولين أو القوات النظامية، أو شارك في أحداث العنف التي شهدتها المدينة، إلى جانب التعزيزات التي وصلت المدينة.
واستمعت «الشرق الأوسط» لمواطنين وشهود على الأحداث، أجمعوا على أن تفريط وتباطؤ القوات الأمنية في التصدي للتفلتات فاقهم الأزمة، وهو ما أرجعه وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح لـ«فجوة» بين القوات النظامية والمواطن بسبب ترسبات سابقة، ودعا لمناقشات تشارك فيها القوى السياسية والاجتماعية وقيادات الأجهزة الأمنية لإزالة الجفوة وحالة عدم الثقة، وتابع: «اللوم الذي ظلت تتعرض له هذه القوات جعلها في كثير من الأحيان تُحجم عن التدخل ومعالجة الأوضاع بصورة جذرية»، وهو ما أشار إليه عدد من المواطنين، وقالوا لـ«الشرق الأوسط» إن قادة عسكريين رفضوا التدخل قائلين: «هذه المدنية التي (الدايرنها) – تريدونها».
وأوضح صالح أن الأزمة ليست أمنية فقط بل أزمة سياسية واجتماعية، تحتاج لجهد كبير لمواجهتها، ووضع معالجات سريعة وعاجلة، متوقعاً اتخاذ قرارات جوهرية بشأن كسلا ووضع الوالي صالح عمار.
وتبادلت إثنيتا بني عامر والبجا، المواكب والمسيرات المتضادة، خلال ثلاثة أيام، وذكر تقرير رسمي صادر عن أمانة حكومة الولاية أمس، إن الهدندوة «إحدى قبائل البجا»، لم تنصع لخط سير الموكب المحدد من قبل سلطات الأمن، واتجهت لمركز المدينة، وحاول بعض المتفلتين الاعتداء على متاجر ومحلات «بني عامر»، فتصدى البعض لهم، وأدى الصدام لإحراق المتاجر ومقتل عدد من المحتجين. وحمّلت تقارير أن ناظر البجا «سيد محمد الأمين ترك» مع مساعد البشير الأسبق «موسى محمد أحمد» المسؤولية عن الصدام، وقالت إن سيارته انحرفت عن قصد عن المسار وتبعها باقي الموكب، ما أربك القوات الأمنية، وأدى للانفلات.
وتتساكن في ولايات شرق السودان منذ قرون، مجموعات البجا ومجموعات البني عامر، وهي مجموعات ذات امتدادات داخل دولة إريتريا المجاورة، وظلت تتبادل الاتهامات كل ضد الأخرى بشأن تبعيتها للسودان أو إريتريا، يجعل التخلف الاقتصادي والتهميش الذي تعيشه الولاية أداة لتفاقم الصراع وتحويله لقنبلة موقوتة قد تنفجر دون إنذار.
مأساة كسلا، تماثل مأساة حسنائها «تاجوج»، أشهر قصة حب في السودان، وتماثل قصة المجنون والعامرية، وربما روميو وجولييت، فـ«تاجوج والمحلق» أشهر عاشقين سودانيين على مر التاريخ.
قتل رجل من القبائل تاجوج بعد أن رأى رجال قبيلته يقتتلون عليها، فخاف على قومه الهلاك فنحرها، وجن المحلق بعد طلاقها منه وزواجها من آخر، ومات وجداً وحباً، فتحولت حكاية الحب لتراجيديا عشق أبدية.
ربما تواجه كسلا المصير ذاته، لم يشفع غزل الشعراء في حسنها وجمالها، مثلها مثل «تاجوجها»، لأن الكل يدّعي أنها مدينته والآخر دخيل، ولا سبيل لاغتيالها من وجدان السودانيين الذين تغنوا لها: «كسلا أشرقت بها شمس وجدي. وهي في الحق جنة الإشراق»، فهل يفلح الجمال في حربه مع القبح فتحقن الدماء... أم يظل الشرق ثغرة قد يؤتى منها السودان؟ هذا ما تحدده الأيام القليلة القادمة.



هجوم حوثي يستهدف مطار عدن وقصر معاشيق

دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)
TT

هجوم حوثي يستهدف مطار عدن وقصر معاشيق

دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي وقصر معاشيق الرئاسي بصواريخ باليستية، حسبما أعلنت القوات المسلحة اليمنية، الجمعة.

وأشار الناطق الرسمي للقوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إلى استمرار استهداف الميليشيا لمقدرات الشعب، مؤكداً أن الهجمات على المطارات تكشف تناقض الحوثيين بين ادعاء رفع الحصار وممارسته بحق اليمنيين.

من جانبها، أوضحت الحكومة اليمنية أن تجدُّد الهجمات الإرهابية الحوثية على القصر للمرة الثانية، والسابعة ضد المطار، بالتزامن مع محاولة استهداف مكة المكرمة، يكشف نهجاً تصعيدياً يتجاوز الاعتداء على مؤسسات الدولة ومنشآتها المدنية إلى تهديد أمن المنطقة واستقرارها، والاستخفاف بحرمة المقدسات الإسلامية.

وأوضح مجلس الوزراء، في بيان، الجمعة، أن تكرار استهداف مطار عدن، وهو منشأة مدنية حيوية تخدم المواطنين وتربط اليمن بالعالم، يمثل اعتداءً مباشراً على مصالح المواطنين، ومحاولة لتعطيل عمل المؤسسات العامة وتقويض قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وشدَّد البيان على أن استهداف قصر معاشيق، مقر الحكومة ومؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، لن يغيّر من حقيقة مضي الدولة في أداء مسؤولياتها وواجباتها تجاه المواطنين، ولن يحقق مساعي الحوثيين لإرباك مؤسسات الشرعية أو فرض واقع بالقوة.

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

وأضاف أن الحكومة تتعامل مع هذه الاعتداءات بوصفها تهديداً مباشراً لسلطة الدولة وسلامة المواطنين واستمرارية الخدمات والمنشآت الحيوية، مما يستدعي استجابة شاملة وإجراءات عملية لحمايتها وضمان استمرار عملها والمرافق المدنية دون انقطاع.

وأعربت الحكومة اليمنية عن تضامنها الكامل مع السعودية، مُبيِّنة أن تزامن هذه الاعتداءات مع محاولة استهداف مكة المكرمة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة إزاء سلوك يهدد أمن المنطقة وحرية الملاحة الجوية والمنشآت المدنية، ويمتد إلى المساس بأقدس مقدسات المسلمين.

وأضاف البيان أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب موقفاً دولياً عملياً يتناسب مع خطورتها، ويحول دون استمرارها وإفلات المسؤولين عنها من المساءلة، مُجدِّداً التزام الحكومة اليمنية بمسؤولياتها الدستورية والوطنية، وبالعمل على استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، بالتوازي مع حماية المواطنين وصون مقدراتهم.


الحوثيون يوسّعون عدوانهم على تعز نحو لحج جنوباً

صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)
صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون عدوانهم على تعز نحو لحج جنوباً

صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)
صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)

مع صمود جبهات القوات اليمنية الحكومية في محيط مدينة تعز، خصوصاً في محوريها الجنوبي والغربي، وسّع الحوثيون عدوانهم العسكري، الجمعة، في مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، في محاولة للتقدم نحو مديرية طور الباحة وفرض السيطرة النارية على مناطق استراتيجية تربط المحافظتين.

وتزامن التصعيد الميداني مع تكثيف القوات المسلحة اليمنية عملياتها الجوية والبرية ضد مواقع الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، شملت جبهتي تعز والساحل الغربي، وامتدت إلى محافظتي الجوف ومأرب (شرق)، في وقت حذرت فيه القوات الحكومية من تقارير ميدانية تتعلق باستخدام الجماعة قذائف يشتبه في احتوائها على مواد سامة، تسببت في حالات اختناق وإغماء بين مدنيين ومقاتلين.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1087 استهدافاً ناجحاً ضمن عملية «فجر اليمن»، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر ومدفعية الميدان والراجمات، مشيرة إلى أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 336 قيادياً وعنصراً حوثياً، وتدمير وإعطاب 112 آليةً وعربةً ومعدةً ووسيلة إمداد وقطعة سلاح ثقيل.

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت مصادر محلية باندلاع مواجهات عنيفة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، عقب هجوم شنته الجماعة الحوثية من 3 اتجاهات؛ هي هيجة العبد وطريق الصحى ومحور حيفان، في مسعى للسيطرة على المديرية وتهيئة الطريق للتقدم باتجاه طور الباحة.

السيطرة على جبال المقاطرة تتيح لهم السيطرة النارية على شمال لحج (فيسبوك)

وتكتسب المقاطرة أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي المشرف على طرق ومناطق حيوية في الريف الجنوبي لتعز وشمال لحج؛ إذ يتيح التقدم فيها للجماعة توسيع نطاق تهديدها العسكري وفرض السيطرة النارية على أجزاء من مديرية طور الباحة.

وتزامن الهجوم مع اشتباكات متقطعة على الحدود الإدارية بين تعز ولحج، خصوصاً في جبهة المضاربة، وسط معلومات عن وصول تعزيزات عسكرية للحوثيين، في حين تحدثت مصادر ميدانية عن دفع الجماعة بتعزيزات إضافية إلى مديرية الشمايتين جنوب تعز.

وفي محافظة تعز، شهدت جبهة السِّينة في منطقة الشقب، جنوب شرقي مدينة تعز، مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، بالتزامن مع تنفيذ طائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية ضربات استهدفت مواقع وتجمعات للجماعة.

وسجلت الجبهات الغربية للمدينة اشتباكات متقطعة خلال ساعات الفجر، خصوصاً في محيط المنفذ الغربي، بينما ساد هدوء حذر في محاور الأقروض وكحلان وضحيح والشقب، جنوب شرقي المحافظة، وسط استمرار التحركات العسكرية على خطوط التماس.

جندي من القوات المسلحة اليمنية في محيط مدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي تطور ميداني آخر، قصفت مدفعية القوات المسلحة تجمعاً مسلحاً للحوثيين في نقطة خالد بن الوليد بمنطقة الضباب غرب تعز، وأفادت معلومات ميدانية بسقوط قتلى وجرحى من عناصر النقطة.

كما استهدفت غارات جوية تجمعات للجماعة في سائلة عنقبة بمنطقة برداد، فيما دمرت غارة أخرى عربة عسكرية في منطقة الدعسة بالضباب، ما أدى إلى احتراقها.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق أخرى في المحافظة؛ إذ استهدفت غارة شبكة الاتصالات في منطقة المجاشة بمديرية مقبنة، بينما طالت غارتان مديرية حيفان.

وفي الساحل الغربي، تعرضت منطقة العمود الصغرى في مديرية المخا لغارات جوية خلال ساعات الفجر، في إطار العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها العسكرية على امتداد الساحل.

صمود تعز أنهك الهجمات الحوثية المتواصلة على المدينة منذ أسابيع (أ.ف.ب)

وشملت الضربات كذلك محافظتي الجوف ومأرب (شرق)، حيث استهدفت غارتان منطقة حويشان في الجوف، بينما طالت غارة جوية مديرية ماهلية في مأرب.

وتقول القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت مئات العمليات الجوية والبرية خلال الساعات الماضية، تركز جانب كبير منها على جبهات تعز، مع امتداد الضربات إلى مواقع الجماعة وخطوط تحركاتها في الساحل الغربي والمحافظات الشرقية.

قذائف سامة

في تطور يثير مخاوف بشأن طبيعة التصعيد العسكري، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها تتعامل بجدية بالغة مع البلاغات الواردة من جبهات تعز بشأن استخدام الحوثيين قذائف يشتبه في احتوائها على مواد سامة، وسط تقارير عن إصابة مدنيين وأفراد من المقاومة الشعبية بحالات اختناق وإغماء.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن هذه البلاغات تستوجب تحقيقاً عاجلاً لتحديد طبيعة المواد المستخدمة، وتوثيق آثارها، والكشف عن مصادرها والجهات المتورطة في توفيرها.

وأوضح النزيلي، في بيان، أن هذه الحوادث تأتي ضمن تصعيد مستمر تنتهجه الجماعة الحوثية بحق سكان تعز، يجمع بين القنص والقصف العشوائي للأحياء السكنية والحصار وقطع الطرق، ومنع وصول المياه والغذاء والدواء والإمدادات المنقذة للحياة.

مواقع سيطرة الحوثيين في تعز تتعرض لضربات جوية متواصلة (أ.ف.ب)

وحذرت القوات المسلحة الجماعة من التمادي في استهداف المدنيين أو استخدام وسائل قتالية محظورة، مؤكدة أن حماية المواطنين وكسر الحصار عن تعز مسؤولية ثابتة للدولة وقواتها المسلحة، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة وفق التزاماتها الدستورية والقانون الدولي الإنساني.

ودعا البيان الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة إلى تحمل مسؤولياتها في ردع الانتهاكات، ودعم التحقيق العاجل في الحوادث المتعلقة بالقذائف المشتبه في احتوائها على مواد سامة، والضغط من أجل فتح الطرق وضمان وصول المساعدات والإمدادات الإنسانية دون عوائق.

وشددت القوات المسلحة اليمنية على أن مرتكبي الاعتداءات على المدنيين والقيادات المسؤولة عنها لن يفلتوا من المساءلة والعقاب.

جاهزية القوات في صعدة

في سياق التحركات العسكرية والسياسية المرتبطة بعملية «فجر اليمن»، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عثمان مجلي، قوات الفرقة الرابعة طوارئ في منطقة كتاف والبقع بمحافظة صعدة، واستمع إلى إيجاز من قائد الفرقة اللواء رداد الهاشمي، بشأن مستوى الجاهزية العسكرية والمعنويات والاستعدادات الميدانية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات في صعدة (إعلام حكومي)

وقال مجلي، في تصريح رسمي، إن الزيارة هدفت إلى تفقد أوضاع المقاتلين والاطلاع على مستوى التنظيم والجاهزية، معرباً عن ثقته بقدرة القوات المسلحة والأمن على استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.

وثمّن الدعم العسكري والإنساني والاقتصادي الذي تقدمه السعودية لليمن، مشيداً بجهود القوات المشتركة ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

وأكد مجلي أن عملية «فجر اليمن» لا تزال في بدايتها، وأن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ماضيان في استعادة مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية وتحقيق أهداف العملية.


صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
TT

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

تصاعدت حالات اختفاء القاصرين والشبان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة، وسط اتهامات للحوثيين باستدراجهم إلى معسكرات التجنيد وإخضاعهم لتدريبات قتالية، قبل نقلهم إلى جبهات القتال دون علم أسرهم أو موافقتها، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأهالي من استغلال هذه الحوادث لابتزازهم، في ظل غياب المساءلة وعدم الكشف عن مصير المفقودين.

وقالت مصادر حقوقية محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن حالات الاختفاء الغامضة باتت تؤرق السكان وأولياء الأمور، مع فقدان أطفال وشبان من المدارس والشوارع والأحياء السكنية، دون معرفة مصير بعضهم أو الحصول على معلومات عن أماكن وجودهم. وأضافت أن أسر المفقودين تضطر إلى البحث عن أبنائها بمفردها، وإطلاق مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل ما تصفه بتجاهل الأجهزة الأمنية الخاضعة للحوثيين بلاغاتها.

وكشفت المصادر في صنعاء عن اختفاء نحو 13 طفلاً وشاباً من مناطق متفرقة في صنعاء منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موضحة أن أعمار أغلب المفقودين تتراوح بين 15 و23 عاماً، وأن بعضهم عُثر عليهم لاحقاً في جبهات ومعسكرات حوثية، بعد استدراجهم وإخضاعهم لدورات قتالية دون علم أسرهم أو موافقتها.

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وأشارت المصادر إلى أن صنعاء ومدناً أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين سجلت منذ مطلع العام الحالي مئات البلاغات عن اختفاء أطفال وشبان، في حين لا تزال أسر تبحث عن أبنائها دون التوصل إلى معلومات بشأن مصيرهم. واتهم أجهزة أمن الجماعة بعدم التجاوب مع بلاغات الأهالي ومناشداتهم؛ ما يفاقم معاناة العائلات ويترك المفقودين عرضة للاستغلال والتجنيد.

وسُجلت أحدث الحالات خلال اليومين الماضيين، مع اختفاء المراهق أمجد نعمان السروحي (16 عاماً) من حارة الآنسي بمديرية معين وسط صنعاء، والشاب مختار عبد الله حسن الرفاعي (22 عاماً)، الذي فُقد بالقرب من سوق حزيز بضواحي صنعاء، وفقاً للمصادر الحقوقية.

استدراج إلى المعسكرات

تعكس شهادات أسر المفقودين مخاوف متزايدة من أن تكون حالات الاختفاء مدخلاً لاستدراج الأطفال والشبان إلى معسكرات الحوثيين، في ظل اتهامات لمشرفين تابعين للجماعة وسماسرة باستقطاب صغار السن واستغلال ظروفهم الاجتماعية والمعيشية لدفعهم نحو الالتحاق بالجبهات.

وفي إحدى هذه الحالات، روى أحد أقارب قاصر اختفى قبل شهرين من أحد أحياء صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الأسرة أمضت خمسة أيام في البحث عنه بين الأحياء والمستشفيات، قبل أن تصل إليها معلومات من مشرف حوثي تفيد بوجوده في أحد المعسكرات شمال المدينة.

وقال قريب القاصر إن المشرف أبلغ الأسرة بأن عناصر حوثية استدرجت الصغير وأخضعته لتدريبات قتالية دون علم ذويه. وأوضح أن أيام البحث اتسمت بالخوف والقلق؛ خشية تعرض القاصر للأذى، قبل أن تكتشف الأسرة وجوده داخل معسكر حوثي، بعيداً عنها ودون موافقتها على إخضاعه للتدريبات العسكرية.

تلامذة في صف مدرسي يهتفون بـ«الصرخة الخمينية» (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول «مُجيب»، وهو من سكان صنعاء وأب لأربعة أبناء، إن تزايد حالات اختفاء الأطفال والشبان جعل الأسر تعيش في خوف دائم على أبنائها، حتى أثناء ذهابهم إلى المدارس أو خروجهم لقضاء احتياجات بسيطة.

وأضاف: «أصبحنا نعيش في خوف دائم على أبنائنا، ولم نعد نشعر بالاطمئنان حتى عندما يخرج أحدهم لقضاء حاجة بسيطة. نخشى أن يستدرجه أحد العناصر والمشرفين الحوثيين أو يستغل حاجته وظروفه المعيشية، ثم نجد أنفسنا أمام أمر واقع لا نستطيع تغييره».

وأكد أن الأسر تريد ضمان سلامة أبنائها وتمكينهم من مواصلة تعليمهم وحياتهم بصورة طبيعية، بعيداً عن الاستقطاب والزج بهم في جبهات القتال.