مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (3 - 3): الملك حسين في حيرة وحصار... وبدء انسحاب العراق

: رغم الضغوط... أبلغنا الأميركيين صراحة أنَّنا مع الحلّ السلمي ومع الحلّ العربي لأزمة العراق والكويت

من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
TT

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (3 - 3): الملك حسين في حيرة وحصار... وبدء انسحاب العراق

من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يتحدث عن الضغوط الأميركية على الأردن لإقناعه بالانضمام إلى التحالف الدولي في مواجهة غزو صدام حسين للكويت، وما واجهه الأردن من أزمة اقتصادية نتيجة موقفه آنذاك إلى جانب صدام، الذي يؤكد بدران أنه كان موقفاً إلى جانب «الحل العربي».
ويروي بدران في كتابه باسم «القرار»، تفاصيل زيارة سرية قام بها طارق عزيز إلى عمان، أبلغ خلالها المسؤولين الأردنيين أنه لم يبق شيء في العراق لم يتعرض للقصف من القصر الجمهوري إلى مصافي النفط والمصانع والجسور. كما يتحدث عن الحيرة التي واجهها الملك حسين في تلك الفترة، إذ إنه كان محاصراً من القوى السياسية والشعبية والنيابية التي كانت تضغط باتجاه دعم العراق في الحرب.
كنّا نعيش فعلاً أجواء خلية أزمة وطنية، والجهود تضافرت من كل المؤسسات، والراحل الحسين بقي ممسكاً بدفّة القيادة السياسية، ومؤسساته الدستورية كانت بمثابة الجهاز التنفيذي، الذي يربط بين رؤية القائد، وطموحات شعبه، ومن هناك بدأنا بالتَّعامل مع تداعيات الحرب، وما ينتظرنا خلال أيامها.
بدأ السوريون بهجوم إعلامي علينا، وقد كان ذلك متوقَّعاً، فبعض أعضاء مجلسي النواب والأعيان، كانوا ينتقدون سوريا في الإعلام، وتوقّعنا أن يكون الردّ علينا بالإعلام أيضاً، وسعى وزير الإعلام إبراهيم عز الدين، لاحتواء الأزمة مع السوريين، واستطاع نتيجة خبرته الدبلوماسية العالية، بالعودة إلينا بخبر وقْف الحملة الإعلامية السورية ضدّ الأردن، وأخذنا قراراً في مجلس الوزراء بوقف تصريحات السفراء، الذين قد لا تكون لديهم الخبرة الكافية في التصريحات السياسية خلال أحداث الحرب، وأن نؤجِّل أي تصريح، من قِبَل سفاراتنا، منعاً لمُضاعفة مشاعر العداء العربي ضدّنا.
لقد ساعدنا السوريون بتزويدنا بالنفط، وأوفى حافظ الأسد بوعده، وبدأت اللجان تعمل وتشرف على نقل صهاريج النفط من سوريا، وكان ذلك بعد أن أخذنا سلسلة إجراءات للتعامل مع انقطاع النفط.
وقرّرنا أن يكون الخطاب الإعلامي الرّسمي ملتزماً برفضنا للاعتداء بالقوّة على أي دولة عربية، وكُنّا نعترف بالنظام في الكويت، ونعترف بالمقاطعة للعراق، وكلّه بتوازن وعقلانية، وكان كلّ حرف محسوباً له ألف حساب.
أمّا السفير الأميركي روجر هاريسون، فواصل ضغطه علينا بشكل مستمرّ، حتى أبلغتُه صراحة أنَّنا لن نغيِّر موقفنا جراء أي ضغط أميركي، وأنّنا مع الحلّ السلمي ومع الحلّ العربي لأزمة العراق والكويت، وموقفنا الشَّعبي ينسجم مع موقفنا الرّسمي، وأبلغتُ مجلس الوزراء أنّ الأميركيين سيستخدمون ورقة المساعدات للضَّغط علينا في كلّ مرّة، وعندها بدأنا نهيئ أنفسنا لتقديرات تشير إلى أنَّ عُمْر الأزمة سيطول.
كان أي خطأ في التقدير يعني الكارثة على مستوانا، لأنّنا باختصار، لا نستطيع أن ننعزل عن العالم والجوار، فروحنا معلّقة بالمواد الأساسيّة التي نستوردها كلّها من الخارج.
في تلك الفترة كثَّف الملك الحسين اتِّصالاته مع دول العالم، ولم يهدأ خلال تلك الأيام، وكان دائم التَّواصل مع القيادات الرسمية المدنية والأمنية، وحافظ على لقاءاته بمجالس الطوارئ. في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) زارنا الراحل الحسين في مجلس الوزراء، واجتمع بنا، وكالعادة، قدَّم رؤيته التي ساعدتنا كثيراً في التعامل مع المرحلة.
من جملة ما أتذكّره في ذلك اللقاء، أنَّه نبَّهني إلى أنَّ الحرب تريد هدفاً واحداً وهو بقاء إسرائيل بمثابة القوّة الوحيدة في المنطقة، وقال لنا: الكويت كانت المصيدة والفخّ الذي استُدرج إليه صدام، كما أكّد توقُّعاته بأن ضرب العراق سيستمرّ لمدّة طويلة، لإضعاف قوّته لتصل إلى حدود الصفر.
بقينا تحت الضَّغط الأميركي الدّاعي لتغيير موقفنا والانضمام إلى التَّحالف الدولي؛ حتى إنَّ القائم بالأعمال الأميركي قال لنا: «أعلنوا موقفكم ضدّ العراق... وبعدها افعلوا ما تشاءون».
وقد كان الملك الحسين في حيرة شديدة، في تلك المرحلة، فهو محاصَر من جميع الأطراف، قوى سياسية وشعبية ونيابية تضغط باتِّجاه دعم العراق في الحرب، وقوى دولية صاحبة قرار تضغط باتِّجاه أن يكون الموقف الرَّسمي الأردني ضدّ العراق، لكن كيف تقوم بذلك، وأنتَ تحت ضغط شعبي؟ كُنّا قد خرجنا للتوّ من أزمة ثقة شعبية بالنظام السياسي (هبّة نيسان)، واغتنمنا الفرصة ليعود الانسجام وتعود الثقة بين طرفي المعادلة الوطنية الأساسية.

نحو الحرب البرِّية
زارنا رئيس الوزراء العراقي سعدون حمادي، منتصف فبراير (شباط) 1991، حاول أن يزورنا برّاً فلم يستطع، فالقصف على بغداد اشتدّ، فجاء جوّاً عن طريق طهران، وجاء بعد أن حمل رسالة جوابية للرئيس الإيراني، تفيد بالقبول العراقي لإعلان نية الانسحاب من الكويت، مقابل انسحاب القوّات الأجنبية من الجزيرة العربيّة، وكان ذلك عنوان المبادرة الإيرانية، والعراقيون قبلوا بها، لكن اشترطوا عدم الإعلان عنها حتى تتَّضح الأمور والمواقف أكثر.
بعد تلك الزيارة بأيام، ولأوّل مرّة، كان يصدر عن العراق تصريحات تفيد بقبول مبدأ الانسحاب من الكويت، السوفيات وإيران والصين إلى جانب العراق، وهذا صار سبباً لنكون أكثر اطمئناناً، وهم يؤيِّدون وبشدّة مبدأ الانسحاب مقابل وقف ضرْب بغداد.
العراق حتى تلك اللحظات، بقي يناور بموقفه، ويريد مقايضة انسحابه من الكويت، مقابل تنفيذ متطلّبات الشرعية الدولية في القضية الفلسطينية.
في اللقاء، أكّد سعدون حمادي، أنّ قصف قوى التحالف يركِّز على المراكز المدنية والبنى التحتية، والهدف إضعاف العراق. لكنه أكّد أنّ المعنويات عالية في مواجهة الحدث، والجبهة متماسكة، وخسائرها أقل بكثير ممّا يعلنه العدو، وأنّ التقديرات العراقيّة تشير إلى أنّ الوضع ما يزال مُحتملاً، خصوصاً أنّ معدّل القصف انخفض كثيراً عمّا بدأ به.
في 24 فبراير، وفي تمام الساعة الخامسة صباحاً، أعلن بوش بدء الحرب البرِّية. وهذا تطوُّر جديد، وعلى الأردن أن يتعامل معه بمنتهى الجديّة. العراقيون أبلغونا أنّهم إذا تعرّضوا لأي ضرب مدمِّر، فسيضربون إسرائيل بالكيماوي، لكنّهم لن يكونوا البادئين. المعلومات أفادت بأنَّ الأميركان يتقدَّمون باتِّجاه الجهراء الكويتية، والخطة تؤكد تطويق مدينة الكويت، وعزلها عن الإمداد.
ظَهَرَ أمامنا في تلك الفترة تحدٍّ أمني داخليّ، هو تنفيذ عمليّات فردية ضدّ إسرائيل عبْر التسلُّل إلى الضفة الغربية ضمن تلك الأجواء، والخشية كانت من أن تكون مثل تلك العمليات ذريعة لإسرائيل لجرّنا لمعركة، ولذلك حاولنا ألا نُجَرّ لحرب مع أي طرف، خصوصاً وأنَّ ظهيرنا العراق مشغول بحربِه، وصرنا نعيش في حالة من الشكّ الكبير، بأنّنا معرّضون للخطر الكبير فعلاً، فنحن الآن وحدَنا، لذا يجب تلافي الاحتكاك.
الأخبار السيِّئة نقلها لنا طارق عزيز في زيارة سرِّية لعمّان، وكانت تلك الأنباء نقطة التحوُّل الكبير في الموقف العسكري ضدّ العراق، وقال لنا إنَّهُ لم يبقَ شيء في العراق لم يُضرب، القصر الجمهوري مسحوه خمس مرّات، وكذلك قصر المؤتمرات، المصافي ضُربت مرات عدة، ولم يعُد هناك أي مجال لإصلاحها، تمَّ تدمير كلّ مصنع، والجسور في الجنوب، وبقيَت ثلاثة جسور خفيفة في بغداد.
ظلّت العمليّة السياسيّة تدور، وظلّت المحرّكات تعمل، وكل ما نريده أن يتوقّف إطلاق النار، فقد بدت المعلومات متضاربة حيال الوضع داخل العراق، وحجم الخسائر، فإنَّ ما تعرّض له العراق في 40 يوماً من قصف، كان يعادل ما تعرّضت له ألمانيا في الحرب العالميّة الثانية على مدار أربع سنوات.
في 26 فبراير 1991، انسحب العراق من الكويت. عرفنا بالخبر، وصُدمنا، ليس لخبر الانسحاب العراقيّ، فهذا ما كنّا نتمنّاه من غير حرب على العراق، لكن صُدمنا لأنَّ الجبهات ما تزال صاخبة، والحرب تدور، وقد تعرَّض العراق لأكبر الخسائر، خلال عمليّة انسحابه، لأنَّ قوّات التّحالف الدولي بقيت تقصف بينما الجيش العراقي يتراجع إلى الحدود العراقية.
الصَّدمة كانت بفعل البيانات العراقية، التي ظلّت مشجِّعة حتى مساء اليوم السابق ليوم 26 فبراير، لكن كنا محبَطين سلفاً عندما طلب طارق عزيز اقتصار الدَّوْر الأردني على التحرُّك السياسي، فقد كانت آخر زيارة له لعمّان تحمل بعض مؤشّرات الهزيمة.

مساعدات إنسانية للعراق
كان قدرنا أن نعيش كل الحروب ونتائجها كالنكبة والنكسة، ثم وصلنا إلى ما وصلنا إليه بعد حرب 1991، وبلغ الإحباط مداه عند الكثيرين، سامح الله صدام حسين، ورحم الله الراحل الملك الحسين، فقد كانت دعواته ومبادراته كفيلة بألا نشهد تلك اللّحظة المؤلمة والمحزنة.
اجتمعنا في مجلس الوزراء، ورصدتُ في وجوه الزملاء، كلّ الإحباط والمأساة، فكلّنا صدمتنا النتيجة، وقلنا في تلك الجلسة، إنَّ الأردن قام بواجبه على أكمل وجه، وقدَّم ما هو أكبر من طاقته، وقد وضع النظام والقيادة نفسهما في كفّ القَدَر مختارين غير نادمين، وأكَّدنا أنّ التاريخ سيسجِّل للمملكة الأردنية الهاشمية موقفاً لم تستطع دولة كبرى، مثل الاتحاد السوفياتي أن تأخذه، وأكّدنا موقفنا، إنَّنا لم نكُن مع احتلال الكويت، وتمنَّينا لو لم يحدث ذلك.
لكن التطوُّر الأهمّ، كان تلك المخاوف، التي طرحها وزير الخارجية طاهر المصري، حول الفلسطينيين الموجودين في الكويت، والتي أشارت التقديرات إلى أنَّ عددهم نحو 200 ألف فلسطيني، لكنْ كان الراحل الحسين قد سبقنا جميعاً، واجتمع مع سفراء الدول الخمس دائمة العضويّة بمجلس الأمن، ونبَّه لمصير الفلسطينيين من حَمَلَة الوثائق، وضرورة عودتهم لمصر، والطَّلب من القاهرة الاعتراف بوثائقهم.
حاولنا رصد معاملة السعوديّين الجيدة لهؤلاء، كما أنَّ بعض الفلسطينيين في الكويت، كان موقفهم المُعلن حتى أثناء احتلال العراق للكويت، هو رفض احتلال بلد عربي لبلد عربي آخر.
شكَّلت هزيمة العراق لنا تحدياً أمنيّاً خطيراً، فالخطر كان بإبداء أي روح عدائية عند انفعال المواطنين، خصوصاً إذا ما حاول بعضهم الاحتجاج أمام السفارات ومحاولة اقتحامها. الإحباط هنا كان خطراً جداً، ولم نكُن نريد لرجال الأمن أن يصطدموا مع أي من المواطنين المحتجّين، وبالفعل فقد خرجت مظاهرة نسائية، وعند منعها من الوصول للسفارة الأميركية، تمّت المواجهة مع الأمن، الذي لا يريد منْع الاحتجاجات، لكنَّهُ لا يريد لأي مظهر من مظاهر الانفلات الأمني، أن يكون موجوداً.
وفِي جلسة علنية لمجلس النواب، قلت يومها إنَّ الحكومة لا ترى أنّ خروج العراق من الكويت هزيمة، فمبدأ الانسحاب كان وارداً منذ مطلع الأزمة، وأضفت أنَّ الحسين اتَّصل بالرئيس صدام، الذي أكد له أنه سينسحب خلال بضعة أيام، وعاد الحسين ليطلب من صدام تحديد موعد للانسحاب مقابل القمّة المصغَّرة، وأنّ مجلس قيادة الثورة اتخذ قراراً بالموافقة على بدء الانسحاب في تمام الساعة السابعة من صباح الأحد 6 أغسطس (آب) 1990، أي أنّ الانسحاب كان قراراً متَّخذاً منذ بداية العمل العسكري.
تحدَّث البعض ببلاغة ومُبالغة، أنَّنا قدَّمنا مساعدة عسكرية للعراقيين في تلك المرحلة، وأنا أؤكد أنَّ مثل هذا الأمر لم يحصل، على الرّغم من أنَّ العراقيين طلبوا مساعدتنا على تدريب ضباط عراقيين على توجيه وإطلاق صواريخ «هوك»، كانوا قد نقلوها إلى العراق من الكويت خلال احتلالها، ونظراً لطول المدّة اللازمة لتدريب ضباط على التَّعامل مع هذه الصواريخ، فقد طلب العراقيّون منّا إرسال ضباط أردنيين إليهم، ولم تتمّ تلبية الطَّلب، لكنَّ الجيش العراقي تعاقد مع ضبّاط أردنيين متقاعدين بشكل شخصي ومباشر.

إدارة الأزمة

كان موقفنا واضحاً في حينه، فنحن كنّا مع الحلّ العربي للأزمة، ولم نرِد أي تدخُّل أجنبي لحلّ القضية، وقد التزمنا بعدم الدُّخول بالتَّحالف الدولي ضد العراق لهذا السبب، وموقفنا حتى اللحظة، يجب أن يوضَّح، لأنَّ الكثير من الأشقاء والأصدقاء ظلمونا على هذا الصعيد، كل ما قمنا به هو تشكيل خليّة تفكير في الأزمة بأبعادها، وكان الراحل الحسين يطلعنا أولاً بأول على تحليلاته لآفاق الأزمة، ونتشارك في تقدير الموقف، وبناء عليه نقترح كيفيّة التصرُّف.
في تلك المرحلة، بعد الاحتلال بأيام قليلة، أنهينا صيغة الرِّسالة الموجَّهة لمجلس الأمن الدولي، وأبلغنا الأميركيين أنَّنا سنستمرّ بتصدير الأرزّ والقمح والسكَّر والزيوت واللحوم للعراق، وهي مواد غذائية أساسية، كما سنستمرّ باستيراد النفط من العراق، علماً بأنّ حصاراً قد فُرض ضدّ أي تصدير أو استيراد من العراق.
صحيح أنَّ تقديراتنا كانت متشائمة لتطوُّر الأزمة، لأنَّنا كُنّا موقنين برفض المجتمع الدولي للحل السياسي، وأنَّ المطلوب هو الحل العسكري، لكن ما كان يطمئننا قليلاً هو أنَّ إيران نأت بنفسها عن الأزمة، بل إنَّ علاقتها مع العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية شهدت تحسُّناً، فلو اقتربت المصالح الإيرانية الأميركية، لكانت الكارثة أكبر من قدرة المنطقة على الاحتمال.
مع امتداد الأزمة تحمَّلنا أعباء اقتصادية وأمنية هائلة، فقد كانت هناك مخاوف كبيرة، وبدأ الهجوم على المواد الغذائية، لأنَّ هناك مخاوف عند المواطنين من التعرُّض للعدوان. من النّاحية التموينية، كنّا على اطِّلاع في مجلس الوزراء، أوّلاً بأوّل، على مخزوننا من المواد الغذائية، وكنا ندرك أن مخزوننا يكفينا لستة أشهر، باستثناء السُكَّر لشهرين ونصف الشهر فقط.
أمّا عن الوضع المالي، فقد كان مرعباً حقاً، ففي أوّل الأزمة، تمّ سحب ودائع دينار وعملة أجنبية، حيث تمّ في خلال ساعتين سحب 8 ملايين دينار، والدولار صار شبه مفقود كنقد، وبلغ سعر صرفه 74 قرشاً، وزاد من تعقيد الظَّرف أنَّ علاقاتنا المالية مع العراق توقَّفَت بفعل الحرب، وأموالنا في البنوك الخليجيّة مجمَّدة لأنَّ الأزمة على أشدّها.
وعلى الصَّعيد العربي، سعَيْنا لحراك دبلوماسي يطالب بعقد مؤتمر لوزراء خارجيّة الدول الداعية للحلّ العربي في عمّان؛ الأردن واليمن والسودان والجزائر وليبيا والمغرب وتونس، بناءً على رغبة العراق. والهدف كان كسر الحصار السياسي على العراق. في تلك الفترة، رفضنا تطمينات طارق عزيز، وتأكَّدنا أنّ المصدر الوحيد للمعلومات هو الإعلام الغربي.
كُنّا يومها نتعامل مع العراق، بعد تدميره كاملاً، وكانت التَّقديرات بعد الانسحاب تشير إلى إفشاء معلومات وتسريبها من العراق، وتحديداً معلومات عسكرية، وكانت الشُّكوك تتَّجه نحو الاتحاد السوفياتي. كما أنَّ البصرة والتدخُّل الإيراني ولجوء ستة آلاف عراقي لإيران، كان تحدِّياً أمنيّاً خطيراً يهدَّد وحدة الأراضي العراقية، بينما لا أعلم مدى دقّة المعلومات، التي تحدَّثَت عن بدء انسحاب العراق من الكويت قبل الهجوم البرّي، لكن القصف المستمرّ خلال مائة ساعة، أدى إلى تدمير كبير، وتسبَّب في اهتزاز معنويّات العسكر، وشعورهم بالهزيمة.
حتى اللحظة الأخيرة ما قبل الحرب البرِّية، ظلَّ العراقيون يعيشون تحت انطباع أنَّ المبادرة الروسيّة ستكون فاعلة، وسيقبلها الأميركيّون، بينما الانطباع السائد لدينا أنّ أميركا تريد انسحاب العراق من الكويت دون شروط، وأن يوافق على جميع القرارات، بينما القوات الأميركية كانت تستعدّ للهجوم خلال ساعات. الخسائر كانت هائلة، أذكر ما سمعتُه من وصف عن معركة الدبّابات، التي ارتُكبت فيها مجزرة، وسقط نحو ألف وخمسمائة جندي عراقي، بين شهيد ومُصاب، وما قيل عن معركة اهتزَّت الأرض فيها، نتيجة قوَّة الضَّرب بين الجانبين العراقي والأميركي.
ومنذُ أن بدأ الهجوم البرّي، بدا واضحاً ضعف الجبهة العراقيّة، التي فقدت اتِّصالاتها بالقوّات المتقدِّمة، وذلك كان نتيجة تأخُّر الاتِّصال بين القيادة السياسية والعسكرية، وبدأ العراقيون يفقدون الاتِّصال فيما بينهم.
في الأردن الرَّسمي، تمَّ توثيق موقفنا في الكتاب الأبيض الذي أعدَّه الديوان الملكي بجهود من سياسيين وإعلاميين ومؤرِّخين، وهذا الكتاب يثبت سعْي الأردن لتأمين الانسحاب العراقي من الكويت قبل فوات الأوان، وفيه رسالة تاريخية تباينت المواقف حولها، وأصر الراحل الحسين على إرسالها لصدام من أجل تأمين الحلّ العربي العربي الذي أفشله الكثيرون.
 



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.