ما نشهده راهناً رغم قتامته يحمل مسحة حداثية ربما تعصف بأساسيات السوق العالمية لا سيما في عالم الموضة الذي لطالما ظن أنه في مأمن بوجود زبون سخي يلهث وراء الترف. وبعد ما عاصره الجميع خلال الشهور الماضية عبر تداعيات جائحة «كورونا»، أصبح جلياً أن ركائز الموضة التي حققت لها مليارات الدولارات على مدار العقود الماضية، ارتبكت ولم تعد الضامن لجلب المزيد.
في يوليو (تموز) الماضي، أجرت مدرسة «بوليمودا» الإيطالية، استطلاع رأي ضم 300 طالب من 54 دولة حول العالم، للتعرف على ما ينتظره الجيل اليافع من الموضة، وخلص البحث إلى نتائج ربما تُغير المشهد وتُبدل أحلام صانعي الترف.
حسبما نشرت «بوليمودا» على موقعها الرسمي جاءت «الحرية على رأس مطالب جيل الألفية من صناع الموضة، بنسبة 29.1% من المشاركين، فالموضة طريقة للتعبير عن الأفكار، من ثَم عليها أن تتخلى عن أي قيود اقتصادية أو سياسية تحرك دفّتها».
ولقد جاءت قضية «المصداقية في تحقيق الشمولية والقضاء على التمييز» في المرتبة الثانية، كإحدى الأدبيات التي يجب أن تحكم صناعة الموضة حتى تستعيد عافيتها، وذلك بنسبة 17.3% من المشاركين.
يقول وليد خيري، أستاذ تصميم الأزياء بمركز التدريب المصري «كايرو ديزاين ديستريكت»، لـ«الشرق الأوسط»: «بعد ظهور وباء كورونا، وبين موجاته الصاعدة والهابطة، بات الجميع يتفق على أن الأمور لن تعود إلى سابق عهدها، وهذه حقيقة على صناع الموضة استيعابها».
«الأولويات تبدلت، والتجمعات انحسرت، والقلق يتصاعد من تبعات فيروسية أكثر فتكاً»، على ما يقدّر خيري الذي يربط ذلك بعالم الموضة، شارحاً أن «الحديث يتعالى عن فقر مدقع في انتظار عدد ضخم من سكان الأرض، وكل هذا يخلص إلى عزوف المستهلك عن كل ما يُحسب تحت بند الرفاهية، وعلى رأسه الموضة».
غير أنّه بدا صادماً في الاستطلاع أن يعرب جيل الألفية عن قلقه وعدم ثقته في وسائل التواصل الاجتماعي التي وصفتها نتائج الاستطلاع بـ«العالم الزائف»، رغم أنّها إحدى الأدوات الفعالة لتسويق الموضة حول العالم. القائمون على الاستطلاع حاولوا تحليل الملمح السابق بالقول إن «العالم لم يعد يتحمل مزيداً من التزييف داخل عالم افتراضي، بينما عليه أن يحقق مبادئ الشمولية والاستدامة من خلال واقع ملموس».
ويعتقد أستاذ تصميم الأزياء المصري أن «كورونا صفع العالم، ودفعه لمزيد من المصداقية والواقعية، فلم يعد هناك داعٍ للبذخ بهدف منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يحصد حفنة من القلوب الحمراء، بينما علينا أن نسير نحو خيارات عملية تحقق النفعية على الأرض وتحقق الشمولية باحتضان الاختلاف».
نتائج استطلاع «بوليمودا» أشارت كذلك إلى أنّ صناع الموضة أمام جيل يبحث عن تغييرات وإجراءات ملموسة لتصبح الموضة صناعة صديقة للبيئة، عبر «القضاء على ممارسات الإنتاج المهدرة التي أثارت كثيراً من الاستهجان خلال السنوات الماضية» وكذلك «إعادة تنظيم حقيقية لأساليب الإنتاج المتهمة بتلويث الأرض». ويقول خيري: «حتى قبل الجائحة كان التغير المناخي، الذي تعد صناعة الموضة أحد أسبابه، أحد التحديات أمام صناعة الأزياء لكن يبدو أن (كوفيد - 19) سيُسرع بإجراءات حماية البيئة».
وخص الاستطلاع الذي نشرته مدرسة «بوليمودا» الإيطالية دارسين للموضة، لذا فقد شملت رؤيتهم لمستقبل الموضة وبيئة العمل داخل العلامات التجارية البارزة وتأثيرها على مستقبل الصناعة. وحسب النتائج التي خلص إليها، «يرغب الشباب في القضاء على التمييز الجنسي أو العرقي أو الديني داخل كيانات الأزياء نفسها»، وذكرت التوصيات أنه «على علامات الموضة أن تطبق المبادئ التي تنادي بها داخل مؤسستها أولاً».
«الترف أو الرفاهية» بمفهومهما التقليدي الذي عززته مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات القريبة الماضية، «لم يعد بين حسابات وأولويات جيل مفعم بالإمكانات والقوة لتغيير العالم» حسب نتائج الاستطلاع. ويرى الخبير بصناعة الأزياء أن «انقضاء الوباء لا يعني العودة للوراء، حتى وإن كنا نتوق لشكل حياتنا قبل ذلك، فلم نعد نعمل من المكتب كل يوم، كما بات ارتياد المطاعم والأمسيات الباذخة محدوداً، ما سينعكس على مقتنياتنا من الموضة»، متوقعاً أن تكون «الأولوية لكل ما هو نفعي ومستدام يحقق أقصى استفادة لأطول وقت ممكن، وسينسحب ذلك على طريقة التسوق التي ستركز على توفير الوقت وحصد أقصى استفادة، ومن ثم ننتظر سوقاً إلكترونية ضخمة مفعمة برفاهية ومرونة التسوق، مقابل انحسار المتاجر الواقعية».
وفي توصيات المجموعة المشاركة في نتائج الاستطلاع تظهر دعوة للعلامات التجارية إلى «اختيار سفرائها بعناية ليكونوا نماذج اجتماعية مسؤولة ولديهم قصص تدلل على مبادئ العلامة»، وبعبارات أخرى تقول التوصيات: «يجب أن تشعر العلامة التجارية كأنها مجتمع، على صناع الموضة تعزيز الشعور بالانتماء، يريد الشباب من العلامات التجارية التركيز على ما نشترك فيه جميعاً بدلاً من اختلافاتنا».
8:27 دقيقه
الشباب يرسمون مستقبل الموضة... الحرية قبل الترف
https://aawsat.com/home/article/2451961/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%81
الشباب يرسمون مستقبل الموضة... الحرية قبل الترف
تداعيات «كورونا» تفرض نفسها على مجال الأزياء لسنوات
- القاهرة: إيمان مبروك
- القاهرة: إيمان مبروك
الشباب يرسمون مستقبل الموضة... الحرية قبل الترف
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

