لقاءات كيري اليوم مع عريقات والوفد العربي تحدد توقيت تقديم مشروع القرار الدولي

فلسطين توسع وجودها على المسرح الدولي في أول مشاركة بجمعية المحكمة الجنائية الدولية

كيري ونتنياهو خلال لقائهما في روما أمس (أ.ف.ب)
كيري ونتنياهو خلال لقائهما في روما أمس (أ.ف.ب)
TT

لقاءات كيري اليوم مع عريقات والوفد العربي تحدد توقيت تقديم مشروع القرار الدولي

كيري ونتنياهو خلال لقائهما في روما أمس (أ.ف.ب)
كيري ونتنياهو خلال لقائهما في روما أمس (أ.ف.ب)

يقوم وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، اليوم بجهود اللحظة الأخيرة لمنع تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يفرض جدولا زمنيا لدفع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وكانت القيادة الفلسطينية التي اجتمعت، أول من أمس، قررت التوجه إلى مجلس الأمن الدولي غدا، لطلب التصويت على مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المستمر منذ عام 1967، إلا أن يوم أمس، أفادت مصادر عدة بأن التحرك للتصويت قد يؤجل في حال قدم كيري مقترحات جديدة لعريقات أو المسؤولين العرب خلال لقاءاته في لندن اليوم. ووسط أجواء من التوتر الذي خلفته تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الرافضة لأي تحركات فلسطينية في مجلس الأمن الدولي، أو قبول جدول زمني للانسحاب من المناطق الفلسطينية المحتلة، دخل وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، ورئيس الحكومة الإسرائيلية، إلى منزل السفير الأميركي في روما، أمس، حيث بدآ اجتماعهما المقرر في سياق جولة كيري الأوروبية، وبعد 3 ساعات من الاجتماع، خرج كيري ونتنياهو من دون تحقيق تقدم مذكور، لينتقل كيري إلى لقاءات من نظراء أوروبيين بهدف توحيد الصف مع الأوروبيين حول القضية الفلسطينية التي حصلت دعما من برلمانات بريطانيا، وفرنسا، وآيرلندا، وغيرها من دول أوروبية.
وبدوره، أكد السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، أن مشروع قرار إنهاء الاحتلال سيعرض في موعده الأربعاء على مجلس الأمن حسب قرار القيادة الفلسطينية، إلا إذا قررت القيادة في اجتماع حاسم اليوم خلاف ذلك. وقال منصور لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نرى أنه أوان الحسم ولم يعد يمكن الانتظار أكثر». وأضاف: «قررنا تقديمه فورا لأنه لم يعد ممكنا انتظار المتلكئين ولأنه يجب أن يعرفوا أن ساعة الحسم اقتربت». وأوضح منصور أن المشاورات مع الأوروبيين بشأن المشروع الفرنسي الذي يوازي مشروع إنهاء الاحتلال متقدمة والمواقف قريبة، لكنه قال إن الخلاف الآن هو مع واشنطن.
وأوضح منصور أن المطلوب من الولايات المتحدة الآن هو دعم المشروع الأوروبي في هذا الوقت من أجل التفاوض حول الصياغة.
وكانت القيادة الفلسطينية قررت، الأحد الماضي، طرح مشروع القرار الفلسطيني/ العربي للتصويت في مجلس الأمن بعد الاجتماع المزمع عقده بين وزراء الخارجية العرب مع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، والوزراء الأوروبيين اليوم.
وقالت مصادر فلسطينية رفعية المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن «تحديد يوم الأربعاء كان مبدئيا». وأضافت: «كان الغرض هو الضغط على الأميركيين قبل لقاء وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات وبالوزراء العرب، والضغط كذلك على الفرنسيين للخروج بشيء جدي في وقت سريع». وتابعت: «موضوع تقديم المشروع يوم الأربعاء من عدمه رهن بنتائج الاجتماعات مع كيري». وأوضحت: «إذا خرجت اجتماعات اليوم بين كيري ووزراء الخارجية العرب من جهة، وكيري وعريقات من جهة ثانية، بشيء جدي فحينها يمكن تأجيل عرض القرار والبدء في مفاوضات جدية».
وبدورها، أكدت دينا قعوار مندوبة الأردن لدى الأمم المتحدة أنه لا توجد تحركات لطرح مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية للتصويت في مجلس الأمن في جلسة الغد الأربعاء. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لم يصل إلينا بالبعثة الدبلوماسية الأردنية لدى الأمم المتحدة أية طلبات رسمية لتقديم مشروع القرار سواء باللون الأزرق أو أي لون آخر»، في إشارة إلى تقاليد الأمم المتحدة، حيث يعني تقديم مشروع قرار باللون الأزرق الاستعداد للتصويت على مشروع القرار في خلال 24 ساعة لكنه لا يقيد إجراء التصويت.
وأشارت سفيرة الأردن لدى الأمم المتحدة أنه لا يوجد خطط عاجلة من أجل التصويت على قرار القرار وأنها تنتظر نتائج اجتماعات وزير الخارجية الأميركي في أوروبا، مضيفة: «ننتظر لنرى كيف ستكون الخطوات المقبلة».
وأوضحت قعوار أن المشاورات ما زالت جارية بين أعضاء مجلس الأمن حول مشروع القرار الفلسطيني ومشروع القرار الذي تقدمت به الدول الأوروبية بقيادة فرنسا. وأشارت إلى أن المشروع الفرنسي ينص على تحديد موعد عامين لإنهاء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين للتوصل إلى التسوية النهائية، وهو ما يختلف بشكل جوهري عن المشروع الفلسطيني الذي يسعى لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية خلال عامين.
وأشار مسؤول دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن مجلس الأمن استمع أمس إلى إفادة من مبعوث الأمم المتحدة الخاص للشرق الأوسط روبرت سري حول تطورات الأوضاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقال: «أبدى أعضاء مجلس الأمن قلقهم من تداعي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وارتفاع التوتر والعنف بما أدي إلى مقتل زياد أبو عين، وطالب مجلس الأمن بالتحقيق في مقتله وإعلان أسباب وفاته، كما طالب بدعم الجهود لإحياء المفاوضات للتوصل إلى حل إقامة الدولتين».
واعتبر سري في إفادته أن وضع مشروع قرار يحدد المعايير لتسوية نهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين للتصويت هو «خطوة بناءة»، محذرا من أن القرار لن يكون بديلا لإجراء عملية سلام حقيقية من خلال التفاوض بين الطرفين. وأضاف: «آمل أن يؤدي عمل مجلس الأمن إلى خلق زخم بناء نحو إنشاء إطار هادف وفعال لإحياء المفاوضات وتحرك مجلس الأمن سيكون خطوة كبيرة في خضم هذا النزاع».
وكان الأردن وزع الشهر الماضي، مشروع قرار باسم الفلسطينيين، يطالب بانسحاب إسرائيل من «كامل الأراضي المحتلة منذ 1967»، في موعد أقصاه نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. وردا على سؤال لوكالة الصحافة الفرنسية حول ذلك، قال مسؤول في الخارجية الأميركية، «لا أعتقد أنها الطريقة (الملائمة) التي ينبغي أن نتعامل بها مع مفاوضات بالغة التعقيد، عبر فرض مهلة لعامين».
وأفادت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، أن «واشنطن متمسكة برفضها المبدئي لتقديم مشروع القرار، إذ إنها «لا ترى الأمم المتحدة المكان المناسب»، مطالبا بإعطاء فرصة «للمفاوضات» المعلقة منذ أكثر من عام.
وكان كيري قد التقى مع وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، أول من أمس، بهدف مناقشة ملف الشرق الأوسط، وإمكانية إبعاد الملف الفلسطيني عن مجلس الأمن في هذه المرحلة. ودعا لافروف إلى ضرورة تفادي «المزيد من تدهور الوضع» في الشرق الأوسط، مؤكدا السعي «إلى ما يمكن القيام به معا لتجنب ذلك». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول في الخارجية الأميركية قوله، إن الرجلين «توافقا على مواصلة العمل الوثيق حول الموضوع (الشرق الأوسط)، وشددا على ضرورة أن تتخذ كل الأطراف إجراءات تهدف إلى الحد من التوتر».
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، عبر قبل مغادرته إسرائيل إلى العاصمة الإيطالية، عن رفضه أي محاولات فلسطينية لوضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، في غضون عامين من خلال مشروع قرار في الأمم المتحدة. وذكرت مصادر إسرائيلية رفيعة، في أعقاب لقاء نتنياهو وكيري، أن الوزير الأميركي، الذي أدرك، متأخرا، هدف نتنياهو، ألغى لقاء مقررا مع الصحافيين الذين تمت دعوتهم إلى مؤتمر صحافي مشترك قبيل اللقاء، لأنه توقع أن يستغل المنبر لإظهار الخلافات بين الطرفين.
بالمقابل، طالب نتنياهو كيري، حسب المصادر نفسها، بأن يثابر في السياسة التي أعلنها هو والرئيس أوباما مرات عدة، وعبرا فيها عن رفض الولايات المتحدة للخطوات الأحادية الجانب. وقال: «لا يوجد شيء أحادي الجانب في الشرق الأوسط أكثر من النشاط الفلسطيني في الساحة الدولية. فلا تساعدوهم علينا». وأضاف أن «على أصدقائنا أن يعرفوا أن هدف الفلسطينيين من العمل الأحادي الجانب في المؤسسات الدولية، هو تقويض شرعية إسرائيل، وأن النتيجة الوحيدة لهذا العمل هي خلق أجواء عداء لإسرائيل في الشارع الفلسطيني تتطور نحو الإرهاب»، على حد قوله.
وتوجه كيري، أمس، بعد لقائه نتنياهو، إلى باريس، حيث أمضى بضع ساعات، التقى خلالها وزراء الخارجية: الفرنسي، والألماني، والبريطاني، إضافة إلى وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي الجديدة، فيديريكا موغيريني.
وأوضحت وزارة الخارجية الفرنسية، أن اللقاء مع الوزير الفرنسي، خصص لبحث «الوضع في الشرق الأوسط والمبادرة التي ندعمها في مجلس الأمن لتشجيع إعادة انطلاق سريعة لعملية السلام». غير أن نتنياهو لم يبد ارتياحا للجهود الفرنسية. وكانت باريس، بدأت منذ أسابيع مشاورات عدة مع لندن وبرلين، ثم مع واشنطن وعمان، لبلورة نص توافقي يحظى بدعم الأعضاء الـ15 في مجلس الأمن.
وقال الناطق باسم الخارجية الفرنسية، أمس: «في ظل عدم وجود عملية سلام، وهو ما يؤجج التوتر على الأرض، من الضروري المضي قدما بشكل سريع بمشروع قرار في مجلس الأمن الدولي».
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن باريس تحاول حصول تأييد الفلسطينيين لتسوية، لكن يبدو أن الفلسطينيين منقسمون بين مؤيدين للتحرك سريعا حتى لو استخدمت واشنطن الفيتو، وآخرين يريدون مقاربة بناءة أكثر. وتتحرك فلسطين على أصعدة عدة لإثبات وجودها على المسرح الدولي. وأكد سفير فلسطين لدى الأمم المتحدة، منصور، أمس، رغبة الفلسطينيين في الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية «في الوقت المناسب»، وذلك في أول خطاب لمسؤول فلسطيني أمام جمعية الدول الأطراف في المحكمة.
ودعي منصور للتحدث أمام الجمعية المجتمعة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك بموجب البند 94 لنظام الجمعية. ويتيح هذا البند دعوة دولة غير عضو أو مراقب لإرسال ممثل عنها إلى الجمعية لحضور النقاش ومخاطبة الجمعية.
وحصل الفلسطينيون في نوفمبر 2012 على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة مما يمنحهم الحق في الانضمام إلى سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية من بينها معاهدة روما التي أنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية.
ويتيح مثل هذا الانضمام التقدم بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب خصوصا في قطاع غزة.
وقال منصور: «هناك في الواقع توافق بين الفلسطينيين ومنظماتهم السياسية وقادتهم على الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية»، مضيفا أن «القرار ستتخذه قيادتنا في الوقت المناسب، قد نكون الدولة الـ123 العضو في المحكمة الجنائية الدولية».
وصادقت 122 دولة حتى الآن على اتفاقية روما المنشئة للمحكمة ليس بينها لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.