قضايا المرأة تستحوذ على عروض مهرجان مرسيليا

ثلاثة أفلام لاتينية حولها ودفاعاً عن حقوقها

صورة غير واضحة عن حياة امرأة في «نايت شوت»‬
صورة غير واضحة عن حياة امرأة في «نايت شوت»‬
TT

قضايا المرأة تستحوذ على عروض مهرجان مرسيليا

صورة غير واضحة عن حياة امرأة في «نايت شوت»‬
صورة غير واضحة عن حياة امرأة في «نايت شوت»‬

انتهت في السادس والعشرين من الشهر الماضي أعمال الدورة الحادية والثلاثين لمهرجان FID الذي تقيمه مدينة مرسيليا الفرنسية كل عام.
وسط كارثة كورونا، كان من الصعب التيقن من أن هذه الدورة ستُقام فعلياً، وأن القرار بتحدي الوباء سينجح، وبالتالي ستخرج الدورة الجديدة غير مثخنة بجراح الظروف الصحية التي سببها، وما يزال، هذا الوباء المنتشر.
سبعة عشر فيلماً في المسابقة وأكثر منها في زوايا المهرجان المختلفة نقلت إلى الجمهور الفرنسي تلك النوعية من الأفلام التي تحتاج للاكتشاف من قِبل الجمهور والموزّعين لكنها لا تصلح للتنافس أمام أسماء أكبر وخبرات أطول تقبل عليها مهرجانات السينما الرئيسية.
اعتداء
الأفلام الفائزة بالجوائز الأولى تعكس، كباقي الأفلام في الواقع، هذا الجانب من الصورة الماثلة حيث على الأفلام ذات الإنتاج المستقل والمُنجز من قِبل مخرجين غير معروفين إيجاد الوسيلة المناسبة للعرض والفوز والخطو بعد ذلك إلى الأمام. هناك مهرجان «صندانس» في الولايات المتحدة ومهرجان «لوكارنو» في سويسرا لكن مهرجان مرسيليا هو أقرب لأن يكون نقطة جامعة بين المهرجانين الكبيرين.
ذهبت الجائزة الأولى إلى الفيلم التشيلي «نايت شوت» وحظي فيلم «نهر غامض» (Shady River) بجائزة أفضل فيلم دولي، والجائزتان تبدوان غريبتين في التسمية: «نهر غامض» هو فيلم أرجنتيني ما يُطبّق عليه نعت «فيلم دولي»، لكن كذلك الحال مع فيلم «نايت شوت» التشيلي.
يبدأ «نايت شوت» بالتقرير التالي:
«هذه القصة لها ثلاثة أنواع من الضوء: واحد يُغشي البصر، ثم ضوء داكن لا تستطيع معه أن ترى شيئاً، ونوع خافت». في الواقع، لا يمكن التعويل كثيراً على هذه العبارات كون الضوء الوحيد المتسرب من حكاية المخرجة التي تصنع فيلماً عن نفسها وما حدث لها، هو داكن وبلا ملامح تميّز هذه الكانة عن تلك.
تحكي المخرجة كارولينا موسكوزو في «نايت شوت» قصّتها عندما انفرد بها رياضي واغتصبها ليلاً. لا نرى الحادثة الفعلية لكن الفيلم يتمحور حولها وحول الآثار العميقة التي حفرتها في ذات المخرجة. هناك الخوف من الغرباء، الخوف من الخروج من البيت (ولو إلى حين)، خوفها من الأمراض الجنسية أو الحمل بعد الاغتصاب. للتعبير عن هذه المخاوف، وفي ركاب ذلك تعكس تلك المخاوف بطرق شتّى: الكاميرا تلاحق أشياء الحياة العادية (مناظر مُلتقطة من داخل حافلة، زوم على طيور مرتفعة، أشجار، مبانٍ) متبوعة بلقطات ضبابية غير واضحة. المعالم مطموسة غالب الوقت. الأماكن غير محددة وشخصيات تبدو جزئياً في الصورة.
ما تعتمده موسكوزو هنا هو دمج تجربتها وما بعد تلك الحادثة بحياتها القلقة لتصوّر ذلك التأثير غير المستقر بما يوازيه من لا استقرار المشاهد ولا الفيلم بكامله. اللافت هو أنها تمضي بنجاح في مضمار السينما التجريبية. ما نراه في أغلب الأحيان مشاهد غير متّصلة في سياق واحد. مشاهد مختلفة لأشياء مختلفة (عجلات دراجة، طرق، مزارع، شخوص مبهمة تبدو كأشباح، تفتّح الورود، صور، وثائق إلخ... وتصحب كل ذلك باختيارات في الفورمات التي تعمل من خلالها: شاشة سوداء، لقطات ذات حجم صغير جداً محاطة بالسواد، تعليق يصاحب الفيلم قد يلتقي وقد لا يلتقي مع ما هو معروض.
في بعض الأحيان تنبري لالتقاط مشاهد رائعة التكوين. كاميرا من نافذة طائرة تهبط لتحط على أرض المطار. حال تحط تقطع المخرجة إلى مشهد من عمق البحر لكلاب البحر وهو تسبح كما لو كانت ترقص على أنغام موسيقى تسمعها هي وحدها.
تحاول المخرجة داخل هذا الفيلم البيوغراي رفع قضية على الجاني (رياضي في فريق كرة قدم كانت سخرت هي من فريقه علناً) لكن المحامي يخبرها (في رسائل مطبوعة على الشاشة) إن قضيتها صعبة كونها تحاشت استدعاءها للتحقيق ولم تكمل الفحص الطبي الذي كانت بدأته. لاحقاً ما يخبرها المحامي أن قضيتها تجاوزت المدّة المحددة لها (ثماني سنوات).
بالنسبة للمشاهد السائد لن يمر الفيلم من دون ضجر أو ملل، لكنه تجربة في السينما تستحق المتابعة لما تطرحه من تفاعل بين الموضوع الشخصي واختيارات المخرجة للتعبير عنه.
رسالة مباشرة
«نهر غامض» هو أيضاً من إخراج امرأة تدلف إلى الميدان حديثاً. تقوم المخرجة الأرجنتينية تاتيانا مازو الغوزنزاليز بتوفير نظرة فاحصة على بلدة صغيرة اسمها ريو توربيو قوامها بيئة اجتماعية للعاملين في مناجمها. في صميم هذه البيئة نكتشف أن المرأة ممنوع عليها الاقتراب من الآبار خشية أن يجلبن سوء الحظ لباقي البلدة. أكثر من ذلك، تكتشف المخرجة في عداد فيلمها التسجيلي هذا، أن النية في الأساس كانت تنص على التخلص من النساء في تلك البلدة لأنهن مصابات بلعنة ساحر ولن يجلبن إلى الحياة إلا الضرر والأذى.
كون المخرجة في الأساس من السينمائيات اللواتي ينتمين إلى الاهتمام بالقضايا الاجتماعية فإنه من المفهوم سبب اهتمامها بالمسألة وكيف تعكس غبها من هذه النرة المتخلفة التي تقبع المرأة تحتها.
من اللقطة الأولى تعمد المخرجة إلى تقديم نساء يجابهن هذا الموقف بعناد. تصوّر، في لقطات قريبة، عيون النساء وهن ينظرن إلى الأمام بتحدٍ واضح. لقد وجدن في الفيلم الفرصة المنتظرة لتقديم ما هو أكثر من شكوى. الكشف عما هو أعلى من مجابهة أو مجرد صوت صارخ بالتخلف الموجود في تلك المجتمعات.
الفيلم مباشر أكثر مما ينبغي بالنسبة لمن يطلب التطرق إلى المواضيع الاجتماعية أو أي قضايا مهمّة من هذا القبيل بالإيحاء أو بالشكل الذي يحرص على توفير الرسالة من دون الضرب بالمطرقة. على ذلك، يدخل الفيلم في عداد ما دأبت السينما الأميركية اللاتينية توفيره من أعمال سياسية بجدارة.
أفضل منه، عند هذا الناقد على الأقل، فيلم برازيلي عنوانه Pajeu للمخرج بدرو ديوغينيز. فيلم روائي في 74 دقيقة فقط يحكي عن تجربة نسائية ثالثة، لكنها مختلفة. إنه عن فتاة شابة يتراءى لها، في الحلم وبين الحلم واليقظة أحياناً وحش اسمه بايّو يخرج من ماء النهر. هذا يثير اهتمامها (وخوفها بالطبع) وتبدأ البحث عن هذا الوحش الأسطوري لتكتشف أنه نتاج جامع بين قوى غيبية وأخرى فيزيائية سادت منذ زمن بعيد.
هناك مزج بين التشويق والرعب والدراما الجادة وهذه الأخيرة هي التي تصهر العمل على النحو الذي نراه في «باجيو» قدر ملحوظ من سينما غويلرمو دل تورو حيث الفانتازيا ممتزجة بتشخيص الحالة اجتماعياً والخلاص من هذا الجمع بمنحى جذّاب وناجح. يحتاج المخرج بدرو ديوغينيس لتجارب أكثر حتى يسيطر على موضوعه على نحو فني أكثر منه وصفي.
كون المخرج لم يستطع الحضور إلى المهرجان الفرنسي لم يعن أنه لم يحضر بطريقة أخرى. بعث للمشاهدين برسالة مصوّرة يتحدث فيها قليلاً عن فيلمه، ولنحو دقيقة ونصف، عن الرئيس البرازيلي الحالي، واصفاً إياه بالمعاداة للثقافة والفن والإنسان ولبرازيل ذاتها، كما يقول.
ليس غريباً، في نهاية المطاف، أن تحظى السينما اللاتينية بالاهتمام لكن هذا لا يمنع أن أفلاماً أخرى وردت من السويد والولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وصربيا والبرتغال حملت هموماً نسائية ورجالية على حد سواء.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز