قضايا المرأة تستحوذ على عروض مهرجان مرسيليا

قضايا المرأة تستحوذ على عروض مهرجان مرسيليا

ثلاثة أفلام لاتينية حولها ودفاعاً عن حقوقها
الجمعة - 17 ذو الحجة 1441 هـ - 07 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15228]

انتهت في السادس والعشرين من الشهر الماضي أعمال الدورة الحادية والثلاثين لمهرجان FID الذي تقيمه مدينة مرسيليا الفرنسية كل عام.

وسط كارثة كورونا، كان من الصعب التيقن من أن هذه الدورة ستُقام فعلياً، وأن القرار بتحدي الوباء سينجح، وبالتالي ستخرج الدورة الجديدة غير مثخنة بجراح الظروف الصحية التي سببها، وما يزال، هذا الوباء المنتشر.

سبعة عشر فيلماً في المسابقة وأكثر منها في زوايا المهرجان المختلفة نقلت إلى الجمهور الفرنسي تلك النوعية من الأفلام التي تحتاج للاكتشاف من قِبل الجمهور والموزّعين لكنها لا تصلح للتنافس أمام أسماء أكبر وخبرات أطول تقبل عليها مهرجانات السينما الرئيسية.

اعتداء

الأفلام الفائزة بالجوائز الأولى تعكس، كباقي الأفلام في الواقع، هذا الجانب من الصورة الماثلة حيث على الأفلام ذات الإنتاج المستقل والمُنجز من قِبل مخرجين غير معروفين إيجاد الوسيلة المناسبة للعرض والفوز والخطو بعد ذلك إلى الأمام. هناك مهرجان «صندانس» في الولايات المتحدة ومهرجان «لوكارنو» في سويسرا لكن مهرجان مرسيليا هو أقرب لأن يكون نقطة جامعة بين المهرجانين الكبيرين.

ذهبت الجائزة الأولى إلى الفيلم التشيلي «نايت شوت» وحظي فيلم «نهر غامض» (Shady River) بجائزة أفضل فيلم دولي، والجائزتان تبدوان غريبتين في التسمية: «نهر غامض» هو فيلم أرجنتيني ما يُطبّق عليه نعت «فيلم دولي»، لكن كذلك الحال مع فيلم «نايت شوت» التشيلي.

يبدأ «نايت شوت» بالتقرير التالي:

«هذه القصة لها ثلاثة أنواع من الضوء: واحد يُغشي البصر، ثم ضوء داكن لا تستطيع معه أن ترى شيئاً، ونوع خافت». في الواقع، لا يمكن التعويل كثيراً على هذه العبارات كون الضوء الوحيد المتسرب من حكاية المخرجة التي تصنع فيلماً عن نفسها وما حدث لها، هو داكن وبلا ملامح تميّز هذه الكانة عن تلك.

تحكي المخرجة كارولينا موسكوزو في «نايت شوت» قصّتها عندما انفرد بها رياضي واغتصبها ليلاً. لا نرى الحادثة الفعلية لكن الفيلم يتمحور حولها وحول الآثار العميقة التي حفرتها في ذات المخرجة. هناك الخوف من الغرباء، الخوف من الخروج من البيت (ولو إلى حين)، خوفها من الأمراض الجنسية أو الحمل بعد الاغتصاب. للتعبير عن هذه المخاوف، وفي ركاب ذلك تعكس تلك المخاوف بطرق شتّى: الكاميرا تلاحق أشياء الحياة العادية (مناظر مُلتقطة من داخل حافلة، زوم على طيور مرتفعة، أشجار، مبانٍ) متبوعة بلقطات ضبابية غير واضحة. المعالم مطموسة غالب الوقت. الأماكن غير محددة وشخصيات تبدو جزئياً في الصورة.

ما تعتمده موسكوزو هنا هو دمج تجربتها وما بعد تلك الحادثة بحياتها القلقة لتصوّر ذلك التأثير غير المستقر بما يوازيه من لا استقرار المشاهد ولا الفيلم بكامله. اللافت هو أنها تمضي بنجاح في مضمار السينما التجريبية. ما نراه في أغلب الأحيان مشاهد غير متّصلة في سياق واحد. مشاهد مختلفة لأشياء مختلفة (عجلات دراجة، طرق، مزارع، شخوص مبهمة تبدو كأشباح، تفتّح الورود، صور، وثائق إلخ... وتصحب كل ذلك باختيارات في الفورمات التي تعمل من خلالها: شاشة سوداء، لقطات ذات حجم صغير جداً محاطة بالسواد، تعليق يصاحب الفيلم قد يلتقي وقد لا يلتقي مع ما هو معروض.

في بعض الأحيان تنبري لالتقاط مشاهد رائعة التكوين. كاميرا من نافذة طائرة تهبط لتحط على أرض المطار. حال تحط تقطع المخرجة إلى مشهد من عمق البحر لكلاب البحر وهو تسبح كما لو كانت ترقص على أنغام موسيقى تسمعها هي وحدها.

تحاول المخرجة داخل هذا الفيلم البيوغراي رفع قضية على الجاني (رياضي في فريق كرة قدم كانت سخرت هي من فريقه علناً) لكن المحامي يخبرها (في رسائل مطبوعة على الشاشة) إن قضيتها صعبة كونها تحاشت استدعاءها للتحقيق ولم تكمل الفحص الطبي الذي كانت بدأته. لاحقاً ما يخبرها المحامي أن قضيتها تجاوزت المدّة المحددة لها (ثماني سنوات).

بالنسبة للمشاهد السائد لن يمر الفيلم من دون ضجر أو ملل، لكنه تجربة في السينما تستحق المتابعة لما تطرحه من تفاعل بين الموضوع الشخصي واختيارات المخرجة للتعبير عنه.

رسالة مباشرة

«نهر غامض» هو أيضاً من إخراج امرأة تدلف إلى الميدان حديثاً. تقوم المخرجة الأرجنتينية تاتيانا مازو الغوزنزاليز بتوفير نظرة فاحصة على بلدة صغيرة اسمها ريو توربيو قوامها بيئة اجتماعية للعاملين في مناجمها. في صميم هذه البيئة نكتشف أن المرأة ممنوع عليها الاقتراب من الآبار خشية أن يجلبن سوء الحظ لباقي البلدة. أكثر من ذلك، تكتشف المخرجة في عداد فيلمها التسجيلي هذا، أن النية في الأساس كانت تنص على التخلص من النساء في تلك البلدة لأنهن مصابات بلعنة ساحر ولن يجلبن إلى الحياة إلا الضرر والأذى.

كون المخرجة في الأساس من السينمائيات اللواتي ينتمين إلى الاهتمام بالقضايا الاجتماعية فإنه من المفهوم سبب اهتمامها بالمسألة وكيف تعكس غبها من هذه النرة المتخلفة التي تقبع المرأة تحتها.

من اللقطة الأولى تعمد المخرجة إلى تقديم نساء يجابهن هذا الموقف بعناد. تصوّر، في لقطات قريبة، عيون النساء وهن ينظرن إلى الأمام بتحدٍ واضح. لقد وجدن في الفيلم الفرصة المنتظرة لتقديم ما هو أكثر من شكوى. الكشف عما هو أعلى من مجابهة أو مجرد صوت صارخ بالتخلف الموجود في تلك المجتمعات.

الفيلم مباشر أكثر مما ينبغي بالنسبة لمن يطلب التطرق إلى المواضيع الاجتماعية أو أي قضايا مهمّة من هذا القبيل بالإيحاء أو بالشكل الذي يحرص على توفير الرسالة من دون الضرب بالمطرقة. على ذلك، يدخل الفيلم في عداد ما دأبت السينما الأميركية اللاتينية توفيره من أعمال سياسية بجدارة.

أفضل منه، عند هذا الناقد على الأقل، فيلم برازيلي عنوانه Pajeu للمخرج بدرو ديوغينيز. فيلم روائي في 74 دقيقة فقط يحكي عن تجربة نسائية ثالثة، لكنها مختلفة. إنه عن فتاة شابة يتراءى لها، في الحلم وبين الحلم واليقظة أحياناً وحش اسمه بايّو يخرج من ماء النهر. هذا يثير اهتمامها (وخوفها بالطبع) وتبدأ البحث عن هذا الوحش الأسطوري لتكتشف أنه نتاج جامع بين قوى غيبية وأخرى فيزيائية سادت منذ زمن بعيد.

هناك مزج بين التشويق والرعب والدراما الجادة وهذه الأخيرة هي التي تصهر العمل على النحو الذي نراه في «باجيو» قدر ملحوظ من سينما غويلرمو دل تورو حيث الفانتازيا ممتزجة بتشخيص الحالة اجتماعياً والخلاص من هذا الجمع بمنحى جذّاب وناجح. يحتاج المخرج بدرو ديوغينيس لتجارب أكثر حتى يسيطر على موضوعه على نحو فني أكثر منه وصفي.

كون المخرج لم يستطع الحضور إلى المهرجان الفرنسي لم يعن أنه لم يحضر بطريقة أخرى. بعث للمشاهدين برسالة مصوّرة يتحدث فيها قليلاً عن فيلمه، ولنحو دقيقة ونصف، عن الرئيس البرازيلي الحالي، واصفاً إياه بالمعاداة للثقافة والفن والإنسان ولبرازيل ذاتها، كما يقول.

ليس غريباً، في نهاية المطاف، أن تحظى السينما اللاتينية بالاهتمام لكن هذا لا يمنع أن أفلاماً أخرى وردت من السويد والولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وصربيا والبرتغال حملت هموماً نسائية ورجالية على حد سواء.


سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة