«الوجه القبيح» للعلم

كتاب جديد يستعرض عمليات الاحتيال والتحيّز في ميدان الأبحاث العلمية

«الوجه القبيح» للعلم
TT

«الوجه القبيح» للعلم

«الوجه القبيح» للعلم

عندما يتحدث الناس عن العلوم الحديثة فإنهم يذكرونها بإجلال فريد، وكأنهم يميزون حكمة الحقيقة عن الحقائق الأخرى الناقصة، أو المتحيزة، أو حتى المزيفة التي تزخر بها «معارف» اليوم المتناقلة في شتى محافل الإعلام المطبوع والمسموع والمرئي وعلى منصات التواصل الاجتماعي الإلكترونية. إلا أن للعلم الحديث، كما لكل مناحي العلوم التي سبقته، مثالب ونقائص عديدة ترتبط بالتحيز الذاتي أو خرق أخلاقية البحث أو الانصياع لأوامر الساسة والحكام، وكذلك الشركات الكبرى.
ويأتي كتاب «العلم المُخْتَلَقْ: كيف يؤدي الاحتيال، التحيز، الإهمال، والتضخيم إلى تقويض البحث عن الحقيقة» لمؤلفه ستيوارت ريتشي في وقت يحتاج فيه العالم اليوم إلى جهود العلماء للكشف عن وجه العلم الحقيقي الناصع لمواجهة جائحة «كوفيد - 19»، ومواجهة هجمات والتواءات السياسيين الذين يريدون ركوب موجة الوباء لمصالحهم.
ورغم أن عنوان الكتاب «Science Fictions» يعني «خيالات علمية»، فقد فضلت اختيار تعبير «العلم المختلق»، فالوقائع تختلق كما تختلق الأساطير!
يناقش ستيوارت الباحث في علم النفس بجامعة «كنغز كوليدج - لندن» الذي سبق له أن نشر كتاباً حول «قياسات حاصل الذكاء»، في كتابه الجديد ما يواجهه العلم من مشاكل في القرن الحادي والعشرين، مشيراً إلى أهمية الاقتداء بأربعة مبادئ أساسية لـ«أخلاقيات العلم» وضعها العالم روبرت ميرتون عام 1942 وهي: مبدأ «شمولية العلم»، الذي يعني أن قواعد العلم موضوعية عالمية الشمول، تطبق على كل العلماء مهما كانت مراتبهم.
والمبدأ الثاني «جماعية العلم» بمعنى وجوب التشارك بنتائج الأبحاث ونشرها. أما المبدأ الثالث فهو «النزاهة»، أي أن أبحاث العلوم تجرى بهدف الحصول على المعرفة وليس الكسب الشخصي. والمبدأ الرابع والأخير هو «التشاؤم المنظم»، وهو يعني أن أي نتائج يجب أن تخضع للتدقيق والتحقق من صحتها قبل أن يتم اعتمادها. هذه المبادئ ليست جديدة على العلم إذ كتب بليز باسكال العالم الفيزيائي الفرنسي في القرن السابع عشر يقول: «أثناء دراسة الحقائق، يمكن أن توجد ثلاثة اتجاهات هي: اكتشاف الحقيقة عند البحث عنها، والبرهنة عليها عند العثور عليها، وفصلها عن الدجل عند تحليلها»، فيما قال ألبرت أينشتاين بعد ثلاثة قرون من ذلك: «توجد هناك في نهاية الأمر حقيقة واحدة وكثير جداً من الطرق الخاطئة... ومن أجل الانتصار ينبغي علينا الإخلاص للعلم كل ساعة من حياتنا رغم الفرص الصغيرة للنجاح».
يؤكد ريتشي في بداية كتابه على أن اتباع هذه المبادئ يعني موثوقية النتائج العلمية وصحتها، ثم يخصص باقي الكتاب لتوضيح إخفاقات العلم الحديث بسبب انعدام الالتزام بتلك القواعد. ويسرد أمثلة الإخفاقات العلمية القديمة والحديثة، مثل عملية احتيال ويليام سمرلين الباحث في الأمراض الجلدية الذي ادعى عام 1974 أنه زرع جزءاً من جلد فأر أسود في جسم فأر أبيض من دون حدوث تفاعلات مناعية مضادة، إلا أن أحد العاملين في مختبره اكتشف أنه لوّن الجزء المزروع بقلم أسود اللون.
وفي بداية القرن الحالي ادعى هوان وو - سوك العالم البيولوجي الكوري الجنوبي الشهير عام 2004 أنه استنسخ أجنة بشرية وحصل على سلالات من الخلايا الجذعية بمقدورها معالجة أي عضو متضرر من أعضاء الجسم. وظهر كذبه فيما بعد، إذ لم تكن أبحاثه سوى عملية احتيال تصويرية بتوظيف أحد البرامج الإلكترونية.
إلا أن الكاتب يمنح لقب «أكبر عملية احتيال علمي ضارة في كل الأزمان» للادعاء الذي طرحه الدكتور أندريو ويكفيلد الذي زعم أن التوحد يمكن أن ينجم عن حقن اللقاح الثلاثي للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية. وقد حور ويكفيلد دراسته 12 من أطفال التوحد المنشورة عام 1988 في مجلة «لانسيت» العلمية المرموقة، وكيَف نتائجها لتطابق مع نظريته. وقد أدت فضيحة ويكفيلد التي اكتشفت لاحقاً إلى عواقب كبرى بسبب هذا «العلم القبيح» حسب تعبير المؤلف، حيث أخذت مجموعات مختلفة من السكان بالامتناع عن تطعيم الأطفال باللقاح مما أدى إلى وفاة 140 ألف طفل من الحصبة عام 2018 وحده.
كما ينوه المؤلف بإخفاقات الأبحاث العلمية التي تحاول دعم النتائج أو تكيّفها بإحصاءات مقبولة أو تلك التي تجرى على مجموعات قليلة جداً من الأفراد أو حيوانات الاختبار. ونوه بصعوبات إعادة اختبار نتائج الدراسات النفسية لوجود مشاكل إحصائية تحمل سمة التحيز. وأكثر ما يثير القلق في هذا الشأن هو «أزمة إعادة الاختبار» كما يسميها المؤلف، التي عانى العلم منها خلال العقد الأخير من الزمن. إذ رصد الباحثون أعداداً هائلة من الدراسات، منها الكثير من الدراسات الأساسية، التي لا تأتي بنفس النتائج عند تكرار اختبارها. وانطبق هذا بشكل كبير على الدراسات الطبية والنفسية. ويقول المؤلف إن تجارب لإعادة اختبار نتائج 53 دراسة مختبرية رائدة أجريت على عقاقير لمحاربة السرطان حققت نتائج مماثلة... لـ6 دراسات فقط. كما رصد أحد الاستطلاعات للنتائج العلمية حالات تلاعب بالصور في 4 في المائة من 20 ألفاً من الدراسات.
أما في علوم الأعصاب فقد ظهر أن 10 في المائة من الدراسات كانت خاطئة بسبب الإعدادات السيئة لأحد البرامج المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي. ويذهب المؤلف في تشكيكه بالعلماء إلى حدود بعيدة، فهو يذكر القراء بأن إسحق نيوتن قال كلمته الشهيرة إنه رأى المستقبل لأنه «كان يقف على أكتاف العمالقة»، أما علماء اليوم فإنهم «ربما يقفون على أكتاف عمالقة بأرجل من خزف»، وفق المؤلف. ويشير إلى ضرورة إضفاء الشفافية على مسيرة مؤسسة العلم العالمية لفضح المواطن الضعيفة فيها.
إلا أن ريتشي لم يمنح مؤسسة العلم قدرها من الاستحقاق، إذ إنها تمكنت مع الهفوات التي رافقت مسيرتها من فضح الاحتيال ونتائج الأبحاث الملتبسة. ويقول جيمس ماكوناتشي في استعراضه للكتاب على صفحات «صنداي تايمز» البريطانية إلى أن الكاتب يلعب «لعبة خطرة» بتصويره العلم كمنظومة كثيرة العيوب مما يزيد من صعوبة إقناع الجمهور بمشاكل التغيرات المناخية وأهمية التطعيم باللقاحات. لكن كريستي أشواندن الناقدة العلمية في موقع «وايرد» الإلكتروني ترى أن ستيوارت نجح في إقناع القارئ بأن العلم لم يصل إلى مصاف المثل العليا له.
ويهاجم المؤلف دور نشر المجلات العلمية وطرق تمحيص المشرفين عليها للمقالات العلمية ومنظومة منح الجوائز، ويتهم المشرفين على تدقيق الأبحاث قبل نشرها بالتحيز، وبالفعل رصدت حالات لتقييم الباحثين أنفسهم لنتائجهم بشكل خفي. والأهم من ذلك هو أن الأبحاث التي تقدم نتائج غير مرجوة... لا تنشر! ربما لأنها لا تفيد الجهات التي مولتها. أما التضخيم فيجري على قدم وساق. ويقول ستيورات إن وسائل الإعلام تأخذ أحد جوانب البحث لتضخمه إلى أبعد الحدود، ويشير إلى أن هذا التضخيم ينطلق أساساً في أكثر الأحيان من الباحثين أنفسهم ومؤسساتهم العلمية. كما يهاجم الكتب العلمية الموجهة للجمهور التي تضخم الأفكار العلمية دون التمعن فيها.
ومع كل هفواته وعيوبه على مدى التاريخ فإن العلم يبقى منظومة تتجسد فيها روح الإخلاص في البحث عن الحقيقة المجردة والمنزهة عن الأغراض الشخصية وطموحات المجموعات الحاكمة. وأذكر هنا صيحة أطلقها أحد علماء الاتحاد السوفياتي السابق في أوج الحرب الباردة في خمسينات القرن الماضي مناشداً العالم الانصياع لحكمة العلم: «كفى مجداً للإسكندريين... وليحيا الأرخميديون»، نسبة إلى القائد الفذ الإسكندر المقدوني، والعالم الشهير أرخميدس.



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.