الإصابات في إيران تتخطى 300 ألف... والحكومة تتوقع «تحسن الأوضاع»

رابطة طبية تطالب بإلغاء امتحان دخول الجامعات ومجالس عاشوراء

إيرانية تخضع لفحص في مدخل مسجد قرب جامعة طهران أمس (أ.ف.ب)
إيرانية تخضع لفحص في مدخل مسجد قرب جامعة طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

الإصابات في إيران تتخطى 300 ألف... والحكومة تتوقع «تحسن الأوضاع»

إيرانية تخضع لفحص في مدخل مسجد قرب جامعة طهران أمس (أ.ف.ب)
إيرانية تخضع لفحص في مدخل مسجد قرب جامعة طهران أمس (أ.ف.ب)

تخطى العدد الإجمالي للإصابات بفيروس «كورونا» المستجد في إيران 300 ألف، وواصلت حالات الوفاة تسجيل أكثر من مائتي حالة يومية، وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن الأوضاع «تتحسن في المحافظات»، فيما حذرت هيئة طبية من بلوغ البلاد 1600 وفاة يومياً إذا ما مضت الحكومة قدماً في خطة إقامة مراسم عاشوراء، بعد نحو 3 أسابيع.
وأبلغت المتحدثة باسم وزارة الصحة، سيما سادات لاري، تسجيل 2621 حالة جديدة، ما رفع العدد الإجمالي للإصابات إلى 301 ألف و530 حالة. وارتفعت حصيلة الوفيات إلى 16 ألفاً و569، بواقع 226 حالة وفاة إضافية خلال 24 ساعة.
وانضم 1588 شخصاً لقائمة من يتلقون العلاج في المستشفيات، وأشارت الوزارة إلى 4041 حالة حرجة في غرف العناية المركزة. ولفتت المتحدثة إلى إجراء مليونين و432 ألف فحص تشخيص لفيروس «كورونا». وبلغ عدد حالات الشفاء حتى أمس نحو 262 ألفاً، وفقاً للإحصائية الرسمية.
- 26 محافظة تضم 75 مليون إيراني تواجه الخطر
على صعيد المحافظات المتأثرة بالفيروس، لم يختلف الوضع كثيراً عن اليوم السابق. وقالت المتحدثة إن 15 محافظة في «الوضع الأحمر»، تتقدمها محافظات كبيرة مثل طهران وفارس وأذربيجان الشرقية وكرمان وأصفهان وخراسان.
وأشارت الوزارة في السياق نفسه إلى 11 محافظة في وضع «الإنذار» أو «التأهب» وهي حالة أقل من «الوضع الأحمر» التي تدرج فيها مناطق تشهد حالة تصاعدية من الوفيات والإصابات.
وفي تصريح منفصل، نقلت وكالة «ايسنا» الحكومية عن المتحدثة أن عدم إدراج محافظة أو مدينة في «الوضع الأحمر» أو حالة «الإنذار» «لا يعني خلوها من الفيروس»، مؤكدة استمرار الخطر في كل المناطق الإيرانية.
أما نائب وزير الصحة، إيرج حريرتشي، فقال إن المحافظات الـ26 من أصل 31 محافظة إيرانية، تضم 72 مليوناً من أصل نحو 82 مليون إيراني.
وقال إن 26 محافظة في «الوضع الأحمر» و«الإنذار» (البرتقالي)، وتقابلها 5 محافظات في الوضع «الأصفر».
وقال حريرتشي إن طهران أصبحت بؤرة للوباء، لأنها وجهة الإيرانيين في أنحاء البلاد، لافتاً إلى أن الحركة من وإلى العاصمة، تسبب تفشي الفيروس في المحافظات المجاورة. وتسجيل طهران حالة وفاة بين كل 14 مصاباً.
وأفاد المسؤول الإيراني بأن عدد الإصابات بين الشباب تضاعف مقارنة بالأشهر الأربعة الماضية. وتنتظر الحكومة الإيرانية هذه الأيام أن ترى تأثير فرض استخدام الكمامات منذ 6 أسابيع، حسب حريرتشي، الذي أشار إلى نسبة أقل من الإصابات في المحافظات التي رصدت فيها الوزارة استخداماً أكثر للكمامات. وأشار إلى ضرورة أن يبلغ استخدام الكمامات ما بين 80 و95 في المائة.
انطلاقاً من هذا، حض المسؤول الصحي مواطنيه على الاستبدال بالنذور الدينية في مناسبة «عاشوراء» تخصيص أموالها لتوزيع الكمامات في المناطق الفقيرة، التي يواجه المواطنون فيها عسراً في توفير الكمامات بسبب الأسعار المرتفعة في الأسواق الإيرانية.
وناقش الرئيس الإيراني، حسن روحاني، مع كبار المسؤولين في «اللجنة الوطنية لمكافحة (كورونا)»، مشروعاً لفرض قيود على المرور في طهران، بعد خلافات مع بلدية العاصمة. وأفادت تقارير بأن روحاني أصدر أوامر تمنع عمدة طهران من حضور اجتماعات الحكومة بسبب ارتفاع حدة الخلافات حول إدارة الجائحة في العاصمة.
ورد روحاني ضمناً على الانتقادات لموقف الحكومة من إقامة مراسم عاشوراء بعد نحو 3 أسابيع. وقال روحاني إن «يمكن إقامة مناسبة عاشوراء وامتحان دخول الجامعات بعد إعلان بعض القيود والتزام البروتوكولات الصحية». وقال: «(اللجنة الوطنية) أبلغت إقامة مجالس عاشوراء وامتحان دخول الجامعات مع التزام التعليمات الصحية».
ورفع روحاني سقف دفاعه عن الخطوة عندما أغلق الباب نهائياً في وجه أي تراجع، بقوله إنها «تتطابق مع كل المعايير العالمية».
وقال روحاني إن بعض مجالس عاشوراء «ستقام عبر الإنترنت والحسينيات المجازية». وصرح: «تجب إقامة مجالس العزاء بطريقة أنه لا أحد يقيم بعد شهر محرم مجلس العزاء لأحبائه». وأعرب روحاني عن أسفه لارتفاع عدد الإصابات والوفيات بفيروس «كورونا»، وقال: «الموجة الجديدة من تفشي (كورونا)، قبل أن ترتبط بسلوك (كورونا) تعود إلى (سلوكنا)»، ووجه لوماً إلى تراجع مسار العمل بالبرتوكولات الصحية. ومع ذلك، توقع روحاني أن يتراجع عدد الإصابات والوفيات خلال أسبوعين بسبب ما عدّها «زيادة في الحساسية والحرص والتزام البرتوكولات الصحية».
وكرر روحاني تصريحات سابقة حول ضرورة تغيير نمط الحياة للتعايش مع الجائحة.
- رابطة طبية تحذر من تبعات مراسم «عاشوراء»
على خلاف تفاؤل الرئيس الإيراني، حذرت إدارة رابطة الهيئات الطبية في إيران، في رسالة إلى روحاني من ارتفاع الوفيات اليومية إلى 1600 حالة خلال الشهور المقبلة، مطالبة بإلغاء امتحان دخول الجامعات ومجالس عاشوراء. وقالت الرابطة في الرسالة: «إذا كان يتم تسجيل مائتي وفاة وألفي إصابة يومية في الوقت الحالي، فسيبلغ عدد الوفيات اليومية 1600 في حال لم يتم أخذ التعليمات الصحية على محمل الجد».
وجاءت الرسالة وسط خلافات واضحة بين الحكومة ووزارة الصحة حول مناسبة عاشوراء التي تعد أكثر المناسبات حضوراً في إيران، وتمتد على الأيام العشرة الأولى في مطلع السنة الهجرية. وقالت الرابطة في جزء آخر من الرسالة: «في فترات بسبب التقاليد الوطنية والدينية والتجمعات السائدة، نحتاج إلى اتخاذ سياسات ذكية» وشددت على أن المخاوف «تتعمق نتيجة الإحساس بالمسؤولية».
وأشارت الرابطة إلى أنها تمثل «صوت جهاز الصحة في البلد ومجموعة تشمل هيئات إخصائيين وخبراء إحصائيات وأمراض الأوبئة والطب الاجتماعي» وأضاف أنها «مجموعة كل أعضائها في صراع بلا هوادة مع هذه الأزمة وجربت نقاط الضعف»، قبل أن تقول: «نحذر من أن عدم التزام توصيات خبراء الرابطة والجهاز الصحي، سيؤدي إلى إصابات ووفيات بأبعاد أكثر دهشة من السابق».
وقالت في جزء آخر إن «خطر الإصابات في التجمعات أظهر من الشمس» محذرة بأن «انعكاساته السلبية على المديين القصير والطويل على غالبية الناس، خصوصاً المتدينين، تستدعي اهتماماً خاصاً وفق اعتقادنا الراسخ بأن القضاء على روح واحدة إنما يعني القضاء على أرواح جميع الناس». ودعت الرئيس الإيراني إلى أخذ «مصالح أعلى؛ وهي حفظ سلامة عموم الناس» بعين الاعتبار.
ونصحت الرسالة روحاني باتخاذ إجراءات مماثلة لمراسم الحج هذا العام، عادّةً أن القيود المفروضة «تظهر ضرورة إغلاق كل المناسبات الدينية بما فيها مراسم عاشوراء». وحذرت الرسالة روحاني ضمناً من تأثر صورة النظام ومن ردود فعل وسائل الإعلام الأجنبية في حال لم يصدر قرار بتعليق المناسبات هذا العام.


مقالات ذات صلة

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بريطانيا تستدعي سفير إيران بسبب منشورات «غير مقبولة» للبعثة

متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يشاركون في مسيرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في لندن يوم 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)
متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يشاركون في مسيرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في لندن يوم 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تستدعي سفير إيران بسبب منشورات «غير مقبولة» للبعثة

متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يشاركون في مسيرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في لندن يوم 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)
متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يشاركون في مسيرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في لندن يوم 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

استدعت بريطانيا، الثلاثاء، السفير الإيراني لدى المملكة المتحدة، احتجاجاً على ما وصفته الحكومة بتعليقات «غير مقبولة وتحريضية» نشرتها السفارة الإيرانية في لندن على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت وزارة الخارجية البريطانية إن وزير شؤون الشرق الأوسط، هاميش فالكونر، أبلغ السفير الإيراني أن السفارة «يجب أن توقف أي شكل من أشكال التواصل يمكن تفسيره على أنه تشجيع على العنف في المملكة المتحدة أو دولياً».

وجاء الاستدعاء بعد نشر السفارة الإيرانية في لندن رسالة دعت فيها إيرانيين مقيمين في المملكة المتحدة إلى التسجيل في برنامج رسمي يحمل اسم «جان فدا»، أي «التضحية بالحياة»، ما أثار مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وشجعت الرسالة، المنشورة على قناة السفارة الرسمية في «تلغرام»، «المواطنين الإيرانيين الفخورين المقيمين في بريطانيا» على التسجيل في البرنامج، ودعت «جميع أبناء إيران الشجعان والنبلاء» ممن لديهم «رغبة في الدفاع الشعبي عن أرض إيران» إلى التقدم، في «إظهار للتضامن والولاء والحماسة الوطنية».

وجاء في المنشور بالفارسية: «فلنقدّم جميعاً، رجلاً رجلاً، أجسادنا للقتل؛ فذلك أفضل من أن نسلّم بلادنا للعدو».

وقال متحدث باسم السفارة الإيرانية في لندن لوسائل إعلام بريطانية إنها «لا تروج لأي شكل من أشكال العداء».

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية في أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل ضمن حملة «جان فدا» في طهران 17 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وأطلق جهاز «الباسيج» التعبوي، التابع لـ«الحرس الثوري»، حملة لتجنيد فدائيين في داخل البلاد تحت عنوان «جان فدا» الشهر الماضي، قبل أن تتمحور إلى محور الحملة الإعلامية التي يتبناها المسؤولون لإظهار الدعم الشعبي للنظام.

وتحقق الشرطة الأسترالية في حملة تجنيد مماثلة صدرت عن السفارة الإيرانية في كانبيرا، في حين حذر خبراء في الأمن الإيراني صحيفة «ديلي ميل» من أن هذه الدعوات تمثل تهديداً أمنياً «كبيراً». كما جرى التواصل مع «سكوتلاند يارد» لطلب تعليق، وسط دعوات من أفراد في الجالية الإيرانية إلى اتخاذ إجراءات.

وتصنف الحكومة البريطانية إيران عند أعلى فئة في قائمة تتعلق بالنفوذ الأجنبي، وهو ما يتطلب تسجيل طهران لكل ما تقوم به لممارسة نفوذ سياسي في المملكة المتحدة.

وتستند الخطوة إلى «قانون الأمن القومي» لعام 2023، الذي يسمح للشرطة بتوقيف الأشخاص المشتبَه في «تورطهم بأنشطة تهديد صادرة عن قوة أجنبية»، أو أي شخص يساعد أجهزة الاستخبارات الأجنبية، مع عقوبة قصوى تصل إلى 14 عاماً في السجن.

وأعلن وزير الأمن البريطاني، دان جارفيس، حينها أن الإجراء يستهدف أجهزة المخابرات الإيرانية، خصوصاً قوات «الحرس الثوري»، على المستوى الأعلى في «نظام تسجيل النفوذ الأجنبي» الجديد بالبلاد، ابتداء من شهر مايو (أيار).


مأزق ترمب في إيران... لا يريد خسارة الحرب ولا إنهاءها بشروط

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

مأزق ترمب في إيران... لا يريد خسارة الحرب ولا إنهاءها بشروط

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

حين تقول طهران إن واشنطن «لم تعد في موقع يسمح لها بفرض سياساتها»، بحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلائي نيك، فهي لا تصف ميزان القوة العسكري بقدر ما تحاول إعادة تعريف ميزان التفاوض.

فإيران التي تعرضت لضربات قاسية، وتواجه حصاراً بحرياً على صادراتها وموانئها، لا تستطيع ادعاء أنها خرجت منتصرة عسكرياً، لكنها تراهن على أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة سياسياً واقتصادياً على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية نهائية. ومن هنا جاء المقترح الإيراني الأخير: فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي وإنهاء الحرب أولاً، ثم تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة. هذا، في جوهره، عرض لا ينهي النزاع بقدر ما ينقل مركزه من النووي إلى هرمز، ومن نزع أوراق إيران إلى تثبيت قدرتها على تعطيل الاقتصاد العالمي. وقد ناقش ترمب المقترح مع فريقه للأمن القومي، لكن البيت الأبيض شدد على أن خطوطه الحمراء لا تزال مرتبطة بإبقاء هرمز مفتوحاً، وبمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

مناورة لتغيير جدول التفاوض

تسعى طهران إلى قلب ترتيب الأولويات، فبدلاً من أن تبدأ التسوية بالسؤال النووي، تريد أن تبدأ بالسؤال البحري: من يتحكم بمرور السفن في هرمز؟ ومن يرفع الحصار أولاً؟ وهل يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بفتح المضيق من دون انتزاع تنازل إيراني حول التخصيب ومخزون اليورانيوم العالي التخصيب؟

يقول فرزين نديمي الباحث في معهد واشنطن، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن الولايات المتحدة «لم تكن يوماً في موقع يسمح لها بإملاء سياساتها على إيران»، وإلا لما وقعت الحرب أصلاً، لكنه يضيف أن المشكلة في العرض الإيراني أنه «يتجاوز القضية النووية الأساسية، ويدفع بملف هرمز إلى الواجهة». وبحسب نديمي، تعتقد طهران أن لحظة الضغط على المضيق تمنحها ورقة لموازنة الضغط الأميركي الطويل على برنامجها النووي وربما الصاروخي، لكنه يرجح أن يرتد ذلك عليها إذا «دفعت به بقوة زائدة ولفترة أطول من المطلوب». وهذا التقدير يفسر جانباً من تحفظ واشنطن: قبول العرض يعني عملياً مكافأة استخدام هرمز كورقة ابتزاز استراتيجية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية خلال حفل العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن السبت الماضي (رويترز)

خيارات ترمب

أمام ترمب 3 مسارات رئيسية، وكل واحد منها مكلف. الخيار الأول هو إبقاء الحصار، ورفض وقف النار الكامل، ثم استئناف القتال بأهداف متفاوتة: من تحسين شروط التفاوض إلى محاولة إضعاف النظام أكثر، وربما دفعه نحو تصدعات داخلية. هذا هو الخيار الذي يراه نديمي «الأكثر ترجيحاً»؛ لأنه يحافظ على ورقة الضغط، ولا يمنح طهران نصراً تفاوضياً سريعاً.

يضيف نديمي، أما الخيار الثاني فهو الجمع بين الحصار ووقف النار، ومواصلة التفاوض. ظاهرياً، يبدو هذا المسار أقل تكلفة عسكرية، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى «نزاع مجمد»: لا توجد حرب شاملة ولا يوجد اتفاق نهائي، مع بقاء القوات الأميركية في المنطقة، واستمرار إغلاق هرمز أو اضطرابه، وارتفاع أسعار الطاقة لأشهر. وقد نقلت «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين قلقهم من سيناريو كهذا؛ لأنه قد يكون الأسوأ لترمب سياسياً واقتصادياً قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

والخيار الثالث هو قبول صفقة ضيقة: «هرمز مقابل الحصار»، أي إعادة فتح المضيق مقابل تخفيف أو رفع الحصار، مع ترحيل النووي إلى موعد لاحق. ويقول نديمي إن هذا الخيار سيبدو في واشنطن والخليج كأنه اعتراف ضمني بأن «الحرس الثوري» قادر على التحكم في ممر دولي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المنقولة بحراً، كما أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حذر في حديث مع محطة «فوكس نيوز» من تطبيع وضع تقرر فيه إيران من يستخدم الممر الدولي وبأي ثمن، مؤكداً أن منعها من امتلاك سلاح نووي يبقى جوهر الموقف الأميركي.

لا غالب واضح

مايكل أوهانلن، الباحث في معهد «بروكينغز» يحذر في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، من التسرع في إعلان المنتصر، ويقول إنه «من الصعب وصف نظام إيراني مدمَّر بأنه منتصر»، لكنه يضيف أنه، في ظل اضطراب الأسواق العالمية، يصعب أيضاً وصف الولايات المتحدة بأنها منتصرة، رغم أن البرنامج النووي الإيراني «تراجع كثيراً». هذه القراءة تضع يدها على جوهر المأزق: واشنطن ربحت عسكرياً في مساحات واسعة، لكنها لم تنتزع بعد ترجمة سياسية لهذا التفوق.

الضغوط على إيران حقيقية؛ فالتقارير الأميركية تشير إلى أن الحصار خفّض تحميلات النفط الإيراني بشدة، وأن طهران باتت تبحث عن تخزين بديل للخام في خزانات متهالكة أو على متن ناقلات، أو حتى عن مسارات أقل كفاءة عبر السكك الحديدية باتجاه الصين. لكن الضغط ليس أحادياً؛ فإغلاق هرمز أو تقييده يرفع أسعار النفط والوقود، ويضغط على حلفاء واشنطن الخليجيين، ويمنح إيران قدرة على تصدير الألم إلى خارج حدودها؛ لذلك لا يتعلق السؤال بمن يتألم أكثر فقط، بل بمن يستطيع تحمل الألم مدة أطول.

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)

المخرج الممكن

تتحدث طهران عن احتمال «عودة محدودة للتصعيد ثم العودة إلى المفاوضات»، وفق ما صرح به مسؤول إيراني رفيع في وقت سابق اليوم. وهذا ليس تهديداً عابراً، بل جزء من منطق تفاوضي: رفع الحرارة عسكرياً بما يكفي لإجبار واشنطن على تعديل شروطها، من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة لا تستطيع إيران تحملها.

لكن هذه اللعبة خطرة، لأن ترمب، كما يقول مايكل روبين الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قد «يلجأ إلى ضربة جديدة إذا دفعت إيران بقوة زائدة». ويضيف روبين أن إيران ليست منتصرة، لكنها «أفضل تفاوضاً» من فريق ترمب، محذراً من أن صفقة لا تطابق خطاب الانتصار الأميركي قد تدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى التحرك منفردة.

لذلك، فإن المخرج الأكثر قابلية للحياة ليس قبول المقترح الإيراني كما هو، ولا استئناف حرب مفتوحة بلا سقف.

الصيغة الأكثر واقعية قد تكون اتفاقاً مرحلياً مشروطاً: فتح فوري وموثوق به لهرمز من دون رسوم أو تمييز، رفع جزئي ومؤقت للحصار مقابل آليات تحقق بحرية، واستئناف مسار نووي سريع بجدول زمني قصير لا يسمح لطهران بتحويل التأجيل إلى انتصار. عندها يستطيع ترمب القول إنه لم يتنازل عن خطه الأحمر النووي، وتستطيع طهران ادعاء أنها انتزعت وقفاً للحرب، وفتحت باب رفع الحصار.

لكن نجاح هذه الصيغة يتطلب ما تفتقر إليه اللحظة الراهنة: ثقة بالوسطاء، وضمانات لحرية الملاحة، و«رسالة أميركية موحدة لا تجمع بين تهديدات القصف ورغبة تفاديه»، وفق ما نقله موقع «أكسيوس» عن 5 مستشارين. أما إذا بقيت واشنطن وطهران في سباق كسر الإرادة، فقد يتحول هرمز من ورقة تفاوض إلى قيد على الطرفين: إيران لا تستطيع فتحه بلا ثمن، وترمب لا يستطيع رفع الحصار بلا نووي، والأسواق لا تستطيع انتظار تسوية مؤجلة إلى ما لا نهاية.


أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

طالبت عشرات الدول، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن في نيويورك، بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران، التي تصادمت أيضاً مع الولايات المتحدة على خلفية اختيار طهران لعضوية مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي.

وفي جلسة عقدت بطلب من البحرين، وشارك فيها أكثر من 80 دولة، استمع أعضاء مجلس الأمن إلى إحاطات من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز، وخبير الأمن البحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية نيك تشايلدز.

اجتماع مجلس الأمن حول الممرات المائية (رويترز)

وفي كلمته، حذر غوتيريش من أن الطرق البحرية العالمية - التي شكلت لقرون شرايين التجارة العالمية - باتت اليوم تواجه ضغوطاً هائلة تهدد الأمن والاستقرار الدوليين. وإذ دعا إلى احترام حقوق الملاحة عبر مضيق هرمز، قال: «افتحوا المضيق. اسمحوا بمرور السفن، دون فرض رسوم، ودون تمييز. اسمحوا باستئناف حركة التجارة. اسمحوا للاقتصاد العالمي بأن يتنفس». وحذر من أن استمرار التعطل في الملاحة قد يقود إلى «حال طوارئ غذائية عالمية» تدفع ملايين الأشخاص، وخصوصاً في أفريقيا وجنوب آسيا، إلى براثن الجوع والفقر.

وذكّر دومينغيز بأنه وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي، «لا يجوز للدول المشاطئة إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية»، مضيفاً أنه «وبالمثل، لا يوجد أي أساس قانوني يخول لأي دولة فرض رسوم أو جبايات أو شروط تمييزية على المضائق الدولية».

ولفت تشايلدز إلى أن الأحداث المتعلقة بمضيق هرمز قد تكون أكبر مصادر القلق حالياً فيما يتعلق بالأمن البحري، إلا أن هناك العديد من البؤر البحرية الإقليمية الأخرى التي قد تشكل تحديات أيضاً.

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز (رويترز)

تحالف للشركاء

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، إن «مضيق هرمز ليس ملكاً لإيران لتتلاعب به، ولا هو ورقة مساومة تستخدمها». وإذ أشار إلى أن أكثر من مائة دولة أيدت هذا الموقف، لفت إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817، الذي يطالب إيران بوقف الهجمات على الملاحة البحرية. كما انتقد كلاً من الصين وروسيا لاستخدامهما حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار سابق كان يهدف إلى حماية الأمن البحري. ودعا إلى العمل الجماعي لتشكيل «تحالف من الشركاء ذوي التفكير المماثل» لتأمين طرق الشحن، ودعم تدفقات المساعدات الإنسانية، وصون حرية الملاحة.

وتحدث وزير الدولة لشؤون أوروبا وأميركا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار في وزارة الخارجية البريطانية ستيفن دوتي، مؤكداً أنه «لا يجوز استخدام الملاحة البحرية كورقة ضغط، ولا مكان لفرض رسوم عبور أو اشتراط الحصول على تصاريح في المضائق الدولية». وأضاف أنه «لا ينبغي لأي دولة أن تكون قادرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، أو تهديد الأمن الإقليمي».

وحذر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من أن المضائق ليست ملكية لأي جهة كما لا يجوز بيعها، أو عرقلتها أو إغلاقها أو فرض رسوم في شأنها «سواء من إيران أو أي طرف آخر، لأي سبب». وأكد أنه «لا يمكن التوصل إلى حل دائم لهذه الأزمة ما لم يوافق النظام الإيراني على تقديم تنازلات كبيرة وتغيير جذري في موقفه».

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (رويترز)

روسيا والصين

في المقابل، حمل المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا بشدة على الدول الغربية، قائلاً إن «الوضع في مضيق هرمز هو نتيجة للعدوان الإسرائيلي - الأميركي غير المبرر ضد إيران». ورأى أنه «في وقت الحرب، يمكن لدولة ساحلية تعرضت للهجوم أن تحد من الملاحة في مياهها الإقليمية لأغراض الأمن».

أما نظيره الصيني فو تسونغ، فأكد أن «السبب الجذري لعرقلة الملاحة في هذا المضيق يكمن في التحركات العسكرية غير القانونية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران». وأثنى على باكستان وغيرها من الأطراف لدورها في الوساطة.

رفض سعودي للتهديدات

وأكد المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل، أن «التطورات المتسارعة في منطقة الخليج العربي تشهد حالة غير مسبوقة من النزاع حول مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً ليس لدول المنطقة بل للاقتصاد العالمي»، منبهاً إلى أن أي تهديد لحرية الملاحة في ممر هرمز الاستراتيجي يؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية والأمن الاقتصادي الدولي برمته».

وجدد إدانة المملكة لأي أعمال أو تهديدات من إيران تهدف إلى عرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، أو تهديد الأمن البحري في باب المندب، والتأكيد على أن المساس بحرية الملاحة يشكل تهديدا خطيراً للسلم والأمن الدوليين. وشدد على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً للملاحة، وفقاً لقانون الأمم المتحدة لقانون البحار.

وشدد المندوب الباكستاني عاصم افتخار أحمد على دعم بلاده وتضامنها مع «كل الدول الشقيقة بمنطقة الخليج»، مضيفاً أن باكستان، بدعم من شركاء ودول شقيقة منها الصين والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وبلدان أخرى، تقود جهوداً دبلوماسية بناءة لخفض التصعيد.

ورأى المندوب الإيراني أمير سعيد إيرفاني أنه «لا يمكن تحقيق الاستقرار والأمن الدائمين في الخليج العربي والمنطقة الأوسع إلا من خلال وقف دائم ومستمر للعدوان على إيران، مدعوماً بضمانات موثوقة بعدم تكرار ذلك».

المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو تسونغ (رويترز)

بيان مشترك

وقبل الاجتماع، تلا وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال الشهر الحالي، بياناً مشتركاً نيابة عن عدد كبير من الدول، التي أكدت «تأييدها التام للقرار 2817 الذين يدين هجمات إيران على الجيران الإقليميين وإغلاقها لمضيق هرمز»، وجددت دعوتها لفتح المضيق بشكل عاجل ودون عوائق، رافضة أي جهود لتهديد أو وقف الحقوق والحريات الملاحية، بما في ذلك عبر فرض رسوم بما «سيكون انتهاكاً للقانون الدولي».

من جهة أخرى، انطلقت في مقر الأمم المتحدة بنيويورك نشاطات المؤتمر السنوي الحادي عشر لمراجعة تنفيذ معاهدة عدم الانتشار النووي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970. ورشحت مجموعات مختلفة 34 نائباً للرئيس.

وأعلن رئيس المؤتمر المندوب الفيتنامي لدى المنظمة الدولية دو هونغ فييت، أن إيران اختيرت مما يسمى «مجموعة دول عدم الانحياز ودول أخرى». وعلى الأثر، اعتبر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون مكتب الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي أن اختيار إيران «إهانة» لمعاهدة عدم الانتشار. وقال إنه «لا جدال في أن إيران لطالما أظهرت استخفافها بالتزامات المعاهدة»، واصفاً اختيارها بأنه «أمر مخزٍ للغاية ومُحرج لصدقية هذا المؤتمر».

في المقابل، رفض المندوب الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي، الموقف الأميركي، قائلاً إنه «من غير المقبول أن تسعى الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية... إلى وضع نفسها في موقع الحكم في مسألة الامتثال».