سبايك لي ينجز رؤيته عن أميركا اليوم وفيتنام الأمس

سبايك لي ينجز رؤيته عن أميركا اليوم وفيتنام الأمس

أبطال فيلمه الجديد يحاربون على جبهتين
الجمعة - 3 ذو الحجة 1441 هـ - 24 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15214]
بالم سبرينغز: محمد رُضا

فيلم سبايك لي الجديد (الأول له من بعد BlacKkKlansman قبل عامين) ليس عودة إلى حرب فيتنام كما قد يبادر البعض للاعتقاد كون الأحداث تدور هناك، بل هو ليس فيلم حرب على الإطلاق. ما هو عليه أن المخرج كتب وأنتج العمل الذي يعلّق فيه على تلك الحرب من وجهة نظر المجندين الأفرو - أميركيين الذين اشتركوا فيها، وفي الوقت ذاته على حياة الأفرو - أميركيين داخل حرب ثانية لا تقل شراسة هي الحرب لأجل المساواة الاجتماعية في الولايات المتحدة.

غمس هذا المخرج الذي بلغ الثالثة والستين من العمر في مارس (آذار) الماضي من موضوع العلاقة بين السود وسواهم من الأميركيين في الولايات المتحدة منذ أعماله الأولى. ألقى الضوء على هذه «القضية» في أول أفلامه السينمائية (بعد عدد من أفلام الفيديو) «افعل الشيء الصحيح» (Do the Right Thing) سنة 1989 وبعد ذلك في معظم ما حققه من أفلام ومن بينها «حمى الغابة» (1991) و«مالكولم أكس» (1992) و«كروكلين» (1994) و«اركب الباص» (1996) ولاحقاً في «مخدوعون» (Bamboozled) سنة 2000 و«معجزة عند سانت آنا» (2008) ومؤخراً في «شي - راك» (اختصار لـ«شيكاغو - عراق) سنة 2016.

«بلاكسلانسمان» كان إضافة مهمّة في مسيرته عالج فيها (عن حكاية حقيقية) دخول رجل أسود (جون ديفيد واشنطن) عصبة الكلوكلاكس كلان العنصرية على أساس أنه أبيض البشرة. عندما بات عليه لقاء أعضاء المنظّمة أرسل يهودياً أبيض البشرة (أدام درايفر) للغاية.

«بلاكسلانسمان» بقي، على واقعية مصدره وجدية رسالته، كوميدي النبرة ساخراً من العصبة التي انطلقت من بين أخاديد الحرب الأهلية الأميركية قبل نحو قرنين من الزمن. لكن الفيلم الجديد ليس كوميدياً بأي حال. على العكس نجد سبايك لي في معالجة تراجيدية لما يعنيه أن تكون أسود البشرة في مجتمع ما زال يعاني من التفرقة العنصرية وفي حرب بذل فيها السود ما بذله البيض من تضحيات.

في الواقع يشير الفيلم في أحد حواراته الساخنة كيف أن نسبة السود الأميركيين من مجمل عدد سكان الولايات المتحدة في أواخر الستينات، عندما نشبت الحرب، بلغت 11 في المائة، لكن نسبة المجندين منهم الذين شاركوا في الحرب الفيتنامية تجاوزت الـ40 في المائة. ويلحق بهذه الملاحظة تقرير يقول إن القيادة العسكرية كانت تخصّهم بالمهام الخطرة التي لا تتوقع عودة أحد منهم حيّاً.

يبدأ الفيلم بجزء من مقابلة مع الملاكم محمد علي وهو يفسر سبب رفضه الانضمام للقتال عندما وصله أمر عسكري بذلك: «لماذا علي أن أذهب لأقاتل شعباً لم ينادني بـNigger». ثم ينتقل إلى خطاب لمالكولم إكس يهاجم فيه السُلطة التي تؤيد، ضمناً، الوضع العنصري.

طوال الفيلم سينتقل سبايك لي بين الحدث الرئيسي الذي تشكل أحداثه معظم الفيلم، وبين لقطات ومشاهد من الأوضاع العنصرية والشخصيات الأفرو - أميركية التي إما حققت إنجازات رياضية أو اجتماعية أو تم إذلالها أو قتلها في الحوادث العديدة التي صاحبت حياتهم الصعبة في الولايات المتحدة منذ أن جيء بهم كعبيد.

الأحداث ذاتها تنطلق بعد نحو دقيقتين. أربع محاربين أفرو - أميركيين يلتقون في باحة الفندق الذي وصلوا إليه في مدينة هوتشي مينه عائدين، كل من مطار أميركي مختلف، إلى البلاد التي قاتلوا فيها في الستينات.

هؤلاء هم أوتيس (كلارك بيترز) وبول (دلروي ليندو) وإيدي (نورم لويس) وملفن (إيسيا وتلوك جونيور). عودتهم تفتح ملف الذكريات لكن غايتها ليست في هذا الملف، بل للتوجه إلى منطقة جبلية نائية قام فيها الأربعة مع قائدهم نورمان (شادويك بوزمن) بإخفاء شحنة من الذهب في تلك المنطقة حين تم إسقاط طائرتهم.

نورمان مات في معركة لاحقة والأربعة تعاهدوا على الوفاء لرسالته الاجتماعية الخالية من الشوائب. كان، بالنسبة لهم، قائداً مثقفاً يجمع بين الإخلاص للوطن والحب لبني جلده. الآن يرحل الأربعة إلى حيث أخفوا الذهب لاستخراجه.

للتو يبدأ كل شيء في مسار واحد. سبايك لي لا يكتفي بسرد حكاية فيلم ولا حتى بشحنها بالمقابل الوثائقي الذي يعود به إلى جوانب الموضوع العنصري في الولايات المتحدة، بل يوفر كل شيء في آن، من تقديره لفيلم «أبوكاليبس ناو» لفرنسيس فورد كوبولا (ما زال أفضل فيلم دارت أحداثه في فيتنام) متمثلاً بإيمائين ممثلين بملصق الفيلم أولاً، ثم برحلة نهرية قصيرة ملتقطة من فوق للقارب وهو يمر وسط الأدغال، إلى أغاني الصول لمارفن غاي وآخرين إلى استخدام موسيقى رائعة وضعها ترنس بلانشارد.

بعض تعليقات الرفاق تمس هوليوود منتقدة أفلام «هؤلاء الأوغاد الذين يعودون لفيتنام لكي يربحوا الحرب». بذلك يقصد الفيلم تشاك نورس (في «مفقود في الأكشن»، 1984) وسلفستر ستالون في «رامبو 2»).

صحيح أن الرجال الأربعة الذي قادهم العمر الآن نحو الربع الأخير من سنوات الحياة يجدون أنفسهم يعاودون القتال ضد من يحاول إجبارهم على تسليم الذهب، لكن قتالهم ليس في أي شكل رغبة من سبايك لي لاستعادة نصر لم يتم في الواقع كما حال الفيلمين المذكورين. ليس كذلك فعل بطولة وتضحية. أبطال الفيلم يحاولون استعادة الذهب تحت مسميات تتوحد في النهاية صوب المنفعة الشخصية (واحد فقط كان يصر على توظيفها لخدمة الحاجات المدنية والاجتماعية للسود الأميركيين وهو يُقتل في لغم كان ينتظر من يدوس عليه).

الشخصية الآسرة التي لديها ملعب كبير للإفصاح عن كل التعقيدات والإشكالات التي يمر الرفاق الأربعة (وقد باتوا خمسة بانضمام ابن بول إليهم) هو بول نفسه. منذ أن خرج من الحرب انقلبت حياته في وطنه رأساً على عقب. ماتت زوجته أثناء وضعها ابنه، ثم تكالبت عليه الظروف الصعبة وفوقها ما عاد به من مشاكل عاطفية ونفسية بسبب تلك المعارك التي خاضها وما تركته في ذاته من جروح.

دلروي ليندو، في دور بول يؤدي الشخصية بكل اتساعاتها وبجدارة. ينتقل بعواطفه ملتصقاً تارة برفاقه الذين شاركوه المحن ويبتعد عنهم تارة في وعورة وعمق متاهاته المتراكمة.

«الأخوة الخمسة» (Da 5 Bloods و«دا» هنا استخدام بديل لكلمة ذا) مغامرة صادحة بالألم المٌعاش يتخللها درس في التاريخ عن تمييز بدأ قبل تلك الحرب واستمر خلاله وبعده.

فيلم سبايك لي هذا طويل أكثر بقليل مما يجب والبعض سيجد خروجه من الحكاية الأساسية وأحداثها، إلى مداخلاته الموزعة بوفرة، مدعاة للتشتت. حتى ولو كان الأمر كذلك، فإن «الأخوة الخمسة» يصعد سلم أعمال مخرجه لينضم إلى مصافها.


أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة