فيلم إسرائيلي عن التعايش.. وآخر أميركي عن رامسفيلد وحرب العراق

من «المعروف المجهول»
من «المعروف المجهول»
TT

فيلم إسرائيلي عن التعايش.. وآخر أميركي عن رامسفيلد وحرب العراق

من «المعروف المجهول»
من «المعروف المجهول»

لم يعد جديدا القول إن واحدا من مهرجانات السينما بات يعكس الوضع السياسي المنتشر حول العالم. فكل مهرجان رئيس، على الأقل، بات يحفل بأفلام تقوم بتقديم وضع معين أو التعليق عليه. صحيح أن «مهرجان برلين» داوم على تقديم النسبة الأعلى من الأفلام ذات النبرة السياسية (من أيام ما كانت أوروبا شرقية وغربية)، إلا أن المسألة انتشرت فيما بعد وهي اليوم متوافرة أكثر من أي وقت مضى.
مع ما يحدث في العالم العربي من أوضاع ومع ما يبدو سائدا لحين قصير قبل أن يسود ما سواه لحين آخر في هذا الجزء من العالم، ومع الحرب الباردة وقضايا البيئة والذعر الإرهابي الضارب أطنابه، هناك أيضا المسائل غير المحلولة منذ زمن بعيد مثل الوضع في فلسطين ومع الفلسطينيين، ومثل ما تخلل وتلا الحرب الخليجية الثانية عندما تم تغيير وجه النظام العراقي مرة - مؤلمة ومكلفة - واحدة وإلى الأبد.
فيلمان في دورة فينيسيا السبعين هذا العام يتناولان هذين الوضعين. فيلم إسرائيلي من المخرج المحسوب على اليسار آموس غيتاي، وآخر للمخرج الأميركي (الذي من الصعب حسبانه على أي خط) إيرول موريس.
«أنا عربية»، وهي عبارة ترددها واحدة من شخصيات فيلم غيتاي النسائية قرب النهاية، هو جديد مخرج عـرف بتطرقاته السياسية. هو في الواقع، لم يتطرق إلى ما سواه. أحيانا عبر الفيلم التسجيلي وأحيانا عبر الفيلم الروائي، لكن دوما ما يمارس الروائي على نحو تسجيلي. ليس بأسلوب الدوكيودراما تماما، لأن هذا الأسلوب لا يزال بحاجة إلى تحديد لأجل تعريفه صحيحا، بل على نحو من يريد لممثليه حضورا طبيعيا، طالبا منهم ما هو أصعب الأشياء: اللاتمثيل. كما يريد من موضوعه ألا يحتوي على دراما بقدر ما لا يريد له أن ينتمي تماما إلى ما هو تسجيلي.
هذا واضح في فيلمه الجديد الذي صوره بلقطة واحدة تستمر 81 دقيقة، بدءا من وصول صحافية إسرائيلية (الجميلة يوفال شارف) لكتابة تحقيق حول امرأة يهودية من ناجي الهولوكوست اسمها سيام، كانت اعتنقت الإسلام حبـا للرجل الذي تزوجته رغم معارضة العائلة وهو يوسف (يوسف أبو وردة). غيرت اسمها من هانا كليبانوف إلى مريم إمعانا في الانتماء إلى بيئة فلسطينية تعيش اليوم في وسط مدينة حيفا. ليس واضحا إذا ما كان الفيلم يستند إلى حكاية حقيقية. إذا ما كان كذلك، فهو اختار ممثلين لتأديتهم ما يجعله أقل تسجيلا وأكثر درامية بصرف النظر عن الأسلوب المتـبع.
تتحرك الصحافية داخلة مجموعة من المنازل المبنية قبل العصرنة، يعيش فيها يوسف وعائلته كما بعض الجيران الآخرين. تتحدث ليوسف أولا الذي يقدمها لزوجته ولابنته. هي السائل، وهو من يساعد في تعريفها بالمحيط. يقودها إلى شخصية أخرى، ثم ينسحب، ثم يعود لتعريفها بشخصية أخرى، وما بين الشخصية والأخرى يسرد عليها أحاديث كثيرة عن تاريخه وقراءاته وأسطورة عنترة بن شداد. في كلامه ألم دفين، لكنه لا يخرج جليـا.
ليس جليـا أيضا ما يعنيه المتحدثون إليها حين يتفوهون ببعض العبارات ذات المدلولات التي تبقى غامضة. مثل ابن يوسف (شادي سرور) حين يتحدث عن احترافه بيع الخردة عوض صيد السمك، أو حين يقول يوسف نفسه، «كل واحد ينال ما يستحقه». هل يعني ذلك أنه يؤمن بأن الفلسطيني هو ما عليه اليوم بسببه هو فقط؟
بانتقالها بين أربع أو خمس شخصيات، تشعر الصحافية بأن لديها قصـة مثيرة ومليئة بالمفاجآت. تخابر هاتفيا رئيس تحريرها وتقول له ذلك. لكن، ما يحتويه الفيلم وما تستمع إليه الصحافية من حكايات لا يصب في خانة صنع تحقيق كبير، خصوصا أن مريم لم تعد موجودة بيننا.
لو كان لدى الصحافية قصـة متطورة تتجاوز العناوين وجوهر الموضوع لكان للفيلم ذاته قصة متطورة في إطار موضوع فعلي. لكن الفيلم في نهاية مطافه يسجـل ما يحدث من دون افتعال أو تفاعل. الافتعال مرفوض، لكن التفاعل مطلوب. لكي يتحقق، على الفيلم أن يحتوي على أكثر من قيام الصحافية بالاستماع ولأكثر من كاميرا الفيلم متابعة ما تقوم به الشخصيات.
في النهاية، يريد الفيلم أن ينجز تعليقا آخر. تعود الكاميرا بلقطتها الواحدة من دون قطع (وبالتالي من دون أسلوب تبادل فعل وردود فعل) إلى حيث ترتفع من المكان، تاركة تلك البقعة لتظهر مكانها في المدينة. المباني الحديثة تحيط بها وهي تبدو مثل بستان لا يدخله إلا أهله. بعد ذلك، تتحرك الكاميرا (من نوع آري أليكسا) إلى السماء للحظات قبل نهاية الفيلم.
الفيلم هادئ ربما أكثر من اللزوم، وذلك يثير شجنا في مكانه. هؤلاء أناس من الذين تمر الحياة مثل تلك الطائرة التي نسمعها تعبر السماء من دون أن نراها… تعبر فقط. غيتاي دائما ما سعى لتصوير إمكانية تآلف الفلسطيني مع الإسرائيلي ويدعو إليه. لا يتدخل كثيرا في الكيفية ولا يعالج الصد الذي يواجهه الفلسطينيون في سبيل تحقيق هذا التعايش، لذلك هو أمل وأمنية أكثر منه بحثا في الوضع على حقيقته.
* المجهول معلوم والمعلوم كذلك
* الفيلم الثاني تسجيلي بكل تأكيد. وهو من إنتاج وإخراج واحد من أكثر المخرجين الأميركيين تعاملا مع السينما السياسية. سابقا ما قدم ما اعتبر نصرا في هذا المجال عبر فيلم بعنوان «ضباب حرب» سنة 2003 الذي فحص، عبر وزير الدفاع الأميركي روبرت مكنمارا، الحرب الفيتنامية منذ سنواتها الأولى وعبر أوحالها، وصولا إلى نهايتها التي لم تبرر مقتل كل من سقط من الجانبين فيها.
الفيلم الجديد هو «المجهول المعلوم» الذي يختار فيه المخرج إيرول موريس وزير الدفاع الأميركي في عهد جورج بوش الابن، دونالد رامسفيلد للحديث إليه وسؤاله عن الحقب السياسية المختلفة التي أمـها من أول منصب حكومي حصل عليه، أيام الرئيس نيكسون، إلى حين ترك التقاليد لكوندوليزا رايس.
في نحو ساعتين يستمر الحديث. ها هو السياسي الأميركي الذي اشترك مع بوش الابن ونائبه ديك تشيني في تغيير بعض الثوابت في أفغانستان والعراق إثر تلك العملية الإرهابية التي ضربت نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) سنة 2001.
لكن «المجهول المعلوم» ليس «ضباب الحرب»، ورامسفيلد ليس مكنمارا، من حيث إن الفيلم السابق كان أكثر عمقا وحدة. أسئلة إيرول موريس كانت لا تتوقـف عن البحث ومستعدة لتداوله بعمق رغبة في الوصول إلى الحقيقة. هنا أسئلة المخرج (الذي لا نراه في الفيلم، لكننا نسمع صوته في الوقت الذي تتركـز فيها الكاميرا على رامسفيلد) طيـعة. إنها كما لو كان الاتفاق عليها تم، وخلال عملية الاتفاق كان على المخرج الانصياع فلا يطرح سؤالا مناهضا أو عدائيا أو ناقدا. بذلك، عمق الحوار القائم لا يزيد على شبر واحد. رامسفيلد ليس من النوع الذي سيعترف بهزيمة استراتيجية أو أمنية. ولن يرى العالم اليوم على عكس ما رآه سابقا. ليس المطروح هو اكتشاف ذاتي جديد ولا سيرا في خط مناوئ لما سار عليه من قبل وبنى كل حياته السياسية تبعا له.
هو يبكي، لا حين يسأله المخرج عن سبب الحرب العراقية وضحاياها وإذا ما كان من الممكن تجنـبها، بل حين يتذكـر جنديا أميركيا أعيد نقله إلى المستشفى مصابا وعاوده لخطورة إصابته. هذه نقطة ضوء على مشاعر إنسانية لا بد من الاعتراف لها، لكنها عاطفية محدودة لا تشمل الآخر على الإطلاق.
ينفي رامسفيلد مسؤولية وزارة الدفاع عما تم كشفه من تعذيب في غوانتانامو (يلصقها بالمخابرات الأميركية)، ولا يرى خطأ في أي ممارسة إدارية، لا بخصوص الحرب في أفغانستان ولا بتلك التي قامت في العراق. وهذا حقـه بكل تأكيد، وهو ليس بعيدا عن الصواب في أكثر من نقطة في هذا الحديث تتقاطع وتوجـهه السياسي الذي قام عليه. لكن المرء كان يتوقـع من المخرج (والفيلم حتما) أن يكشف جديدا في هذا الاتجاه أو فيما سواه. حين يصرف الفيلم بعض وقته على ما وقع في سجن أبو غريب، فإن هذا جيـد فقط بالنسبة لأولئك الذين لم يروا فيلم موريس السابق «أبو غريب» قبل خمس سنوات.
مرة واحدة، حاول المخرج نقض كلام رامسفيلد، هي عندما ذكر الوزير أن الولايات المتحدة لا تقوم باغتيال الرؤساء، في رد على سؤال المخرج ما إذا كان من الأفضل حينها اغتيال صدام حسين للقضاء على نظامه، لكنه بعد قليل يكشف عن أنه عندما أكدت مصادر مخابراتية وجود صدام حسين في منطقة سكنية ليست بعيدة عن بغداد، صدرت الأوامر بقصفها فـ«مات بعض الناس، لكن صدام لم يكن هناك»، كما قال.
إنها فرصة تفوت الفيلم تبعا لأسلوب من طرح أسئلة مهمـة ثم القبول بالرد على قوته أو هوانه. رامسفيلد يبدو مستعدا لكل الاحتمالات. ما زال مثل ملاكم لطيف، مستعد لأن يضرب ومستعد لأن يبتسم ويتودد، لكنه لن يعانق.
العنوان هو لعب كلام مقصود. رامسفيلد الذي كتب، كما يقول، نحو مليون مذكرة داخلية في سنواته بالبيت الأبيض (واحدة تكشف عن خلافه مع كوندوليزا رايس)، يبدأ الفيلم وينهيه بمحاولة تفسير لعبارة The Unknown Known (المعروف المجهول) فيقول إن هناك أربع حالات هي:The Unknown Known وThe Known Known وThe Known Unknown ثم The Unknown Unknown، وهو يبحر أكثر من مرة في تعريف كل وضع وحالة، لكن في ذلك هو مراوغ ماهر يستند إلى عباراته لكي تمنحه حرية واسعة في الحركة أمام محدثه. لكن المشكلة ليست فيه، سينمائيا، على الأقل، بل في محدثه، إذ يبدو أن قيدا كان يمنعه من حشر السياسي في خانة اليك.
في نهاية المطاف، لا يأتي الفيلم بجديد لا نعرفه. هذا المعروف - المجهول هو من نوع المعروف - المعروف. إنتاجه توزع بين عدة شركات، من بينها محطة «هيستوري» التلفزيونية الأميركية. في يوم ما، قد يتحول هذا الحديث إلى وثيقة، لكن الآن يأتي ويمضي بلا ضوء جديد على موضوعه.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».