واشنطن وطهران.. بين الموقف الموحد في ضرب «داعش» وتجنب الظهور كحليفين

يلتزم الطرفان بمعاهدة عدم اعتداء لا يعتزمان الإقرار بها

مقاتلتان اميركيتان من طراز {إف - 18 إي} تنفذان ضربات ضد {داعش} في العراق أمس (رويترز)
مقاتلتان اميركيتان من طراز {إف - 18 إي} تنفذان ضربات ضد {داعش} في العراق أمس (رويترز)
TT

واشنطن وطهران.. بين الموقف الموحد في ضرب «داعش» وتجنب الظهور كحليفين

مقاتلتان اميركيتان من طراز {إف - 18 إي} تنفذان ضربات ضد {داعش} في العراق أمس (رويترز)
مقاتلتان اميركيتان من طراز {إف - 18 إي} تنفذان ضربات ضد {داعش} في العراق أمس (رويترز)

ضربت الطائرات المقاتلة الإيرانية أهدافا لمتشددين في العراق، كما أكد مسؤولون أميركيون وإيرانيون، في خطوة تدل على عزم طهران على القيام بعمليات عسكرية معلنة في ساحات معارك خارجية عوضا عن عمليات سرية تتم بالوكالة.
ومن أسباب هذا التحول تنامي الدور العسكري الإيراني في العراق في الحرب ضد متطرفي «داعش»، لكنه يوضح في الوقت ذاته تغييرا عميقا في الاستراتيجية الإيرانية التي تتجه نحو الخروج من الظل إلى العلن في استخدامها السافر للقوة الخشنة في إطار تعزيزها للنفوذ الشيعي في المنطقة. وأقر مسؤولون إيرانيون وآخرون في وزارة الدفاع الأميركية بأن إيران زادت من عملياتها العسكرية خلال الأسبوع الماضي مستخدمة طائرات مقاتلة تعود إلى حقبة السبعينات في قصف أهداف تقع في المنطقة العازلة التي تمتد بعمق 20 ميلا داخل العراق.
ويلقي التوجه العسكري الجديد الضوء على تشابك غير عادي بين المصالح في كل من العراق وسوريا، حيث تجد كل من طهران وواشنطن نفسيهما في مواجهة العدو ذاته بطريقة تتزايد وضوحها. وفي الوقت الذي لا يوجد فيه تنسيق مباشر بين إيران والولايات المتحدة، هناك على أرض الواقع معاهدة عدم اعتداء لا يعتزم أي من الطرفين الإقرار بها. وقال اللواء بحري جون كيربي، المتحدث باسم وزارة الدفاع، يوم الثلاثاء الماضي: «نحن نرسل فرقا إلى العراق وننسق مع الحكومة العراقية عند تنفيذ تلك المهام، أما أمر إخلاء المجال الجوي فهو منوط بالحكومة العراقية».
وظلت إيران لأشهر تزهو ببطولتها في أنحاء المنطقة، وعرضت أسلحة على الجيش اللبناني ودعمت المتمردين الحوثيين الشيعة في اليمن الذين سيطروا على العاصمة صنعاء التي شهدت تفجيرا بعبوة ناسفة لمنزل السفير الإيراني أول من أمس.
أما في سوريا، فقد ساعد كل من «حزب الله» وفيلق القدس الإيراني، الرئيس السوري بشار الأسد على البقاء في السلطة حتى الآن. وفي العراق، بزغ نجم اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي قضى حياته المهنية في الظل وهو يخطط للهجمات الإرهابية، والتي أودت بعضها بحياة جنود أميركيين في العراق، مؤخرا كشخصية عامة وانتشرت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي وهو في ساحات المعارك في العراق.
وكان التحول في الاستراتيجية الإيرانية في أجلى صوره في العراق، حتى إن مسؤولين أميركيين أقروا بالدور الحاسم الذي قامت به الجماعات المسلحة المدعومة من إيران خاصة في حماية بغداد من هجوم لتنظيم داعش، والذين يعملون في الوقت ذاته ضمن الحملة التي تقودها أميركا. وفي الوقت الذي ثبت فيه أهمية الدور العسكري الإيراني المتنامي على الصعيد الشعبي، في صد تقدم داعش، يشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من احتمال أن يؤدي هذا في النهاية إلى زعزعة استقرار العراق من خلال تعميق الانقسامات الطائفية. ويحمل السنة في العراق الجماعات المسلحة الشيعية المدعومة من إيران مسؤولية الانتهاكات الطائفية ويترددون في الانضمام إلى قتال المتطرفين بسبب النفوذ الإيراني. وأوضح كيربي قائلا: «لم تتغير رسالتنا إلى إيران اليوم عن رسالتنا عند بداية الأمر، وهي نفسها الرسالة الموجهة إلى أي دولة من دول الجوار في المنطقة المشتركة في قتال تنظيم داعش. وهذه الرسالة مفادها أننا لا نريد أن يحدث ما من شأنه إذكاء شعلة الخلافات الطائفية في البلاد». وأوضح اللواء الذي أكد بشكل غير مباشر الهجمات الجوية من خلال قوله إنه لا يوجد سبب يدعو إلى تكذيب التقارير الخاصة بهذا الأمر، أن الضربات الجوية محدودة حتى هذه اللحظة. وبدأت العمليات الجوية في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في محافظة ديالي شرق العراق وهي ساحة المعارك الأقرب إلى الأراضي الإيرانية، على حد قول السياسي الإيراني حميد رضا طراقي، الذي أكد أيضا وجود منطقة عازلة حظيت بقبول العراقيين. وقال طراقي: «لن يكون هناك أي تهاون مع أي تهديدات داخل المنطقة العازلة، وكانت هذه الأهداف بالقرب من تلك المنطقة»، مضيفا أن الهجمات أسفرت عن مقتل عشرات من المقاتلين المتطرفين.
وفي العراق هناك حاجة إلى درجة من التنسيق بين الجيش الأميركي وإيران، لكن هذا الأمر مثير للإحراج، حيث يجعل الأمر يبدو وكأن الولايات المتحدة تتعاون مع خصمها.
وعادة ما يقوم ضابط عراقي بدور الوسيط بين الحملة العسكرية التي تقودها أميركا وبين الإيرانيين. ويقول قادة عراقيون، إن طهران كثيرا ما كانت أسرع من واشنطن في تقديم المساعدة في الأزمات؛ فعندما اجتاح تنظيم داعش الموصل، وهي ثاني أكبر مدينة في العراق، خلال شهر يونيو (حزيران) واتجه إلى بغداد، اتخذ الرئيس أوباما نهجا محسوبا ودفع باتجاه القيام بتغييرات سياسية قبل الالتزام بأي عمل عسكري، في الوقت الذي هبت فيه إيران للمساعدة، وكانت أول دولة ترسل أسلحة إلى الأكراد في الشمال وسارعت بحماية بغداد وعملت مع الجماعات المسلحة التي تحظى بدعمها بالفعل. وقال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مقابلة تلفزيونية مؤخرا: «عندما تعرضت بغداد لتهديدات، لم يتردد الإيرانيون في مساعدتنا أو مساعدة الأكراد حين تعرضت أربيل لتهديدات»، في إشارة إلى عاصمة الأكراد في الشمال. وأوضح التناقض بين الموقف الإيراني ونهج الولايات المتحدة بقوله، إن الإيرانيين «لم يكونوا مثل الأميركيين الذين ترددوا في مساعدتنا عندما واجهت بغداد الخطر وترددت في مساعدة قوات الأمن العراقية». وأضاف قائلا: «السبب في عدم تردد إيران في مساعدتنا هو نظرهم إلى (داعش) بوصفه تهديدا لهم وليس لنا فحسب».
وقال علي الخضيري، المسؤول الأميركي السابق في العراق: «كان الأمر بالنسبة إلى الإيرانيين خطيرا». أما فيما يتعلق بالدور الإقليمي المتنامي للواء سليماني، فقد كان الخضيري صريحا، حيث قال: «السليماني هو زعيم لبنان وسوريا والعراق واليمن. ولا يتمتع العراق بأي سيادة، حيث يقوده السليماني ورئيسه آية الله العظمى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وفي الوقت الذي تعد فيه كل من الولايات المتحدة وإيران خصمين عتيدين، إذا تمكنتا من التوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي، يمكن أن تصبح العلاقات طبيعية بما يشمل التعاون ضد الدولة الإسلامية. وكان هذا هو الأمر الذي أوضحه أوباما في خطابه إلى آية الله الشهر الماضي والذي حثه فيه على التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي. مع ذلك ربما أدى هذا الخطاب وكذلك الذي يسبقه، والذي تمنى فيه الشفاء العاجل للزعيم الإيراني بعد إجرائه جراحة، إلى نتائج عكسية»، على حد قول أحد المحللين، حيث أوضح نقطة ضعف شجعت إيران على استعراض قوتها ونفوذها بشكل أكبر. وقال أحد الصحافيين الإيرانيين المقربين من الحرس الثوري الإيراني: «عندما يرسل أوباما إلى زعيمنا متمنيا له الشفاء العاجل، فهذا يعد دليلا على الضعف، وتمت مناقشة الخطاب خلال الاجتماعات وخلصنا إلى أن أوباما بحاجة إلى اتفاق، إنه بحاجة إلينا. لن نكتب إليه خطابا مثل ذلك أبدا».
ويحدو السياسيين الشيعة في العراق الأمل في أن يؤدي إبرام اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التعاون والتنسيق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في الحرب، رغم قول خبراء إنه لا يوجد أي مؤشر يدل على أن إيران سوف ترحب بالتنسيق المباشر. وفي مقابلة هذا الأسبوع، قال حاكم الزاملي، السياسي العراقي وأحد قادة الجماعات المسلحة الشيعية: «إذا كان هناك تنسيق حقيقي بين الولايات المتحدة الأميركية ومستشارين إيرانيين، كان العراق تحرر في غضون أسبوع». ويخشى السنة من أن يضفي مثل هذا الاتفاق الشرعية على إيران على الساحة الدولية ويجعلها تتجرأ على بسط نفوذها هنا وفي المنطقة. وقال مثال الآلوسي، أحد نواب البرلمان السنة، إن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يعني «تسليم الولايات المتحدة العراق إلى إيران».
وقد أوضحت إدارة أوباما أنها في الوقت الذي ترحب فيه بمساعدة إيران في قتال المتطرفين، لا يوجد تنسيق حقيقي وفعلي. وصرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري يوم الثلاثاء الماضي في بروكسل، حيث التقى أعضاء آخرين في التحالف ضد (داعش) قائلا: «أعتقد أنه من الواضح أنه في حال قتال إيران لتنظيم داعش في مكان ما وإحراز تقدم، ستكون المحصلة النهائية إيجابية، لكن ليس هذا بالأمر الذي نقوم بالتنسيق فيه».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
TT

الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)

حذّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من كارثة صحية وشيكة في مدينة تعز، مع استمرار الحصار الذي يفرضه الحوثيون على المدينة، واقتراب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية؛ مما يضع حياة آلاف المرضى على المحك.

وقالت الوزارة، في بيان، إن ما تشهده تعز لا يقتصر على أزمة في الإمدادات الطبية، «بل يمثل تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى والأطفال والنساء الحوامل وحديثي الولادة، الذين يعتمدون على استمرار الخدمات الصحية لإنقاذ حياتهم وتخفيف معاناتهم».

وأكدت أن «خلف كل سرير في المستشفى إنساناً ينتظر العلاج، وخلف كل نداء استغاثة أسرة تخشى فقدان أحد أفرادها، وأن كل نقص في دواء أو وقود قد يحوّل حالة قابلة للعلاج إلى مأساة لا يمكن تداركها».

ونبّهت الوزارة إلى أن «استمرار الوضع قد يؤدي إلى توقف خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة وغسل الكلى وحضانات الأطفال حديثي الولادة، بما يعرّض حياة المرضى الأكثر هشاشة لمخاطر جسيمة». كما أن «النقص الحاد في الوقود يهدد بتوقف مولدات الكهرباء، وسيارات الإسعاف، وتعطل سلاسل التبريد اللازمة لحفظ الأدوية واللقاحات، الأمر الذي قد يحرم المرضى من الرعاية المنقذة للحياة، ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة ووفيات يمكن تفاديها».

الحوثيون يفرضون حصاراً محكماً على مدينة تعز (إعلام محلي)

وأكدت الوزارة أن المرضى ينبغي ألا يدفعوا ثمن الصراع من حياتهم، وأن المستشفيات يجب أن تظل «ملاذاً آمناً لكل من يحتاج إلى العلاج، لا أن تتحول إلى مرافق عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات؛ بسبب انقطاع الإمدادات وتعذر الوصول إليها». وقالت إن «كل ساعة تأخير في وصول الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية تضاعف المخاطر، وتضيّق فرص إنقاذ الأرواح، وتزيد معاناة المرضى وأسرهم».

مطالب بفتح الطرق

حمّلت وزارة الصحة اليمنية الحوثيين المسؤولية عن الحصار وعرقلة وصول الإمدادات، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وإنسانية، مطالبة برفع الحصار فوراً وفتح طرق الإمداد دون تأخير أو عوائق، وضمان المرور الآمن للمرضى والجرحى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الصحية إلى جميع المرافق المحتاجة.

ودعت الوزارةُ الأممَ المتحدة والمنظماتِ الإنسانية والشركاءَ الدوليين والجهاتِ الداعمةَ للقطاع الصحي إلى «تحرك عاجل وفاعل يتناسب مع حجم التهديد، والعمل على إيصال الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والأكسجين والوقود بصورة فورية وآمنة إلى المرافق الصحية في مدينة تعز، بالتنسيق مع الوزارة ومكتب الصحة في المحافظة، مع إعطاء الأولوية القصوى للخدمات المنقذة للحياة وضمان استمرار تشغيل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية».

طفل يمني في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين يبيع عبوات بنزين (أ.ف.ب)

وناشدت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية «عدم الاكتفاء برصد التحذيرات أو التعبير عن القلق، بل اتخاذ خطوات عملية وعاجلة تحول دون انهيار الخدمات الصحية وتحمي المدنيين من تداعيات كارثة يمكن الحد منها إذا جرى التحرك في الوقت المناسب».

وشددت الوزارة على أن حماية المرضى والمرافق الصحية والعاملين فيها، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، «ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤوليات إنسانية تقتضي التحرك الفوري». وأكدت أن «ضمان وصول الرعاية الصحية إلى المحتاجين إليها ضرورة لحماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية».

وقالت إن إنقاذ تعز يبدأ برفع الحصار وفتح طرق الإمداد وضمان وصول العلاج إلى من يحتاج إليه، مشددة على أنه لا يمكن أن يصبح نقص الدواء أو انقطاع الوقود سبباً في فقدان حياة كان بالإمكان إنقاذها.

أزمة صحية تتسع

من جهتها، أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن الخدمات الصحية في المحافظات المتضررة من الصراع تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة الاحتياجات المتصاعدة. وقالت إن نحو نصف المرافق الصحية هناك يفتقر إلى دعم الشركاء، مع استمرار وجود فجوات حرجة في خدمات رعاية الإصابات في الخطوط الأمامية وخدمات الرعاية الصحية المتنقلة.

الحوثيون حشدوا حملة ضخمة من قواتهم لاقتحام أرياف تعز ومحاصرة المدينة (إ.ب.أ)

وقال ممثل «منظمة الصحة العالمية» لدى اليمن، سيد جعفر حسين، إن الوضع يتحول إلى حالة طوارئ معقدة، تزداد فيها الاحتياجات الصحية في وقت تعاني فيه الموارد من ضغوط هائلة.

وأضاف أن حصول المصابين بجروح خطيرة على رعاية الإصابات خلال الساعة الأولى قد يحدد فرص نجاتهم، «إلا إن نقاط تثبيت حالات المصابين على ساحل لحج وفي الضالع تفتقر إلى شركاء لتشغيلها، في حين لا تستطيع سوى وكالات قليلة تقديم رعاية الإصابات، مما يخلّف فجوات حرجة على طول خطوط المواجهة».

وذكرت «المنظمة» أنه بحلول الأسبوع الماضي، لم تتلقَّ خدماتٍ صحيةً سوى نسبة تقل عن واحد في المائة من النازحين جراء التصعيد الأخير، البالغ عددهم 198 ألف شخص.

آلاف النازحين جراء التصعيد الحوثي يعانون غياب الرعاية الصحية والمأوى (أ.ب)

وأضافت أن المستشفيات تعاني نقصاً في «المستلزمات الجراحية، ومواد التخدير، ومستلزمات بنوك الدم، والوقود، في حين أصبحت طرق إيصال الإمدادات الأساسية أبطأ وأكثر تكلفة. كما توقفت خدمات الولادة الطارئة في كل من مأرب ورأس العارة».

وبصفتها الجهة القائدة كتلة الصحة في اليمن، قالت «منظمة الصحة العالمية» إنها تتولى تنسيق الاستجابة وتعمل «مزوّداً لخدمات الملاذ الأخير» في الحالات التي تعجز فيها أي جهة شريكة عن تقديم الخدمات. وأضافت أنها تستعد لـ«تعزيز قدرات تقديم الرعاية الطارئة وعلاج الإصابات، والاستجابة لتفشي الأمراض، وتوفير الخدمات والإمدادات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات رعاية الأمهات والمواليد الجدد».


صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

انعكست الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال على نشاط استوديوهات التصوير في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، مع ارتفاع الطلب على تصميم وطباعة صور القتلى، لاستخدامها في مراسم التشييع والفعاليات التعبوية، وتعليقها في الشوارع والميادين العامة.

وقال عاملون في مجال التصوير لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة كثَّفت خلال الأيام الأخيرة طلباتها لطباعة صور قتلاها بمقاسات مختلفة، موضحين أن آلاف الصور جرى تجهيزها لتلبية احتياجات مراسم التشييع والأنشطة التي تنظمها في مناطق سيطرتها.

وأشاروا إلى أن الجماعة تميّز في أحجام الصور بين القيادات العسكرية والمشرفين الميدانيين الذين تُخصَّص لهم صور كبيرة، والعناصر الأخرى التي تُطبع صورها بمقاسات أصغر، في تفاوت يستمر حتى بعد مقتلهم في الجبهات.

ويتزامن هذا النشاط مع استمرار سقوط قتلى حوثيين في جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع وغيرها، وسط مساعٍ لإبقاء صور القتلى حاضرة في الفضاء العام، وتوظيف مراسم التشييع في التعبئة العسكرية والدعوة إلى مواصلة القتال.

صورة لدورية حوثية تنقل صوراً لقتلى الجماعة (فيسبوك)

وأكدت المصادر أن المطابع التي اعتادت الجماعة الاعتماد عليها لتجهيز صور قتلاها تواجه ضغوطاً متزايدة، بفعل ارتفاع أعداد القتلى وتتابع مراسم التشييع، ما دفعها خلال الأيام العشرة الماضية إلى توسيع نطاق الطباعة، والاستعانة باستوديوهات تصوير خاصة في صنعاء.

وحسب المصادر، تُطبَع أعداد كبيرة من الصور في صنعاء قبل توزيعها على المناطق التي ينتمي إليها القتلى، لتعليقها في الشوارع والأماكن العامة، بالتزامن مع تنظيم مواكب التشييع، والإعلان عن مصرع مزيد من عناصر الجماعة.

وأضافت أن الجماعة أنفقت ملايين الريالات على طباعة الصور لدى محلات التصوير الخاصة خلال الفترة الأخيرة، في ظل ازدياد الطلب على تجهيزها بمقاسات وتصاميم متعددة.

استياء السكان

أثار هذا التحرك استياءً في أوساط السكان في صنعاء الذين استنكروا تخصيص الأموال والجهود لطباعة الصور ونشرها، معتبرين أن ذلك يعكس أولوية مواصلة التعبئة العسكرية، بدلاً من الاهتمام بالأوضاع المعيشية المتدهورة واحتياجات الأسر التي فقدت أبناءها.

وقال «زكي» -وهو عامل في استوديو للتصوير الفوتوغرافي بشارع الستين في صنعاء- إن الطلب على تصميم وطباعة صور قتلى الجماعة ارتفع خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن الطلبات تشمل صوراً بمقاسات مختلفة، تُستخدم في مراسم التشييع، وأخرى تُجهَّز للَّوحات واللافتات التي تُعلَّق في الشوارع والأحياء.

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن تجهيز هذه الصور بات يشكِّل جزءاً ملحوظاً من عمل بعض الاستوديوهات؛ خصوصاً مع ازدياد الطلبات المرتبطة بمراسم التشييع والفعاليات التي تنظمها الجماعة.

من جهته، قال «نعمان» -وهو اسم مستعار لأحد سكان صنعاء- إن صور القتلى باتت حاضرة في عدد من الشوارع والأحياء، مضيفاً أن كل صورة تذكِّر بأُسرة فقدت أحد أبنائها، وتثير تساؤلات بشأن ما تحصل عليه هذه الأسر من رعاية ومساعدات بعد انتهاء مراسم التشييع.

تعبئة تتجاوز التشييع

يرى مراقبون أن التوسع في طباعة صور قتلى الحوثيين يتجاوز كونه نشاطاً تجارياً مرتبطاً بمراسم التشييع، ليعكس جانباً من مساعي الجماعة لتوظيف خسائرها البشرية في تعزيز خطاب التعبئة واستمرار حشد المقاتلين، عبر إبقاء القتلى حاضرين في الشوارع والميادين والفعاليات العامة.

مسلحون حوثيون على متن عربة عسكرية خلال تجمع في صنعاء (رويترز)

ويشير هؤلاء إلى أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتعبئة يطرح تساؤلات بشأن مصير الأسر التي فقدت أبناءها في جبهات القتال، ومدى حصولها على الرعاية والدعم اللازمين؛ خصوصاً عندما يكون القتيل عائل الأسرة أو أحد مصادر دخلها.

وفي ظل تفاقم الأعباء المعيشية وتدهور الخدمات، يرى مراقبون أن الإنفاق على طباعة صور القتلى وتوزيعها يكشف اختلالاً في أولويات الجماعة، التي تواصل تسخير الموارد للأنشطة التعبوية، بينما يواجه السكان أزمات معيشية خانقة، وتكابِد أسر القتلى تداعيات فقدان أبنائها.


جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
TT

جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها السابع، الأحد، مع اتساع نطاق الضربات الجوية التي تستهدف مواقع الجماعة الحوثية وتعزيزاتها في جبهات تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار العمليات البرية لقوات ألوية العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، ومحاصرة مجموعات من الحوثيين في محيط مضيق باب المندب، وسط تقديرات عسكرية بارتفاع خسائر الجماعة إلى نحو 12 ألف قتيل وجريح خلال الأيام الستة الأولى من العملية.

وامتدت الضربات الجوية من جبهات القتال في تعز إلى مواقع وأهداف عسكرية في مناطق خاضعة للحوثيين داخل صنعاء وصعدة وحجة وإب، في مسار يعكس اتساع الضغط العسكري على الجماعة، بالتوازي مع عمليات إسناد جوي للقوات الحكومية في محاور القتال، ومحاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في الساحل الغربي.

وأعلن المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أن الطيران الحربي شن، الأحد، غارات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تلال المقرمي والجَعشة والسلال شرقي مدينة تعز، إضافة إلى حصن المخعف ومنطقة بلعان في جبهة الأقروض جنوب المحافظة.

قوات الحكومة اليمنية تفرض حصاراً منذ أيام على جيوب حوثية في جبهة باب المندب (أ.ب)

وفي الساحل الغربي، أفادت قوات العمالقة الجنوبية بتدمير خمس مركبات حوثية مدرعة ومقتل من كانوا على متنها، خلال محاولة للتقدم باتجاه مطار ذوباب، كما أعلنت التصدي لهجوم حوثي على مواقعها شمال المطار، وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالمهاجمين، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تعزيزات دفعتها الجماعة إلى المنطقة.

وتأتي هذه المواجهات في وقت تسعى فيه القوات الحكومية إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المحررة في باب المندب وجزيرة ميون وجبال كهبوب، ومنع الحوثيين من استعادة مواقع استراتيجية تطل على المضيق والساحل الغربي، بينما تواصل القوات البرية عملياتها لتوسيع المكاسب الميدانية وتأمين المناطق المحيطة بها.

1900 عملية استهداف خلال يوم

في تطور يعكس كثافة العمليات العسكرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أكثر من 1900 عملية استهداف مباشرة ودقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، في الجبهات الشرقية والغربية والجنوبية الغربية، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن الاستهدافات طالت مخازن الأسلحة والذخائر، والتحصينات والمعسكرات والمواقع العسكرية، والنقاط الواقعة على المرتفعات الحاكمة، إلى جانب مناطق الحشد والتجميع ومرابض المدفعية ووسائط نقل العناصر والإمدادات.

ضربات جوية على مواقع الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (إعلام محلي)

وأضاف النزيلي أن العمليات استهدفت أيضاً أهدافاً عسكرية وصفها بالمشروعة وعالية القيمة في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مشيراً إلى أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1150 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب أكثر من 180 آلية ووسيلة قتالية ونقل وإمداد خلال الفترة ذاتها.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات البرية واصلت تطوير هجومها، محققة تقدماً ميدانياً جديداً، ومستعيدة مواقع إضافية، ومثبتة سيطرتها على مرتفعات ومواقع حاكمة، في إطار مساعيها لتعزيز المكاسب التي تحققت منذ انطلاق العملية.

وفي تعز، اتسعت المواجهات لتشمل محاور متعددة جنوب شرقي المدينة وغربها، حيث أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية واصلتا التصدي لهجمات الحوثيين وتنفيذ عمليات استهداف ضد تجمعاتهم وتحركاتهم.

وذكر موقع «سبتمبر نت»، التابع لوزارة الدفاع اليمنية، أن المواجهات تركزت خلال الساعات الماضية في جبهات الشقب والأقروض جنوب شرقي المدينة، وجبل حبشي غرباً. وتمكنت القوات الحكومية من كسر هجوم حوثي على مواقعها في جبهة الشقب، مما أسفر، وفق الموقع، عن مقتل أكثر من 25 عنصراً من الجماعة وإصابة آخرين.

كما نفذت وحدات عسكرية ومجموعات من المقاومة الشعبية كمائن في جبهات المسراخ والبيرين جنوب المحافظة، وجبل حبشي غرباً، قالت إنها أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين.

وقدمت الطائرات المسيَّرة التابعة لمحور تعز إسناداً جوياً للقوات الحكومية، مستهدفة عناصر الجماعة وأسلحتها وتعزيزاتها، بينما أعلنت القوات إسقاط طائرة مسيَّرة انتحارية حوثية شرقي المدينة.

وامتد الإسناد الجوي إلى مديرية سامع شرقي المحافظة، حيث استهدف الطيران تجمعاً لعناصر الحوثيين ومواقع أخرى، إضافة إلى مدفع في منطقة مسلقة بمديرية جبل حبشي. كما نفذ ثلاث غارات على مواقع وتجمعات للجماعة في جبهتي الأقروض وجبل سامع.

تمسك حكومي باستعادة الدولة

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عزم القيادة اليمنية على مواصلة عملية «فجر اليمن» لإنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على المضي في العملية مهما كلف ذلك من تضحيات.

وقال رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني إن العملية تمضي بثبات نحو تحقيق أهدافها، مشيراً إلى استمرار التقدم الميداني لقوات العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، لتأمين باب المندب وذوباب وجبال كهبوب بعد تحريرها من الحوثيين.

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفع شعارات الجماعة وأعلام إيران وحزب الله اللبناني (إ.ب.أ)

وأضاف الزنداني أن المكاسب الميدانية تجسد إرادة اليمنيين في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وأن تضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية تمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.

وقال رئيس الوزراء اليمني إن الحوثيين يواصلون استهداف المدنيين والأعيان المدنية، مشيراً إلى الهجوم الأخير على مطار عدن الدولي، إلى جانب الهجمات والانتهاكات في محافظة تعز. وقال إن هذه الممارسات تكشف عن نهج قائم على العنف والإضرار بمقدرات البلاد، في محاولة لكسر إرادة اليمنيين ومنعهم من استعادة دولتهم.

وجدد الزنداني تقدير الحكومة للدعم السعودي، مؤكداً أن إسناد تحالف دعم الشرعية يمثل عاملاً مهماً في معركة استعادة مؤسسات الدولة وحماية أمن اليمن واستقراره.

وفي موازاة التطورات العسكرية، صعَّد مجلس الوزراء اليمني لهجته إزاء توسيع الحوثيين نطاق الحصار على تعز، محذراً من أن التصعيد الأخير بات يهدد حياة وأمن ومعيشة أكثر من ستة ملايين مواطن في المحافظة.

ووجَّه المجلس الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية بالتنسيق مع السلطة المحلية لحماية السكان، وضمان استمرار الخدمات الأساسية ووصول المساعدات الإنسانية، والاستعداد للتصدي للتهديدات الأمنية، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.

كما دعا المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ممارسة الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات ورفع الحصار، مجدداً التزام الحكومة باستعادة سلطة الدولة وإنهاء الانقلاب، وتحقيق أهداف عملية «فجر اليمن» التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي.