{جواسيس إردوغان} يلاحقون معارضيه على الأراضي الألمانية

{جواسيس إردوغان} يلاحقون معارضيه على الأراضي الألمانية

تفتح ملف النشاط الاستخباراتي لأنقرة... وخبير يتحدث عن 8 آلاف عميل
الخميس - 11 ذو القعدة 1441 هـ - 02 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15192]
برلين: راغدة بهنام

جلس حسين دمير، بروفسور علوم القانون في جامعة أنقرة سابقاً، داخل مقهى تركي في منطقة شبانداو في برلين، مع صديقه عمر، رجل الأعمال التركي، يتناولان القهوة ويتسامران همساً.

عندما وصلت لأنضم إليهما، انتقل الحديث من التركية إلى الإنجليزية. بدا الرجلان أكثر ارتياحاً للحديث بلغة لا يفهمها أصحاب المقهى حولنا. قالا لي إنهما يتفاديان الحديث بصوت مرتفع باللغة التركية عندما يكونان في أماكن يرتادها أتراك. وحتى عندما يتحدثان الإنجليزية فهما دائماً حذران مما يقولانه.

حسين وعمر الذي طلب منا تغيير اسمه، هما منفيان سياسيان وصلا إلى ألمانيا في عام 2017، بعد أقل من عام على محاولة الانقلاب في تركيا.

حسين طُرد من وظيفة بعيد الانقلاب وقرر مغادرة البلاد قبل أن يعتقل عندما بدأت موجة الاعتقالات التي تطال القضاة والأساتذة وموظفي القطاع العام. لا يخفي هذا الأكاديمي أنه ينتمي إلى حركة فتح الله غولن، رجل الدين التركي الذي يعيش في المنفى بالولايات المتحدة والذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتدبير محاولة الانقلاب عام 2016، ولكنه يقول، إن انتماءه للحركة لا علاقة له بالسياسة، وإن الحركة دينية واجتماعية. ونشاطاتها كذلك.

ليلة 15 أغسطس (آب) 2016، كانت محاولة الانقلاب. وبعد أسبوعين كان حسين في طريقه إلى جورجيا، بعد أن استعان ببطاقة هوية شقيقه ليهرب من البلاد. فشقيقه المحامي الذي لا ينتمي إلى الحركة، نصحه بالمغادرة قبل اعتقاله. يتذكر حسين ويروي «قال لي شقيقي يجب أن تغادر لأنهم قد يعذبونك ولن يسمحوا لك برؤية محام لـ30 يوماً، وهي مدة الحبس الاحتياطي». فانتقل من جورجيا إلى شرق أفريقيا، ومنها وصل طالباً اللجوء في ألمانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، بعد أن أوشكت صلاحية جواز سفره على الانتهاء.

أما عمر، فهو كذلك غادر تركيا بعد اعتقال والده الذي كان يشغل منصباً رفيعاً في الدولة، غداة الانقلاب. ولكنه كان أكثر حظاً من غيره، لأنه تمكن من دخول أوروبا من دون الكثير من المصاعب لأن زوجته أوروبية.

لكن مخاوف الرجلين لم تنته بمغادرة تركيا. فالقلق من الملاحقة ظل يرافقهما.

في عام 2017، عندما وصل حسين إلى ألمانيا، كانت دائرة الهجرة واللاجئين التابعة للداخلية الألمانية تكافح للحفاظ على مصداقيتها، بعد فضيحة طرد أكثر من 15 مترجماً تركياً كانوا يعملون لديها، بعد اكتشاف أنهم كانوا جواسيس لدى أنقرة وينقلون معلومات سرية للسفارة التركية في برلين عن المتقدمين بطالبات لجوء.

ولكن دائرة الهجرة تؤكد أنها منذ ذلك الحين باتت متيقظة لهذا الأمر. وفي رد مكتوب لـ«الشرق الأوسط»، قال متحدث باسم الدائرة، إن «المتقدم بطلب لجوء لديه الفرصة للتبليغ عن أي معلومات في هذا الإطار للدوائر الأمنية لكي يتسنى اتخاذ الخطوات المناسبة، كما يمكنه أن يطلب مترجماً مختلفاً، حتى أثناء الاستماع لشهادته، إذا كان لديه سبب لذلك»، مشيراً إلى مساعي دائرة الهجرة لتأمين «مناخ آمن» لطالبي اللجوء يسمح لهم بالحديث «من دون خوف».

وذكر المتحدث، أن السلطات الأمنية تمحص في المتقدمين للعمل مترجمين في دائرة الهجرة، مضيفاً أنه يتوجب على المتقدمين بطلب عمل مترجمين أن يؤمّنوا «شهادة شرطة مفصلة»، وأن يسمحوا بإجراء بحث أمني في خلفيتهم، وإن رفض ذلك يعني أن طلبهم للعمل سيتم رفضه. وتابع، أنه في حال توافر أي أدلة على تصرفات مشبوهة لهم بعد توظيفهم، فيتم التخلي عن خدماتهم على الفور.

وأشار المتحدث إلى أن هذا التقييم الأمني يتم تكراره كل عامين، وأحياناً في شكل متكرر أكثر. وقال أيضاً إنه في حال «تم تقديم ادعاءات ضد المترجمين بانتهاك التزام الحياد، فإن دائرة الهجرة ستقوم بإجراء تحقيق شامل في الأمر، وهذا أدى في السابق إلى التخلي عن العمل مع عدد من المترجمين في الماضي». ولم يحدد المتحدث عدد المترجمين الذين تم طردهم بسبب هذا الأمر.

كل هذه المخاوف دفعت في الواقع حسين دمير إلى رفض إجراء المقابلة معه باللغة التركية، وطلب الحديث باللغة الإنجليزية عوضاً عن ذلك. وقال «طلبت أن تحصل مقابلتي بالإنجليزية لأنني كنت خائفاً من المترجم. فتفهموا مخاوفي وقبلوا وشعرت بأمان أكبر بالحديث عبر مترجم إنجليزي وليس تركياً».

ويقول الخبير في شؤون المخابرات التركية إريك شميت إينبوم في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن دائرة الهجرة واللجوء هي أحد الأماكن التي تستهدفها أنقرة لتجنيد عملاء لديها. ويضيف أن المعلومات التي تسرب عن اللاجئين، تستخدمها تركيا ليس فقط لملاحقة عائلات هؤلاء المتبقين في البلاد، ولكن أيضاً لدحض الأسباب التي دفعتهم لطلب اللجوء.

لكن دائرة الهجرة هي جزء صغير من الأماكن التي تستهدفها أنقرة لنشر عملائها في ألمانيا للتجسس على المعارضين، أكراد في السابق واليوم أضيف إليهم مؤيدو غولن الذين تتزايد أعدادهم بشكل كبير سنوياً في ألمانيا منذ عام 2016.

وفي حين كانت أعداد اللاجئين الأتراك في ألمانيا في عامي 2014 و2015 قرابة الـ1800 طالب لجوء سنوياً، معظمهم من الأكراد، بحسب أرقام رسمية حصلت عليها «الشرق الأوسط» من دائرة الهجرة، فقد ارتفعت هذه الأرقام بشكل كبير منذ عام 2016 حين بلغ عدد المتقدمين باللجوء أكثر من 5700 طلب. واستمرت هذه الأرقام في الارتفاع سنوياً، حتى وصلت العام الماضي إلى قرابة الـ11500، في حين زادت أعداد طالب اللجوء في العام الذي سبقه، أي 2018، على 10 آلاف طلب. ومع تزايد أعداد اللاجئين، تزايدت كذلك أعداد العملاء الأتراك الذين يتجسسون على المعارضين. ويقدر شميت إينبوم الذي كتب كتاباً عن عمل المخابرات التركية في أوروبا، عدد العملاء الأتراك في ألمانيا بأكثر من 8 آلاف عميل، إضافة إلى مئات الجواسيس التابعين مباشرة للمخابرات التركية، وهم يجندون العملاء على الأراضي الألمانية.

ويقول شميت إينبوم الذي يستقي معلوماته من شبكة واسعة من المصادر، بينها أشخاص عملوا في السابق أو ما زالوا يعملون في المخابرات الألمانية، إن لدى المخابرات التركية قرابة الـ9 آلاف جاسوس في العالم، 10 في المائة منهم، أي 800 عنصر، يتوزعون في الدول التي تتحدث الألمانية مثل ألمانيا، والنمسا، وسويسرا. ويضيف بأن الجزء الأكبر منهم يتركز في ألمانيا بسبب العدد الكبير للجالية التركية هنا والتي يقارب عددها على الـ4 ملايين تركي.

ويقول هذا الخبير الألماني، إنه «يوجد عناصر من الاستخبارات التركية غير معروف عددهم يقيمون في ألمانيا، وهم يعملون من خلال السفارة التركية». ويضيف «هناك 12 موظفاً في القنصليات صرحت أنقرة عنهم بأنهم ينتمون إلى الاستخبارات التركية. ولكن هذا كله ليس إلا رأس جبل الجليد». ويعتقد شميت إينبوم بأنه بالإضافة إلى هؤلاء «يوجد عدد كبير من العملاء والمخبرين الذين يسافرون بين تركيا وألمانيا، وهم يعملون في مجالات متعددة في بنوك تركية في ألمانيا أو شركات سفر». وقد قدرت المخابرات الداخلية في ولاية بادن فورتمبيرغ في تقرير صدر قبل أسبوعين أعداداً شبيهة للمخابرات التركية في العالم. ويذكر تقرير المخابرات هذا بأن عملاء إردوغان يراقبون على الأرجح كل النشاطات العامة والمظاهرات التي ينظمها المعارضون الأتراك في ألمانيا، مثل الأكراد ومؤيدي غولن. ويضيف التقرير، أن هؤلاء ممكن أن يتوقعوا أن يقبض عليهم في تركيا في حال حاولوا السفر إلى هناك.

وبالفعل، فقد ألقت السلطات التركية القبض على عدد من حملة الجنسية المزدوجة الألمانية والتركية لدى عودتهم إلى أنقرة؛ ما تسبب في الماضي في الكثير من التوتر بين البلدين. وحتى أن تركيا سلمت ألمانيا لائحة بأسماء مطلوبين تعتبرهم «إرهابيين» لتسليمها إياهم. وفي زيارة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان لبرلين عام 2018، عاد وسلم هذه اللائحة إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

لكن برلين ترفض طلبات أنقرة هذه، وعلى العكس فقد تحركت الشرطة لتحذر الأشخاص الموجودة أسماؤهم على اللائحة من العودة إلى تركيا لأنه قد يلقى القبض عليهم. وقد التقت «الشرق الأوسط» أحد هؤلاء الذين تبلغوا من الشرطة وجود اسمهم على لائحة تركية، ويدعى كميل كان ويعيش في ألمانيا منذ أكثر من 30 عاماً، ويملك محلاً لبيع الخضراوات. ولكنه ينتمي كذلك إلى مجلس إدارة مدرسة تركية في برلين تابعة لجماعة غولن، وهو السبب، على ما يبدو، لإضافة اسمه للائحة.

ويروي الرجل الستيني، أنه تلقى في عام 2017 زيارة من عنصرين من الشرطة حضرا إلى منزله، ليبلغاه بوجود هذه اللائحة. ويقول، إنه منذ ذلك الحين لم يعد إلى تركيا التي كان يزورها سنوياً. ويروي كذلك، أن جيرانه في تركيا أوصلوا إليه رسائل بأن السلطات التركية تبحث عنه. وقبل ذلك، كان كميل قد تبلغ من إمام في مسجد كان يرتاده في منطقة كرويتزبيرغ في برلين، وهي معقل للجالية التركية، بأنه لم يعد بإمكانه الحضور إلى المسجد «بطلب من تركيا».

وإذا كان المترجمون الأتراك يلعبون دوراً في التجسس على المعارضين، فإن الأئمة يلعبون دوراً أكبر وأهم في هذه العمليات. ويقول شميت إينبوم عن ذلك بأن كثيرين من الأئمة الأتراك وعددهم قرابة الـ700 ينتشرون في أكثر من 900 مسجد تابع لما يعرف بـ«ديتيب»، أو الاتحاد الإسلامي للشؤون الدينية في ألمانيا، يلعبون دوراً مهماً في تحديد عملاء لتجنيدهم. ويقول «هؤلاء الأئمة يتبادلون المعلومات مع الدوائر التركية وهم يلعبون دور الوسيط بين المخبرين الأتراك في ألمانيا وحكومة إردوغان في أنقرة». ولا تخفى نشاطات هؤلاء الأئمة على السلطات الألمانية، وقد حاولت عام 2017 فتح تحقيق بحق 19 إماماً تركياً للاشتباه بتجسسهم على معارضين. ولكن القصة أثارت الكثير من الجدل السياسي، وقبل أن يتمكن الادعاء من إصدار مذكرات توقيف كان أنقرة قد سحبت الأئمة وأعادتهم إلى تركيا؛ ما دفع بالادعاء العام لوقف ملاحقتهم.

وفي محاولة للتصدي لذلك، تسعى ألمانيا لإدخال قوانين تمنع جلب أئمة من الخارج وتدريب أئمة عوضاً عن ذلك في ألمانيا يلقون عظات باللغة الألمانية وليس التركية، خاصة أن أكثر من 90 في المائة من الأئمة في ألمانيا يعينون اليوم من الخارج. ودافعت الداخلية عن خططها هذه العام الماضي، وقال وزير الدولة في وزارة الداخلية ماركوس كيربير: «هدفنا ليس «ألمنة» (من ألمانيا) الإسلام، ولكن نريد من المسلمين الذين يعيشون هنا أن يشعروا بأنهم في بلدهم، وأن المجتمع يتقبلهم وهم يغنونه». وأضاف، أنه عندما «يقصد شبان ولدوا وكبروا في ألمانيا، المسجد للحصول على النصح من الإمام، سيكون من الجيد لو أن لدى الطاقم الديني في المسجد خبرة بالحياة اليومية في ألمانيا».

وحاولت الداخلية كذلك طرح فرض «ضريبة» على المساجد، أسوة بضريبة الكنائس التي تجمع من المسيحيين لتمويل الكنائس، في محاولة لتخفيف التأثير والتمويل التركي على المساجد. ولكن الاقتراح رفض من المسلمين في ألمانيا، ووضع في الدرج على الأقل حتى الآن.

هذا النشاط الكبير للمخابرات التركية في ألمانيا، يدفع بالشرطة لتأمين الحماية لمئات المعارضين الأتراك بسبب تلقيهم تهديدات قد تعرض حياتهم للخطر. من بين هؤلاء الصحافي التركي تشان دوندار الذي اعتقل في تركيا عام 2015 بعد أن نشر تحقيقاً يتحدث عن نقل المخابرات التركية لذخائر وأسلحة لمقاتلي «داعش» عبر الحدود إلى سوريا. واتهم دوندار بالعمالة وتسريب أسرار الدولة.

ولكن أمام الضغوط الدولية، أطلق سراحه بانتظار محاكمته، فلجأ إلى ألمانيا، حيث يعيش الآن. وفي عام 2018، عندما زار إردوغان برلين، أحدث الرئيس التركي جلبة كبيرة. وهدد بإلغاء المؤتمر الصحافي المشترك مع ميركل في حال سمح لدوندار بحضوره، واصفاً إياه بأنه «إرهابي ومطلوب في تركيا»، داعياً السلطات الألمانية إلى تسليمه. واضطرت برلين إلى الضغط على الصحافي التركي للتنازل عن حضور المؤتمر الصحافي تفادياً لإحراج إلغاء المؤتمر بأكمله. وتنازل دوندار عن الحضور، لكنه منذ ذلك الحين حصل على الحماية من الشرطة خوفاً من أن تختطفه «القوات الخاصة» لإردوغان التي شوهدت في شوارع برلين أثناء تواجد الرئيس التركي في العاصمة الألمانية.

ولكن الشرطة نفسها مخترقة كذلك من قبل المخابرات التركية، وقد دق البعض في الفترة الأخيرة جرس الإنذار من تزايد أعداد الأتراك الألمان داخل الشرطة. وفي عام 2018، فتح الادعاء العام تحقيقاً في شرطي في برلين تبين أنه يمرر معلومات عن معارضين أتراك للسفارة التركية. واكتشفت السلطات الألمانية أمر الشرطي، بعد أن شاهده محققون ألمان كانوا يراقبون أحد الجواسيس الأتراك الذي يعمل في السفارة التركية في برلين، يلتقي بالشرطي الذي سلمه ملفاً. وتبين لاحقاً أن الملف كان يتضمن أسماء وعناوين وأرقام معارضين أتراك في برلين.

وتعرف السلطات الألمانية بوجود آلاف المخبرين الأتراك لديها، ولكنها لا تبذل الكثير لملاحقتهم، وعلى العكس فإن العلاقات الاستخباراتية بين الدولتين كانت جيدة لفترة طويلة. إلا أنها بدأت تتدهور في السنوات الماضية بسبب تزايد المطالب التركية بتسليم «مطلوبين»، وهو ما تعتبره برلين غير منطقي. ولكن أيضاً بسبب رفض المخابرات التركية تزويد ألمانيا لمعلومات عن مقاتلين ألمان انضموا لـ«داعش». ويقول شميت إينبوم عن هذه العلاقات بين المخابرات التركية والألمانية: «منذ ثمانينات القرن الماضي الاستخبارات الألمانية الداخلية كانت تمرر معلومات للاستخبارات التركية عن معارضين، وعلى رأسهم عناصر من حزب العمال الكردستاني... تقليدياً كانت العلاقات جيدة جداً، والتعاون كان كبيراً بين جهازي الاستخبارات التركي والألماني».

ولكنه يشير إلى أن هذه العلاقات «أصبحت سيئة للغاية اعتباراً من عام 2016، أولاً لأن الجانب التركي بدأ بدعم المتطرفين في ليبيا مثلاً، وأيضاً لأنه كان هناك الكثير من الألمان المتطرفين الذين التحقوا بـ«داعش»، وحينها توجهت الاستخبارات الألمانية بالسؤال للجانب التركي حول المغادرين من ألمانيا إذا ما توقفوا في تركيا وأين، فامتنع الأتراك عن إعطاء المعلومات حينها، وهذا الأمر أساء إلى العلاقات بين جهازي الاستخبارات».

وفي عام 2017، أصدرت المحكمة العليا في مدينة هامبورغ حكماً بالسجن لمدة عامين على رجل يبلغ 32 عاماً، بتهمة التجسس على معارضين أكراد لصالح الاستخبارات التركية. وتضمنت التهم كذلك في البداية، التخطيط لقتل معارض تركي، إلا أن الادعاء لم يتمكن من إثبات ذلك.

ورغم عدم إثبات هذه التهمة، فإنه يبدو بأن الاستخبارات التركية فكرت في اللجوء لعميات خطف وقتل لمعارضيها في ألمانيا، بحسب الخبير الألماني شميت إينبوم الذي يقول «كان لدى الاستخبارات التركية خطة للقيام بعمليات خطف وتصفية لنشطاء أتراك بينهم أنصار فتح الله غولن، والأكراد في ألمانيا، وحينها قالت الحكومة الألمانية للجانب التركي، إنه في حال تم ذلك فسيعني ذلك أن هناك خطاً أحمر تم تجاوزه، وبالتالي ستعلن ألمانيا عن من يعمل في الاستخبارات التركية في ألمانيا وتطردهم».

ورغم أن ألمانيا لا تتحرك سياسياً كثيراً للضغط على تركيا تفادياً لتصعيد التوتر، خاصة مع تهديد إردوغان المستمر بإرسال موجة لاجئين جديدة إلى أوروبا، فهي قد تتحرك باتجاه ممارسة ضغوط إضافية عليها الآن بعد تسملها رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية.

ويقول النائب فرانك شوابيه، عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ألمانيا قد تلجأ للتهديد بطرد تركيا من المجلس الأوروبي في حال رفضت الخضوع لقرارات مجلس حقوق الإنسان في ستراسبورغ والذي يستمع حاليا لمجموعة من القضايا المتعلقة بملاحقة أتراك فقط لأنهم معارضون. وقال شوابيه، إنه لن يكون من مصلحة تركيا الخروج من المجلس الأوروبي، مضيفاً أنه يعتقد أن التهديد بذلك قد يدفع تركيا لتخفيف ملاحقاتها للمعارضين. وانضمت تركيا للمجلس الأوروبي عام 1950 بعيد تأسيسه، وطردها منه قد تكون له انعكاسات كبيرة عليها لجهة علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.

وبينما تستمر ألمانيا بالتفكير بطريقة للتصدي لتركيا ومحاولاتها التجسسية على أراضيها، يستمر المعارضون الأتراك في العيش بألمانيا، متفادين الاندماج مع الأتراك القدامى؛ خوفاً من عمليات تجسس عليهم. ويقول سليم شفيك، وهو محلل سياسي تركي في معهد العلوم الاقتصادية والسياسية في برلين، إن الواصلين الجدد يختلفون كثيراً عن القدامى: «هما طبقتان اجتماعيتان مختلفتان جداً، الذين جاءوا في البداية كانوا عمالاً جاءوا للعمل في المصانع، بينما الواصلون الجدد هم متعلمون أكثر، ويسهل اندماجهم أكثر، وهم لديهم حوافز سياسية وليسوا محفزين فقط بإيجاد وظيفة مثل القادمين الأوائل».

وبعد الحرب العالمية الثانية فتحت ألمانيا باب الهجرة العاملة من تركيا للتعويض عن نقص العمالة لديها، ولإعادة تحريك عجلة الاقتصاد. وقدِم مئات الآلاف من العمال الأتراك كـ«عمال ضيوف مؤقتين»، ولكنهم مكثوا في ألمانيا، وإن في مجتمع موازٍ تقريباً، متمسكين بثقافتهم وهويتهم وقوميتهم. وهو ما استغله إردوغان لتجنيد آلاف العملاء من بينهم وتحريضهم للتجسس على مواطنيهم.

ويقول حسين دمير، الذي أسس جمعية لمساعدة اللاجئين الأتراك في برلين، إنه رغم انتقاله لألمانيا بحثاً عن الأمان، لكنه ما زال يخاف من الحديث بحرية أمام الآخرين. ويضيف «أتردد بالحديث على الهاتف باللغة التركية خوفاً من أن يفهمني أحد ويعتدي عليّ أو يهينني لأن هذا الأمر حصل مع صديقي، كان يتحدث مع أحد على الهاتف في القطار عندما بدأ فجأة شبان يصرخون: إرهابي».

ومشاكل معارضي إردوغان لا تتوقف هنا، بل إن الكثير منهم عاجز عن إصدار أوراق رسمية من السفارة. يروي عمر تجربته، ويقول «عندما وصلت إلى هنا حاولت الذهاب إلى السفارة لكي أحصل على ورقة تفويض لأحد في تركيا ولم آخذ جوازي معي؛ لأنني سمعت قصصاً بأنهم قد يأخذونه». ويضيف «سألت إذا كان بإمكاني استخدام هويتي فعندما رأوا اسمي قالوا إن هناك علامة حمراء على اسمي ولا يمكن استخدام جوازي». جواز سفر عمر تنتهي صلاحيته قريباً، وهو لن يتمكن من تجديده. سيضطر عمر إلى طلب وثيقة سفر خاصة من ألمانيا كي يتمكن من السفر داخل أوروبا. ولن يكون وحده. فعشرات الآلاف من معارضي إردوغان الموجودين في أوروبا، باتوا من دون أوراق رسمية تركية. هم عالقون بين بلدهم الأم وبلدهم المضيف الذي لا يمكنهم حمل جوازه قبل مرور 8 أعوام على الأقل من الإقامة فيه.


تركيا تركيا أخبار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة