خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي

أسعد سليم يحفز القارئ لتأملها ببساطة في كتابه «رواية الفلسفة»

خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي
TT

خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي

خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي

«حرر عقلك، ثق في قدراتك، انظر للكون الفسيح بتأمل، وللتاريخ بتساؤل، لا تخضع لكائن من كان، انطلق لتكتشف الفيلسوف بداخلك فربما تهتدى وتهدي».
بهذه الدعوة يتوجه الباحث أسعد سليم إلى قراء كتابه «رواية الفلسفة»، «مبشراً» إياهم بأن الفلسفة التي يعتقدون أن فهمها حلم بعيد المنال أصبحت مبسوطة بكل يسر بين أياديهم.
يقع الكتاب في 219 صفحة من الحجم المتوسط، وصدر أخيرا عن دار «المثقف» للنشر بالقاهرة. وعبر عناوين متنوعة عرض المؤلف لأبرز محطات الفلسفة الغربية في شكل سلس لقارئ عادي وليس قارئا نوعيا متخصصا، ومع ذلك لا ينحي هذا القارئ جانبا، وإنما يضعه في إطار ضمني، ليبقى دائما على مقربة من الكتاب، فما يعنيه عبر هذه الرحلة أن يكتشف القارئ البسيط، أن ثمة فيلسوفا يكمن داخل كل شخص.
يسأل الكاتب قارئه سؤالا مباغتا: «أتحداك فهل تقبل التحدي؟» ويقصد به أنه لا توجد الآن حجة للمتلقي كي يشكو من «تعقيدات» الكتابات الفلسفية فهو يقدم توليفة مبسطة للقارئ ليكتشف معه عالم الفلسفة خاليا من الغموض عبر الكتاب.
- «غرور المصطلح»
ومن ثم، يطمح الباحث، حسبما جاء في المقدمة، إلى تحرير هذا اللون من المعرفة الإنسانية مما يسميه «غرور المصطلح» ويقصد به إغراق الكتابات الفكرية في التفاصيل المعقدة. وبالطبع لا يمكن اختصار ثلاثة آلاف عام من الفكر الغربي في هذه المساحة المحدودة، إلا إذا جاءت فصول الكتاب عبارة عن ومضات متلاحقة تضيء الملامح العامة لأزمنة ومدارس وحركات كبرى تعد علامات على طريق هذا الفكر، مثل نشأة الفلسفة وازدهارها ثم ذبولها في اليونان والانتكاسة الكبرى التي تعرضت لها في العصور الوسطى المظلمة ثم بداية النهوض في عصر الإصلاح، مع تركيز خاص على المدرسة العقلانية وعصر التنوير والحركات الرومانسية والعدمية، وينتهي الكتاب بإلقاء الضوء على تجربة جان بول سارتر والوجودية.
يثير عنوان الكتاب التباسا يبدو أنه مقصود من جانب المؤلف، فقد ظن البعض أن العمل عبارة عن نص أدبي مصاغ في شكل رواية على غرار «عالم صوفي» التي كتبها النرويجي جوستاين غاردر ولاقت رواجا مذهلا، حيث ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، رغم أنها لا تدور في أجواء الجريمة أو التشويق وإنما تتناول موضوعا يبدو للوهلة الأولى جافا، وهو تاريخ الفلسفة.
ورغم أن العمل هنا رصد تاريخي لأبرز محطات الفكر الغربي، إلا أنه يستفيد من تقنيات الكتابة الأدبية كالحوار والمفارقة وبناء السرد المشوق مع عنصر المفاجأة. ساعد على ذلك المنهج الانتقائي الذي يتبعه الكاتب والذي يقوم على اختيار فترات زمنية بعينها تزخر بالصراع بين الاستنارة الوليدة والظلامية الراسخة المحروسة بمزاعم كثيرة. وهذا بالضبط ما جعل فصول الكتاب أشبه ما تكون بلوحات تخلو من فخ الرتابة والتعقيد الذي يشكو منه القارئ العادي حين يسعى لقراءة نص فلسفي.
- عصر النهضة والأخلاق
ويكشف الباحث عبر فصول كتابه الثلاثة عشر، الوجه الآخر للميثولوجيا الإغريقية، وهي علم الأساطير والتراث التي آمن بها أهل اليونان القدماء حيث اختلاط الحقيقة بالخرافة واللامعقول بالمنطق، لافتا إلى أنه من سقراط إلى أفلاطون وأرسطو تتشكل حقبة ازدهار فجر الضمير الفلسفي والتي بالأخير انتهت إلى فترة الظلام الكبير حيث العصور الوسطى المظلمة، عبر رحلة من المعاناة امتدت لألف عام من الرجعية والتخلف بداية من القرن الخامس الميلادي وحتى بداية القرن الخامس عشر.
ويذكر المؤلف أن عصر النهضة والإصلاح رغم ما شهده من الاهتمام بالموسيقى والفن والأدب والعلم إلا أن ذلك جاء على حساب الأخلاق فعمت الفوضوية واللاأخلاقية، ونتج عنها النزعة المادية وبحسب قوله «تبدأ رحلة الشك واليقين مع ديكارت، مرورا لنور البصيرة عند باروخ سبينوزا، ويتأسس اتجاه قوي يرمي إلى عدم الخضوع للحواس التي تخدعنا أحيانا كأن نرى أننا نسبح في المياه، بينما تكون الحقيقة أننا نغط في النوم حالمين بالسباحة، وتلك هي خدعة الأحلام».
ويرى أن الفلسفة الغربية الحديثة نشأت على يد ديكارت في واحدة من أبرز تجليات المدرسة العقلانية وصراعها المرير مع المدرسة التجريبية ومؤسسها فرانسيس بيكون، وقيادته للثورة العلمية الجديدة القائمة على الملاحظة والتجريب والوصل بين الماضي والحاضر. كما يفرد مساحة مهمة لمؤسس علم النفس الحديث الطبيب الإنجليزي جون لوك الذي شغلت مؤلفاته وموضوعاته مكانا مهما في خارطة الفكر الإنساني وعبر رحلة الفلسفة ووصولها لعصر التنوير، مؤكدا أن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير بلا منازع، حيث تم إعلاء لغة الاعتقاد العقلي على لغة الاعتقاد الروحي، قائلا «يُنظر للإنجليز ممثلين في العالم نيوتن والفيلسوفين جون لوك وديفيد هوم على أنهم رواد عصر التنوير، فالعلم الحديث الذي خضع لنيوتن قلب المفاهيم رأسا على عقب وتمكنت البشرية أخيرا من تفسير قوانين الكون والطبيعة من خلال البراهين الفيزيائية والرياضية لا من خلال افتراضات ميتا فيزيقية أو خرافية».
وفي رصده للحركة الرومانسية يرى المؤلف أنها تتميز بالبحث عن الجمال والتحرر من العقل، وإطلاق العنان لإبداع الخيال، ومناجاة الطبيعة للوصول للنشوة، كما هو الحال عند جان جاك روسو وتقديسه لرهافة الحس والمشاعر وإعلائه للعواطف الجياشة. وهناك أيضا فيكتور هوجو صاحب «أحدب نوتردام» واللورد بايرون شاعر بريطانيا الكبير وكوليردج.
ومرة أخرى يعود المؤلف ليباغت قارئه بسؤال غير متوقع: أَضجرت من الحياة؟ هل نظرتك تشاؤمية عدمية لكل ما ومن حولك؟ هل شعرت باليأس يسحق روحك، ففكرت في الانتحار؟ كل هذه الكآبة السوداوية لن تجدها إلا عند رسول التعاسة وأمير التشاؤم الألماني «أرتور شوبنهاور».
وكأن السؤال هنا بمثابة جسر معرفي، للكلام عن العدمية والنظرة التشاؤمية العدائية، التي برزت على نحو خاص في فلسفة شوبنهاور المتمثلة في أن الإرادة باعتبارها سبب شقائنا وتعاستنا الأبدية، وأن الإنسان كلما ارتقى بذكائه كلما أدرك أن جوهره هو الشقاء. في المقابل، هناك نيتشه الفيلسوف العبقري الذي قلب الدنيا رأسا على عقب بأفكاره المثيرة للجدل، فهو الذي يصف حواء بأنها شخص ناقص خلق للاستمتاع ولا يجب التعامل معها إلا بالسوط!
ومن الواضح أن ربط حوادث بارزة في التاريخ الفلسفي القديم بالواقع الثقافي العربي المعاصر يعد واحدة من السمات المميزة في هذا العمل. وعلى سبيل المثال يتطرق الباحث لفلسفة فيثاغورس وقصة إنشائه «جماعة» قائمة على «السمع والطاعة» وأدائهم ليمين الولاء والطاعة لـ«مرشد» كشرط أساسي لدخول الجماعة «وعلى الطالب المكوث خمس سنوات في طور التعليم بدون نقاش ولا جدال، فترة الصمت الفيثاغورسي، حتى يصبح عضوا رسميا وفعالا في الجماعة ألا يذكرنا ذلك بشيء ما؟» وبالطبع الإشارة واضحة للتنظيمات السرية التي تتكالب على أوطاننا العربية باسم الدين.
ويوجه الباحث أنظارنا لأوجه الشبه بين ما حدث مع سبينوزا في القرن السابع عشر وأديب نوبل نجيب محفوظ والجدل الذي صاحب نشر روايته «أولاد حارتنا» طُرد سبينوزا من الكنيس اليهودي وتعرض لمحاولة طعن بخنجر على يد من يرفض أفكاره وهو ما تكرر بالضبط مع محفوظ.
وفي نهاية الكتاب يتساءل المؤلف: ماذا بعد هذه الرحلة؟ هل أنزلت الفلسفة من برجها العاجي وكهنوتها الأكاديمي إلى مستوى بشري ميسر؟ مشيرا إلى أنه قرأ معظم الإنتاج الفلسفي العالمي والعربي، رغم أن قائمة المراجع لا تتضمن، لضرورات المساحة، سوى مائتي مرجع فقط.
في الختام، لقد استطاع الباحث عبر رحلته في هذا الكتاب أن يقدم الفلسفة بصورة مبسطة، تكسر حجز الرهبة مع متونها، وتجذب القارئ وتشد انتباهه، وكأنه طرف في رواية شيقة، من دون مصطلحات وكليشيهات معقدة ومفتعلة، لتكون مدخله مستقبلا إلى كتابات فلسفية أخرى أكثر عمقا وتفصيلا.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).