خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي

أسعد سليم يحفز القارئ لتأملها ببساطة في كتابه «رواية الفلسفة»

خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي
TT

خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي

خلاصة الفكر الغربي بعيداً عن التعقيد الأكاديمي

«حرر عقلك، ثق في قدراتك، انظر للكون الفسيح بتأمل، وللتاريخ بتساؤل، لا تخضع لكائن من كان، انطلق لتكتشف الفيلسوف بداخلك فربما تهتدى وتهدي».
بهذه الدعوة يتوجه الباحث أسعد سليم إلى قراء كتابه «رواية الفلسفة»، «مبشراً» إياهم بأن الفلسفة التي يعتقدون أن فهمها حلم بعيد المنال أصبحت مبسوطة بكل يسر بين أياديهم.
يقع الكتاب في 219 صفحة من الحجم المتوسط، وصدر أخيرا عن دار «المثقف» للنشر بالقاهرة. وعبر عناوين متنوعة عرض المؤلف لأبرز محطات الفلسفة الغربية في شكل سلس لقارئ عادي وليس قارئا نوعيا متخصصا، ومع ذلك لا ينحي هذا القارئ جانبا، وإنما يضعه في إطار ضمني، ليبقى دائما على مقربة من الكتاب، فما يعنيه عبر هذه الرحلة أن يكتشف القارئ البسيط، أن ثمة فيلسوفا يكمن داخل كل شخص.
يسأل الكاتب قارئه سؤالا مباغتا: «أتحداك فهل تقبل التحدي؟» ويقصد به أنه لا توجد الآن حجة للمتلقي كي يشكو من «تعقيدات» الكتابات الفلسفية فهو يقدم توليفة مبسطة للقارئ ليكتشف معه عالم الفلسفة خاليا من الغموض عبر الكتاب.
- «غرور المصطلح»
ومن ثم، يطمح الباحث، حسبما جاء في المقدمة، إلى تحرير هذا اللون من المعرفة الإنسانية مما يسميه «غرور المصطلح» ويقصد به إغراق الكتابات الفكرية في التفاصيل المعقدة. وبالطبع لا يمكن اختصار ثلاثة آلاف عام من الفكر الغربي في هذه المساحة المحدودة، إلا إذا جاءت فصول الكتاب عبارة عن ومضات متلاحقة تضيء الملامح العامة لأزمنة ومدارس وحركات كبرى تعد علامات على طريق هذا الفكر، مثل نشأة الفلسفة وازدهارها ثم ذبولها في اليونان والانتكاسة الكبرى التي تعرضت لها في العصور الوسطى المظلمة ثم بداية النهوض في عصر الإصلاح، مع تركيز خاص على المدرسة العقلانية وعصر التنوير والحركات الرومانسية والعدمية، وينتهي الكتاب بإلقاء الضوء على تجربة جان بول سارتر والوجودية.
يثير عنوان الكتاب التباسا يبدو أنه مقصود من جانب المؤلف، فقد ظن البعض أن العمل عبارة عن نص أدبي مصاغ في شكل رواية على غرار «عالم صوفي» التي كتبها النرويجي جوستاين غاردر ولاقت رواجا مذهلا، حيث ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، رغم أنها لا تدور في أجواء الجريمة أو التشويق وإنما تتناول موضوعا يبدو للوهلة الأولى جافا، وهو تاريخ الفلسفة.
ورغم أن العمل هنا رصد تاريخي لأبرز محطات الفكر الغربي، إلا أنه يستفيد من تقنيات الكتابة الأدبية كالحوار والمفارقة وبناء السرد المشوق مع عنصر المفاجأة. ساعد على ذلك المنهج الانتقائي الذي يتبعه الكاتب والذي يقوم على اختيار فترات زمنية بعينها تزخر بالصراع بين الاستنارة الوليدة والظلامية الراسخة المحروسة بمزاعم كثيرة. وهذا بالضبط ما جعل فصول الكتاب أشبه ما تكون بلوحات تخلو من فخ الرتابة والتعقيد الذي يشكو منه القارئ العادي حين يسعى لقراءة نص فلسفي.
- عصر النهضة والأخلاق
ويكشف الباحث عبر فصول كتابه الثلاثة عشر، الوجه الآخر للميثولوجيا الإغريقية، وهي علم الأساطير والتراث التي آمن بها أهل اليونان القدماء حيث اختلاط الحقيقة بالخرافة واللامعقول بالمنطق، لافتا إلى أنه من سقراط إلى أفلاطون وأرسطو تتشكل حقبة ازدهار فجر الضمير الفلسفي والتي بالأخير انتهت إلى فترة الظلام الكبير حيث العصور الوسطى المظلمة، عبر رحلة من المعاناة امتدت لألف عام من الرجعية والتخلف بداية من القرن الخامس الميلادي وحتى بداية القرن الخامس عشر.
ويذكر المؤلف أن عصر النهضة والإصلاح رغم ما شهده من الاهتمام بالموسيقى والفن والأدب والعلم إلا أن ذلك جاء على حساب الأخلاق فعمت الفوضوية واللاأخلاقية، ونتج عنها النزعة المادية وبحسب قوله «تبدأ رحلة الشك واليقين مع ديكارت، مرورا لنور البصيرة عند باروخ سبينوزا، ويتأسس اتجاه قوي يرمي إلى عدم الخضوع للحواس التي تخدعنا أحيانا كأن نرى أننا نسبح في المياه، بينما تكون الحقيقة أننا نغط في النوم حالمين بالسباحة، وتلك هي خدعة الأحلام».
ويرى أن الفلسفة الغربية الحديثة نشأت على يد ديكارت في واحدة من أبرز تجليات المدرسة العقلانية وصراعها المرير مع المدرسة التجريبية ومؤسسها فرانسيس بيكون، وقيادته للثورة العلمية الجديدة القائمة على الملاحظة والتجريب والوصل بين الماضي والحاضر. كما يفرد مساحة مهمة لمؤسس علم النفس الحديث الطبيب الإنجليزي جون لوك الذي شغلت مؤلفاته وموضوعاته مكانا مهما في خارطة الفكر الإنساني وعبر رحلة الفلسفة ووصولها لعصر التنوير، مؤكدا أن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير بلا منازع، حيث تم إعلاء لغة الاعتقاد العقلي على لغة الاعتقاد الروحي، قائلا «يُنظر للإنجليز ممثلين في العالم نيوتن والفيلسوفين جون لوك وديفيد هوم على أنهم رواد عصر التنوير، فالعلم الحديث الذي خضع لنيوتن قلب المفاهيم رأسا على عقب وتمكنت البشرية أخيرا من تفسير قوانين الكون والطبيعة من خلال البراهين الفيزيائية والرياضية لا من خلال افتراضات ميتا فيزيقية أو خرافية».
وفي رصده للحركة الرومانسية يرى المؤلف أنها تتميز بالبحث عن الجمال والتحرر من العقل، وإطلاق العنان لإبداع الخيال، ومناجاة الطبيعة للوصول للنشوة، كما هو الحال عند جان جاك روسو وتقديسه لرهافة الحس والمشاعر وإعلائه للعواطف الجياشة. وهناك أيضا فيكتور هوجو صاحب «أحدب نوتردام» واللورد بايرون شاعر بريطانيا الكبير وكوليردج.
ومرة أخرى يعود المؤلف ليباغت قارئه بسؤال غير متوقع: أَضجرت من الحياة؟ هل نظرتك تشاؤمية عدمية لكل ما ومن حولك؟ هل شعرت باليأس يسحق روحك، ففكرت في الانتحار؟ كل هذه الكآبة السوداوية لن تجدها إلا عند رسول التعاسة وأمير التشاؤم الألماني «أرتور شوبنهاور».
وكأن السؤال هنا بمثابة جسر معرفي، للكلام عن العدمية والنظرة التشاؤمية العدائية، التي برزت على نحو خاص في فلسفة شوبنهاور المتمثلة في أن الإرادة باعتبارها سبب شقائنا وتعاستنا الأبدية، وأن الإنسان كلما ارتقى بذكائه كلما أدرك أن جوهره هو الشقاء. في المقابل، هناك نيتشه الفيلسوف العبقري الذي قلب الدنيا رأسا على عقب بأفكاره المثيرة للجدل، فهو الذي يصف حواء بأنها شخص ناقص خلق للاستمتاع ولا يجب التعامل معها إلا بالسوط!
ومن الواضح أن ربط حوادث بارزة في التاريخ الفلسفي القديم بالواقع الثقافي العربي المعاصر يعد واحدة من السمات المميزة في هذا العمل. وعلى سبيل المثال يتطرق الباحث لفلسفة فيثاغورس وقصة إنشائه «جماعة» قائمة على «السمع والطاعة» وأدائهم ليمين الولاء والطاعة لـ«مرشد» كشرط أساسي لدخول الجماعة «وعلى الطالب المكوث خمس سنوات في طور التعليم بدون نقاش ولا جدال، فترة الصمت الفيثاغورسي، حتى يصبح عضوا رسميا وفعالا في الجماعة ألا يذكرنا ذلك بشيء ما؟» وبالطبع الإشارة واضحة للتنظيمات السرية التي تتكالب على أوطاننا العربية باسم الدين.
ويوجه الباحث أنظارنا لأوجه الشبه بين ما حدث مع سبينوزا في القرن السابع عشر وأديب نوبل نجيب محفوظ والجدل الذي صاحب نشر روايته «أولاد حارتنا» طُرد سبينوزا من الكنيس اليهودي وتعرض لمحاولة طعن بخنجر على يد من يرفض أفكاره وهو ما تكرر بالضبط مع محفوظ.
وفي نهاية الكتاب يتساءل المؤلف: ماذا بعد هذه الرحلة؟ هل أنزلت الفلسفة من برجها العاجي وكهنوتها الأكاديمي إلى مستوى بشري ميسر؟ مشيرا إلى أنه قرأ معظم الإنتاج الفلسفي العالمي والعربي، رغم أن قائمة المراجع لا تتضمن، لضرورات المساحة، سوى مائتي مرجع فقط.
في الختام، لقد استطاع الباحث عبر رحلته في هذا الكتاب أن يقدم الفلسفة بصورة مبسطة، تكسر حجز الرهبة مع متونها، وتجذب القارئ وتشد انتباهه، وكأنه طرف في رواية شيقة، من دون مصطلحات وكليشيهات معقدة ومفتعلة، لتكون مدخله مستقبلا إلى كتابات فلسفية أخرى أكثر عمقا وتفصيلا.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان قبل أن يتعلّم الأرشفة. قطعٌ صغيرة، متشققة الأطراف، تحمل في نقوشها المسمارية توتّر البدايات: خوف الكائن من انطفائه، وشغفه بأن يترك أثراً أثقل من جسده وأطول عمراً من أنفاسه. هنا، على طينٍ جفّ فوق ضفاف دجلة، والفرات، كُتبت «ملحمة جلجامش» بوصفها سيرةَ سؤالٍ أكثر منها حكايةَ بطل: سؤال الخلود حين يقترب الموت من القلب.

الطين في هذه الألواح ليس مجرد وسيط كتابة، بل فلسفةٌ كاملة: فكرةٌ تهبط من التجريد إلى الكتلة، تتحوّل إلى جسمٍ يمكن لمسه، وكأن الذاكرة تحتاج وزناً كي تقاوم الريح. الكتبة العراقيون القدماء ضغطوا بمساميرهم على طينٍ طري، فتركوا أثر اليد داخل أثر الحرف، وصنعوا جسراً بين الحضور، والغياب. ثم جاءت النار التي التهمت قصور نينوى، فشوَت الألواح وزادتها صلابة، فصار الخراب شريكاً في البقاء، والكارثة ختمَ حفظٍ غير مقصود على مخطوطات الأرض.

عند تأمل «اللوح الحادي عشر» (لوح الطوفان) الذي اكتشفه جورج سميث عام 1872، نرى الحروف المسمارية وقد برزت متحديةً عوامل التعرية. وقف سميث حينها مذهولاً أمام تطابق النص مع روايات الطوفان الأخرى في الأديان عبر العالم، مدركاً أنه يمسك بأقدم وثيقة أدبية مكتوبة.

تمتلك المكتبات، والمتاحف، والجامعات أكثر من نصف مليون لوح طيني عراقي منقوشة بخط مسماري مثل «اللوح الحادي عشر». لكن العدد الهائل من النصوص، والعدد القليل من قراء الأكادية -وهي لغة لم يتحدث بها أو يكتبها أحد منذ 2000 عام- يعني أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الألواح قد ترجم.

على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في طريقة قراءة هذه النصوص. فبينما كان العلماء يعتمدون على العين المجردة، والذاكرة البصرية لمحاولة مطابقة آلاف الكسر المتناثرة من قبل عدد محدود من الخبراء الذين يتقنون قراءة اللغات المندثرة، دخل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه لاعب محوري في هذه العملية. مشروع «فراغمنتاريوم» بقيادة إنريكي خيمينيز يمثل ثورة حقيقية في هذا المجال. الخوارزميات الآن تمسح صور الكسور الطينية وتعالجها رياضياً لتجد الروابط بين قطعة موجودة في لندن، وأخرى في بغداد، أو ييل.

هذه التقنية وفرت تسريعاً هائلاً لعملية تجميع واستعادة النصوص ومطابقتها. لقد نجحت الأجهزة الذكية في ضم مئات القطع المتناثرة، مضيفة سطوراً جديدة بالكامل للملحمة. الآلة هنا تعمل عيناً ثالثة، ترى الأنماط التي تغيب عن العين البشرية، وتعيد بناء اللغز المعقد الذي تركه الزمن. وبفضلها، بتنا نقرأ تفاصيل دقيقة كانت غائبة لقرون، ونسمع أصواتاً ظلت صامتة تحت ركام التاريخ.

كشفت النصوص التي جُمعت حديثاً عن فصول مجهولة لم تقرأ من قبل في رحلة جلجامش وصديقه إنكيدو. فتخبرنا عن زيارة البطلين إلى مدينة نيبور، المركز الديني للعراق القديم، في محاولة لاسترضاء الإله «إنليل» بعد قتلهما للوحش «خمبابا». هذا التفصيل يضيف بعداً سياسياً ودينياً لرحلتهما؛ فهما لم يكونا مجرد مغامرين، بل كانا يدركان ثقل الخطيئة، وضرورة التكفير عنها أمام سادة المصير.

كذلك، ظهرت نصوص تصف صلاة «ننسون»، والدة جلجامش، وهي تتوجه إلى إله الشمس «شماش» طالبةً منه رعاية إنكيدو ليكون دليلاً لابنها في غابة الأرز. هذه السطور تعمق البعد العاطفي للأمومة، والقلق في الملحمة، وتظهر إنكيدو بوصفه شخصية محورية تستحق الحماية الإلهية بفضل دعوات الأم الملكية.

ومن أكثر الإضافات إثارةً للدهشة تلك المتعلقة بشخصية «أوتنابشتم» (الناجي من الطوفان العظيم). تُظهر الأجزاء الجديدة شعوره بالذنب تجاه العمال الذين بنوا له السفينة. يذكر النص أنه «أغدق» عليهم الشراب، والولائم، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن مصيرهم الغرق المحتوم. كلمة «أغدق» أو «سقى بإسراف» تكشف عن صراع نفسي عميق لدى الناجي، وتجعل منه شخصية تراجيدية تحمل عبء المعرفة وحدها.

تبقى العلاقة بين جلجامش وإنكيدو المحرك الأساسي للملحمة. النصوص الطينية تصف بدقة مشاعر الفقد، والألم. حين مات إنكيدو، رفض جلجامش تسليم جثته للقبر، وظل يراقب صديقه بانتظار عودته للحياة، حتى سقطت دودة من أنفه. هذا المشهد، الذي تصوره الألواح بواقعية فجة، يجسد «الصدمة» الأولى التي تدفع الإنسان للبحث عن الخلود.

صرخة جلجامش: «هل سأكون مثله وأرقد فلا أقوم أبد الآبدين؟» تتردد في أروقة المتحف. إنها صرخة الكائن البشري الذي يعي فناءه. الألواح الجديدة تزيد من وضوح حوارات إنكيدو وهو يحاول ثني جلجامش عن بعض المخاطر، ما يبرز دوره باعتبار أنه صوت للحكمة، والحذر، مقابل اندفاع جلجامش الجامح.

في رحلته اليائسة، يلتقي جلجامش بصاحبة الحانة «سيدوري». النص المسماري يقدم نصيحتها باعتبارها واحدة من أقدم الفلسفات الوجودية التي تدعو لاغتنام اللحظة. تقول له: «اجعل بطنك ممتلئة، افرح ليل نهار... انظر للطفل الذي يمسك بيدك، ولتسر زوجتك في أحضانك». هذه الدعوة للحياة البسيطة، والاستمتاع بالحاضر تقف نقيضاً لسعي جلجامش المستحيل وراء الخلود الجسدي.

تكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر عند قراءتها من على سطح لوح طيني متشقق. إنها تذكير بأن الانشغال بالغد قد يضيّع منا جمال اللحظة الآنية. ورغم تجاهل جلجامش لنصيحتها في البداية، وإصراره على المضي قدماً، فإن الملحمة تنتهي بعودته إلى «أوروك» وتأمله لأسوارها العظيمة، في إشارة لقبوله بأن الخلود يكمن في العمل، والإنجاز البشري الذي يبقى بعد رحيل الجسد.

تطرح الاكتشافات الحديثة ألغازاً جديدة تحفز العقل. أحد السطور التي كشفها الذكاء الاصطناعي يأتي على لسان «أوتنابشتم» موجهاً حديثه لجلجامش: «هل بنوا يوماً قصراً لأحمق؟». هذا التساؤل الغامض يفتح باب التأويلات. هل يقصد أن الخلود والمكانة الرفيعة يتطلبان حكمة لا يملكها المتهورون؟ أم يسخر من سعي جلجامش العبثي؟ يبقى هذا السطر دليلاً على أن النص لا يزال يخفي أسراراً تنتظر الفهم، وأن كل كشف جديد يولد أسئلة إضافية.

إن عملية تجميع الملحمة عملية مستمرة، وحيّة. الآلاف من الكسر الطينية في مخازن المتاحف العالمية تنتظر دورها لتدخل تحت ماسحات الذكاء الاصطناعي. ومع كل قطعة تضاف، تزداد الصورة وضوحاً، وتكتسب الشخصيات عمقاً إنسانياً جديداً. العلماء اليوم، مثل ناثان واسرمان، وأندرو جورج، يؤكدون أن التكنولوجيا تعزز القدرة البشرية، ولا تلغيها؛ فهي تقدم الاحتمالات، وتبقي للعقل البشري مهمة الفهم، والتأويل، واستشعار الجمال الأدبي.

إن إعادة قراءة ملحمة جلجامش عبر نقوش المتحف البريطاني وبمساعدة أحدث معطيات التكنولوجيا الحديثة تجربة فريدة للغاية تفتح الباب أمام حوار حضارات حقيقي، فنحن نستخدم أحدث ما أنتجه العقل البشري من خوارزميات لفهم أقدم ما كتبه العقل البشري من قصص. الطين والسيليكون يلتقيان ليخبرا قصة واحدة: قصة الإنسان الذي يبحث عن معنى، ويواجه الفناء بالبناء، والكتابة.

تظل الملحمة العراقية القديمة نصاً مفتوحاً على الاحتمالات، كتاباً يكتب نفسه باستمرار مع كل شظية تخرج من الظل لتأخذ مكانها في جدارية الخلود. جلجامش، الذي رأى كل شيء، ما زال لديه الكثير ليقوله لنا.


حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.