عزلة سكورسيزي في زمن «كورونا» ... وعزلتنا

يستعد لإخراج أول فيلم «ويسترن» مع دي نيرو ودي كابريو

المخرج مارتن سكورسيزي يتحدث عن عزلته بسبب «كورونا» في شريط قصير
المخرج مارتن سكورسيزي يتحدث عن عزلته بسبب «كورونا» في شريط قصير
TT

عزلة سكورسيزي في زمن «كورونا» ... وعزلتنا

المخرج مارتن سكورسيزي يتحدث عن عزلته بسبب «كورونا» في شريط قصير
المخرج مارتن سكورسيزي يتحدث عن عزلته بسبب «كورونا» في شريط قصير

سيشعر كثيرون ممن تابعوا فيلم المخرج مارتن سكورسيزي، القصير عن العزلة القهرية التي فرضها انتشار فيروس كورونا من قيود على حرية الحركة، و«الفرملة» المفاجئة لإيقاع الحياة، كم يتماهون مع تجربة هذا المخرج الأميركي. فالنفس البشرية متشابهة في لهاثها باتجاه مشروعات العمل والمال والوظيفة، وكل ما يتطلب جهداً ذهنياً وعاطفياً وجسدياً. حركة من الدوران السريع في الحياة تصبح روتينية إلى حد الملل والإرهاق. «لكن فجأة»... يقول سكورسيزي: «كل شيء توقف. حدثت الصدمة. وكُبحت الحركة».
تتقاطع رؤيته مع رؤية من يعتقدون أن لهذه «الطبيعة» ذكاء خاصاً يجعلها تتدخل لوقف كل هذا اللهاث العشوائي، الذي يشبه سباق حيوان الهامستر مع نفسه داخل قفص محدود المساحة. على كل هذا الضجيج أن يتوقف، ليلتقط الكوكب أنفاسه ويستعيد دورته الدموية ونبضه الطبيعي الذي أربكته البشرية في سعيها المحموم نحو جمع الثروات والشهرة والانتشار الجغرافي والهيمنة والمشروعات التي قد تبهج قليلاً فقط من البشر. تصيح الأرض؛ أوقفوا الطيران، أوقفوا القطارات. أوقفوا غبار الرحلات. أريد أن أتنفس بكامل رئتيّ. أنصت لغناء الطبيعة، لا لضجيج المكائن.
نعم، أخرستنا الطبيعة بسلاح غير مرئي. أجبرتنا على البقاء في ديارنا، وذكرتنا بمقولة فيلسوف فرنسي حكيم، قال إن نصف مشكلات العالم تحدث لأن الإنسان يغادر غرفة نومه. لماذا تخلى البشر عن أمان غرفهم لاكتشاف العالم؟
ميلهم للجشع والهيمنة، دفعهم لاستكشاف أماكن أخرى وأشخاص وذهنيات، مدججين بالفضول واللامبالاة وبأسلحة أخرى أكثر خطورة. قادهم إلى جحيم مبكر، إلى حوادث قاتلة وحروب وأوبئة فتاكة. فعلت ذلك، لتقول، اجلسوا في أماكنكم، فليس في بقية العالم غير احتمالات الفناء، مقابل فتوحاتكم وجشعكم. لماذا لم تلزموا غرفكم، كما نصحكم ستاندال قبل 5 قرون؟
سكورسيزي في فيلمه القصير الذي أنجزه لصالح سلسلة حلقات «ثقافة العزل» في القناة الثانية لتلفزيون «بي بي سي»، وأنهى به السلسلة التي التقت بأشخاص في عالم المسرح، والأوبرا أيضاً، ينتبه إلى أن عزلته تمت لأنه تحت الحجر. ليست خياراً شخصياً في عزلة فلسفية، ولا استراحة قصيرة. إنها العزلة غير المخطط لها. المريحة في بدايتها، وهي تمنح صاحبها فرصة إعادة شحن ذهنه وصحته. تأجّلت المهام والمشروعات السينمائية المخطط لها هذا العام، واللوم لا يقع على أحد. لا شركات إنتاج أو مواقع تصوير غيّرت دولها، ولا اشتراطات أبطال الفيلم مَن عرقل العمل.
ينتبه سكورسيزي، أحد أشهر مخرجي هوليوود، للمطبّ النفسي. الحجر طال. وهو ليس حرّ الحركة داخل مكانه. مشروعات أفلامه المعرقلة تنتظر حلاً، كما تنتظر بقية شعوب الأرض إنجاز مشروعاتها، صغيرة أم كبيرة. والحلّ مقيد بمعامل الأدوية ومختبرات اللقاحات التي ستمنحنا مناعة التصدي لأغرب عوامل فناء الإنسان في القرن الحادي والعشرين. إنه ليس السرطان هذه المرة، ولا فيروس نقص المناعة.
يحكي سكورسيزي عن الظرف الجديد، ويجاهد لكي يبدو طبيعياً في بوحِهِ. وما الذي يمكن أن يفعله المخرج المعزول قسراً، غير أن يدور بكاميرته في أنحاء مكتبه وقرب نافذته، مسرب الضوء الطبيعي الوحيد في العزل. يحرك الكاميرا بيد مرتجفة قليلاً داخل المكان، ويعود إلى حيث بدأ، مثل شبيهه الهامستر المخدوع بحرية الحركة.
توتره من طول الإقامة الجبرية يتجلى بتلعثم، وفي حركة الكاميرا: «متى سأخرج من هنا؟». يتوسل للمطلق: «متي سأبدأ في إنجاز فيلمي» (كان يستعد لأول فيلم «ويسترن» في حياته جامعاً روبرت دي نيرو، ودي كابريو). يتوسل ليسمعه أحد، ويفرج عنه، وكأن الوقت لن يسعفه كثيراً (عمره77 سنة) كي ينجز المتراكم من مشروعات الأفلام. يلعب بتقنيات الإضاءة في الغرفة، فتهبط على وجهه، وتتوزع على أفيشات أفلام وصور وأرفف الكتب خلفه. يختار مقطعين من أفلام هيتشكوك الغامضة، ليوضح معنى الشعور بالمحاصرة تحت الإقامة الجبرية. في الخلفية، موسيقى تزيد من الـمؤثرات لكي لا تبدو شهادته عن العزلة بسبب فيروس كورونا، شبيهة بشهادة شخص لا صلة له بالسينما.
ومثل أي فيلم يحتاج إلى نهاية منفرجة بعد تكثيف الأحداث وارتفاع منسوب التوتر لدى المتلقي. يستسلم مخرج فيلم «الآيرلندي» الذي رشح للأوسكار هذا العام، ويتصالح مع الوقت: «قلت لنفسي... أنت جالس وحدك. وزمنك يتخذ مظهراً آخر. لا يزال إحساسي أنه لا نهاية في المنظور القريب (لهذا الوضع)». تسود نبرة أهدأ بعد شحنة التوتر والنظرة السلبية التي انطلق منها للعزلة، ويرى أن اختباره لهذا الوقت (تجربة الحجر) فيه كثير من الإيجابيات. يخاطب نفسه: «لم تكن جالساً لا تفعل شيئاً. أنت هنا. ولا تزال موجوداً». يتذكر أصدقاءه وأفراد أسرته. «هذا هو الدرس القسري الذي تعلمته من التجربة». درس جوهري للجميع على ما يبدو. فهو يقضي وقتاً أطول مع أحبته. ويعتني بهم أكثر مما كان يسمح له وقته في السابق.
كثيرون يشاركونه الشعور أن لا أفق لختام حقبة، تحكم فيها فيروس خطر بالعالم، كما يحدث في الأفلام. هل سنعود لمكاتب عملنا. هل سنتمكن من السفر في إجازات للاسترخاء، أو لقاء أحبة محبوسين بدورهم في عزلة الوباء. إحساسه استقر على الاستسلام للعزلة الحرجة، مع شعور حقيقي بالتحرر من الأعباء اليومية. قد يكون إحساساً مؤقتاً ونزقاً كما في أمزجة البشر. المبدعين خاصة. لكن في هذه اللحظة التي تحاصرنا، نطلق معه، كلٌ من مكان عزلته، زفرة الاسترخاء. ببساطة «لأنه لا يمكنك فعل أي شيء آخر». كما ينصحنا مارتن سكورسيزي.


مقالات ذات صلة

هاي سوب سين: «نصف القمر» يرصد جوهر الأمومة خارج روابط الدم

يوميات الشرق استوحى المخرج الفيلم من مشاهدته لفيلم وثائقي (الشركة المنتجة)

هاي سوب سين: «نصف القمر» يرصد جوهر الأمومة خارج روابط الدم

قال المخرج الكوري السويسري هاي-سوب سين إن فيلمه القصير «نصف القمر» (Ban Dal – Half-Moon) جاء بعد مشاهدته فيلماً وثائقياً على التلفزيون السويسري.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحمل مهرجان عمّان السينمائي في دورته السابعة شعار «ما وراء الإطار» (إدارة المهرجان)

بلغ دورتَه السابعة... مهرجان عمّان السينمائي يبحث «ما وراء الإطار»

تنطلق فعاليّات مهرجان عمّان السينمائي الأسبوع المقبل، لتحوّل العاصمة الأردنية إلى ملتقى ومنصة لأهل السينما وروّادها من العالم العربي والعالم.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العوضي ومي عمر في «شمشون ودليلة» (الشركة المنتجة)

معركة «إيرادات السينما» في مصر تشتعل بين العوضي وإمام

اشتعلت معركة «إيرادات السينما»، في مصر بشكل واسع خلال الساعات الماضية بين النجمين محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، وأحمد العوضي بطل «شمشون ودليلة».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يسرا تنافس بفيلم «الست لما» في موسم الصيف (الشركة المنتجة)

فنانون مصريون للمشاركة في موسم الصيف السينمائي بعد غياب

يشهد الموسم الأكثر حضوراً من الجماهير وفق نقاد، عودة يسرا، ورامز جلال، وياسمين عبد العزيز، ومحمد هنيدي بعد غياب سنوات عن «الشاشة الكبيرة».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الهندي سهراب هورا (الشركة المنتجة)

«اختفاء»... فيلم هندي قصير يراهن على قوة التأمل

يعتمد الفيلم الهندي القصير «اختفاء» (Disappeared) على رؤية تقدم تجربة بصرية تعيد النظر إلى الصورة ومنحها الوقت الكافي لتكشف ما تخفيه.

أحمد عدلي (القاهرة )

معرض سعودي يعيد اكتشاف العين... من أداة للرؤية إلى لوحة تروى

صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)
صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)
TT

معرض سعودي يعيد اكتشاف العين... من أداة للرؤية إلى لوحة تروى

صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)
صورة توضح التشابه الجغرافي بين العين والجبال (الشرق الأوسط)

قبل أن تكون العين نافذة يرى الإنسان منها العالم، يعتقد المصور السعودي أشرف حبيب أنها عالمٌ كامل يستحق أن يُكتشف. فعندما تُكبَّر قزحية العين عشرات المرات، لا تبدو مجرد عضو بيولوجي، بل تتحول إلى تضاريس تتشابك فيها الخطوط والألوان، فتشبه صحراء رسمتها الرياح، أو مجرةً تدور في فضاء بعيد، أو لوحةً تجريدية يصعب تصديق أنها تسكن داخل إنسان.

هذه الفكرة هي التي قادت أشرف حبيب إلى إطلاق معرض «بوابة الإبصار» في جدة، في تجربة يصفها بأنها الأولى من نوعها في المملكة والشرق الأوسط، تجمع بين الفن والمعرفة، وتدعو الزائر إلى تأمل أكثر تفاصيل الإنسان قرباً منه، وأكثرها غموضاً في الوقت نفسه.

المصور أشرف حبيب في معرضه بوابة الإبصار (الشرق الأوسط)

لا يبدأ المعرض بالكاميرا، بل بسؤال: ماذا لو توقفنا عن النظر بالعين... وبدأنا ننظر إليها؟ على مدى 3 سنوات، كرّس المصور السعودي جهده لتصوير القزحية، بعد رحلة مهنية امتدت لأكثر من 15 عاماً في التصوير الفوتوغرافي، اشتهر خلالها بفن الرسم بالضوء. لكنه هذه المرة لم يكن يبحث عن مشهد خارجي، بل عن الجمال المختبئ داخل الإنسان.

يقول أشرف حبيب لـ«الشرق الأوسط»: «أردت أن أُري الناس الجمال الموجود داخل العين قبل أن ننظر بها إلى العالم. المعرض ليس معرضاً فنياً فقط، بل هو معرض فني وعلمي في الوقت نفسه، يكشف جماليات العين ويُظهر جمال صنع الخالق».

صورة تجمع أشكالاً وألواناً متعددة لقزحيات العين (الشرق الأوسط)

ورغم أن فكرة تصوير القزحية شاهدها في تجارب خارج المملكة، فإنه لم يتعامل معها باعتبارها تجربة فوتوغرافية فقط، بل بدأ أولاً بالبحث والقراءة لفهم اختلاف ألوان العيون وأشكالها، ودور الميلانين والعوامل الوراثية في تكوينها، قبل أن يلتقط أول صورة.

داخل المعرض، لا تبدو أي قزحية شبيهة بالأخرى. فكل عين تحمل تكويناً مختلفاً، وتفاصيل لا تتكرر، وخطوطاً صنعتها الوراثة، وأحياناً ظروف صحية نادرة، لتبدو كل صورة وكأنها عالم مستقل بذاته.

يؤكد حبيب أنه ليس طبيباً، وأن ما يقدمه هو قراءة فنية وبصرية، لكنه يعترف بأن آلاف الصور التي التقطها جعلته يكتشف أن العين تخبئ من التفاصيل أكثر بكثير مما يظنه الناس.

صورة توضح التشابه بين لون العين وزهرة دوار الشمس (الشرق الأوسط)

ويتابع: «نسافر حول العالم لنصور الجبال والبحار والتضاريس، بينما هناك تضاريس كاملة موجودة داخل أعيننا، لكنها أقرب إلينا من أي مكان»، ورغم أن كثيرين ينجذبون إلى العيون الفاتحة، اختار حبيب أن يمنح العيون الداكنة المساحة الأكبر من مشروعه، لأنها، على حد قوله، الأكثر تعرضاً لسوء الفهم.

قزحية لشخص يعاني من مرض مناعي نادر يستهدف الأنسجة التي تحتوي على صبغة الميلانين (الشرق الأوسط)

ويضيف: «كثير من الناس يعتقدون أن عيونهم سوداء، ثم يفاجأون عندما يشاهدون صورها مكبرة، فيكتشفون أنها بنية، وتضم تفاصيل وألواناً مدهشة لم يكونوا يرونها من قبل. بعد ذلك يبدأون في حب عيونهم أكثر.

ومن بين مئات العيون التي مرت أمام عدسته، بقيت إحدى الحالات النادرة عالقة في ذاكرته؛ إذ غيّر مرض نادر توزيع الميلانين داخل القزحية، فرسم تكويناً لونياً لم يشاهد مثله من قبل، حتى بدت العين وكأنها عمل فني أنجزته الطبيعة.

قزحية لشخص تضررت أعصابه الدقيقة المرتبطة بحركة البؤبؤ إثر تعرضه لحادث (الشرق الأوسط)

لكن أكثر ما يلفت انتباهه ليس الصور نفسها، بل اللحظة التي يواجه فيها أصحابها أعينهم للمرة الأولى، يصمت بعضهم طويلاً، ويقترب آخرون من الصورة أكثر من مرة، بينما يردد كثيرون العبارة نفسها: لم أكن أعلم أن عيني بهذا الجمال.

يبتسم حبيب وهو يروي تلك اللحظات قائلاً: «كثير منهم يشعر كأنه يرى نفسه من الداخل، وليس مجرد عينه»، ولا يختزل المصور مشروعه في الجانب الجمالي وحده، بل يرى أن لكل إنسان فرادته التي تنعكس في قزحية عينه، ويقول: «كل إنسان يحمل في عينه بصمة لمسيرة حياته، وهي ليست مجرد بصمة جمالية».

في نهاية الجولة، يغادر الزائر وهو ينظر إلى عيون من حوله بطريقة مختلفة. بعد هذه التجربة، لا تعود العين مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل تصبح عالماً قائماً بحد ذاته، يختزن تفاصيل لا تُرى إلا عندما نمنحه الوقت الكافي لننظر إليه.


مصر: اكتشاف 3 مقابر صخرية من عصر الدولة الحديثة بسقّارة

الرسوم الجدارية بالمقابر الثلاث سجلت جانباً من حياة النبلاء (وزارة السياحة والآثار)
الرسوم الجدارية بالمقابر الثلاث سجلت جانباً من حياة النبلاء (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف 3 مقابر صخرية من عصر الدولة الحديثة بسقّارة

الرسوم الجدارية بالمقابر الثلاث سجلت جانباً من حياة النبلاء (وزارة السياحة والآثار)
الرسوم الجدارية بالمقابر الثلاث سجلت جانباً من حياة النبلاء (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، عن اكتشاف البعثة الأثرية المصرية العاملة بجبانة البوباسطيون 3 مقابر صخرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة، خلال أعمال حفائرها العلمية بالقطاع الشرقي، وأسفر الكشف عن نقوش هيروغليفية وعناصر أثرية مهمة تسلط الضوء على جوانب جديدة من تاريخ جبانة منف القديمة، وتاريخ كبار رجال الدولة والمجتمع خلال تلك الحقبة.

وتعود المقبرة الأولى لشخص يُدعى «منتوحتب»، وتتميز جدرانها الشمالية بمناظر متقنة لحاملي القرابين ومشاهد الصيد، إلى جانب منظر كبير لصاحب المقبرة جالساً مع والدته «إعح حتب»، في تصوير يعكس المكانة الاجتماعية الرفيعة للأسرة، وفق تصريحات مدير عام منطقة آثار سقّارة، الدكتور عمرو الطيبي.

وأضاف، في بيان الوزارة، أن «جدران المقبرة سجلت مجموعة من الألقاب المهمة، من بينها: (الأمير الوراثي)، و(العمدة)، و(التابع للملك)، و(الذي يُسعد قلب الحاكم)، و(المدير)، و(المشرف على البلاد الأجنبية)، و(المشرف على جيش مدينة خبشيت)... وهي ألقاب تشير إلى أن صاحب المقبرة كان من كبار رجال الإدارة والجيش في بدايات عصر الدولة الحديثة».

نقوش على إحدى المقابر المكتشفة أخيراً (وزارة السياحة والآثار)

في حين تعود المقبرة الثانية لشخص يُدعى «بارع إم وايا»، المعروف باسم «ساموت»، والذي حمل لقب «كبير التجار ببيت بتاح». وتمثل المقبرة سجلاً عائلياً متكاملاً؛ إذ حفظت أسماء زوجته «توي» التي حملت لقب «سيدة البيت»، ووالدته «أتبيو» التي حملت لقب «مغنية المعبود آمون»، إلى جانب أسماء أبنائه الأربعة، بما يقدم صورة نادرة للحياة الأسرية والاجتماعية لأحد الشخصيات البارزة في عصر الدولة الحديثة.

أما المقبرة الثالثة، وفق البيان، فتعود لشخص يُدعى «نحسي». ورغم أنها في حالة سيئة من الحفظ، فإن ما تبقى من نقوشها يحمل قيمة تاريخية مهمة؛ إذ أمكن التعرف على اسم صاحبها ولقبه؛ «المشرف على البيت»، بالإضافة إلى اسم زوجته «نفرو بتاح» التي حملت لقب «سيدة البيت».

ومن أبرز عناصر هذه المقبرة جزء من عمود يحمل نصاً بالهيروغليفية يشير إلى عودة أحد القادة من بلاد نهرن، الواقعة شمال سوريا، وهو نص يقدم دليلاً جديداً على طبيعة العلاقات المصرية مع مناطق الشرق الأدنى خلال الدولة الحديثة.

ويؤكد هذا الكشف أن منطقة سقّارة لا تزال تزخر بكنوز أثرية لم يُكشف عنها بعد، وفق تصريحات وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، مشيراً إلى أن «الاكتشافات المتتالية التي تشهدها المنطقة تبرز القيمة الحضارية الاستثنائية لموقع سقّارة؛ أحد أهم مواقع التراث العالمي»، وعادّاً أن «كل كشف أثري جديد يمثل إضافة نوعية لفهم الحضارة المصرية القديمة، ويسهم في استكمال الصورة التاريخية لإحدى أعظم الحضارات الإنسانية».

جانب من أعمال البعثة في مقابر سقّارة (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، أن «أهمية هذا الكشف لا تقتصر على العثور على مقابر جديدة، بل تمتد إلى إعادة إحياء سيرة أصحابها واستعادة صفحات من تاريخهم ظلت مدفونة تحت الرمال لآلاف السنين، بما يمنح كل اكتشاف بُعداً تاريخياً وإنسانياً بالغ الأهمية، ويثري الدراسات المتعلقة بالمجتمع المصري خلال عصر الدولة الحديثة».

وأكد رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن هذا الكشف يأتي في إطار مشروع الدراسة الأثرية لجبانة البوباسطيون، كما يفتح المجال أمام المزيد من الاكتشافات خلال المواسم المقبلة، خصوصاً مع استمرار أعمال الحفائر داخل آبار الدفن والمناطق التي لم تُكتشف بعد، والتي يُتوقع أن تسفر عن معلومات أثرية وتاريخية جديدة تسهم في استكمال الصورة الحضارية لأصحاب هذه المقابر.

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا الدكتورة دينا سليمان، أن «أهمية هذا الكشف تكمن في أنه يعيد توجيه الأنظار إلى جبانة منف، التي تُعد سجلاً حضارياً متراكماً يعكس تحولات المجتمع المصري القديم على امتداد أكثر من ثلاثة آلاف عام».

مدخل إحدى المقابر المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «احتفظت هذه الجبانة بمكانتها الاستثنائية عبر عصور مختلفة، حتى غدت أشبه بأرشيف مفتوح يوثق تطور العقائد الجنائزية، والإدارة، والفنون، والبنية الاجتماعية في العاصمة القديمة ومحيطها. ومن ثم، فإن العثور على ثلاث مقابر صخرية من عصر الدولة الحديثة لا يُقرأ بوصفه اكتشافاً منفصلاً، بل بوصفه حلقة جديدة تُضاف إلى شبكة معقدة من الشواهد التي تساعد الباحثين على إعادة تركيب المشهد التاريخي لمنف في إحدى أكثر فترات الحضارة المصرية ازدهاراً».

وأشارت إلى أن «المقابر المكتشفة بجبانة منف تتكامل فيها العمارة الجنائزية، والنقوش، والرسوم الجدارية، لتقديم صورة أكثر دقة عن حياة المصريين القدماء ومعتقداتهم».

وتضم منطقة سقّارة الأثرية العديد من المواقع المهمة، من بينها «هرم الملك زوسر المدرج؛ أقدم بناء حجري ضخم في التاريخ من عصر الأسرة الثالثة، وأهرامات عدد من ملوك الأسرتين الخامسة والسادسة، وأهمها هرم الملك أوناس؛ أول من نُقشت غرفة دفنه بنصوص الأهرام، ومجموعة هائلة من مقابر كبار الأفراد من الدولة القديمة»، وفق موقع وزارة السياحة والآثار.

وعدَّ الخبير الآثاري الدكتور علي أبو دشيش، مدير مؤسسة «زاهي حواس للآثار والتراث»، ما شهدته منطقة سقّارة الأثرية تجسيداً حياً لعظمة الحضارة المصرية القديمة التي لا ينضب معين أسرارها، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الكشف يمثل إضافة علمية وتاريخية تعيد رسم ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية لكبار رجال الدولة خلال عصر الدولة الحديثة في منف القديمة».

وأرجع أهمية الكشف إلى 3 أبعاد؛ أولها أن إحدى المقابر كشفت عن الهيكل الإداري والعسكري الصارم، والدور المحوري الذي لعبه كبار رجال الجيش في تأمين حدود الدولة المصرية في بدايات العصر الذهبي للدولة الحديثة.

جانب من النقوش على إحدى المقابر المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

والبُعد الاجتماعي والاقتصادي الذي يظهر بجلاء في مقبرة «بارع إم وايا» (ساموت)، الذي حمل لقب «كبير التجار ببيت بتاح». والبُعد السياسي والعلاقات الدولية، الذي يكشف عنه النص الهيروغليفي المنقوش على جزء من عمود مقبرة «نحسي»، الملقب بـ«المشرف على البيت»، والذي يوثق عودة أحد القادة العسكريين من بلاد نهرن الواقعة شمال سوريا.

في حين قال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر، إن «منطقة آثار سقّارة تتبع جبانة منف، التي كانت عاصمة الدولة المصرية من الأسرة الثالثة حتى السادسة، وتبدأ من أبو رواش شمالاً، مروراً بأهرامات الجيزة وأبو صير وسقّارة، وتنتهي عند دهشور وميدوم جنوباً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المنطقة لم تبح بأسرارها كاملة، وأنه رغم ما يوجد بها من آثار شهيرة، مثل السرابيوم الشهير، المخصص لدفن عجول أبيس، بالإضافة إلى دهاليز لقرود البابون، وأبي قردان، والصقور، والقطط، والكلاب، وابن آوى، وغيرها من الحيوانات، فإنها ما زالت تحوي الكثير من الأسرار التي تكشف لنا يوماً بعد يوم عن جوانب جديدة من الحياة في مصر القديمة.


أداة ذكية تتنبأ بالربو المزمن لدى الأطفال

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)
TT

أداة ذكية تتنبأ بالربو المزمن لدى الأطفال

الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)
الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة (جامعة ألبرتا)

أظهرت دراسة أميركية أن أداة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكنها مساعدة أطباء الأطفال على التنبؤ بدقة أكبر بخطر إصابة الأطفال بالربو المزمن.

وأوضح باحثون من معهد ريجينستريف البحثي في الولايات المتحدة أن الأداة توفر وسيلة عملية منخفضة التكلفة لتعزيز التشخيص المبكر للربو لدى الأطفال، دون الحاجة إلى إجراء فحوصات إضافية أو تحميل الأطباء والمرضى أعباءً جديدة، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Scientific Reports».

والربو المزمن لدى الأطفال هو مرض التهابي طويل الأمد يصيب الشعب الهوائية، ويؤدي إلى تضيقها وتكرار نوبات السعال والصفير وضيق التنفس، خصوصاً أثناء الليل، أو مع المجهود البدني، أو التعرض للمحفزات، مثل مسببات الحساسية والالتهابات الفيروسية.

ويُعدّ المرض من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في مرحلة الطفولة، ولا يزال التنبؤ بالأطفال الذين ستتطوَّر لديهم أعراض الصفير أو مشكلات التنفس إلى ربو مزمن يمثل تحدياً للأطباء؛ إذ تختفي هذه الأعراض لدى بعض الأطفال مع التقدُّم في العمر، بينما يحتاج آخرون إلى متابعة وعلاج مستمرين؛ ما يجعل التقييم المبكر للمخاطر أمراً بالغ الأهمية.

وخلال الدراسة، اختبر الباحثون أداة لدعم القرار السريري تُعرف باسم «Passive Digital Marker»، وتعتمد على خوارزميات التعلم الآلي لتحليل البيانات الصحية الروتينية للأطفال، وتصنيفهم إلى فئتين؛ مرتفعي الخطورة ومنخفضي الخطورة للإصابة بالربو المستمر.

ولا تتطلب الأداة جمع أي بيانات جديدة من المريض؛ إذ تعتمد على المعلومات المسجلة مسبقاً في السجل الصحي الإلكتروني، مثل أعراض الجهاز التنفسي، والحساسية، وتاريخ استخدام الأدوية، والإصابات السابقة بعدوى الجهاز التنفسي، إضافة إلى التاريخ المرضي للعائلة. وبعد تحليل هذه البيانات، تقدم للطبيب تقييماً مبسطًا يحدد ما إذا كان الطفل معرضاً لخطر مرتفع أو منخفض للإصابة بالربو المزمن.

وأظهرت نتائج التجربة السريرية العشوائية، التي أُجريت باستخدام حالات سريرية معيارية، أن أطباء الأطفال الذين استخدموا الأداة تمكنوا من التنبؤ بالإصابة المستقبلية بالربو بدقة بلغت 83 في المائة، مقارنة بـ61 في المائة لدى الأطباء الذين اعتمدوا على التقييم التقليدي فقط. ويعزى هذا التحسن بشكل رئيسي إلى زيادة القدرة على تحديد الأطفال الذين تطور لديهم الربو المستمر لاحقاً.

وأكد الباحثون أن الأداة صُممت لدعم القرار الطبي وليس لاستبدال الطبيب؛ إذ تساعد على جمع وتحليل سنوات من البيانات الصحية المخزَّنة في السجل الصحي الإلكتروني، وتحويلها إلى تقييم واضح وسهل التفسير، بما يوفر للطبيب مصدراً إضافياً لاتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن خطر إصابة الطفل بالربو، ويدعم التشخيص المبكر والتدخل العلاجي في الوقت المناسب.

وشدد فريق الدراسة على أن التجربة أُجريت باستخدام سيناريوهات سريرية معيارية، وليس في ممارسات طبية فعلية، لذلك لا تزال هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتقييم مدى قدرة الأداة على تحسين نتائج المرضى في العيادات والمستشفيات في الواقع العملي.