سيارات أممية في عهدة المسلحين الحوثيين تثير غضب الشارع اليمني

«الصحة العالمية» تحقق في الأمر وتعد بإجابات خلال «مؤتمر المانحين»

أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي
أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي
TT

سيارات أممية في عهدة المسلحين الحوثيين تثير غضب الشارع اليمني

أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي
أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي

قبل ثلاثة أشهر سلمت منظمة الصحة العالمية نحو 100 سيارة إسعاف للحوثيين لتوزيعها على المستشفيات. كانت تلك الفترة كافية لإثبات المصير الفعلي لهذه المساعدة السخية التي ضلت طريقها – كما يبدو - لتتحول إلى أداة أممية لإسناد المجهود الحربي للجماعة.
يعرف أغلب العاملين في القطاع الصحي اليمني في مناطق سيطرة الجماعة أنه لم يعد سرا أن جانبا كبيرا من المساعدات تذهب لمصلحة الجماعة وجيوب قادتها، وجاءت الصور المتداولة عن استيلاء مسلحي الجماعة على سيارات الإسعاف الأممية لتعزز الاتهامات عن سوء إدارة المساعدات الأممية وتثير غضب الشارع اليمني الذي بات يجتاحه «كوفيد - 19» دون هوادة.
وتداول ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا أظهرت المسلحين الحوثيين بلباسهم العسكري يستقلون سيارات دفع رباعي مقدمة من منظمة الصحة العالمية التي يظهر شعارها واضحا على جنب السيارات، في الوقت الذي تعاني فيه أغلب مستشفيات اليمن الخاضعة للميليشيات من نقص الإمدادات وانعدام وسائل الإسعاف لنقل الحالات الحرجة، وفقا لما أكده لـ«الشرق الأوسط» عاملون في القطاع الصحي.
وإذ أعادت الحادثة إلى الأذهان ما قدمته الأمم المتحدة قبل أشهر من عشرات السيارات ذات الدفع الرباعي للجماعة الحوثية تحت مزاعم دعمها في نزع الألغام، أعادت كذلك التذكير بـ«ملفات فساد» العديد من الموظفين الأمميين السابقين التي كانت المنظمة فتحت حولها «تحقيقات داخلية» غير أن نتائجها القطعية لم تر النور حتى الآن.
- وعود بالتحقيق
حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من قبل المسؤولين في منظمة الصحة العالمية حول الصور المتداولة، حيث بعثت يوم الجمعة الماضي بثلاثة استفسارات على البريد الإلكتروني لمسؤولة الإعلام في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (مكتب شرق المتوسط) غير أنها وعدت بإجابات أكثر إذا أمكن الانتظار من المدير الإقليمي لشرق المتوسط خلال مؤتمر المانحين الخاص باليمن الذي سينعقد الثلاثاء بدعوة من السعودية. وقالت مسؤولة الإعلام «هذا الأسبوع سيعقد مؤتمر المانحين حول اليمن وستتم مناقشة كل الأمور المتعلقة بكوفيد - 19 في اليمن إذا أمكنك الانتظار وتوسيع نطاق الأسئلة سنقدم إجابات وافية من المدير الإقليمي».
غير أن فرع المنظمة الخاص باليمن وعبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» يبدو أنه التفت إلى ضرورة الرد على الاستفسارات التي أرادت معرفة حقيقة الصور المتداولة لعربات دفع رباعي سلمتها الصحة العالمية للحوثيين لتكون سيارات إسعاف لكنها ظهرت وقد أصبحت مستخدمة من قبل مسلحي الجماعة ببزاتهم العسكرية، إلى جانب الاستفسار «عن تأكيد أو نفي تسخير الحوثيين هذه السيارات لإسعاف جرحاهم من جبهات القتال دون أن يستفيد منها المدنيون في مناطق حكم الجماعة».
حساب المنظمة (مكتب اليمن) على «تويتر» دان بشدة أي استخدام للتبرعات لأغراض أخرى وقال «عملت منظمة الصحة العالمية على توفير الإمدادات والمعدات المنقذة للحياة لصالح القطاع الصحي والسكان في اليمن. نحن ندين بشدة استخدام أي تبرعات لأغراض لا علاقة لها بدعم النظام الصحي. يُعد هذا انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ونحن نحقق في هذا الأمر».
وفيما يبدو أنه رد من قبل المنظمة على اتهامات الجماعة الحوثية الأخيرة لها بتقديم أدوات غير صالحة لفحص مصابي «كورونا» كما ذكر ذلك وزير صحة الجماعة طه المتوكل، تابعت في تغريدة أخرى بالقول «من المحبط أن يتم تحويل تركيزنا نحو الهجمات الكاذبة ضد المنظمة في هذا الوقت الحرج وفي ظل جائحة كورونا بدلاً من وضع صحة الناس في المقدمة. حان الوقت للتضامن وليس الانقسام». وأضافت «يحدونا أمل قوي في أن يرى اليمنيون أننا نكافح معهم، فنحن نعمل على مدار الساعة لتدريب الأطقم الطبية على التعامل مع حالات كوفيد_19 والحصول على الإمدادات اللازمة لعلاج المرضى وتعزيز القدرات المخبرية وضمان كفاية معدات الحماية الشخصية. لا يمكننا القيام بذلك دون مساعدتكم».
- اتهامات بالتراخي
من جهته بات الشارع اليمني المناهض للانقلاب الحوثي يمتلك قناعة ويقينا أكثر بوجود تراخ أممي مع الجماعة يصل إلى درجة التواطؤ والتخادم المتبادل للمصالح بين موظفي الوكالات الأممية وكبار قادة الجماعة.
ويؤكد الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» «أن المنظمات الدولية واقعة بين فريسة الحوثي وأطماعه الذاتية، فهذه المنظمات تريد استمرار أعمالها لأنها تجني فوائد كبيرة، لكنها تعتبر ابتزاز وإهانة الحوثي لها نوعا من الضريبة التي تدفعها لتستمر» بحسب تعبيره.
ولعدم إقدام هذه الوكالات على اتخاذ تدابير أكثر حسما يقول البيل «هي تبتعد عن الشكوى لخوفها من ابتعاد المانحين أو محاسبتهم، لذلك تبقي على أعمالها مستغلة ما تقوم به ميليشيا الحوثي من نهب وعرقلة في حصد مزيد من الدعم والإسناد وعدم المحاسبة، وهذا يفسر تخاذل هذه المنظمات وصمتها الموضوعي عما تقوم به ميليشيا الحوثي ضدها وضد خططها للمساعدة والدعم».
وكغيره من اليمنيين يذهب الدكتور البيل إلى ترسيخ القناعة بعدم جدوى دور هذه المنظمات في حياة اليمنيين ويقول «الحقيقة المفجعة أن مليارات الدولارات قد وجهت لصالح هذه المنظمات والمؤسسات الرسمية، ولا يجد الشارع اليمني أثرا لكل هذه المبالغ، في حين لا تتورع هذه المنظمات عن تحديث الأرقام بشكل هندسي».
وفي شأن الموقف الانقلابي من وجود هذه المنظمات على تراخيها الحاصل يؤكد الباحث البيل أن الحوثي وجد «في هذه المنظمات منفعة كبيرة، فهي تساعده على البقاء بانكسارها له وتغطيتها، وهو يجد فيها مصدرا لتمويل حربه ماديا، ومصدرا معنويا لتجميل قبحه». على حد قوله.
وما الجديد؟
لم تكن هذه الواقعة هي الأولى على صعيد تسخير الميليشيات الحوثية للدعم الأممي والإنساني لمصلحة مجهودها الحربي.
وأكدت مصادر صحية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن قادة الجماعة الحوثية عادة ما يستخدمون في تنقلاتهم بين المحافظات الخاضعة لهم وبالقرب من خطوط النار السيارات الأممية الخاصة بالإسعاف.
وفي مدينة الحديدة الخاضعة للجماعة ذكر شهود لـ«الشرق الأوسط» أن وزير الجماعة طه المتوكل وقادة آخرين رصدوا أكثر من مرة وهم على متن سيارات عليها شعارات الأمم المتحدة.
كما أفادت مصادر طبية في المستشفى العسكري الخاضع للميليشيات الحوثية لـ«الشرق الأوسط» أن أغلب الجرحى الحوثيين يتم نقلهم من جبهات القتال عادة على متن سيارات الإسعاف الأممية، في الوقت الذي يعاني المدنيون من افتقادهم للإسعاف من محافظة إلى أخرى ويضطرون لاستئجار بعض السيارات الموجودة في المستشفيات بمبالغ ضخمة من أجل نقل الموتى للدفن في مسقط رأسهم أو ذوي الحالات الحرجة بين الأرياف ومراكز المدن.
وكانت منظمة الصحة العالمية نفسها اعترفت العام الماضي بوجود عمليات فساد مالي وإداري في مكتبها باليمن، على إثر ما كانت كشفته تحقيقات غربية حول هذا الخصوص، وصولا إلى حصول موظفين حوثيين على رواتب، وهي التهم التي واجهتها كذلك وكالات أممية أخرى من بينها «يونسيف» و«الغذاء العالمي» والبرنامج الإنمائي».
وكان أحدث هذه الأدلة على تسخير الميليشيات الحوثية للدعم الأممي والإنساني ما عثر عليه الجيش اليمني قبل أسابيع من مؤن غذائية ضخمة عليها شعارات برنامج الغذاء العالمي في مواقع استعادها من قبضة المسلحين الحوثيين في مديرية صرواح غرب مدينة مأرب.
وعلى وقع الاتهامات المحلية والدولية للمنظمات بدعم الميليشيات الحوثية كانت الحكومة اليمنية دعت إلى رفع السرية على نتائج التحقيقات التي تجريها الأمم المتحدة والتي كشفت عنها وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.
وقال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية معمر الإرياني حينها في تصريحات رسمية إن «وثائق التحقيقات الداخلية للأمم المتحدة والمعلومات التي جمعتها وكالة «أسوشييتد برس» من مقابلات مع عمال إغاثة عن أداء وكالات الأمم المتحدة وكشفت حجم الاختراق الحوثي لها والفساد السياسي والمالي والمحسوبية وسوء الإدارة لجهود الإغاثة في اليمن، فضيحة تمس بسمعة ورصيد هذه المنظمة» على حد تعبيره.
وكان تقرير الوكالة كشف عن وجود تحقيقات داخلية تجريها الأمم المتحدة مع عدد من موظفيها في الوكالات التابعة لها في اليمن تتعلق بضلوعهم في ارتكاب فساد مالي وبمساعدة الميليشيات الحوثية كما تتعلق باستغلال وظائفهم من أجل الكسب الشخصي.
وأوضح الوزير اليمني أن ‏«المعلومات التي احتواها التحقيق عن حجم الفساد والمحسوبية والاحتيال ومخالفات التوظيف وإيداع ملايين الدولارات من المساعدات لحسابات موظفين، والعقود المشبوهة، واختفاء أطنان من المواد الغذائية والأدوية والوقود وتسليمها للحوثيين، والسماح للقيادات الحوثية بالسفر في سيارة أممية، أمر خطير».
- «كورونا» ذريعة مساعدات
في الوقت الذي يتهم الشارع اليمني الوكالات الأممية بأنها وصلت إلى مرحلة من التعايش مع العراقيل والقيود الحوثية على رغم تهديداتها بوقف أنشطتها من وقت لآخر، وجدت هذه الوكالات موسم «كورنا» بوابة جديدة لتدفق المزيد المساعدات إلى مناطق سيطرة الجماعة دون وجود أي ضمانات حول ذهاب هذا الدعم إلى المكان الصحيح بحسب ما يقوله ناشطون يمنيون.
ويقول في هذا السياق الكاتب والصحافي اليمني وضاح الجليل «لم يعد هذا الأمر مستغربا؛ بل إنه أصبح واقعا يوميا لا أحد يبدي عليه اعتراضا، وكأنه هو الطبيعي، أو كأنه من مهام وواجبات الأمم المتحدة ومنظماتها تقديم خدماتها للميليشيات والتعاطي معها برغم أنها لا تعترف بالقانون الدولي ولا بالسياسة والدبلوماسية».
وفي اعتقاد الجليل «يعود الأمر إلى وجود خدمات متبادلة بين الميليشيات وقوى دولية تسيطر وتسير أعمال ومهام الأمم المتحدة وتستخدم الميليشيا الحوثية في ابتزاز دول المنطقة وخصوصا السعودية، وأيضا إبقاء المنطقة في حالة صراع دائم لا تسمح لدولها بالاستقرار وبالتالي سيادتها على أراضيها وانفرادها بالقرارات السيادية، حيث يسمح لهذه القوى الكبرى بالتدخل الدائم وفرض الأجندة والشروط والسياسات المفصلة على مقاس مصالحها».
ويبدي الجليل استغرابه من اتهامات الميليشيات الحوثية للمجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية بالخداع بشأن فحوصات كورونا؛ وكيف أن ذلك لم يحل دون استمرار تدفق المساعدات إلى صنعاء مشيرا إلى وصول 11 طنا من المساعدات الطبية مقدمة من اليونسيف؛ بعد أقل من 24 ساعة من وصول شحنة تزن 15 طنا مقدمة من برنامج الأغذية العالمي.
ويبدي الجليل مخاوفه من أن تكون هذه الشحنات الأممية عبارة «عن مساهمة ودعم لهذه الميليشيا لتعزيز مجهودها الحربي والحصول على المزيد من الأموال من خلال بيعها، أو استخدامها لخدمة قادتها ومقاتليها».
يشار إلى أن الأمم المتحدة كانت في وقت سابق أشارت إلى أن 41 برنامجا مهددة بالإغلاق في اليمن وذلك في سياق سعي وكالاتها - كما يبدو - لاستدرار المزيد من الأموال من قبل المانحين.


مقالات ذات صلة

مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

خاص صرف المستشفى أكثر من 150 ألف نظارة طبية و342 ألف وصفة دوائية مجانية (الشرق الأوسط)

مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

تحوّل المستشفى التخصصي لطب وجراحة العيون الممول بالكامل من السعودية ويقدم خدماته مجاناً بنسبة 100 في المائة، إلى نافذة أمل لآلاف اليمنيين من مختلف المحافظات.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد المدير العام التنفيذي أن «صافر» جاهزة لاستئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال (الشرق الأوسط)

خاص كعيتي لـ«الشرق الأوسط»: «صافر» جاهزة لاستئناف تصدير الغاز المسال

كشفت شركة «صافر» عن خطط لاستخدام غاز الميثان وقوداً للسيارات والمنازل، إلى جانب دراسة استثمار احتياطات محتملة من النفط الصخري.

عبد الهادي حبتور (مأرب )
خاص السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط) p-circle

خاص شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

عدَّ السفير الألماني لدى اليمن محافظة مأرب نموذجاً إيجابياً يُحتذى به في مجال التعاون بين الحكومة اليمنية وبين الدول المانحة والوكالات الأممية.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير (سبأ)

بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير

يرتبط اسم سلطان العرادة لدى مؤيديه بلقب «حارس الجمهورية الأخير»، فيما يعلّق هو على ذلك بالقول: «حراس الجمهورية الحقيقيون هم أبناء الوطن جميعاً من الشرفاء».

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد اللواء سلطان العرادة أن السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة (الشرق الأوسط) p-circle 01:33

خاص العرادة لـ«الشرق الأوسط»: السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة

قال اللواء سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، إن السعودية جنّبت اليمن وحمته من الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة.

عبد الهادي حبتور (مأرب)

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».


الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.