سيارات أممية في عهدة المسلحين الحوثيين تثير غضب الشارع اليمني

«الصحة العالمية» تحقق في الأمر وتعد بإجابات خلال «مؤتمر المانحين»

أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي
أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي
TT

سيارات أممية في عهدة المسلحين الحوثيين تثير غضب الشارع اليمني

أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي
أحد العناصر الحوثية لدى تجوله بسيارة أممية وسط صنعاء في صورة تداولها ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي

قبل ثلاثة أشهر سلمت منظمة الصحة العالمية نحو 100 سيارة إسعاف للحوثيين لتوزيعها على المستشفيات. كانت تلك الفترة كافية لإثبات المصير الفعلي لهذه المساعدة السخية التي ضلت طريقها – كما يبدو - لتتحول إلى أداة أممية لإسناد المجهود الحربي للجماعة.
يعرف أغلب العاملين في القطاع الصحي اليمني في مناطق سيطرة الجماعة أنه لم يعد سرا أن جانبا كبيرا من المساعدات تذهب لمصلحة الجماعة وجيوب قادتها، وجاءت الصور المتداولة عن استيلاء مسلحي الجماعة على سيارات الإسعاف الأممية لتعزز الاتهامات عن سوء إدارة المساعدات الأممية وتثير غضب الشارع اليمني الذي بات يجتاحه «كوفيد - 19» دون هوادة.
وتداول ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا أظهرت المسلحين الحوثيين بلباسهم العسكري يستقلون سيارات دفع رباعي مقدمة من منظمة الصحة العالمية التي يظهر شعارها واضحا على جنب السيارات، في الوقت الذي تعاني فيه أغلب مستشفيات اليمن الخاضعة للميليشيات من نقص الإمدادات وانعدام وسائل الإسعاف لنقل الحالات الحرجة، وفقا لما أكده لـ«الشرق الأوسط» عاملون في القطاع الصحي.
وإذ أعادت الحادثة إلى الأذهان ما قدمته الأمم المتحدة قبل أشهر من عشرات السيارات ذات الدفع الرباعي للجماعة الحوثية تحت مزاعم دعمها في نزع الألغام، أعادت كذلك التذكير بـ«ملفات فساد» العديد من الموظفين الأمميين السابقين التي كانت المنظمة فتحت حولها «تحقيقات داخلية» غير أن نتائجها القطعية لم تر النور حتى الآن.
- وعود بالتحقيق
حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من قبل المسؤولين في منظمة الصحة العالمية حول الصور المتداولة، حيث بعثت يوم الجمعة الماضي بثلاثة استفسارات على البريد الإلكتروني لمسؤولة الإعلام في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (مكتب شرق المتوسط) غير أنها وعدت بإجابات أكثر إذا أمكن الانتظار من المدير الإقليمي لشرق المتوسط خلال مؤتمر المانحين الخاص باليمن الذي سينعقد الثلاثاء بدعوة من السعودية. وقالت مسؤولة الإعلام «هذا الأسبوع سيعقد مؤتمر المانحين حول اليمن وستتم مناقشة كل الأمور المتعلقة بكوفيد - 19 في اليمن إذا أمكنك الانتظار وتوسيع نطاق الأسئلة سنقدم إجابات وافية من المدير الإقليمي».
غير أن فرع المنظمة الخاص باليمن وعبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» يبدو أنه التفت إلى ضرورة الرد على الاستفسارات التي أرادت معرفة حقيقة الصور المتداولة لعربات دفع رباعي سلمتها الصحة العالمية للحوثيين لتكون سيارات إسعاف لكنها ظهرت وقد أصبحت مستخدمة من قبل مسلحي الجماعة ببزاتهم العسكرية، إلى جانب الاستفسار «عن تأكيد أو نفي تسخير الحوثيين هذه السيارات لإسعاف جرحاهم من جبهات القتال دون أن يستفيد منها المدنيون في مناطق حكم الجماعة».
حساب المنظمة (مكتب اليمن) على «تويتر» دان بشدة أي استخدام للتبرعات لأغراض أخرى وقال «عملت منظمة الصحة العالمية على توفير الإمدادات والمعدات المنقذة للحياة لصالح القطاع الصحي والسكان في اليمن. نحن ندين بشدة استخدام أي تبرعات لأغراض لا علاقة لها بدعم النظام الصحي. يُعد هذا انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ونحن نحقق في هذا الأمر».
وفيما يبدو أنه رد من قبل المنظمة على اتهامات الجماعة الحوثية الأخيرة لها بتقديم أدوات غير صالحة لفحص مصابي «كورونا» كما ذكر ذلك وزير صحة الجماعة طه المتوكل، تابعت في تغريدة أخرى بالقول «من المحبط أن يتم تحويل تركيزنا نحو الهجمات الكاذبة ضد المنظمة في هذا الوقت الحرج وفي ظل جائحة كورونا بدلاً من وضع صحة الناس في المقدمة. حان الوقت للتضامن وليس الانقسام». وأضافت «يحدونا أمل قوي في أن يرى اليمنيون أننا نكافح معهم، فنحن نعمل على مدار الساعة لتدريب الأطقم الطبية على التعامل مع حالات كوفيد_19 والحصول على الإمدادات اللازمة لعلاج المرضى وتعزيز القدرات المخبرية وضمان كفاية معدات الحماية الشخصية. لا يمكننا القيام بذلك دون مساعدتكم».
- اتهامات بالتراخي
من جهته بات الشارع اليمني المناهض للانقلاب الحوثي يمتلك قناعة ويقينا أكثر بوجود تراخ أممي مع الجماعة يصل إلى درجة التواطؤ والتخادم المتبادل للمصالح بين موظفي الوكالات الأممية وكبار قادة الجماعة.
ويؤكد الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» «أن المنظمات الدولية واقعة بين فريسة الحوثي وأطماعه الذاتية، فهذه المنظمات تريد استمرار أعمالها لأنها تجني فوائد كبيرة، لكنها تعتبر ابتزاز وإهانة الحوثي لها نوعا من الضريبة التي تدفعها لتستمر» بحسب تعبيره.
ولعدم إقدام هذه الوكالات على اتخاذ تدابير أكثر حسما يقول البيل «هي تبتعد عن الشكوى لخوفها من ابتعاد المانحين أو محاسبتهم، لذلك تبقي على أعمالها مستغلة ما تقوم به ميليشيا الحوثي من نهب وعرقلة في حصد مزيد من الدعم والإسناد وعدم المحاسبة، وهذا يفسر تخاذل هذه المنظمات وصمتها الموضوعي عما تقوم به ميليشيا الحوثي ضدها وضد خططها للمساعدة والدعم».
وكغيره من اليمنيين يذهب الدكتور البيل إلى ترسيخ القناعة بعدم جدوى دور هذه المنظمات في حياة اليمنيين ويقول «الحقيقة المفجعة أن مليارات الدولارات قد وجهت لصالح هذه المنظمات والمؤسسات الرسمية، ولا يجد الشارع اليمني أثرا لكل هذه المبالغ، في حين لا تتورع هذه المنظمات عن تحديث الأرقام بشكل هندسي».
وفي شأن الموقف الانقلابي من وجود هذه المنظمات على تراخيها الحاصل يؤكد الباحث البيل أن الحوثي وجد «في هذه المنظمات منفعة كبيرة، فهي تساعده على البقاء بانكسارها له وتغطيتها، وهو يجد فيها مصدرا لتمويل حربه ماديا، ومصدرا معنويا لتجميل قبحه». على حد قوله.
وما الجديد؟
لم تكن هذه الواقعة هي الأولى على صعيد تسخير الميليشيات الحوثية للدعم الأممي والإنساني لمصلحة مجهودها الحربي.
وأكدت مصادر صحية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن قادة الجماعة الحوثية عادة ما يستخدمون في تنقلاتهم بين المحافظات الخاضعة لهم وبالقرب من خطوط النار السيارات الأممية الخاصة بالإسعاف.
وفي مدينة الحديدة الخاضعة للجماعة ذكر شهود لـ«الشرق الأوسط» أن وزير الجماعة طه المتوكل وقادة آخرين رصدوا أكثر من مرة وهم على متن سيارات عليها شعارات الأمم المتحدة.
كما أفادت مصادر طبية في المستشفى العسكري الخاضع للميليشيات الحوثية لـ«الشرق الأوسط» أن أغلب الجرحى الحوثيين يتم نقلهم من جبهات القتال عادة على متن سيارات الإسعاف الأممية، في الوقت الذي يعاني المدنيون من افتقادهم للإسعاف من محافظة إلى أخرى ويضطرون لاستئجار بعض السيارات الموجودة في المستشفيات بمبالغ ضخمة من أجل نقل الموتى للدفن في مسقط رأسهم أو ذوي الحالات الحرجة بين الأرياف ومراكز المدن.
وكانت منظمة الصحة العالمية نفسها اعترفت العام الماضي بوجود عمليات فساد مالي وإداري في مكتبها باليمن، على إثر ما كانت كشفته تحقيقات غربية حول هذا الخصوص، وصولا إلى حصول موظفين حوثيين على رواتب، وهي التهم التي واجهتها كذلك وكالات أممية أخرى من بينها «يونسيف» و«الغذاء العالمي» والبرنامج الإنمائي».
وكان أحدث هذه الأدلة على تسخير الميليشيات الحوثية للدعم الأممي والإنساني ما عثر عليه الجيش اليمني قبل أسابيع من مؤن غذائية ضخمة عليها شعارات برنامج الغذاء العالمي في مواقع استعادها من قبضة المسلحين الحوثيين في مديرية صرواح غرب مدينة مأرب.
وعلى وقع الاتهامات المحلية والدولية للمنظمات بدعم الميليشيات الحوثية كانت الحكومة اليمنية دعت إلى رفع السرية على نتائج التحقيقات التي تجريها الأمم المتحدة والتي كشفت عنها وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.
وقال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية معمر الإرياني حينها في تصريحات رسمية إن «وثائق التحقيقات الداخلية للأمم المتحدة والمعلومات التي جمعتها وكالة «أسوشييتد برس» من مقابلات مع عمال إغاثة عن أداء وكالات الأمم المتحدة وكشفت حجم الاختراق الحوثي لها والفساد السياسي والمالي والمحسوبية وسوء الإدارة لجهود الإغاثة في اليمن، فضيحة تمس بسمعة ورصيد هذه المنظمة» على حد تعبيره.
وكان تقرير الوكالة كشف عن وجود تحقيقات داخلية تجريها الأمم المتحدة مع عدد من موظفيها في الوكالات التابعة لها في اليمن تتعلق بضلوعهم في ارتكاب فساد مالي وبمساعدة الميليشيات الحوثية كما تتعلق باستغلال وظائفهم من أجل الكسب الشخصي.
وأوضح الوزير اليمني أن ‏«المعلومات التي احتواها التحقيق عن حجم الفساد والمحسوبية والاحتيال ومخالفات التوظيف وإيداع ملايين الدولارات من المساعدات لحسابات موظفين، والعقود المشبوهة، واختفاء أطنان من المواد الغذائية والأدوية والوقود وتسليمها للحوثيين، والسماح للقيادات الحوثية بالسفر في سيارة أممية، أمر خطير».
- «كورونا» ذريعة مساعدات
في الوقت الذي يتهم الشارع اليمني الوكالات الأممية بأنها وصلت إلى مرحلة من التعايش مع العراقيل والقيود الحوثية على رغم تهديداتها بوقف أنشطتها من وقت لآخر، وجدت هذه الوكالات موسم «كورنا» بوابة جديدة لتدفق المزيد المساعدات إلى مناطق سيطرة الجماعة دون وجود أي ضمانات حول ذهاب هذا الدعم إلى المكان الصحيح بحسب ما يقوله ناشطون يمنيون.
ويقول في هذا السياق الكاتب والصحافي اليمني وضاح الجليل «لم يعد هذا الأمر مستغربا؛ بل إنه أصبح واقعا يوميا لا أحد يبدي عليه اعتراضا، وكأنه هو الطبيعي، أو كأنه من مهام وواجبات الأمم المتحدة ومنظماتها تقديم خدماتها للميليشيات والتعاطي معها برغم أنها لا تعترف بالقانون الدولي ولا بالسياسة والدبلوماسية».
وفي اعتقاد الجليل «يعود الأمر إلى وجود خدمات متبادلة بين الميليشيات وقوى دولية تسيطر وتسير أعمال ومهام الأمم المتحدة وتستخدم الميليشيا الحوثية في ابتزاز دول المنطقة وخصوصا السعودية، وأيضا إبقاء المنطقة في حالة صراع دائم لا تسمح لدولها بالاستقرار وبالتالي سيادتها على أراضيها وانفرادها بالقرارات السيادية، حيث يسمح لهذه القوى الكبرى بالتدخل الدائم وفرض الأجندة والشروط والسياسات المفصلة على مقاس مصالحها».
ويبدي الجليل استغرابه من اتهامات الميليشيات الحوثية للمجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية بالخداع بشأن فحوصات كورونا؛ وكيف أن ذلك لم يحل دون استمرار تدفق المساعدات إلى صنعاء مشيرا إلى وصول 11 طنا من المساعدات الطبية مقدمة من اليونسيف؛ بعد أقل من 24 ساعة من وصول شحنة تزن 15 طنا مقدمة من برنامج الأغذية العالمي.
ويبدي الجليل مخاوفه من أن تكون هذه الشحنات الأممية عبارة «عن مساهمة ودعم لهذه الميليشيا لتعزيز مجهودها الحربي والحصول على المزيد من الأموال من خلال بيعها، أو استخدامها لخدمة قادتها ومقاتليها».
يشار إلى أن الأمم المتحدة كانت في وقت سابق أشارت إلى أن 41 برنامجا مهددة بالإغلاق في اليمن وذلك في سياق سعي وكالاتها - كما يبدو - لاستدرار المزيد من الأموال من قبل المانحين.


مقالات ذات صلة

اليمن يُدين تدخل «الحرس الثوري» و«حزب الله» في شؤونه الداخلية

العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن يُدين تدخل «الحرس الثوري» و«حزب الله» في شؤونه الداخلية

أدانت وزارة الخارجية اليمنية بشدة استمرار التدخلات العسكرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني في الشؤون الداخلية لليمن، ودورهما في دعم الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مستقبلاً مدير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الألمانية كليمنس هاخ (سبأ)

العليمي: إيران تعوِّض خسائر أذرعها بتكثيف الاستثمار في الحوثيين

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي أن «النظام الإيراني يسعى لتعويض تراجع نفوذ أذرعه في عدد من دول المنطقة بتكثيف استثماره في الميليشيا الحوثية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

اليمن: خبراء من «الحرس الثوري» و«حزب الله» يديرون عمليات الحوثيين

أكدت وزارة الداخلية اليمنية وجود 21 خبيراً من «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني، يديرون ويدعمون عمليات الحوثيين، بقيادة عسكري يظهر بصفة «سفير لدولة».

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شمال افريقيا وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

اتصالات مصرية - خليجية مع «تنامي مؤشرات التصعيد» في المنطقة

بحثت مصر مع السعودية والإمارات جهود احتواء الأزمة الراهنة في المنطقة في ظل تنامي مؤشرات التصعيد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
TT

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)

كثفت الحكومة اليمنية من تحركها الدبلوماسي لمواجهة التصعيد الحوثي، محذرة من تداعيات التدخلات العسكرية الإيرانية في اليمن، وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي، بالتزامن مع تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لحصار الجماعة وخاصة في تعز.

وضمن هذه التحركات عرضت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، في العاصمة الفرنسية باريس، على ممثلي وسائل إعلام دولية ووكالات أنباء، وعلى السفراء العرب المعتمدين لدى فرنسا، مستجدات الأوضاع في اليمن، مشيرة إلى تصاعد في الدعم العسكري الخارجي للجماعة الحوثية، إلى جانب الانتهاكات التي تطول المدنيين والبنية التحتية.

وجاءت تحذيرات الوزيرة غداة إعلان وزارة الداخلية اليمنية تحديد هويات 21 خبيراً أجنبياً يعملون مع الحوثيين، بينهم 14 من الحرس الثوري الإيراني و7 من «حزب الله» اللبناني، في اتهام حكومي بمشاركة هذه العناصر في التخطيط وإدارة العمليات العسكرية وتعزيز القدرات القتالية للجماعة.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن وجود هذه العناصر يكشف حجم التدخل الخارجي في القرار العسكري الحوثي، مشيرة إلى أن أدوارها في التخطيط وإدارة العمليات وبناء القدرات العسكرية أسهمت في تصعيد الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية، وتهديد دول الجوار والملاحة الدولية.

تحذيرات إنسانية وأمنية

على الصعيد الإنساني، سلطت الوزيرة الضوء على الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز، وما يترتب عليه من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، خصوصاً مع منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية وإغلاق منشآت صحية ورفض فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين والمرضى.

وحذرت من أن استمرار هذه الممارسات يهدد حياة النساء والأطفال والمصابين بالأمراض الخطيرة والمستعصية، ويضاعف معاناة السكان المحاصرين، في وقت تجاوز فيه عدد النازحين، وفق تقديرات الحكومة، ربع مليون شخص خلال جولة التصعيد الأخيرة.

كما أثارت الزوبة ملف الانتهاكات الحوثية المرتبطة بتجنيد الأطفال وزراعة الألغام المضادة للأفراد بصورة عشوائية ومكثفة، إلى جانب استمرار اختطاف عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني والإغاثي، وما يتعرضون له من انتهاكات بدنية ونفسية قالت إنها أودت بحياة عدد منهم.

وفيما يتعلق بالأمن الإقليمي، قالت الوزيرة إن اعتداءات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتنسيقهم مع تنظيمات إرهابية في القرن الأفريقي، يمثلان تهديداً يتجاوز حدود اليمن إلى الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى حشد التوافق لإدراج الجماعة الحوثية على قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة شبكاتها ومصادر تمويلها ومنابرها التحريضية، واتخاذ خطوات حازمة لوقف تدفق الأسلحة والتقنيات والخبراء إليها.


الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
TT

الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)

حذرت منظمة دولية متخصصة في نزع الألغام والمتفجرات من تصاعد المخاطر التي تهدد حياة المدنيين في اليمن من جراء العبوات الناسفة والألغام التي تُخفيها الجماعة الحوثية بوسائل تمويه تجعلها تبدو كأغراض يومية، بينها الصخور وقطع الطوب وأوعية حفظ مياه الشرب، مؤكدة أن محافظة تعز سجلت نحو ثلثي حوادث زرع الألغام والمتفجرات الموثقة.

وقالت منظمة «هالو تراست»، في بيان، إن العبوات الناسفة التي تُدفن تحت التربة أو توضع داخل حقائب على جوانب الطرق، أو تُموّه على هيئة أغراض مألوفة، باتت تشكل تهديداً متزايداً للمدنيين، خصوصاً مع تصاعد المواجهات العسكرية وتغير خطوط القتال، وما رافق ذلك من موجات نزوح واسعة من مناطق الاشتباكات.

وأوضحت المنظمة أن التصعيد العسكري الأخير للحوثيين أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، في وقت تشير فيه التقارير الإعلامية والبيانات المتاحة إلى بدء عمليات جديدة لزرع الألغام، إلى جانب انتشار الذخائر غير المنفجرة على امتداد طرق النقل الحيوية وممرات وصول المساعدات الإنسانية.

موجات النزوح من جراء العدوان الحوثي دفعت مئات الآلاف من اليمنيين إلى مغادرة مناطقهم (إعلام محلي)

وقال أندرو مور، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن تغير خطوط المواجهة واضطرار المدنيين إلى مغادرة منازلهم باتجاه مناطق لا يعرفون تضاريسها وطرقها يجعلانهم أكثر عرضة للتفجيرات الناجمة عن المتفجرات المخفية.

وشدد مور على أهمية مواكبة عمليات المسح وإزالة الألغام للتطورات الميدانية، محذراً من أن تأخر التعامل مع هذه المخاطر يضاعف احتمالات سقوط ضحايا بين المدنيين الفارين من القتال.

تعز في الصدارة

وفقاً للبيانات التي أوردتها المنظمة، يتركز نحو ثلثي حوادث زرع الألغام المسجلة في محافظة تعز، التي تشهد مواجهات متواصلة على جبهاتها، بالتزامن مع الحصار المفروض على عاصمتها والقيود التي تطول حركة السكان والإمدادات.

وأشارت التقارير إلى العثور على ألغام مضادة للأفراد وأخرى للمركبات على طرق حيوية يستخدمها السكان في مديرية جبل حبشي، فضلاً عن بلاغات بشأن عبوات ناسفة متنوعة وأخرى مموهة في منطقة التربة، ما يهدد سلامة المدنيين الذين يعتمدون على هذه الطرق للتنقل والفرار من مناطق المواجهات.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع اتساع حركة النزوح في المحافظة، التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من القتال، بينما أدت الاشتباكات وقطع الطرق الرئيسية إلى عرقلة وصول المواد الغذائية والخدمات الطبية، فضلاً عن تضرر منشآت المياه والبنية التحتية الحيوية.

وبحسب الأمم المتحدة، اضطر أكثر من 300 ألف يمني إلى مغادرة منازلهم منذ أغسطس (آب) الماضي، ويقيم أكثر من نصفهم في محافظة تعز، التي تقع مناطق واسعة منها على خطوط المواجهة. ويواجه النازحون مخاطر إضافية خلال انتقالهم عبر طرق وممرات قد تكون مزروعة بالألغام أو ملوثة بمخلفات الحرب.

العبوات الناسفة الحوثية المموهة تهدد المدنيين الفارين من مناطق القتال (إعلام محلي)

ولا تقتصر المخاوف على تعز، إذ تتزايد معدلات النزوح في جنوب اليمن وغربه، حيث تجاوز عدد الفارين من القتال 42 ألف شخص، وفق البيانات التي أوردتها المنظمة.

وأثارت تقارير عن زرع ألغام أرضية على امتداد ممرات النقل الساحلية في منطقة باب المندب والساحل الغربي مخاوف من اتساع نطاق التهديد، خصوصاً أن هذه الطرق تمثل مسارات حيوية لحركة المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وتتداخل هذه المخاطر مع حركة الهجرة القادمة من القرن الأفريقي؛ إذ وصل أكثر من 134 ألف شخص إلى اليمن خلال سبتمبر (أيلول) 2026، وفق البيان، وكان كثير منهم يسعون إلى الوصول إلى دول الخليج، الأمر الذي يعرّض أعداداً إضافية من الأشخاص لمخاطر المتفجرات عند سلوك طرق غير مألوفة.

وتأتي هذه التطورات في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية، إذ تقدر خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 أن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 18.3 مليون يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.

إزالة الألغام

في سياق جهودها، قالت «هالو تراست» إنها تعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود على إزالة الألغام والمتفجرات ومساعدة المجتمعات المتضررة من النزاعات على استعادة حياتها، مشيرة إلى أن انتهاء المعارك لا يعني زوال مخاطر الحرب، إذ تظل الأراضي الملوثة بالمتفجرات عائقاً أمام عودة السكان وممارسة أنشطتهم اليومية.

نحو ثلثي حوادث الألغام والمتفجرات المسجلة تركزت في محافظة تعز (إعلام محلي)

وأضافت أن وجود الألغام يحرم العائلات من زراعة أراضيها ورعي مواشيها، ويجعل أنشطة أساسية، مثل الذهاب إلى المدارس وجلب المياه، محفوفة بالمخاطر، مؤكدة أن استعادة الأمان في المناطق المتضررة شرط أساسي لعودة الحياة الطبيعية.

وأوضحت المنظمة أنها تعتمد على توظيف وتدريب رجال ونساء من المجتمعات المحلية للمشاركة في عمليات إزالة الألغام، بما يوفر لهم دخلاً يساعدهم على إعادة بناء حياتهم، من خلال شراء الماشية وزراعة المحاصيل وإطلاق مشروعات صغيرة.

وتحذر المنظمة من أن استمرار زراعة الألغام وانتشار الذخائر غير المنفجرة، بالتزامن مع موجات النزوح وتغير خطوط المواجهة، يوسع دائرة الخطر على المدنيين، ويجعل الطرق التي يسلكونها بحثاً عن الأمان مصدراً جديداً للتهديد.


صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
TT

صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)

حوّلت الجماعة الحوثية الأسواق والمنشآت التجارية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء إلى منافذ جديدة لتمويل أنشطتها العسكرية، عبر حملة جباية وإكراه تستهدف مئات الشركات والمؤسسات والمتاجر والمطاعم والمراكز التجارية، بإجبار أصحابها على وضع صناديق تبرعات داخل منشآتهم، وانتزاع الأموال من التجار والمواطنين تحت لافتة دعم «المجهود الحربي» وأسر قتلاها وجرحاها ومفقوديها في الجبهات، وفق مصادر محلية وتجارية.

وتكشف الحملة، التي انطلقت مطلع الأسبوع، عن مساعٍ حوثية لتوسيع مصادر التمويل القسري وتعويض الخسائر البشرية والعسكرية، من خلال تحميل القطاع الخاص والسكان أعباء استمرار الحرب، في وقت تتفاقم فيه الأزمة المعيشية وتتراجع قدرة المؤسسات التجارية على مواصلة أنشطتها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة ومشرفيها استهدفوا منشآت تجارية في عدد من مديريات صنعاء، وأجبروا أصحابها، تحت الضغط والتهديد، على استقبال صناديق مخصصة لجمع الأموال، بالتزامن مع تحركات ميدانية لحث التجار والزبائن على إيداع مبالغ مالية فيها.

جانب من إطلاق الحوثيين حملة تبرع سابقة لدعم المجهود الحربي (إعلام حوثي)

وأضافت أن الجماعة ألزمت عناصرها بالمرور يومياً على المحال والمنشآت لجمع الأموال المودعة في الصناديق، قبل نقلها إلى حسابات مصرفية خاصة بكبار قادتها، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الحملة لا تقتصر على جمع التبرعات، بل تتضمن فرض التزامات مالية وممارسة ضغوط مباشرة على أصحاب الأنشطة التجارية.

320 صندوقاً في يومين

في مؤشر على اتساع الحملة، وزعت الجماعة الحوثية أكثر من 320 صندوق تبرع على مؤسسات القطاع الخاص في عدد من المديريات خلال اليومين الأولين، مشيراً إلى أنها تعتزم توزيع نحو 4 آلاف صندوق إضافي خلال الأيام المقبلة، لتشمل بقية مناطق العاصمة وضواحيها.

وتزامن ذلك مع شكاوى تجار من اقتحام مشرفين وعناصر حوثية متاجرهم حاملين صناديق التبرعات، وإجبارهم تحت تهديد السلاح على وضعها داخل محالهم، من دون استئذان أو الحصول على موافقتهم.

وقال تجار إن الجماعة لم تكتفِ بفرض الصناديق، بل ألزمت أصحاب المنشآت والعاملين فيها بدعوة الزبائن إلى التبرع، محذرة من اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحال التي تُفتح صناديقها وتظهر خالية من الأموال، في مسعى لتحويل التجار إلى أدوات لتحصيل الجبايات من المواطنين.

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد شوارع صنعاء (فيسبوك)

ويقول «رمزي»، وهو اسم مستعار لمالك متجر في أحد أحياء صنعاء، إن مشرفين حوثيين أجبروه على وضع صندوق داخل محله تحت ذريعة دعم الجبهات وأسر قتلى الجماعة وجرحاها، موضحاً أن عناصرها يمرون بصورة متكررة لجمع الأموال، من دون أن يكون له حق الاعتراض أو رفض وجود الصندوق.

ويضيف أن تهديدات المشرفين ومراقبتهم المستمرة تدفعانه أحياناً إلى وضع مبالغ مالية من ماله الخاص داخل الصندوق، تفادياً لتحميله مسؤولية عزوف الزبائن عن التبرع أو إخضاعه لإجراءات عقابية، إذ بات خلو الصندوق من الأموال سبباً كافياً للمساءلة والضغط عليه.

الجماعة الحوثية تطلب التبرع بالأموال رغم اتساع رقعة المجاعة (الشرق الأوسط)

وفي ضواحي صنعاء، يشكو صاحب مطعم، طلب عدم نشر اسمه، من تحول الحملة إلى وسيلة إضافية لابتزاز أصحاب المنشآت، قائلاً إن المشرفين الحوثيين لا يكتفون بفرض الصناديق، وإنما يمارسون ضغوطاً على أصحاب المطاعم والعاملين فيها لدفع مبالغ إضافية، رغم تراجع المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.

أما «سعيد»، وهو أحد سكان صنعاء، فيرى أن الجماعة تسعى إلى تحويل ما تبقى من الأسواق والمتاجر إلى منافذ دائمة لتحصيل الأموال من المواطنين، مشيراً إلى أن السكان باتوا محاصرين بحملات التبرع والجبايات المتلاحقة، في وقت يعجز فيه كثيرون عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.