قصة رامي مخلوف من الصعود إلى السيطرة... والاختبار

خبراء سوريون يقارنون ظهوره بقصة رفعت الأسد في الثمانينات

مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)
مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)
TT

قصة رامي مخلوف من الصعود إلى السيطرة... والاختبار

مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)
مكتب تابع لشركة «سيريتل» في سوريا (رويترز)

تحمل الإطلالة التلفزيونية لرامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، الكثير من الرمزية المبطنة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، من حيث الشكل والمضمون والتوقيت... والسياق التاريخي القريب والبعيد.
الظهور في تسجيلين مدتهما 25 دقيقة، لا يحيد عن سياق الدور المعلن والمضمر خلال 25 سنة. قاعدة الانطلاق كانت أنه ابن محمد مخلوف «أبو رامي»، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد. ثم، دخل في مرحلة «المهندس رامي» بعد تخرجه في الجامعة. أما الصعود الاقتصادي، فبدأ نهاية التسعينات. وخلال العقد الماضي، عُرف بـ«الاستاذ رامي». كان رجل الظل والصفقات الكبرى. لم يكن مغرماً بالشاشة والواجهات العلنية.
ما الذي استدعى أن يغيّر رامي طقوسه ليطلّ تلفزيونياً «نصيراً للفقراء» ويناشد «سيادة الرئيس» التدخل لإنصاف «الذين كانوا موالين... وما زالوا»، منتقداً «الآخرين»؟

- الصعود
كان لمحمد مخلوف، شقيق أنيسة زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد، دور محوري غير مرئي في الاقتصاد السوري. انطلق من «مؤسسة التبغ - ريجي» الحكومية ليتجذر في رعاية صفقات اقتصادية كبرى خصوصاً في قطاع النفط من الإنتاج والتصدير في منتصف الثمانينات. كان «العرّاب الخفي» للاقتصاد وغيره، فيما ركز الأسد على البعدين العسكري والسياسي الأمني في بنية النظام.
مع التغير البيولوجي - الجيلي في الأسرة والنخبة الحاكمة، انتقل دور الجيل الجديد لأبناء المسؤولين من «الشراكات» في الشركات إلى قيادة قطاع الأعمال الخاص في النصف الثاني. كان أبرزهم «المهندس رامي»، فبدأ في «راماك» المختصة في «السوق الحرة» على البوابات الحدودية البرية والجوية.
بالتزامن مع وفاة الرئيس الأسد وانتقال الحكم إلى الرئيس بشار الأسد، اتجه رامي إلى قطاع الاتصالات الواعد. وبعد مفاوضات ومحاكمات واختبارات، حازت «سيريتل» وشركة أخرى منافسة هي «إم تي إن» من الحكومة السورية، على ترخيص «بي أو تي» في 2001، وباتت الشركتان تحتكران قطاع الاتصالات وعائداته. وقتذاك، تعرض باحثون ونواب سابقون، بينهم رياض سيف، لضغوط يعتقد معارضون أنها بسبب إثارة هذا العقد والاقتراب من «الخط الأحمر». كان عقد «سيريتل»، القاعدة التي اتسعت منها مجالات عمل واهتمام شركات مخلوف، لتشمل معظم قطاعات النفط والمال والمصارف والسياحة والتجارة، في مواكبة لمرحلة الانفتاح الاقتصادي الانتقائي في البلاد في بداية الألفية. الانفتاح، الذي يعتقد خبراء أنه ضَيّق حجم الطبقة الوسطى وركّز الثروة لدى عدد قليل وخصوصاً شركات مخلوف، كأنه أكل من القاعدة الشعبية التقليدية للنظام وأربك «العقد الاجتماعي» القائم خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس الأسد. ويذهب بعضهم إلى اعتبار هذا سبباً رئيسياً في احتجاجات 2011.

- أول اختبار
أطلق عليه منافسوه ومعارضون سياسيون «الوكيل الحصري لسوريا». حسده من أراد «حصة في الكعكة». انتقده من أراد طريقاً آخر للبلاد، سياسياً واقتصادياً. وكان أبرز المعارضين للمفاوضات التي كانت تجريها الحكومة مع الاتحاد الأوروبي لتوقيع «اتفاق شراكة» تضع قيوداً لمنع «الاحتكار الاقتصادي». تراكمت انتقادات وملاحظات وتحذيرات إزاء اتساع دوره، من قطاعات عائلية وطبقية وسياسية واقتصادية، فكان أول اختبار يحصل معه. وفي 2004 غادر إلى الإمارات وبقي هناك بضعة أشهر. وقال مسؤول اقتصادي سابق: «تلك السنة كانت الأفضل على صعيد تدفق الاستثمارات الخارجية إلى سوريا».
رامي قابل الاختبار بالصمت. حاول الاستثمار في الإمارات من دون ضجة. حصلت موجة أخرى من الضغوط الاقتصادية ودخلت سوريا في عزلة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، في 2005. توفرت شروط، داخلية وخارجية، استدعت عودته إلى البلاد وتوسيع دوره الاقتصادي. الهدف، كان نسخ «التجربة اللبنانية» في سوريا بما فيها المصارف التي كانت رئة الاقتصاد السوري. وبرز مصطلح «بيرتة (بيروت) دمشق». أي، لدى خروج الجيش من لبنان، سعى البعض إلى صنع «لبنان سوريا» في سوريا لتعويض ما فقد جراء الانسحاب خصوصاً في القطاع الاقتصادي - المالي. أسس رامي مع «شركاء» آخرين شركة «شام القابضة» في 2006 للإشراف على إدارة التوسع الهائل للدور الاقتصادي. ويوضح المسؤول: «كان مخلوف يسيطر على نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي الذي كان نحو 62 مليار دولار أميركي. لكنّ دوره في القرار الاقتصادي كان أكبر من هذه النسبة بكثير».

- «اعتزال الغرام»
لدى اندلاع الاحتجاجات في 2011، ظهرت لافتات وشعارات ضد دور رامي، الاقتصادي وشركة «سيريتل»، ومطالبات للرئيس الأسد بتقييد ذلك أو محاسبته. ترددت روايات عدة من معارضين أو منشقين، حول دور بيت مخلوف في اختيار النظام «الحل الأمني» وخطاب الرئيس الأسد في نهاية مارس (آذار) من ذلك العام، فيما تحدث مسؤولون أن الاحتجاجات كانت منذ البداية «جزءاً من مؤامرة خارجية».
كانت هناك لقاءات غير علنية لمخلوف مع مسؤولين غربيين، منهم السفير الأميركي الأسبق روبرت فورد، وسفراء أوروبيون بينهم الفرنسي إريك شوفاليه. كان رامي ووالده قد استضافا جون كيري عندما كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس. وفجأة، في منتصف ذاك العام وعلى غير عادته، كانت لرامي إطلالتان: الأولى، في مقابلة مع الصحافي الراحل أنطوني شديد في «نيويورك تايمز»، قال فيها: «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا»، أي ربط أمن إسرائيل باستقرار سوريا. الأخرى، إعلانه «اعتزال الغرام» والتنازل عن ممتلكاته لـ«أعمال خيرية»، في إطار استيعاب الاحتجاجات السلمية بعد تسميته في المظاهرات. لكن نشطاء ومعارضين تحدثوا عن استمرار دوره ومساهمته في دعم قوات الحكومة عبر وسائل عدة، بينها «جمعية البستان» برئاسة سامر درويش وتنظيمات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة.

- الأخ الأصغر
لعب الشقيق الأصغر لرامي، العقيد حافظ مخلوف رئيس فرع أمن دمشق التابع لإدارة المخابرات العامة، دوراً محورياً في مواجهة الاحتجاجات والاعتقالات وترجيح «الخيار الأمني». هناك من اعتقد أنه كان من «الحلقة الضيقة» وأنه دفع مرات عدة ضد وجهات نظر مسؤولين في النظام، كانت تقترح حلاً سياسياً للأزمة. وفي 2014، أُعفي العقيد حافظ من منصبه. غادر بعد ذلك إلى روسيا لفترة ثم عاد «بعد سماح» إلى دمشق، لكنه بقي هو ووالده محمد يقضيان وقتاً واسعاً بين موسكو وكييف بفضل علاقات أمنية وسياسية واقتصادية مع متنفذين في روسيا. هناك من يعتقد بوجود صلة مع يفغيني بريغوزين المعروف بـ«طباخ بوتين»، المعروف بتأسيس مجموعة «فاغنر» التي قاتل عناصرها في أماكن الصراع والتدخل الروسي لتجنب انخراط الجيش مباشرة وتكرار تجربة أفغانستان. لم تُعرف الأسباب الحقيقية للانزعاج من حافظ مخلوف وعزله. تحدث معارضون عن سعيه للعب دور سياسي ما في دمشق بتنسيق مع أطراف روسية وقبول قوى غربية، ضمن «محاصصة طائفية» برعاية خارجية تتضمن توسيع صلاحيات رئيس الوزراء السُّني وتقليص صلاحيات الرئيس العلوي.

- لاعبون جدد
في 2015، نقل رامي مخلوف ترخيص «سيريتل» من «بي أو تي» إلى رخصة بالتعاقد مع «الهيئة العامة للاتصالات» الحكومية. ونقل موقع «روسيا اليوم» قبل أيام عن باحثة اقتصادية سورية أن تعديل صيغة العقود المبرمة مع شركتي الهاتف النقال في البلاد «فوّتت على الخزينة أكثر من 338 مليار ليرة (نحو 482 مليون دولار)».
وبين عامي 2015 و2020، ظهرت عوامل جديدة. من جهة، واصل مخلوف دوره الاقتصادي الخلفي ودعمه لـ«جمعية البستان» بتوفير رواتب مساعدات لمصابين في الحرب وأسر عائلات في الجيش والأمن وفقراء في الساحل السوري و«أحزمة الفقر» حول دمشق والمدن الأخرى التي تضم عائلات موظفي مؤسسات الدولة من جيش وأمن وغيرها وتقديم امتيازات مالية لرجال متنفذين، إضافة إلى تمويل تنظيمات عسكرية قاتلت إلى جانب قوات الحكومة. كما واصل دعمه لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي بات ممثلاً في الحكومة.
في الوقت نفسه، بدأ بروز دور لرجال أعمال جدد خصوصاً من لبّوا الحاجات الجديدة للنظام مع تراجع الدور المرئي لمخلوف. كان بين الصاعدين مجموعة قاطرجي ووسيم قطان وسامر الفوز الذي اشترى حصص فندق «فورسيزونز» من مخلوف وآخرين. وتركزت أعمال هؤلاء في استيراد مواد غذائية ومشتقات نفطية بتسهيلات إيرانية، وصفقات نقل النفط من مناطق سيطرة حلفاء أميركا شرق سوريا ومناطق الحكومة. كما برز دور رجال أعمال شباب، بينهم محيي الدين مهند دباغ ويسار إبراهيم، في عقود لعل أبرزها واحد لتشغيل الهاتف النقال في سوريا مع شركة إيرانية تابعة لـ«الحرس الثوري»، وعقد آخر يتعلق بـ«البطاقة الذكية» التي تضبط مشتريات المواطنين.
عندما تحدث رامي في إطلالته التلفزيونية الثانية عن «الآخرين»، ربما كان يشير إلى هؤلاء. وأمام بروز «أمراء الحرب»، أدرج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مخلوف والفوز وآخرين على قائمة العقوبات. وبعد غياب عن الضوء لسنوات، عاد مخلوف لعقد اجتماعات شركة «شام القابضة» في العام الماضي.

- تفكيك شبكات
في أغسطس (آب) الماضي، اتخذ الرئيس الأسد إجراءات صارمة ضد شبكات مخلوف وشركاته. شمل ذلك، «جمعية البستان» وحل جناحها العسكري، حيث كانت تعطي المقاتل راتباً يصل إلى 350 دولاراً، ما يعني أضعاف راتب الجندي النظامي. وقيل وقتذاك، إن «جمعية البستان» تستطيع الاستمرار في «العمل الخيري»، فيما أعلنت «الجمعية» أنها «كانت وما زالت وستبقى جزءاً من الشعب، في تقديم يد العون لكل محتاج ومريض، رديفةً للجهات الحكومية. فالجمعية نهضت بدعم ورعاية قائد الوطن السيد الرئيس، واشتد عودها فمدّت يد العون للآلاف من الأحبة وساعدتهم في محنهم».
إجراءات التفكيك، شملت الذراع السياسية. تبلغ عناصر في «الحزب السوري القومي الاجتماعي» تعليمات بفقدان مميزات كانت قد مُنحت لهم في الفترة الأخيرة، بسبب الدور البارز لآل مخلوف المعروف تاريخياً بتأييده أفكار الحزب ما أسهم في تمدده في مفاصل رئيسية وتكوين ميليشيات قاتلت إلى جانب قوات الحكومة، ذلك بعدما كان الحزب شبه محظور في السنوات السابقة، بسبب معارضة «البعث» الحاكم. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف قراراً بحل «الحزب السوري - جناح الأمانة»، الذي كان قد أسسه رامي في 2011، وخاض انتخابات مجلس الشعب في 2012 بدعم من «جمعية البستان» وحصل على مقاعد في البرلمان.
في نهاية العام الماضي، أمام تراجع سعر الصرف جرى توجيه انتقادات إلى رامي لـ«عدم المساهمة في وقف التدهور» وسط اتهاماته له بتصريف مبالغ طائلة من عائدات «سيريتل» وغيرها في لبنان يومياً. طلب «المصرف المركزي» من رجال الأعمال تقديم دعم لإنقاذ الليرة، لكن المبالغ المحصلة كانت قليلة جداً لم تصل إلى طموح «التوجيه» بجمع نصف مليار دولار. فاستمر انخفاض سعر الصرف وزاد الانهيار بسبب العقوبات والأزمة المالية في لبنان.
عادت حملة مكافحة الفساد وملاحقة رجال أعمال. وتم فتح ملفات ضد رجال أعمال ومسؤولين سابقين وحاليين. وتحدّث الرئيس الأسد في مقابلة مع التلفزيون الرسمي في نهاية أكتوبر عن مكافحة الفساد في المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. وقال: «في القطاع الخاص، طلب من كل من هدر أموال الدولة أن يعيد الأموال (...) نريد أموال الدولة أولاً قبل أن نلاحق ونحوّل إلى القضاء». وفي 23 ديسمبر (كانون الأول)، صدرت سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال بينهم مخلوف وزوجته وشركاته. ووجهت لهم تهم التهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب. وأصدرت مديرية الجمارك قراراً بالحجز الاحتياطي على أموال مخلوف. وفي بداية العام، فتحت ملفات تتعلق بالفساد في شركة للنقل الجوي. وفي 17 مارس 2020 أصدرت وزارة المال قراراً بتجميد أمواله بسبب علاقته بشركة مختصة بالنفط.

- «رسائل فاغنر»
هبّت في منتصف أبريل (نيسان) رياح إعلامية قاسية من موسكو، حيث لكل كلمة معنى، على دمشق والرئيس الأسد. تضمنت مقالات واستبيان رأي جاءت من طرف مؤسسات تابعة لـ«مجموعة فاغنر» الذي يملك مقاتلين واستثمارات في سوريا ومعروف قربه من الرئيس فلاديمير بوتين، وجرى «تطعيمها» لاحقاً بمقالات حادة في صحيفة «برافدا» وعلى مواقع فكرية رصينة. الحملة جاءت بعد زيارة خاطفة لوزير الدفاع سيرغي شويغو، تضمنت نقل «رسائل قاسية» من الرئيس بوتين، تتعلق بضرورة التزام دمشق بالاتفاقات العسكرية الموقعة بين بوتين ورجب طيب إردوغان حول إدلب وألا تستجيب دمشق لتشجيع من دول عربية على فتح معركة مع الأتراك وفصائل موالية لهم في شمال غربي سوريا.
كما جاءت الحملة وسط انتقادات روسية لعدم التزام دمشق بالتفاهمات الروسية - الإسرائيلية - الأميركية، ورغبة موسكو بتقييد دور إيران في سوريا وتحديد ملامحه وسط استمرار الغارات الإسرائيلية وانتقال تل أبيب من «مرحلة احتواء إيران إلى إخراجها من سوريا». كما سربت وسائل إعلام روسية معلومات عن صراع اقتصادي في سوريا بين شركات روسية وأخرى تدعمها إيران واعتراض شركات روسية وتنظيمات بعضها تابع لـ«فاغنر»، بسبب عدم توفر عائدات مالية موازية للتدخل العسكري، خصوصاً في قطاعات حصص النفط والغاز والصفقات الاقتصادية.
وفي مقابل تمسك مواقع بحثية روسية وخبراء محسوبين على الخارجية ومؤسسات أخرى، بالحديث عن الأسد بوصفه «الرئيس الشرعي للبلاد وأسهم في الحفاظ على استقرار الدولة»، استمرت مراكز أخرى قريبة من «فاغنر» في توجيه انتقادات إلى الأسد.

- حملة وإطلالة
في منتصف أبريل، اتخذت الحملة على رامي بعداً جديداً. إذ إنه حصل حدث يتعلق بـشركة «ميلك مان» التابعة له، لدى إعلان السلطات المصرية أنها ضبطت شحنة حليب محملة على باخرة سورية متجهة إلى ليبيا وعلى متنها 4 أطنان من الحشيش المخدر. من جهته، أعلن رامي أنها «مؤامرة لتشويه السمعة». وكان لافتاً، عدم حصول تأثير على دور «سيريتل» الإعلاني خلال شهر رمضان وخدماتها التي تصل إلى نحو 11 مليون شخص.
وفي 27 أبريل الماضي، أعلنت «الهيئة الناظمة للاتصالات» مطالبة شركتي الهاتف النقال بدفع مبلغ 233 مليار ليرة سورية (منها 120 من «سيريتل») قبل 5 مايو (أيار) 2020. (334 مليون دولار بينها 178,5 مليون مطلوبة من شركة مخلوف).
في نهاية أبريل، أسس رامي صفحة على «فيسبوك» بهيئة جديدة، برزت فيها لحيته. بدايةً، أصدر بياناً خطياً تمسك فيه بـ«العمل الخيري» في «جمعية البستان» لمساعدة الفقراء. لكن في اليوم الثاني، رمى مفاجأة أخرى بأنه قام بخطوة غير متعارف عليها في دمشق ومن شخصيات نافذة، إذ إنه بث فيديو على صفحته في «فيسبوك»، ناشد فيه الأسد، التدخل لإنقاذ شركة الهاتف النقال.
وفي الفيديو، ومدته 15 دقيقة، قال: «لا نتهرّب من الضريبة ولا نتلاعب على البلد (...) ندفع ضرائبنا وندفع تقاسم العائدات» للحكومة. ورغم اعتباره أن «مطالب الدولة غير محقة» وأن «المبلغ ليس موجوداً تحت البلاطة»، توجّه إلى الأسد، قائلاً: «سألتزم بما وجهت به (...) أحترم أمرك وواجب عليّ أن أنفّذه. أرجوك ومن أجل استمرارية الشركة، ومن أجل استمرارية عملها ومن أجل المشتركين، لئلا تتأثر الخدمة من خلال قصّ المبلغ بطريقة مجحفة، أرجو أن تكون توجيهاتك وتعليماتك لجدولة (السداد) بطريقة مُرضية، بحيث لا تنهار الشركة مع هذا المبلغ». لكنه قال: «تعبت كثيراً من الطاقم الموجود الذي يضعني دائماً في دائرة الاتهام ويعتبرني أنا المخطئ وأنا السيئ».
في 1 مايو، ردت «الهيئة الناظمة للاتصالات» على رامي في بيان أصدرته في الساعة 11:30 ليلاً، قالت فيه إنها ترفض محاولات «التشويش» من رامي ومتمسكة بمطالبته بأن يسدد «مستحقات الدولة»، في وقت قامت أجهزة الأمن في اليوم التالي باعتقالات شخصيات مفتاحية في شركاته.

- «رسائل الحطب»
بعد ساعة من حملة اعتقالات انتقائية صباح الأحد، ظهر مخلوف ثانيةً في فيديو ثانٍ، تضمن خطوات دبلوماسية محسوبة بالشكل والمضمون. وإن كانت لغته الدينية ليست جديدة، فإنه كما في الفيديو الأول، حرص على الظهور كرجل عادي سواء من حيث اللباس أو تموضع الكاميرا والخلفية الخشبية وقطع الحطب. كما حرص على انتقاء كلماته بدقة لجهة مناشدة الرئيس الأسد ووصفه بأنه «صمام الأمان»، لكن مع تحذيرات مبطنة لدى حديثه عن «مرحلة مفصلية» تمر فيها البلاد وعن «آخرين» في البلاد، وأنه يدرك «حجم المخاطرة»، لكن «لن يتنازل» أمام «ظلم» أجهزة الأمن التي «رعاها ودعمها».
قال في الفيديو، ومدته عشر دقائق: «بدأت اليوم الضغوطات بطريقة غير مقبولة (...) وبدأت الأجهزة الأمنية تعتقل الموظفين الذين يعملون لديّ»، متسائلاً: «هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟». وأضاف رامي ويُعتقد أنه في يعفور قرب دمشق: «طُلب مني اليوم أن أبتعد عن الشركات وأن أنفذ تعليمات... وبدأت الضغوطات بسحب الموظفين والمديرين»، مشيراً إلى أنه تلقى تهديدات «إما أن تتنازل وإما أن نسجن كل جماعتك».
«رسائل الحطب» التي بعث بها، تضمنت التحدث باسم «الفقراء» و«الموالين» ضد «الآخرين». رد السلطات، كان بتوسيع دائرة الاعتقالات بما في ذلك مناطق الساحل. مالياً, ردة «هيئة الاتصالات» بالتمسك بسداد المبلغ.

- الحل... مالي أم سياسي؟
منذ ظهور رامي الثنائي، ظهرت سيناريوهات كثيرة في محاولة لتفسير ما حصل واستقرار الممكن. الواضح، هناك مستويان:
الأول، مالي، يتعلق بشركات مخلوف ومستحقات على «سيريتل» والإجراءات المتخذة ضد شبكاته بفعل المتغيرات في التوازنات الاقتصادية في دمشق. بالتالي، فإن حل هذا الملف، سيكون على أساس مالي، إما بتسوية ما وإما أن يسدد المستحقات ويسهم في تقديم كشف دعم كبير من أموال الخارج مع الاستمرار في تفكيك شبكاته. حصل هذا في السنوات السابقة مع رجال أعمال آخرين، وإن كان مخلوف في موقع مختلف تماماً. ويذهب بعض المحللين، إلى اعتبار حادثة رامي «مسرحية متفقاً عليها هدفها ترتيب البيت»... كأن شيئاً لم يكن.
الثاني، سياسي، سواء كان رامي «شُجع من أطراف خارجية» أن «أطرافاً خارجية تستغل رامي» لممارسة ضغوط على الأسد، أو أن رامي نفسه «ركب الموجة الروسية» في وقت تصل إلى دمشق رسائل ضغط من موسكو تخص أموراً مالية واقتصادية أكثر مما هي سياسية، خصوصاً أن والده وشقيقه هما في موسكو، ذات السلطة المركزية الدقيقة. هنا، قارن خبراء بين هذه الحادثة وقصص أخرى في العقود السابقة، صراع رفعت الأسد مع شقيقه الرئيس حافظ الأسد في الثمانينات الذي امتد عسكرياً واقتصادياً من دمشق إلى اللاذقية. وقتذاك، حرص رفعت على استعمال لغة اللباقة الدبلوماسية والأصول العسكرية في تعاطيه العلني مع شقيقه - الرئيس. حُسم الصراع برعاية سوفياتية ودعم أوروبي إقليمي. هناك من قارن «رسائل رامي» بمحاولات أخرى واغتيالات وانشقاقات جرت في السنوات الأخيرة و«انتهت بحسم من النظام لصالح الرئيس».
الرئيس الأسد، اختار إلى الآن التجاهل العلني لظهور رامي وترك الملف في الإطار الحكومي - الأمني - المالي. لم تكن صدفة إطلالته التلفزيونية لدى ترؤسه فريق التعاطي مع «كورونا» وإرساله إشارات غير مباشرة، محذراً من «كارثة حقيقية» تتجاوز إمكانيات سوريا في حال حصول ارتفاع كبير ومفاجئ بإصابات الوباء. وقال: «تسع سنوات من الحرب لا توازي إلا القليل من الأسابيع القليلة الماضية».
لموسكو، هذه المرة أيضاً، كلمة في دمشق. موسكو تغيرت. فالبعد المالي - الاقتصادي بات مهماً أكثر من الآيديولوجيا. ودمشق الراهنة، ليست ذاتها التي كانت في الثمانينات. شخصيات النظام تغيرت كثيراً، لكن بنيته لم تتغير في العمق. ظهرت مراكز تأثير في الأمن والجيش والاقتصاد و«أمراء الحرب»، لكن القرار لا يزال مركزياً.
سوريا أيضاً، ليست ذاتها. إيران موجودة في مناطق الحكومة، إلى جانب روسيا التي تتعرض لضغوط عسكرية وسياسية لتقييد - إخراج إيران. تركيا موجودة ومستقرة في منطقة نفوذها وفي توسع برضا روسي. أميركا، مقيمة في مناطق شرق الفرات حيث تضع مجموعة «فاغنر» عيونها على النفط والغاز والثروات التي فيها.
ربما، أعاد ظهور رامي، طرح الأسئلة وفتح باب البحث عن الإجابات في دمشق والعواصم الخارجية، المنخرطة في سوريا.



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني