بايدن يستغل الأزمة الاقتصادية لإنعاش حملته

معسكره يستدعي خطته للتعامل مع الأزمة المالية العالمية ويتجاهل التفاصيل

بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)
بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)
TT

بايدن يستغل الأزمة الاقتصادية لإنعاش حملته

بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)
بايدن خلال اجتماع حول خطة التحفيز في البيت الأبيض في 2009 (نيويورك تايمز)

كان جو بايدن قد أدى للتو اليمين لتولي منصب نائب الرئيس، وكان كل ما يحتاج إليه هو أن يجد عملاً. خلال حملته الرئاسية عام 2008، أكد باراك أوباما لبايدن أنه سيستشيره في جميع قراراته الرئيسية. لكن المقربين من الرجلين أكدوا أن الكثيرين في فريق الرئيس الجديد ما زالوا متشككين في بايدن، ولم يكن أوباما متأكداً من أن السيناتور السابق المهزوز يملك الانضباط الكافي ليكون شريكًا فعالًا في الحكم.
لذا عرض بايدن خلال مأدبة غداء خاصة في فبراير (شباط) 2009 مذكرة عبر الطاولة على أوباما حدد فيها دوراً ليمحو به تلك الشكوك، يتلخص في تنفيذ خطة تحفيز اقتصادي بلغت 787 مليار دولار مررها الكونغرس على مضض وبضغوط بعد بضعة أيام وسط حالة الركود. ويذكر أن أوباما قال، وهو بالكاد ينظر إلى المذكرة، بحسب شخصين اطلعا على ما جرى: «يبدو ذلك جيداً بالنسبة لي».
وبعد 11 عاماً، وفي موسم الانتخابات الذي شهد تفشي وباء «كورونا» والانهيار الاقتصادي وحزمة الإغاثة الأكبر بكثير، فإن حملة بايدن تتطلع إلى تعزيز زخمها مستلهمة ما جرى عام 2009 بوصفه حافزاً ونقطة تباين مع الرئيس دونالد ترمب، إذ يدفع البيت الأبيض تجاه العودة إلى إشراف الكونغرس على 2.7 تريليون دولار من الإنفاق الجديد، رغم ظهور مجموعة من المشكلات، خصوصاً الفوضى في برنامج القروض التجارية الصغيرة.
وقال ديفيد بلوف، كبير المستشارين السياسيين لأوباما وبديل بايدن، إن «السؤال الأساسي في هذه الانتخابات سيكون من هو الشخص الذي سيخرجنا من مأزق اقتصادي تاريخي؟ لذا فإن قيادته لقانون الإنعاش يجب أن تكون نقطة انطلاقه الأساسية».
وتعطي نظرة فاحصة إلى فترة السنتين الحرجة، استناداً إلى مقابلات مع 30 شخصاً شاركوا في هذا الجهد، لمحة لنقاط قوة بايدن كمدير ولحماسه، مع التركيز على التفاصيل في قيادة فريق من الطراز الأول قام بتحريك الأموال بسرعة وتقليل عمليات الاحتيال. وعلق رون كلاين، رفيق بايدن لفترة طويلة، في مقابلة بأن ذلك كان «اختبار كفاءة كبيراً».
لكن برنامج التحفيز يخبرنا بشأن بايدن كنائب رئيس أكثر مما يخبرنا عن حاله إذا أصبح رئيساً. ويشير مساعدون للرئيس إلى أن بايدن كان المفوض العام في خطة التحفيز وعرض على أوباما نصائح واقتراحات تكتيكية، لكنه لم يتطرق إلى أي من الموضوعات الاستراتيجية الرئيسية المتعلقة بحجم البرنامج وتكوينه. كما أنه لم يضغط بجدية على أوباما، كما يضغط الآن على ترمب، للحصول على حزمة تمويل أكبر، على الرغم من أن المسؤولين السابقين قالوا إنه اعترف بأن التحفيز كان صغيراً للغاية.
ومع ذلك، لم يكن هناك شيء غامض بشأن تأثير التحفيز على حظوظ بايدن السياسية. وقال راي لحود، عضو الكونغرس الجمهوري السابق الذي شغل منصب وزير النقل في عهد أوباما: «لكي أكون صادقا، فقد أفاده ذلك في عيون الشعب نوعاً ما».
ويقول جاريد برنشتاين، كبير المستشارين الاقتصاديين لبايدن خلال فترة رئاسة أوباما: «عندما تتفهم الأمر ستدرك أن المشكلة الكبرى هي أننا نجحنا في جعل الوضع أقل سوءاً، بدلاً من تحقيق الخير للناس، فكيف تقنع الناس بغير ذلك؟».
787 مليار دولار للإنفاق
وُلد برنامج التحفيز في يوم من أيام ديسمبر (كانون الأول) الذي انهمرت فيه الثلوج على مقر أوباما بشيكاغو، بعد أسابيع من انتخابات 2008. وكان هناك حديث سابق عن حزمة أصغر، لكن فريق أوباما الاقتصادي، بقيادة برنشتاين وكريستينا رومر، رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين، قال إن هناك حاجة لمئات المليارات على الفور لمنع حدوث كساد كبير.
ووفقاً لكلاين، رفيق بايدن، كانت الأولوية الأولى لنائب الرئيس السابق هي إنشاء هيكل إداري مركزي يهدف إلى تجنب حدوث نوع من الارتباك الذي أصاب حتى الآن درجة الاستجابة المالية لأزمة فيروس «كورونا» في عهد ترمب. وقام كلاين وفريقه بتقسيم مهمتهم إلى ثلاثة أجزاء: تحديد «المشاريع الجاهزة»، والتقليل من سوء استخدام التمويل، بما في ذلك تعقب المعاملات عبر الإنترنت، ومحاولة حشد حماس عام للمشروع.
ترك بايدن كثيرا من التدقيق الأولي للمشاريع لفريقه، وقضى معظم وقته في الضغط على العمد والمحافظين ومسؤولي مجلس الوزراء لتسريع العمل لخلق وظائف وزخم للإدارة المحاصرة.
وقال إدوارد ديسيف، اختصاصي الرقابة الفيدرالي المخضرم الذي عينه بايدن، إن «صبر بايدن كان قد نفد في البداية. لكن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لفهم مدى ضخامة المهمة المطلوبة لإدارة قضايا بهذا الحجم».
وأدت الرغبة في السرعة إلى انهيار «سوليندرا»، وهي شركة مصنعة للألواح الشمسية مقرها كاليفورنيا أفلست بعد حصولها على 527 مليون دولار من ضمانات القروض، فيما بات محور جهود الجمهوريين لتشويه سمعة برنامج التحفيز.
وأشار مستشارو بايدن بأصابع اللوم إلى الصين بسبب إغراقها الأسواق بألواح رخيصة. لكن مكتب المساءلة الحكومية غير الحزبي الذي وصف عملية المراجعة المتسرعة بأنها «مقلقة»، خلص إلى أن وزارة الطاقة أعطت الموافقات الأولية على القروض قبل استكمال التقييمات التفصيلية لمشاريع الشركة.
لذلك كانت الحلقة استثناءً على غير المعتاد. وبحلول سبتمبر (أيلول) 2010 خلصت لجنة لرصد مزاعم الاحتيال وإساءة المعاملة إلى أن معدلات الهدر والاحتيال في برنامج التحفيز كانت 0.2 في المائة. ولم يعارض المحققون الجمهوريون في الكونغرس هذه النتيجة بجدية، ولم يجد تحقيق الكونغرس الذي استمر 18 شهراً في «سوليندرا» أي دليل على سوء التصرف أو المحسوبية.
التأثير السياسي المختلط
ومع ذلك، فقد جعل هجوم الجمهوريين المتتالي البرنامج مسؤولية سياسية. وجاء الهجوم الأكثر حدة من أصدقاء الرئيس، ونائب الرئيس السيناتور توم كوبورن والسيناتور جون ماكين، اللذين بدآ في البحث عن المشاريع التي اعتبراها سخيفة أو مسرفة، بما في ذلك دورة رقص عبر الإنترنت ودراسة لآثار الكوكايين على القرود.
وبحلول خريف 2009، بدأ الرأي الخارجي يتحدد، وهو أن برنامج التحفيز له قيمة اقتصادية كبيرة ولكن قيمته السياسية ضعيفة. وفي الوقت نفسه، كان هناك رأي داخلي هو أنه يمكن الوثوق بجو بايدن، على الأقل داخل الحزب. وكتبت السيناتور إليزابيث وارن التي أشارت إلى التحفيز في تأييدها الأخير لبايدن، في رسالة بريد إلكتروني: «لقد قاده جو بنزاهة، في تناقض هائل مع الإدارة الحالية».
ورفض ترمب الذي انهارت خطته للبنية التحتية الوطنية عام 2017 بسبب عدم الانتباه والتخطيط المشوش، ما قام به بايدن في التحفيز، وصرح الشهر الماضي قائلاً: «لم أسمع بأي شيء تم بناؤه».
وتختلف حزمتا الإنقاذ من فيروس «كورونا» عن برنامج التحفيز في أوجه عدة مهمة، أبرزها أنه قد جرى إرسال معظم الأموال مباشرة إلى دافعي الضرائب والشركات. ورغم ذلك، فقد شكل كلاهما دعامة ضد الكارثة الاقتصادية، واحتوى القانون الجديد أحكاماً للمساءلة على غرار قانون عام 2009.
لكن ترمب لم يحرص على الرقابة كما فعلت الإدارة السابقة، كما أنه لم يكلف نائب الرئيس مايك بنس بمهام المراقبة التي قام بها بايدن، تاركاً المهمة لمختلف مسؤولي الإدارة مثل وزير الخزانة ستيفن منوتشين. لكن هذا لم يكن بالحمل الثقيل على بايدن.
* خدمة «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended