وسط تراجع ملحوظ في أسواق المال الأوروبية بسبب المخاوف من اندلاع حرب تجارية جديدة بين الولايات المتحدة والصين، بدأت تظهر إرهاصاتها على وقع أزمة «كوفيد-19»، وبينما تشتد الضغوط على منظمة الصحة العالمية بشأن إدارتها للأزمة خلال مرحلة ظهورها في الصين، تعهدت مجموعة من زعماء العالم بتقديم 8 مليارات دولار أمس لمكافحة جائحة فيروس كورونا. وجاء ذلك خلال مؤتمر دولي (تيليتون) نظّمه الاتحاد الأوروبي تجاوباً مع النداء الذي كانت قد وجهته منظمة الصحة العالمية، ودعوة مجموعة العشرين التي تتولّى رئاستها هذه السنة المملكة العربية السعودية من أجل «تيسير وسائل التشخيص والعلاج، وتطوير لقاحات آمنة فاعلة ضد (كوفيد-19)، وتوفيرها بكلفة في متناول الجميع». وكانت المفوضية الأوروبية قد أعلنت المساهمة بمبلغ مليار يورو، وقالت في بيان إنه في إطار مواجهة عالمية للفيروس، يتعاون الاتحاد الأوروبي مع شركاء عالميين لبدء جهود عالمية مشتركة.
وفي افتتاحها للمؤتمر، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين إن هذا اللقاء يشكّل نقطة تحوّل في شراكة عالمية واسعة لدحر الفيروس «لأن حماية كل فرد منّا هي من حماية الآخرين جميعاً». وإذ أكدّت أنه لا بد من التعايش مع الفيروس حتى إنتاج اللقاح الناجع، وتوزيعه على الجميع، قالت إن مبلغ 7.5 مليار يورو هو دفعة أولى في ماراثون تعهدي سيقتضي مزيداً من الجهد والموارد.
ووجّهت رئيسة المفوضية كلمة شكر خاصة إلى السعودية، بصفتها الرئيسة الدورية لمجموعة العشرين على الجهود الدؤوبة التي تبذلها منذ بداية الأزمة، ولدورها النشط في إنجاح المؤتمر.
وفي كلمته أمام المؤتمر، أشار وزير الصحة السعودي توفيق الربيعة إلى الدور الرائد الذي لعبته مجموعة العشرين في مواجهة أزمة «كوفيد-19»، وإلى النداء الذي وجهه قادة المجموعة في 26 مارس (آذار) الماضي لعقد هذا المؤتمر، وأعلن عن تبرّع المملكة بمبلغ نصف مليار دولار للصندوق. كما دعا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى الاهتمام بأوضاع اللاجئين وحمايتهم «لأن ذلك من شأنه أن يساهم في تسريع جهود القضاء على الوباء في العالم».
وقال رئيس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشال، إن التضامن هو خط الدفاع الأول والأقوى مناعة في وجه الفيروس، مشدّداً على أن الجهود المشتركة هي وحدها الكفيلة بالقضاء على الفيروس بشكل نهائي. وركّز ميشال على أن تكون القارة الأفريقية محور التضامن الدولي ضد الوباء، وحذّر من أن كلفة عدم التحرك ستكون باهظة جداً على الجميع.
أما الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، فقد نوّه بهذه القيادة المشتركة التي يحتاج العالم إليها اليوم، وقال: «لا أمان لأحد ما لم يكن الجميع بأمان»، مشيراً إلى أن الجهد الدولي في هذا المجال يحتاج لموارد تبلغ 5 أضعاف المبلغ المحدد لمؤتمر التعهد الدولي.
أما المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تادروس أدناهوم، الذي كان الارتياح بادياً عليه للدعم المادي الذي تلقاه المنظمة في الوقت الذي تتعرّض فيه لانتقادات شديدة من الإدارة الأميركية، فقد أكد أن السلسلة الوراثية للفيروس كانت في متناول خبراء العالم بعد أسبوعين من ظهوره في الصين.
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المبادرة بالتاريخية، مؤكداً أن أفدح الأخطاء عدم التحرّك معاً لمواجهة الجائحة، وأن التعاون الدولي هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الصحية. وإذ قال إن العالم في سباق مع الوقت، شدّد على الحاجة لمنظمة الصحة العالمية التي قال إن بلاده ستزيد الدعم المقدم لها في الفترة المقبلة. وكشف ماكرون عن مساعدات فرنسية بقيمة 1.7 مليار يورو، تشمل التعهد لصندوق التضامن في وجه «كوفيد-19»، ودعم شبكات البحوث الإقليمية، والنظم الصحية الضعيفة، والمنظمات غير الحكومية في أفريقيا.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أعلنت عن تعهد بلادها بمبلغ نصف مليار يورو، فيما أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن مساعدات إجمالية بقيمة 1.7 مليار دولار، تشمل دعم بلدان الجوار الآسيوية، والدول التي تعاني من ضعف الأنظمة الصحية، وصندوقاً خاصاً للقروض من أجل النهوض من الأزمة الاقتصادية في العامين المقبلين للدول النامية.
ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو أعلن عن تعهد بلاده بمبلغ 850 مليون دولار، فيما شدّد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على أهمية التعاون الدولي في مجال البحوث، ودعا إلى المشاركة في المؤتمر الذي تستضيفه المملكة المتحدة مطلع الشهر المقبل للتحالف العالمي من أجل اللقاحات.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، قال مايك راين، كبير خبراء منظمة الصحة العالمية رئيس فريق الطوارئ في الأمم المتحدة، إنه سيتم تخصيص مبلغ 1.25 مليار يورو من الصندوق لمنظمة الصحة العالمية من أجل مساعدة البلدان الضعيفة، ومليارين للبحوث وتطوير اللقاحات، ومليار يورو للمساعدة على إنتاجها وتوزيعها. وقال إن تطوير وإنتاج العلاجات وتوريعها سيحتاج إلى 2.25 مليار يورو، إضافة إلى 750 مليون يورو لتمويل وسائل التشخيص، و750 مليون يورو لتخزين معدات الوقاية واللقاحات.
وفي سياق موازٍ، أكدت السعودية التزامها أهداف ومبادئ حركة عدم الانحياز، والمساعدة في تقديم جبهة موحدة ضد التهديد المشترك المتمثل في انتشار فيروس {كورونا المستجد}، عبر تعزيز الاستجابة العالمية لمواجهة تداعياته الصحية والاقتصادية والاجتماعية، والقيام بكل ما يلزم للتغلب على هذه الجائحة التي لا تعرف حدوداً دولية أو تفرق بين معتقد أو دين أو عرق. وأوضح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركته في القمة الافتراضية للدول الأعضاء في الحركة، أن بلاده {واصلت جهودها الوطنية لتعزيز الاستجابة السريعة لمواجهة تداعيات فيروس كورونا المستجد والحد من تأثيراته الصحية والاقتصادية والإنسانية، وسارعت باتخاذ جميع التدابير الوقائية والاحترازية لحماية وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها من دون استثناء}.
ولفت إلى أن المملكة في ضوء رئاستها لمجموعة العشرين لهذا العام، بادرت بالدعوة لعقد قمة استثنائية افتراضية لقادة دول المجموعة، تحت رئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، لدعم الجهود الدولية لمواجهة الأزمة. وبيّن، أن قمة العشرين الناجحة، نتج عنها اتخاذ عدد من القرارات المهمة لمواجهة الآثار الناجمة على الاقتصاد العالمي، ومنها: التزام دول مجموعة العشرين بضخ خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي، للعمل على الاستقرار الاقتصادي والمالي، كما أن الملك سلمان وجه بتقديم دعم مالي قدره 500 مليون دولار لمساندة الجهود الدولية للتصدي لجائحة كورونا، اضافة إلى تقديم مبلغ 10 ملايين دولار دعم من السعودية لمنظمة الصحة العالمية لدعم جهودها والإجراءات التي تتخذها لمكافحة هذه الجائحة.
وأكد الوزير، أن جهود المملكة لم تقف عند هذا الحد، بل واصلت تقديم المساعدات الصحية لعدد من دول البلدان المتأثرة من هذه الجائحة، حيث قدمت للحكومة الشرعية في اليمن 38 مليون دولار للمساعدة في مواجهة هذه الجائحة، فيما وقع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية اتفاقية مع وكالة {الأونروا} لتقديم دعم مالي لتأمين الإمدادات والمعدات الطبية اللازمة لأكثر من اثنين مليون مستفيد فلسطيني في قطاع غزة.
وذكر وزير الخارجية السعودي، تأكيد بلاده على ضرورة تكثيف الجهود المتعددة الأطراف في التعامل مع الأوبئة والامراض، وقال: {إذا ما أردنا أن نجتاز هذه الأزمة أكثر قوة مما قبل- وهذا يتطلب تبادل المعلومات الدقيقة والشفافة في الوقت المناسب، وتوفير الاحتياجات والمواد اللازمة للبحث العلمي، وتطوير الأدوية واللقاحات لتلبية الحاجات المتزايدة للإمدادات الطبية}.
وأضاف: {نحن نقف اليوم في مواجهة معركة واحدة وأمام عدو واحد، وقد أصبحنا أكثر إدراكاً بمحدودية الجهود الفردية لاحتواء جائحة بهذا الحجم. وإننا بعون الله، ثم بتكاتفنا وتعاضدنا، قادرون على تجاوز هذه الأزمة والرجوع أقوى مما قبل، والنهوض بأوطاننا وتحقيق الرخاء لشعوبنا}.
مؤتمر دولي لمكافحة «كورونا»... وتعهدات من زعماء العالم بـ8 مليارات دولار
رئيسة المفوضية الأوروبية تثمن دور السعودية النشط لإنجاح المؤتمر... والرياض تدعو «عدم الانحياز» إلى جبهة موحدة ضد الجائحة
مؤتمر دولي لمكافحة «كورونا»... وتعهدات من زعماء العالم بـ8 مليارات دولار
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

