يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش يحقق انتصارات غير متوقعة على تحالف المتشددين في بنغازي رغم تواضع إمكانيات العتاد والإسناد

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)

يوجد حول مدينة بنغازي، مثل غالبية المدن الليبية الأخرى، آلاف المزارع التي لا تشبه المزارع المتعارف عليها في دول العالم. هي ليست نشاطا اقتصاديا، ولكنها مجرد ملكيات خاصة إضافية تُتخذ أماكن لتزجية الوقت وقضاء نهاية الأسبوع بعيدا عن البيت وصخب المدينة، ويكون ذلك بصحبة الأسرة أحيانا، ومع الأصدقاء والخلان في معظم الأحيان. وحين ضرب الجيش الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، معسكرات المتطرفين في بنغازي، فروا بأسلحتهم وآلياتهم، واستولوا على مئات المزارع من أصحابها، وحولوها إلى مراكز ومواقع لاستهداف قوات الجيش والشرطة.. واستهداف كل من لا يخضع لحكم ما يسمى «مجلس شورى الثوار» المكون من خليط من جماعات مسلحة وميليشيات بالمدينة، منها جماعة الإخوان وأنصار الشريعة والدروع وتنظيم داعش الليبي.

تمتلك كل أسرة تقريبا من أسر الطبقة المتوسطة والطبقة الثرية، مزرعة في ضواحي المدينة، تتراوح مساحة الواحدة منها بين ألف متر مربع و10 آلاف متر مربع. وكل مزرعة محاطة بسور لا يقل ارتفاعه عن مترين، ولكل منها بوابة ضخمة من الحديد تحفظها من السرقة. وانتشرت ظاهرة تأسيس المزارع في ليبيا منذ ثمانينات القرن الماضي، وبدأت أولا في أوساط المشتغلين في الدولة من قيادات أجهزة الأمن والوزارات والإدارات المحلية، وزادت بين سكان المدن الكبيرة خاصة بعد التوسع في تصدير النفط في العقود التالية. ويوجد في كل مزرعة غرفة أو غرفتان على الأقل، ويزيد بعض الموسرين من الغرف التي تتحول أحيانا إلى ما يشبه المبنى السكني المتكامل. وكل مزرعة مزودة بمصدر للمياه والكهرباء.
ويحرص كل صاحب مزرعة على زراعتها بأشجار الزينة والأشجار المثمرة وكذا الورد والنعناع وغيرها مما يحب، ويتفنن في الاعتناء بالمكان وجلسات الضيوف وركن الشواء والسهر. وتظل غالبية هذا النوع من المزارع مهجورة، وهي مصفوفة جوار بعضها بعضا على مساحات واسعة، وتتحول إلى ما يشبه مساكن للأشباح، ولا تدب فيها الحياة والحركة إلا في نهاية كل أسبوع أو في الإجازات الدينية والرسمية.
وتبعد بعض هذه المزارع عن قلب مدينة بنغازي بنحو 20 كيلومترا أو 30 كيلومترا. وبعضها يشرف على طريق المطار والبعض الآخر على الطريق الدائري المار من جنوب شرقي المدينة ويصل حتى أقصى الغرب حيث توجد منطقة قار يونس، وهي منطقة كانت تغص بمعسكرات شهيرة يسيطر عليها المتطرفون الذين رفضوا إلقاء السلاح بعد انتهاء الثورة ضد القذافي. وقامت قوات الجيش، في صيف هذا العام، بتوجيه ضربات موجعة لمعسكرات «17 فبراير» و«رأف الله السحاتي» و«أنصار الشريعة»، ما اضطر عناصر المتطرفين للهجوم على المزارع المنتشرة حول المدينة، واحتلالها وتحويلها إلى مناطق للتجمع والإيواء وتخزين الأسلحة، واحتجازهم الخصوم وتعذيبهم أيضا.
وبينما بدأت قوات الجيش في التقدم على الأرض لطرد باقي المتشددين من قلب بنغازي، التي يبلغ عدد سكانها أقل قليلا من مليون نسمة، يبدو أن هذه القوات تجد صعوبة كبيرة في تحديد المزارع التي يتمركز فيها المتطرفون، خاصة في المناطق القريبة من معسكر الصاعقة التابع للجيش في ضاحية «بوعطني» شرقا وعلى طريق الطليحة الرئيس، وفقا للمعلومات المتوفرة لدى الاستخبارات الليبية الجديدة. ومن داخل معسكر عمر المختار في شرق البلاد يتابع قادة الجيش الكبار في رئاسة الأركان مجريات الحرب. وتوجد في مدخل المعسكر دبابات روسية الصنع تعود لعهد الستينيات والسبعينات. وتبدو التطورات في بنغازي كافية لرفع معنويات القادة والجنود الذين يرابطون في شرق المدينة، بينما كان المقدم مراد، مدير مكتب رئيس الأركان، يتلقى الاتصالات عن العمليات وهواتفه لا تتوقف عن الرنين.
وفي اليوم التالي، وبينما يتزايد عدد أسر النازحين عن المدينة هربا من القتال، بدأ الجيش يفرض مزيدا من الضغط على قوات المتشددين في شرق بنغازي، وأغلقت 4 مدرعات وسيارة إسعاف وسيارتان دفع رباعي ونحو 10 جنود، الطرق المؤدية إلى «مزرعة الإصلاح» التي يتحصن فيها مجموعة من أنصار الشريعة، وتقع المزرعة بين عدد من المخازن التجارية المغلقة في ضاحية السلام. وانطلقت قذيفة «آر بي جي» من وراء السور، وانفجرت في واجهة مخزن وطيرت أبوابه. كانت محاولة من المتحصنين لإخافة طليعة الجيش. وتقدم 5 من الجنود عدة خطوات، فأطلق المتطرفون قذيفة أخرى، ودوى صوت الانفجار وارتفعت ألسنة اللهب وانهارت واجهة مخزن الرخام المجاور. وبعد قليل بدأ وابل من الرصاص ينهال من داخل المزرعة بشكل عشوائي.
وانحنى الجنود الـ5 وهم يقتربون من السور، لكن رصاصة أصابت ساق أحدهم، فوقع على الأرض وبدأ الدم ينزف من تحت سرواله العسكري المبرقش، فزحف وهو يتقهقر ويحتمي بجذوع أشجار وقوالب إسمنتية على جانب الطريق الترابي، إلى أن تمكنت مدرعة في الخلفية من التقاطه وتسليمه إلى سيارة الإسعاف. وتقدم 3 جنود آخرون لدعم باقي المجموعة.. وأخيرا تمكنوا من إجبار المسلحين المتحصنين بالداخل على الفرار. يبدو أنهم كانوا 3 لأن مواقع فوارغ الذخيرة كانت مبعثرة في 3 أماكن داخل سور المزرعة. وعثر الجنود على جثتين لشابين ليبيين كانا محتجزين قبل أن يطلق عليهما المسلحون الرصاص تحت شجرة أكاسيا، ويختفوا.
وبعد الضحى تمكنت مجموعة أخرى من الجنود من فتح ثغرة إلى داخل الطريق المعروف باسم طريق دريانة، وبينما لحق بهم نحو 9 من زملائهم وهم يتلقون تعليمات «الآمر» عبر جهاز اللاسلكي، لتمشيط المنطقة بحثا عن مسلحين جدد، بدأت بقية القوات تتحرك إلى الأمام بعد إسكات نيران المتطرفين ومطاردتهم. إنها حرب مُدن بكل معنى الكلمة. وتواجه الجيوش النظامية في حروب المدن عادة مشكلة في تحريك الآليات والجنود. وخلال ذلك برزت وجوه لنساء وأطفال من فوق أسطح المباني المطلة على الشارع، ورفعت امرأة منديلا ملونا ولوحت به وهي تحيي مع جيرانها قوات الجيش المصممة على تحرير المدينة، وانطلقت من فوق الأسطح الزغاريد والأغاني ووزع بعضهم زجاجات مياه مثلجة على الجنود.
ورفع العقيد فرج البرعصي، آمر المجموعة العسكرية المتقدمة هنا، يده وهزَّ سلاحه من ماركة «إيه كيه 47» محييا المواطنين الذين كانوا قد ذاقوا الأمرين طيلة أكثر من سنتين على أيدي جماعات المتطرفين. ورفع علامة النصر، بينما كان عدة مئات من جنوده قد توغلوا، بحلول الظهر، داخل المحور الشرقي للمدينة الذي كان المتشددون يسيطرون عليه وينصبون فيه الحواجز قبل أيام.
ويقول الرائد حسين، أحد المشاركين في العملية، وهو يتابع تحركات الجنود بجهاز اللاسلكي إنه جرى القبض على 13 من عناصر أنصار الشريعة منذ بداية عمليات اليوم، وجاري تنظيف الضواحي الشرقية بالمدينة من بقايا المتطرفين.
وبالإضافة إلى معارك مزرعة الإصلاح ومنطقة دريانة والشارع المسمى باسمها، شملت أعمال التمشيط أيضا منطقة الكويفية في عمق المدينة وهذا أمر لم يكن متوقعا. كما جرى القبض على 6 آخرين على الأقل من أنصار الشريعة، كانوا يختبئون في منزل هجره سكانه منذ بداية العمليات في منطقة «سيدي خليفة»، بعد أن نفدت منهم الذخيرة. وقادهم 3 من الجنود إلى داخل شاحنه عسكرية. وسارت عملية الزحف العسكري في هذا النهار الممطر بالتزامن مع عمليات أخرى لاصطياد المتطرفين المتمركزين في عدد من المزارع، خاصة في منطقة الغوط.
وفي اليوم الثالث بدأت معارك من نوع جديد. وقبل شروق الشمس بقليل وصلت 50 آلية عسكرية غالبيتها من سيارات الدفع الرباعي المدنية المجهزة بالرشاشات والمصدَّات الحديدية الإضافية، ومن فوقها تظهر رؤوس الجنود المتحفزين. وتمركزت على مشارف «جسر بنينة الأول» على طريق مطار بنينة وهو مطار مدني وعسكري كانت قوات المتطرفين تسعى طيلة أشهر للسيطرة عليه دون جدوى، رغم استخدامها للصواريخ والمدفعية ضد قوات تأمين المطار.
وفجأة ارتفعت صيحات التكبير بين الجنود والضباط. فقد وصل حالا خبر اقتحام قوات الجيش في الجانب الآخر من بنغازي لمعقل أحد أخطر قيادات التطرف، والذي يلقبه أهالي المدينة باسم «بوكا»، بينما اسمه الحقيقي هو محمد العريبي. وجاءت الأخبار عبر جهاز اللاسلكي. القوات الآن في منزل «بوكا» نفسه، لكنه هرب على عجل وترك خلفه متعلقات مهمة من بينها حاسوب ومعلومات عن أسماء مساعديه وأرقام هواتف عدد منهم.
وتعالت صيحات التكبير مرة أخرى. وجرى تسوية مبنى «بوكا» بالأرض على أيدي مواطني المدينة المتعطشين للانتقام من قادة المتشددين، الذين جلبوا المقاتلين الأجانب من دول العالم لقتال الليبيين وكانوا يعطون أوامر بصلب المخالفين وشنقهم وقطع رؤوسهم جهارا نهارا - كما يقول الأهالي - في ساحات المدينة التي كانت مهد الثورة ضد القذافي.
ومن المعروف أن جماعة أنصار الشريعة الموالية لتنظيم القاعدة والمدعومة من جماعة الإخوان، كانت قد استولت على عدد من معسكرات الجيش في بنغازي في أواخر شهر رمضان الماضي، إلا أن الجيش قال: إنه هو الذي بادر بالانسحاب التكتيكي تمهيدا للعودة لاحقا لتطهير المدينة من المتطرفين، لكن أنصار الشريعة حاولت بعد ذلك أن تعزز من سيطرتها على بنغازي وتزيل كل مظاهر الدولة، بما فيها القيام بتفجير مبنى مديرية الأمن، واحتلال معسكرات للجيش وقوات الصاعقة والقوات الخاصة، والإعلان عن رفضها للانتخابات والبرلمان والأحزاب، قائلة إنها «ثقافة غربية كافرة»، ما أدى إلى إصابة أهالي المدينة بالذهول، قائلين إن الثورة التي قاموا بها في 2011 كانت من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة.
وجاء نهار جديد لمعركة بنغازي.. وبدأت أشعة الشمس تلقي بضوئها على حواف «جسر بنينة الأول»، وعلى الحواجز التي نصبها أفراد الجيش. وجرى تفتيش السيارات الخاصة القادمة من وسط المدينة، وتوجيهها إلى مسالك أخرى بعيدا عن مسرح العمليات الملتهب. وكانت المعلومات التي جعلت قوات الجيش تحاصر منطقة الجسر تقول إن المتطرفين يتخذون من عدة مزارع مجاورة أوكارا لهم، ويقومون من داخلها بإطلاق صواريخ من نوع غراد على الآليات العسكرية التي كانت قد بدأت تنتشر قبل يومين لفرض الأمن في المنطقة. كان الجميع يترقب. متى ستنطلق الطلقة الأولى ومن أين.
ونزل النقيب عبد الله، أحد قادة المجموعة العسكرية في «جسر بنينة»، من سيارته، وبدأ يستعرض خريطة للتحرك مع عدد من الجنود لتحرير مزارع الجسر. والسيارة التي يقودها عبد الله لها معزة خاصة لديه، وهي دفع رباعي سوداء مكتوب عليها كلمة «شرطة». ويقول إن المتطرفين كانوا قد استولوا عليها حين هاجموا مقر مديرية أمن بنغازي وفجروه في الأيام الماضية، وتمكن النقيب من خوض معركة في طريق المطار، بمفرده، لاستعادتها، ونجح في ذلك وألقى أيضا القبض على الشبان الـ3 الذين كانوا يستخدمونها في اصطياد خصومهم بالمدينة.
وتعود أصول النقيب الأسمر لقبيلة التبو الليبية التي يتركز وجودها في كل من إقليم فزان في الجنوب وفي منطقة الكفرة في الشرق. ويضيف قائلا إن غالبية الليبيين «لديهم دائما مخاوف من الإسلاميين، ويرفضون أفكارهم، وغير مقتنعين بهم.. ليبيا دين وسطي مثل مصر. كل هذا التطرف جديد علينا.. جديد على ليبيا.. كان الإسلاميون المتطرفون، خلال السنوات الـ3 الماضية، يسيطرون على الدولة؛ جماعة الإخوان، والجماعة المقاتلة، وأنصار الشريعة والتكفيريون.. كلهم كانوا مسجونين في سجن أبو سليم بطرابلس (في عهد القذافي)، واليوم يكفِّرون المجتمع، وسهلوا دخول متطرفين آخرين من دول عربية وأجنبية لليبيا، ويقولون: إن من يذبح جنديا من الجيش الليبي يدخل الجنة، ولهذا قُتل أكثر من 500 جندي وضابط خلال العامين الأخيرين».وفجأة أزَّ الرصاص فوق الرؤوس. واتخذ الجنود مواقعهم، وبدأت عملية الاستعداد للرد. واستمرت المعارك هناك مدة يومين إلى أن جرى تطهير المنطقة من المسلحين. وتقول مصادر عسكرية إنه يعتقد أن زعيم تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي، محمد الزهاوي، قتل في هذه المعركة التي خسر فيها الجيش 3 جنود، بينما لا توجد تأكيدات رسمية وقاطعة عن مصير الزهاوي، أو باقي قيادات المتطرفين مثل وسيم بن حميد و«بوكا».
ويعتقد أيضا أن الزهاوي تعرض لإصابات مباشرة بالرصاص وقتل في معركة بنينة عند جسر بنينة الأول على طريق المطار، لأن محادثات المقاتلين المتطرفين في أجهزة اللاسلكي والتي جرى التنصت عليها أثناء الاشتباكات، كانت تتضمن كلاما عن أن الزهاوي لقي مصرعه. ويتابع المصدر العسكري قائلا إن محادثات المتطرفين في اللاسلكي قالت بالنص: «الأمير استشهد.. استشهد الشيخ»، في إشارة على ما يبدو للزهاوي. كما جرى الحديث فيما بعد عن تعيين خليفة له، لكن لم يعرف اسمه بعد. إلا أن معلومات من مصادر أخرى رجحت أن يكون الزهاوي قد تعرض فقط لإصابات ونقل للعلاج في تركيا، قائلة إن «الزهاوي، بشكل عام، قليل الظهور، ولهذا لا يمكن تفسير اختفائه بعد معركة بنينة بأنه قد قتل فيها».
ووفقا لروايات ضباط وجنود، فقد قتل العشرات من أنصار الشريعة في معركة بنينة. ومن بين القيادات الأخرى في هذه الجماعة، والتي توجد تكهنات بمقتل بعضهم أيضا، هناك محمود الوحيشي، وهو من المقاتلين الليبيين السابقين في العراق، وله علاقات قوية مع كبار الزعماء المتطرفين في درنة ومصراتة، ويتردد أن لديه مزرعة من تلك المزارع مكدسة بترسانة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بما فيها صواريخ غراد. كما سقط في مواجهات بنينة مقاتلون من جنسيات أجنبية غالبيتهم جزائريون ومصريون وتونسيون. وبعد أيام من الكر والفر تمكن الجيش من إغلاق جميع مداخل ومخارج بنغازي، وتنفيذ أول عملية من نوعها للتوغل في الداخل، لكن المشكلة تظل في المزارع المنتشرة في ضواحي المدينة وما حولها.
الآن تمضي ساعات من التجول على الطرقات التي تربط ضواحي بنغازي.. كانت الأجواء هادئة قليلا، وكان يمكن أن تعثر على كوب ماء وسيجارة ومقعد على الرصيف. ويراقب المئات من الجنود مداخل ومخارج المزارع التي يختبئ فيها باقي المتطرفين بما جمعوه من أسلحة، وذلك في مناطق القوارشة وبوعطني. ومعروف أن هذه المزارع الشاسعة والمجهزة والثرية كانت أساسا مملوكة لأنصار القذافي، لكن غالبية أصحابها فروا إلى خارج البلاد بعد سقوط نظام العقيد. وبعد قليل حلقت طائرة حربية، وقصفت مزرعة في الجوار، وتركت وراءها أعمدة دخان واختفت، في لمح البصر، في الأفق.
ويتفق قادة الدولة الليبية الجديدة، أي رئيس البرلمان، عقيلة صالح، ورئيس الأركان، اللواء عبد الرزاق الناظوري، على أنه لو جرى الحسم في بنغازي فسيتم حسم باقي الأمور في البلاد. ويقول عقيلة: أعتقد أنه بمجرد استقرار الأمور في بنغازي فإن باقي المشاكل ستنتهي. بينما يقول عيسى عبد المجيد، مستشار عقيلة، إن أكثر من 70 في المائة من بنغازي أصبحت تحت سيطرة الجيش والشرطة، وإنه خلال الأيام المقبلة ستكون السيطرة على المدينة بنسبة مائة في المائة.
وعقب نجاح الجيش في دخول شرق بنغازي يوضح الناظوري قائلا من خلف مكتبه في قاعدته العسكرية: نحن لدينا أجهزة أمنية تعمل داخل المدينة، ونعرف كل مطلوب من المطلوبين أين يسكن وأين يقيم.. كما نعرف المساجد التي يستغلها هؤلاء المتطرفون سواء لتجمعاتهم أو لتخزين الذخائر بداخلها، ونعرف المزارع التي طرد هؤلاء المتطرفون أصحابها منها وأصبحوا يتمركزون فيها كمعسكرات لهم. كل شيء عنهم معروف لدينا ومدروس.
وتعوِّل قيادات الدولة على عمليات تجفيف المنابع المالية للمتطرفين والتي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض عدد من يقاتلون معهم مقابل أجر. ووفقا لمعلومات جمعتها الاستخبارات فإن قادة التطرف فيما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» أغرى مئات الصِبية الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما بالاشتراك في معارك بنينة ضد القوات المسلحة والشرطة، وأنه وعدهم بأنه، في حالة طرد قوات الجيش من المنطقة، سيصرف لكل صبي 40 ألف دينار (الدولار يساوي نحو 1.3 دينار). ويقول أحد قادة الأمن: «هذه الأموال استولى عليها المتطرفون بعد ثورة فبراير، وهي حصيلة لما جرى نهبه من الدولة الليبية ومن السرقات والسطو على الأموال العامة».
ورغم أن نحو 60 في المائة من أفراد الجيش الليبي لا يحصلون على رواتب منذ نحو 3 أشهر، فإن الدافع الرئيس للعمل والقتال في صفوف القوات المسلحة ليس الحصول على أجور فقط.. «ولكن من أجل التخلص من كابوس المتطرفين والإرهابيين الذين وصلوا لحكم ليبيا، وأثاروا فيها الفوضى بشكل جعل الدولة تتفسخ وتتفتت بين كتائب وميليشيات»، كما يقول الرائد في الجيش الليبي، حسين جمال، الذي انضم لعملية الكرامة بقيادة حفتر، ويضيف: كنت أخدم داخل رئاسة أركان الجيش (السابقة) التابعة للمؤتمر الوطني (البرلمان السابق) الموالي للإسلاميين، وذلك قبل انتهاء ولايته وانتخاب البرلمان الجديد.. «عملت تحت رئاسة المنقوش وهو من مدينة مصراتة، ومحسوب على الإسلاميين، ثم عملت مع جاد الله، وهذا الأخير لم يكن من الإسلاميين لكنه بات من المتشددين وأصبح مواليا لهم».
ويتحدث الرائد جمال عن أنه لاحظ أثناء عمله في رئاسة الأركان السابقة أنه كان هناك تعمد واضح من قيادات المتطرفين من جماعة الإخوان وغيرها، بعدم السماح بوجود جيش وطني.. ومن مظاهر هذا التعمد بناء جسم آخر مواز للجيش مثل كتائب الدروع ومشروع الحرس الوطني الذي لم يتحقق.. ومن مظاهر هذا التعمد أيضا، كما يذكر الرائد جمال، تخصيص القيادات الإخوانية، وهي في الحكم، ملايين الدولارات كرواتب للميليشيات بمقدار أعلى من رواتب ضباط الجيش.
ويقول إنه على سبيل المثال كان راتب المقدم في الجيش نحو 850 دينارا، بينما عنصر الميليشيا يحصل على 925 دينارا، على الأقل، و.. «لهذا تركت الخدمة في رئاسة الأركان بسبب الاهتمام بالمتطرفين على حساب الجيش، وانتقلتُ إلى العمل مع الجيش الوطني ومع عملية الكرامة تحت رئاسة البرلمان الجديد».
ورغم معاناته من نقص المعدات والأسلحة فإن الجيش الذي تعرض للتدمير أثناء قصف حلف الناتو لمعسكراته في 2011. تمكن من لملمة شتات نفسه أخيرا، ونجح في تغيير الدفة في الصراع الذي يقول إنه قد فُرض عليه من قادة التنظيمات المتطرفة. فبعد أن كان يتعرض للهجوم من المتشددين، أخذت الكفة تميل لصالح الجيش، وهو من يقوم بالمبادرة وباقتحام الأوكار ومطاردة فلول المسلحين بمؤازرة شباب الضواحي والمواطنين في بنغازي. ومع ذلك لا يخفي القادة غضبهم من تجاهل المجتمع الدولي و«تباطؤ الأصدقاء» في تقديم الدعم اللازم للحرب على الإرهاب.
لكن الرائد جمال يتوقع أن يردَّ المتشددون اليائسون بهجمات انتحارية وسيارات مفخخة ليس في بنغازي فقط، ولكن في كل مكان يمكن أن تطاله أيديهم. ويضيف: «أتباع الزهاوي فقدوا البوصلة.. لا يأتون للمواجهة كما كانوا يفعلون في السابق. وبعد دخول الجيش والتفاف الناس حول الجنود والضباط، لجأوا للتفجيرات ولذلك فإن الخوف من الخلايا النائمة للمتطرفين في المدن خاصة في بنغازي ومزارعها الكثيرة. وهذه سبب رئيس للقلق».
وفي اليوم السابع بدأت قوات الجيش تنقض على وسط بنغازي من عدة جبهات، لتخليصها من آخر معاقل أنصار الشريعة، بعد أن وضعت حواجز قوية من قوات الشرطة العسكرية والمتطوعين المدنيين للتصدي لأي محاولات من جانب المتطرفين المتمركزين في مزارع الضواحي الخارجية، حيث توافرت معلومات لدى الجيش عن أن المتحصنين في المزارع يسعون للقيام بهجوم مضاد والتفافي، أي من الأطراف، على القوات التي تزحف إلى قلب المدينة. وكان اليوم السابع شديد الصعوبة، حيث سبقته تحذيرات واثقة من الجيش للمتشددين «إما الاستسلام، أو القتل».
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا بقليل. وكانت القوات تقترب من مقر مصرف المدينة ومن شارع البحر المؤدي إلى الميناء. ومن هنا تهب النسائم المالحة والباردة والمنعشة، إلا أنها سريعا ما أصبحت معبقة برائحة البارود ودخان الحرائق، بعد أن تحولت المناوشات بطلقات الرصاص إلى حرب بالقذائف الصاروخية بشكل سريع، واندفعت آليات الجيش للأمام. كانت عبارة عن 3 دبابات روسية قديمة، ومن خلفها 3 مدرعات أميركية الصنع و7 سيارات يابانية دفع رباعي، ونحو 50 من الجنود والضباط. وفجأة انفجرت شاحنة مفخخة كانت متوقفة أمام «محل اتصالات الشهداء» على بعد نحو مائتي متر. ارتفعت الشاحنة وسط شعلة من اللهب وارتطمت بالأرض محدثة دويا أصم على جانب الطريق وتحول لونها من الأحمر إلى الأسود في طرفة عين.. كانت هذه محاولة يائسة لعرقلة تقدم الجيش.
ومن وراء الدخان بدت مجموعة من المسلحين من أنصار الشريعة صغار السن، نحو 7 أو 8، يهرولون إلى الضفة الأخرى من الشارع، واستتروا بجدار وأمطروا آليات الجيش بالرصاص، بينما اختبأ الجنود خلف الدبابات والمباني المجاورة. ومن طريق جانبي آخر بدا أن هناك مجموعة من المتطرفين قادمة للدعم وتمكنت بالفعل من إطلاق قذيفتي «آر بي جي»، أصابت إحداهما مدرعة وشطرتها نصفين، بينما انفجرت القذيفة الأخرى في الشارع، ونثرت الحجارة والقار، وتركت فيه حفرة. وتوقفت الدبابة التي في المقدمة، وحركت ماسورتها حركتين صغيرتين يمينا ويسارا، ثم أطلقت قذيفة. وبعدها اندفعت اثنتان من سيارات الدفع الرباعي المحملة بالجنود والبنادق ومدافع عيار 14.5، واختفت في الشارع الجانبي لتتعالى بعدها أصوات الطلقات من كل مكان.
وفي الاتجاه الآخر، أي في اتجاه منطقة «السيمفارو» التي تشرف على طريق الصابري، كانت معارك أخرى قد اشتعلت فجأة بسبب العثور على مجموعة متطرفين مسلحين يحاولون حصار القوات التي تشتبك مع زملائهم في بداية شارع البحر. جثث 3 أطفال قرب مفرق السيمافرو؛ بنت وولدين وأمهم تنوح جوارهم، وتهيل التراب على رأسها. كانت تحاول الفرار بهم إلى الجانب الآخر من المدينة، لكنهم قتلوا. والآن تقف في الوسط والرصاص يئز من حولها. وبعد قليل دوت انفجارات جديدة ثم حل الصمت. نظرة أخيرة.. كانت النيران وسحب الدخان والتراب قد وارت جسد المرأة النائحة، وأسكتت صوتها.
وفي الشارع المقابل كانت آثار الدماء على الأرصفة وفي تقاطعات الطريق.. شرفات المباني متهاوية وجدرانها مثقوبة بالقذائف وعليها آلاف النقر من آثار طلقات الرصاص.. هنا، بجوار ركام مبنى، توجد جثة لرجل في الـ30 من العمر. يرتدي سروالا عسكريا وسترة مدنية. ذراعه اليمنى مفصولة عن جسده. يبتسم نصف ابتسامه وعيناه شاخصتان للسماء. ومن الخلف هدر محرك آلية من آليات الحرب. وزعق صوت: اضرب هناااااك... وانطلقت قذيفة ثم زخَّات من رشاش. وصاح آخر: الله أكبر..

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.