وزارة الصحة الإيرانية تهاجم منتقدي الحصيلة الرسمية لضحايا «كوفيد ـ 19»

الإصابات تقترب من 85 ألفاً... والحكومة تتعهد تعويض المتضررين اقتصادياً

إيرانية ترتدي كمامة واقية وقفازات بانتظار وصول حافلة في محطة وسط طهران أمس (أ.ف.ب)
إيرانية ترتدي كمامة واقية وقفازات بانتظار وصول حافلة في محطة وسط طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

وزارة الصحة الإيرانية تهاجم منتقدي الحصيلة الرسمية لضحايا «كوفيد ـ 19»

إيرانية ترتدي كمامة واقية وقفازات بانتظار وصول حافلة في محطة وسط طهران أمس (أ.ف.ب)
إيرانية ترتدي كمامة واقية وقفازات بانتظار وصول حافلة في محطة وسط طهران أمس (أ.ف.ب)

في اليوم الـ62 على تفشي فيروس كورونا، وجّهت وزارة الصحة الإيرانية انتقادات لاذعة لمنتقدي الإحصائية الرسمية حول ضحايا فيروس كورونا المستجد، في وقت اقتربت حصيلة المصابين من 85 ألفاً. وقال المتحدث باسم وزارة الصحة، كيانوش جهانبور، في مؤتمره الصحافي، أمس، إن 1297 إصابة جديدة تم تشخيصها، ما رفع حصيلة المصابين إلى 84 ألفاً و802 شخص، فيما بلغ عدد الوفيات 5297 بعد تسجيل 88 حالة إضافية خلال 24 ساعة، حسب الإحصائية الرسمية. وأشارت وزارة الصحة إلى 3375 حالة حرجة في المستشفيات الإيرانية، فيما بلغ عدد الذين خضعوا لفحص تشخيص كورونا 365 ألفاً و723 شخصاً، من بينهم 60 ألفاً و965 شخصاً تعافوا من الفيروس وفقاً للوزارة.
وتواجه وزارة الصحة صعوبة في إقناع الشارع الإيراني بمصداقية الأرقام المعلنة، بعدما طلبت جهات برلمانية ومنظمات صحة، الشفافية في إعلان العدد الحقيقي.
وفي تطور لافت على صعيد الخلافات حول الإحصائية، هاجم المتحدث باسم وزارة الصحة، مواقف أعضاء مجلس بلدية طهران. وذهب أبعد من ذلك، عندما ربط جهانبور بين مواقف الإصلاحيين في الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في 2009 وموقف مجلس بلدية طهران من إحصائية وزارة الصحة حول وباء كورونا.
وقال جهانبور: «هل بإمكان الأصدقاء في مجلس البلدية أن يقدموا لنا إحصائية غير الإحصائيات الانتخابية وإحصائية الولادات الجديدة». وأضاف: «ليقولوا ما يريدون قوله، نحن نعلن فقط الإحصائيات المعروفة والمؤكدة، ولا نرد على أحد بشكل شخصي».
والأحد، قال رئيس مجلس بلدية طهران؛ محسن هاشمي رفسنجاني، إن حصيلة الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجدّ أكثر من العدد المعلن رسمياً، واستند إلى تأكيد نائب وزير الصحة، علي رضا رئيسي، وجود تباين بين الحصيلة الحقيقية والإحصائية الرسمية.
وقبل ذلك بأيام، انتقد عضو مجلس بلدية طهران محمد جواد حق شناس، طريقة إعلان إحصائية المصابين بفيروس «كورونا» المستجدّ، وطالب بإعلان الإحصائية وفق المحافظات. وقال إن «إعلان الإحصاءات وفق المحافظات ينفع الناس أكثر ويقربنا خطوة من الشفافية والتحقق».
والأسبوع الماضي، منعت الوزارة الجامعات الطبية من إبلاغ إحصائيات منفصلة. وقال أحد نواب وزارة الصحة إن الإحصائية الحقيقية أكثر من الإحصائية الرسمية، غير أنه رفض المبالغة في تضاعف الحصيلة. وتراجع البرلمان، الخميس الماضي، بعد 48 ساعة على نشر تقرير قدر فيه عدد الوفيات والإصابات بأكثر من 80 في المائة مما أعلنته الحكومة.
وقدّر البرلمان في تقرير أن عدد الإصابات بوباء «كوفيد 19» أعلى بنسبة ما بين 8 و10 مرات، ما يعادل ما بين 600 و750 ألف مصاب. وقدّر عدد الوفيات بنحو ضعفي العدد الرسمي. وأضاف أن الأرقام المعلنة استندت فقط إلى «مرضى دخلوا المستشفى مع أعراض شديدة».
من جانب آخر، وجّه عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، علاء الدين بروجردي، لوماً لمنتقدي الإحصائية، وقال: «التصريحات غير المسؤولة عن كورونا في بلد يتابع فيه الجميع التطورات بحساسية، خاطئة».
وقال بروجردي إن إيران «شكلت لجنة وفرضت نظماً في هذا المجال لنشر الإحصائية اليومية»، غير أن رئيس لجنة الصحة في مجلس البلدية يقول إن الوزارة «تفبرك» يومياً إحصائية وتتلاعب بأرواح الناس. واحتجّ بروجردي أيضاً على ما قالته عضوة المجلس، صدر أعظم نوري، عن تباين عدد الوفيات بين الإحصائية الرسمية والحصيلة الحقيقية. وطالب مجلس البلدية بتقديم اعتذار.
أما الرئيس الإيراني حسن روحاني، فقال أمس إن إعادة افتتاح المراكز الدينية وفق البروتوكولات الصحية يشكل «هاجساً مهماً» لحكومته.
جاء ذلك بعد أيام من إعلان روحاني تمديد إغلاق المراكز الدينية أسبوعين، بدلاً من شهر، بعد مطالب من الحوزة العلمية المتنفذة في المؤسسة الحاكمة.
ومع ذلك، قال روحاني في رسالة إلى رئيس المجمع الثقافي في العلوم الطبية، محمد مرندي، أمس، إنه «نظراً لقلة إمكانية نقل الفيروس، مقارنة بالحالات الأخرى، يمكن إعادة فتح الأضرحة والمساجد خلال أيام، إذا كان ذلك مناسباً».
وحضّ روحاني في اجتماع وزاري خاص بالملف الاقتصادي، على تقديم مساعدات مالية للفئات المتضررة من تفشي الفيروس «دون تعقيدات». وتراكمت التحذيرات على مدى أيام من ذروة ثانية في البلاد. وحذّرت وزارة الصحة، أول من أمس، من زحف أهالي العاصمة إلى المدن الساحلية، قبالة بحر قزوين، بعدما رفعت الحكومة قيود التنقل بين المحافظات.
ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية أن مراجعة المرضى لمستشفيات مدينة بابل الشمالية أصبح تصاعدياً مرة أخرى. وسمحت الحكومة الإيرانية باستئناف الأنشطة المتوسطة المخاطر منذ الاثنين، وشمل القرار مراكز التسوق الكبيرة والجمعيات التجارية، مثل بازار طهران. ومددت إغلاق المطاعم والمسابح والصالات الرياضية.
وأشارت شركة ضبط حركة المرور، التابعة لبلدية طهران إلى زيادة حركة المرور في طهران بنسبة 70 في المائة في الطرق السريعة والمنطقة المركزية في العاصمة الإيرانية.
ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية، أمس، عن الرئيس التنفيذي لشركة ضبط حركة المرور، إحسان مجاهد، قوله إن الزيادة تأتي نتيجة إلغاء مشروع خطة المرور، وتوجه ثلثي الموظفين إلى أماكن عملهم. ومنذ السبت الماضي، بدأت الحكومة تنفيذ خطة «التباعد الذكي»، في تراجع واضح عن قيود خطة التباعد الاجتماعي التي فرضتها لفترة أسبوعين لاحتواء وباء كورونا.
وقال نائب وزير الصحة، إيرج حريرتشي، للتلفزيون الرسمي، إن البلاد «لم تبلغ مرحلة ضبط الوباء».
قبل ذلك، قال الرئيس حسن روحاني، في 8 أبريل (نيسان) الحالي، إن بلاده أنهت الموجة الأولى من تفشي الوباء، معلناً بداية الموجة الثانية مع تنفيذ خطة التباعد الذكي التي بدأت بداية الأسبوع الماضي، وتضمنت خفضاً لقيود فرضتها لفترة أسبوعين.
وقال وزير الصحة، سعيد نمكي، لنواب البرلمان، الأسبوع الماضي: «إننا في مرحلة إدارة المرض، ويجب ألا نتوهم ونتصور أننا وصلنا لمرحلة احتواء وضبط الوباء». وحذّر من «تحمس» الناس للخروج، وطالبهم بالعمل وفق شعار «نبقى في البيت»، محذراً في الوقت ذاته من أن البلاد ستعود لذروة أخرى، في حال استمرت حركة المرور والتنقل غير الضرورية.
وفي وقت لاحق، نقلت عنه وكالة «تسنيم» عن حريرتشي قوله إن هناك احتمالاً «كبيراً جداً» لحدوث ذروة تفشٍ جديدة لفيروس كورونا مرة ثانية وثالثة، على المستوى المحلي والعالمي.
وفي شأن متصل، قال القضاء الإيراني، إنه أفرج عن 1000 معتقل أجنبي بشكل مؤقت في إيران بسبب تفشي فيروس كورونا المستجدّ.
وقال المتحدث باسم القضاء، غلام حسين إسماعيلي: «ما فعلته إيران عبر ضمان صحة السجناء ومنحهم أذون خروج هو خطوة مهمة»، مقارنة بما فعلته دول أخرى.
وعلى مدى أسابيع، واجهت إيران مطالب دولية لتوسيع لائحة المعتقلين الذين سيستفيدون من إذن خروج، لتشمل «سجناء الرأي وحاملي جنسيتين والأجانب».
ورداً على ذلك، قال إسماعيلي، في مؤتمر صحافي، إن الخبراء يجب أن يتحدثوا «عمّا فعلته الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن المساجين». وأضاف: «منحنا إذناً (بالخروج) لأكثر من 1000 أجنبي (...) بينهم رعايا لهاتين الدولتين»، من دون تحديد شروط الإفراج عنهم. ورأى أنه لا ينبغي أن تُتهم إيران بـ«سلوك تمييزي» حسب وكالة الصحافة الفرنسية. ومنذ مارس (آذار)، منحت إيران أذون خروج لـ100 ألف سجين، وقد تمّ تمديد الإفراج الموقت عنهم حتى 20 مايو (أيار). ومن بين هؤلاء موظفة الإغاثة البريطانية الإيرانية، نازنين زاغري راتكليف، التي وافق النظام القضائي الإيراني على تمدد إطلاق سراحها المؤقت من السجن لمدة شهر آخر، وفق ما نقلت وكالة «إرنا» عن محاميها.
إلى ذلك، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، إن بلاده «تعارض تسييس مكافحة الوباء»، متهماً الولايات المتحدة بـ«السعي لتسييس الوباء لأغراض سياسية وانتخابية». وعدّ موسوي قطع ميزانية منظمة الصحة العالمية في الوقت الحالي «في إطار الإرهاب العلاجي». وكان المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الأمر اتهم الولايات المتحدة بأنها وراء تفشي الفيروس، وأثار فرضية «الحرب البيولوجية».


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.


إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أن الحرب على إيران جاءت لمنعها من تنفيذ مخططها لإبادة إسرائيل، قال كبير مستشاريه السابق، مئير بن شبات، إن «استئناف القتال، أو تفجر المحادثات، أفضل من أي اتفاق».

وعمل بن شبات مستشاراً للأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، وكان يوصف بـ«رجل المهام الخاصة» عند نتنياهو، كما تولى دور مبعوثه إلى الدول العربية والغربية.

وجاءت تصريحات بن شبات، التي نقلتها صحيفة «هآرتس»، في ظل انطباع يسود لدى مراقبين بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترى أن إيران جادة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأنها تبذل ما في وسعها لكسب الوقت والتوصل إلى اتفاق سيئ، ولذا؛ فإنه «من الأفضل استئناف الحرب».

كيف سينتهي الصراع؟

وقال بن شبات، الذي ما زال يحافظ على علاقات وثيقة بنتنياهو، إنه «من الصعب تخمين كيف ستنتهي هذه المرحلة من الصراع، وقبل نهاية الهدنة. لكن ثمة احتمالات متباينة: الوصول إلى اتفاق، أو تمديد وقف النار، أو استئناف القتال».

وأشار بن شبات إلى أن «تصعيد الخطاب، وتعزيز القوات العسكرية، وحتى خطوات استخدام القوة في مضيق هرمز، لا تؤشر بالضرورة إلى الاتجاه المتوقع؛ لأن الرغبة الأساسية لدى الطرفين هي تسوية تنهي الحرب، وهذه الخطوات يمكنها أن تكون جزءاً من الضغوط للتأثير على شكل النهاية وسرديتها».

لكن بن شبات حث إسرائيل على الاستعداد لإمكانية استئناف القتال، خصوصاً بعد التصريحات الإيرانية بشأن «قدرات إطلاق الصواريخ التي تبقت لدى النظام». وأضاف أنه «إذا ما نفذ الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب تهديداته، فإن الهجوم على إيران لن يكون بهدف توسيع بنك الأهداف، بل لتغيير غاية الحرب، بالانتقال من ضرب القدرات العسكرية والأهداف السلطوية إلى ضرب قدرة أداء الدولة وظائفها».

وبهذا يشير بن شبات إلى «ضرب شبكة الكهرباء، والبنى التحتية للطاقة، والجسور المركزية ومحاور حركة السير الحرجة؛ مما سيؤدي إلى شلل إيران بوصفها منظومة دولة؛ لفترة ما على الأقل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الغضب الداخلي

وبشأن الوضع الداخلي الذي سينشأ في إيران، افترض بن شبات أنه في المدى الفوري ستؤدي مثل هذه الخطوة أيضاً إلى آثار سلبية، «مثل توجيه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. لكن في الميزان العام وفي الأيام التالية بعد ذلك ستشهد إيران تراجعاً عميقاً في الشرعية الداخلية للنظام، وتصدعات في وحدتها، ومصاعب في أدائها. كل هذا سيعطي معارضيه الضوء الأخضر للخروج إلى الشوارع».

مع ذلك، ثمة «سيناريوهات أخرى سيئة»، من بينها، وفق بن شبات، أن «تمديد وقف النار سيخدم إيران التي تدرك جيداً حساسية إدارة ترمب تجاه عامل الزمن، وترى في ذلك رافعة ضغط لتحسين الإنجازات في المفاوضات».

كما أن الوصول إلى اتفاق «يحمل في طياته أخطاراً؛ بسبب الملف النووي ونظام الصواريخ والرقابة عليهما، وأكثر من ذلك؛ تحريرَ الأموال الإيرانية التي جمدتها العقوبات».

وتكشف تقارير صحافية عن أن الولايات المتحدة عرضت في إطار المفاوضات إقامة صندوق مساعدة لإيران بمبلغ 250 مليار دولار، لكن التقدير الإسرائيلي يشير إلى أن «هذه الطريقة لن تغير طموحات النظام، بل فقط تعزز لديه فهم أنه ملزم بالحصول على سلاح نووي كي يضمن وجوده».

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

أدوار مجتبى خامنئي

يختتم بن شبات قائلاً: «من زاوية نظر إسرائيل - إذا ما سارت الأمور بهذا الاتجاه - فمن الأفضل أن ينتهي الفصل الحالي (دون اتفاق ودون حرب)». لكن المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، يرى أن «نتنياهو يتنبأ بأن المحادثات الأميركية - الإيرانية ستفشل، وأن الطرفين سيعودان إلى الحرب. وهذا ما يعدّه النتيجة المفضلة».

ولمح هرئيل إلى أن نتنياهو يستند في موقفه إلى الارتباك داخل القيادة الإيرانية، مع ظهور علامات على نزاعات متصاعدة بين مختلف المعسكرات في القيادة الإيرانية.

ويبدو أن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، ما زال يمارس بعض مهامه بعد إصابته خلال العملية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب، فيما ترجح تقارير صحافية أن علاقاته بأعضاء القيادة الآخرين ضعيفة؛ ربما بسبب اختفائه، وهذا يؤثر على عملية اتخاذ القرارات.

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد أن قيادة «الحرس الثوري» مترددة في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، «في حين يرغب السياسيون المدنيون في إيران استمرارَها؛ ولو من أجل تأجيل هجوم أميركي - إسرائيلي جديد».