(تحقيق): صراع خفي بين أميركا وإيران على «الجبهة» السورية ـ العراقية

روسيا تدخل عسكرياً إلى مسرح العمليات شرق الفرات

معبر البوكمال ـ القائم على الحدود السورية ـ العراقية الذي شجعت إيران على افتتاحه (سانا)
معبر البوكمال ـ القائم على الحدود السورية ـ العراقية الذي شجعت إيران على افتتاحه (سانا)
TT

(تحقيق): صراع خفي بين أميركا وإيران على «الجبهة» السورية ـ العراقية

معبر البوكمال ـ القائم على الحدود السورية ـ العراقية الذي شجعت إيران على افتتاحه (سانا)
معبر البوكمال ـ القائم على الحدود السورية ـ العراقية الذي شجعت إيران على افتتاحه (سانا)

لحدودِ العراقِ نكهةٌ استراتيجيةٌ خاصّة. كانت تُسمّى «الجبهة الشرقية» مع إيران. الجهة الغربية؛ أصبحت حالياً «الجبهة» مع إيران أيضاً. بإصرار غير معلن لا تعكّره سوى «غارات غامضة»، هناك صراعُ خفيّ أميركيّ - إيرانيّ للقبض على الحدود العراقية - السورية...
جديده؛ دخول روسيا على الخط والانغماس براً في المسرح المعقّد بتوسيع الوجود العسكري في «منطقة النفوذ» الأميركية والتحرش بقاعدة التنف من بوابة مخيم «الركبان» والحديث عن «انشقاق» مقاتلين سوريين موالين لواشنطن و«اعترافهم» بالتدرّب على مهاجمة حقول النفط السورية «المحمية» أميركيّاً.
قبل سقوط نظام الرئيس صدام حسين، كان الثقل على الحدود الإيرانية، خصوصاً خلال حرب الثمانينات بين بغداد وطهران. الطرف السوري منها، كان مغلقاً وممراً لـ«التآمر» بين جناحي «البعث» في بغداد ودمشق. في نهاية التسعينات؛ فُتحت ثغرة في جدار الحدود؛ مَرَدُّها الحاجة السورية إلى النفط العراقي وعائدات اقتصادية.

بعد الغزو الأميركي، بدأت رحلة التركيز على الطرف الغربي. بدايةً؛ باتت الحدود السورية بوابة لتدفق الباحثين عن مقارعة الأميركيين والراغبين في إفشال «المشروع الأميركي» في الشرق الأوسط. باتت هذه الحدود ممراً لآلاف المقاتلين من كل العالم الراغبين في قتال الأميركيين. ساهم هذا في إغراق الأميركيين و«مشروعهم». كان هذا «النجاح» المدبَّر سورياً وإيرانياً، خميرة تطورات حصلت عسكرياً في سوريا في العقد الأخير.
ومع الانسحاب الأميركي من العراق واندلاع الاحتجاجات في سوريا في 2011، وقعت هذه المناطق رويداً رويداً في حضن «داعش». أول ما فعله التنظيم، الذي أعلن جغرافيته زعيمه السابق أبو بكر البغدادي من الموصل في منتصف 2014، إلغاء هذه الحدود. أسس «ولاية الفرات» على طرفيها وجذب البيئات المحلية.
خلال الحرب على «داعش»، اسْتَعَرَ الصراع للسيطرة عليها. السباق على وراثة «داعش» كان يرسم مناطق النفوذ والتعايش على جانبي الحدود السورية - العراقية بين أميركا وإيران وضفتي نهر الفرات بين أميركا وحلفائها السوريين وروسيا وحلفائها السوريين والإيرانيين. استعر سباق وتعاون وصراع. بدايةً؛ عززت واشنطن وجودها في غرب العراق وشرق سوريا وقطعت طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت بسيطرتها على معبر التنف - الوليد. ردّت طهران بالسيطرة على جيوب غرب الفرات ومناطق في دير الزور وطريق البوكمال - القائم للوصول إلى دمشق وبيروت والبحر المتوسط بالالتفاف على الطريق التقليدية عبر التنف - الوليد.
انتقلت الحدود من نقاط بين دولتين إلى جبهة بين قوى إقليمية ودولية. على الأرض العراقية؛ هناك «الحشد الشعبي» المدعوم إيرانيّاً والجيش العراقي والقوات الكردية المدعومة غربيّاً. شرق سوريا؛ هناك «قوات سوريا الديمقراطية» التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا، وفصائل سورية في التنف. هناك أيضاً الجيش السوري بدعم إيران وروسيا. في الجو، هناك قوات التحالف غرب العراق وشرق سوريا. هناك القوات الروسية شرق سوريا عدا شرق الفرات. أيضاً، هناك الطائرات الإسرائيلية التي أغارت في العراق وسوريا وبينهما.
مع مرور الوقت؛ زاد الاهتمام الدولي والإقليمي بدينامية هذه المناطق واهتمام مراكز الأبحاث في محاولة لفهم الوقائع. في الأيام الأخيرة، صدرت دراسات مهمتان؛ إحداهما من «وقفة كارنيغي» الأميركية أجراها الباحثان خضر خضور وحارث حسن، والأخرى من «المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية» أجراها حميد رضا عزيزي.

- عقارب الساعة
جرى ترسيم الحدود بين القائم والبوكمال في عام 1920، في أعقاب وقوع صدامات بين قوات عربية وقوات بريطانية كانت تحتل المنطقة بعد انسحاب القوات التركية. ولم يخْلُ ترسيم الحدود من بعض العشوائية؛ الأمر الذي بررته لندن بأن القائم النقطة الواقعة أقصى شرق منطقة نفوذ الدليم، أكبر اتحاد قبائل في غرب العراق. وكانت تلك بداية فترة انفصل خلالها القائم عن البوكمال وجرى دمج كل منهما في الدولتين العراقية والسورية. ورغم استمرار النزاع بين العراق وسوريا حول مناطق حدودية أخرى في فترات لاحقة، فإنه لم تطرأ تغييرات كبرى على منطقة القائم - البوكمال منذ ذلك الحين. وأقرت عصبة الأمم رسمياً الحدود العراقية ـ السورية عام 1932.
تقول ورقة «كارنيغي»؛ إنه على الأرض، تبلغ المسافة بين القائم والبوكمال 7 كيلومترات (كلم). على الجانب السوري من الحدود، تشكل البوكمال أقصى شرق سوريا، وتبعد 500 كلم عن دمشق. وتشكل القائم أقصى غرب محافظة الأنبار، وتبعد 400 كلم عن بغداد، وتقع عند النقطة التي يدخل عندها نهر الفرات العراق آتياً من سوريا. وتمتد القائم لـ26 كلم على الضفاف الجنوبية للنهر. أما في سوريا، فيقسم الفرات المنطقة إلى منطقتين فرعيتين؛ يطلق على الجانب الغربي «شامية» ويقع تحت سيطرة النظام السوري، بجانب ميليشيات مدعومة من طهران. في المقابل، يحمل الجانب الشرقي اسم «الجزيرة» ويخضع لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية».
عندما نجح الغزو في إسقاط نظام صدام في عام 2003، اختفت مؤسسات الدولة العراقية والأجهزة الأمنية التابعة لها فجأة من القائم والمناطق الحدودية. ولاحظت الورقة أن الفراغ سمح بظهور «تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، الذي اشتهر باسم «القاعدة في العراق»، بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. ونجح «القاعدة في العراق»، الذي تحول في نهاية الأمر إلى تنظيم «داعش»، في التغلغل داخل النسيج الاجتماعي بالمنطقة من خلال تجنيد مقاتلين محليين واستغلال الشعور المتنامي بالسخط بين العرب السُنًّة في العراق بعد سقوط نظام صدام.
وتحولت منطقة القائم، والحدود بوجه عام، إلى معقل للمتطرفين، لسببين؛ أولهما: سمحت المنطقة الخصبة للمقاتلين بممارسة الزراعة وتحقيق اكتفاء ذاتي من الغذاء. ثانياً: كان من شأن المساحات الصحراوية الواسعة الممتدة على جميع أطراف المنطقة أن سمحت للشبكات بالتشتت والمناورة داخل مناطق غير مأهولة بالسكان، مع بقائها على مقربة من مراكز حضرية. يضاف سبب ثالث؛ هو التسهيلات التي قدمتها دمشق للمتطرفين وغضّ الطرف عن نشاطاتهم.
وخلق الانسحاب الأميركي من العراق في 2011 وبدء الانتفاضة السورية فرصاً جديدة أمام المتطرفين لإعادة نشاطهم والاندماج وصولاً إلى «داعش». كما دبّ النشاط من جديد في بعض شبكات التهريب التي كانت قائمة بفعل انسحاب قوات النظام. وقالت الورقة: «قاد واحدة من هذه الشبكات صدام الجمل في البوكمال، الذي أصبح لاحقاً أحد العناصر الرئيسيين في (داعش). بدأ الجمل نشاطاته التهريبية عبر الحدود في عام 1998 واستمر في ذلك حتى عام 2010. وبعد اشتعال الانتفاضة، حاول استغلال خبرته في تيسير حركة المتطرفين والمسلحين والأسلحة قبل أن يشكل جماعة مسلحة خاصة به في البوكمال. وفي وقت لاحق، انضم إلى (داعش) في مواجهة (جبهة النصرة)؛ جماعة منافسة كانت تسعى للسيطرة على البوكمال».
في 29 يونيو (حزيران) 2014، أعلن «داعش» بناءه خلافة مزعومة على مساحة واسعة من الأراضي شرق سوريا وغرب العراق. وقالت الورقة إن التنظيم ادّعى أنه أزال ما عدّها «حدود سايكس - بيكو بين العراق وسوريا» ؛ رغم أن ذلك الاتفاق الأنجلو – فرنسي، لم يحدد قط الحدود العراقية – السورية. الأمر المهم هنا أن «داعش» سعى لتحويل إعلانه إلى واقع من خلال تشكيل منطقة الفرات، التي تضمنت مناطق من عانة في غرب محافظة الأنبار العراقية والميادين في شرق سوريا. وأصبحت هذه المنطقة، التي تضمنت القائم والبوكمال، مركز المنطقة.

- ما بعد «داعش»
أدى طرد «داعش» من القائم عام 2017 على أيدي قوات عراقية مختلفة، إلى نشر كثير من القوات العسكرية وشبه العسكرية في منطقة القائم - البوكمال الحدودية. وارتبط كثير من الميليشيات بروابط وثيقة مع إيران و«الحرس الثوري» الإيراني. وساعدت هذه الروابط في إحداث تحول على مستوى المنطقة الحدودية لتصبح ممراً لإيران يمكنها من خلاله بسط نفوذها الإقليمي، خصوصاً بعد إغلاق معبر التنف - الوليد.
وفي مارس (آذار) 2019، أعلنت واشنطن القضاء الكامل على «داعش» جغرافياً بتحرير الباغوز بالتعاون مع حلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية». عزز هذا نظرة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى المنطقة الحدودية بوصفها جبهة محورية في الجهود الرامية لاحتواء النفوذ الإيراني. وكتب خضور وحسن: «نتيجة وجود نظام أمني مختلط بالمنطقة الحدودية، مع انتشار قوات أمنية رسمية بالقرب من ميليشيات، ظهر وضع عام غير مستقر في جوهره. وتترك المشاحنات الجيوسياسية الإقليمية الكبيرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة أخرى، تأثيراً كبيراً على ديناميكيات الأوضاع بالمنطقة الحدودية. وعليه، تحولت منطقة القائم - البوكمال الحدودية إلى مسرح لجهود إعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي مع مساعي إيران الحثيثة للفوز بنفوذ أكبر».
ولوحظ أن الدعم الإيراني في السنوات الأخيرة للحكومتين السورية والعراقية في قتالهما ضد خصومهما المسلحين، عزز روابط طهران بالبلدين. ومع ذلك، أسس «الحرس الثوري» شبكة ممتدة من الجماعات شبه العسكرية عابرة للحدود تقيّد حرية الحكومتين في العمل على نحو مستقل عن المصالح الإيرانية. وتتضمن شبكة الجماعات التي يقودها «الحرس» مقاتلين من أفغانستان والعراق ولبنان وسوريا قاتلوا إلى جانب القوات الحكومية العراقية والسورية في مواجهة «داعش» أو المعارضين السوريين، مما جعل الحكومتين معتمدتين على نحو متزايد على مثل هذا الدعم وإن كانت الصورة أكثر تعقيداً في سوريا جرّاء وجود روسيا ودخول تركيا على الخط.
علاوة على ذلك؛ اكتسبت هذه الجماعات نفوذاً بسيطرتها على مساحات من الأراضي وتأمينها موارد وحصولها على شرعية وحصانة من خلال دمجها لعناصرها في الدولة، مثلما حدث مع قوات «الحشد الشعبي» العراقية. ورغم أن هذه القوات على أرض الواقع أبقت على درجة واسعة من الاستقلال الذاتي الإداري والعملي عن سلسلة القيادة الرسمية، فإنها استغلت مظلة قوات «الحشد الشعبي» غطاءً شرعياً لنشر القوات؛ حسب الورقة.

- غايات إيران
تقدم الدراسات تقييماً متكاملاً للأسباب التي دفعت بإيران إلى تعزيز وجودها في القائم – البوكمال؛ إذ ذكرت ورقة «كارنيغي» أربعة أسباب؛ هي: أولاً: سعيها لحرمان «داعش» من فرصة إعادة بناء قواته داخل المناطق الواقعة على أطراف العراق وسوريا. ثانياً: تأمين ممر بري لربط المناطق الخاضعة للنفوذ الإيراني في العراق ولبنان سوريا، في مهمة تتطلب السيطرة على حركة الأشخاص والأسلحة والسلع عبر الحدود؛ أو المراقبة الوثيقة لها. ثالثاً: تودّ طهران إعاقة محاولات واشنطن وحلفائها لاستغلال المنطقة الحدودية قاعدةً للتصدي للنفوذ الإيراني. رابعاً: تحتاج إيران إلى الاحتفاظ بقدرتها على تعزيز «حزب الله» عسكرياً في لبنان ونشر ميليشيات أخرى مدعومة من «الحرس» الإيراني بمنطقة الهلال الخصيب حال اشتعال صراع مع إسرائيل عبر لبنان أو سوريا.
من جهته؛ يقول «المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية» إن إقامة إيران ممراً برياً للربط بينها وبين لبنان عبر العراق وسوريا سيمكّنها من دعم الجماعات التابعة لها في الدول الثلاث بشكل أفضل، إلى جانب نقل السلاح والمعدات بسلاسة وسهولة إلى تنظيم «حزب الله» في لبنان؛ «لكن، هناك مبالغة فيما يتعلق بأولوية ذلك الممر في الاستراتيجية الإيرانية تجاه سوريا، فمنذ المراحل الأولى من الأزمة السورية وحتى نهاية عام 2017 استمرت إيران في دعم (حزب الله) بعدة طرق مختلفة، بينها استخدام ممر جوي، رغم عدم تمكُّنها من استخدام المعابر الواقعة على الحدود العراقية - السورية».
وبالنظر إلى الوجود العسكري الأميركي في أجزاء عدة من العراق وسوريا من جانب؛ والتفوق الاستخباراتي الإسرائيلي على الدولتين من جانب آخر، سيتضمن نقل الأسلحة والمعدات بشكل مباشر عبر ما يُسمى «الممر البري» مخاطر كبيرة، فقد قصفت إسرائيل أهدافاً إيرانية في سوريا أكثر من 200 مرة خلال الفترة ما بين 2016 و2018.
عليه، يرى المركز أن أهمية معبر البوكمال - القائم بالنسبة إلى إيران من منظور عسكري تكمن بدرجة أكبر في تيسير انتقال القوات العسكرية وشبه العسكرية عبر الحدود، لذا تجعل سيطرة إيران على مناطق واقعة على جانبي الحدود من السهل بالنسبة للقوات الإيرانية؛ الانتقال جيئة وذهاباً، وإعادة الانتشار والتموضع في مناطق أخرى. على سبيل المثال، جرى إرسال نحو 400 عنصر من «الحشد الشعبي» العراقية إلى إدلب من خلال هذا المعبر خلال شهري فبراير (شباط) ومارس 2020. ويمكن لازدياد حركة القوات المدعومة من إيران جعلها محصنة جزئياً من الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي تحدث بين الحين والآخر.

- أهداف أميركا
أعلن مسؤولون أميركيون أكثر من مرة أن أحد أهدافهم الرئيسية في سوريا، هو «تحديد» أو «إنهاء» نفوذ إيران. وتدعم واشنطن عبر التحالف الدولي «قوات سوريا الديمقراطية» في سيطرتها على مناطق شرق الفرات بوجود قوات وقواعد برية وغطاء جوي ومعدات لحماية النفط، ولديها قاعدتان في العراق وسوريا. إحداهما في التنف، قرب معبر التنف - الوليد الحدودي المغلق حالياً بين سوريا والعراق، الأمر الذي أدى عملياً إلى إغلاق الطريق التقليدية بين بغداد ودمشق، حيث ينتشر في القاعدة مائة عنصر وراجمات صواريخ لحماية دائرة بقطر 55 كلم.
أما القاعدة الأخرى؛ وهي «عين الأسد»، فتقع داخل محافظة الأنبار قرب ضاحية البغدادي. وزار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاعدة في ديسمبر (كانون الأول) 2018 وأعلن أنه سيجري استخدامها في إبقاء عين واشنطن على النشاطات الإيرانية بالمنطقة.
بجانب ذلك، جرى نشر قوات أميركية في وقت سابق قرب محطة القطارات القديمة في القائم أثناء الحملة التي جرى شنها ضد «داعش». وتقول ورقة «كارنيغي» إن ميليشيات مدعومة من «الحرس» استغلت نشر قوات أميركية في غرب العراق لتبرير وجودها قرب الحدود. وقال مسؤولون عراقيون من الأنبار إن الولايات المتحدة تحاول بناء قواعد جديدة في مدينة الرمانة، شمال القائم.
وفي أغسطس (آب) 2019، قتلت هجمات بطائرات «درون» وأصابت العديد من أعضاء جماعة «كتائب حزب الله» قرب الحدود. واتهمت قوات «الحشد الشعبي» إسرائيل بالوقوف وراء الهجوم. وفي بيانات أخرى، اتهمت قوات «الحشد» الولايات المتحدة بتيسير الهجمات الإسرائيلية، مما دفع بجماعتين سياسيتين مواليتين لـ«الحشد» بتكثيف المطالب برحيل القوات الأميركية.
في 29 ديسمبر 2019، شنت القوات الأميركية هجمات جوية ضد مواقع فصائل مدعومة من «الحرس» قرب الحدود؛ ثلاثاً منها بالعراق واثنتان في سوريا، مما أثار تنديدات قوية من الحكومة العراقية و«الحشد». وأعلنت واشنطن أن الضربات الجوية جاءت رداً على هجمات شنتها «كتائب حزب الله» ضد قاعدة عسكرية شمال العراق تنتشر بها قوات أميركية، ما أسفر عن مقتل مقاول عسكري أميركي.
وتسبب الهجوم في تفاقم التوتر بين الولايات المتحدة وجماعات مدعومة من إيران والحكومة العراقية، حيث أمرت إدارة ترمب باغتيال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «الحرس»، وأبو مهدي المهندس، نائب قائد «الحشد». وثأرت إيران من هذا الهجوم بإطلاقها صواريخ ضد قاعدتين عسكريتين في العراق بهما قوات أميركية.
وفي 16 مارس 2020، أعلنت القوات الأميركية إعادة نشر هذه القوات إلى قاعدة مختلفة في كركوك بشمال العراق. وقام الجيش الأميركي بإخلاء مواقعه في قاعدة القيارة الجوية جنوب الموصل، والقصر الرئاسي السابق شمال الموصل، وقاعدتي «كيه1» قرب كركوك والقائم على الحدود مع سوريا، وسلمت قاعدة «الحبانية»، إلى الغرب من بغداد، للقوات العراقية، حيث جرى سحب القوات من المراكز الصغيرة وتجميعها في مجمعات أكبر لتوفير فرص أكبر لحمايتها من هجمات صاروخية ممكنة، عبر منظومات «باتريوت»، التي وصلت، بالفعل، إلى «عين الأسد» في محافظة الأنبار غرب العراق مع توقع شحن منظومتين من الكويت في الأيام المقبلة تخطط القوات الأميركية لنشرهما في قاعدة «حرير» قرب أربيل، عاصمة إقليم كردستان.

- جانب اقتصادي
هناك بُعد آخر للتنافس بين الولايات المتحدة وإيران بإعادة البناء والتشييد بمنطقة الحدود والطرق المؤدية للمنطقة. يذكر المركز الألماني سبباً اقتصادياً؛ إذ إنه من المعروف منذ عام 2013، لمبادرة «الحزام والطريق» الأولوية في السياسة الخارجية الصينية لتيسير التبادل التجاري بين الشرق والغرب. وجعلت في الخطط الأولية لربط الصين بأوروبا الأولوية لإقامة الطرق البرية الشمالية عبر روسيا ووسط آسيا، إلى جانب طريق بحرية عبر الخليج العربي. مع ذلك تحاول طهران جذب اهتمام بكين إلى طريق برية جنوبية تربط إيران والعراق وسوريا بالبحر المتوسط ثم بأوروبا.
وكشفت إيران في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 خطة لإنشاء خط سكة حديد يربط معبر الشلامجة الحدودي الواقع على الحدود الإيرانية - العراقية بميناء البصرة في جنوب شرقي العراق. ومن المفترض أن يمتد الخط بعد ذلك باتجاه الساحل السوري. جرى الإعلان في ربيع 2019 عن اعتزام إيران استئجار محطة الحاويات في ميناء اللاذقية. ومن المؤكد أن هناك مكوناً وعنصراً اقتصادياً للتدخل الإيراني في سوريا.
وبين الأمثلة على ذلك ما ذكرته مصادر لباحثي ورقة «كارنيغي» حول مشروع يتضمن بناء شبكة من الطرق السريعة بين بغداد والمعبرين الحدوديين طريبيل على الحدود الأردنية والتنف على الحدود السورية. أيضاً؛ ترتبط شبكة الطرق السريعة عبر طريق ثانوية آتية من الرطبة بمعبر القائم - البوكمال الحدودي، ثم بامتداد داخل سوريا من طريق القائم ـ البوكمال.
يذكر أن طريق بغداد - طريبيل السريعة الممتدة لـ570 كلم جرى إنشاؤها أواخر الثمانينات وأصبحت قناة الاتصال الرئيسية بين العراق والعالم الخارجي عندما خضعت البلاد لعقوبات في التسعينات. وتبعاً لبعض التقديرات، فإن نحو 40 في المائة من التجارة البرية في العراق مرت على هذا الطريق خلال تلك الفترة. وبعد 2003، أصبحت الطريق خطيرة بسبب هجمات جماعات مسلحة، خصوصاً «القاعدة»، التي اعتدت على المسافرين بالسرقة أو استولت على بضاعتهم أو سياراتهم لإعادة بيعها لهم.
في مارس 2017، وافقت حكومة حيدر البغدادي على مقترح من محافظة الأنبار لمنح الشركة الأميركية «أوليف غروب»، عقداً للاستثمار في إصلاح الطريق السريعة وحماية عمال البناء والمسافرين. وتضمن العقد، أيضاً، خطةً لتطوير طريق سريعة دولية تربط بغداد وعرعر على الحدود السعودية، بجانب بناء طريق سريعة جديدة تربط الأنبار مباشرة بالحدود.
لكن المشروع واجه معارضة من جانب كثير من أعضاء البرلمان العراقي، بمن فيهم جماعات متحالفة مع إيران. وأدت موجة الجدل إلى التخلي عن العقد وتكليف قوات الأمن العراقية بمهمة حماية الطريق السريعة.
ومع هذا، وتبعاً لما أفاد به مسؤول سابق من الأنبار كان مشاركاً على نحو مباشر في صياغة المشروع، لمعدّي البحث، فإن جماعات موالية لإيران حشدت ضد المشروع لأنها رأت فيه محاولة من جانب الولايات المتحدة لتوسيع نطاق نفوذها داخل الأنبار وغرب العراق. وبجانب حقيقة أن القوات الأميركية تسيطر على الفضاء الجوي بالمنطقة وتطلق مناطيد استطلاع من قاعدتها الجوية في الأنبار، رأت بعض الفصائل الموالية لإيران المشروع جزءاً من خطة طويلة الأجل لترسيخ الوجود الأميركي في المحافظة وتحويلها إلى قاعدة للنشاطات المناهضة لإيران.
وقد عبّر مسؤول من «كتائب حزب الله» عن هذه الأفكار عندما ندد بـ«محاولة قوات أميركية ضمان السيطرة الكاملة على الحدود العراقية ـ السورية، بذريعة الحيلولة دون استغلال إيران للحدود لدعم سوريا و(حزب الله)».
أيضاً، سعت جماعات موالية لإيران إلى تطوير خطط بديلة لاستغلال منظومة الطرق السريعة في العراق لتوسيع نطاق نفوذها وترسيخه على امتداد الحدود، وهناك محاولات لبناء طريق من كربلاء إلى منطقة القائم - البوكمال لتيسير حركة الجماعات المرتبطة بقوات «الحشد»، والأشخاص العاديين الذين يتوجهون إلى مزارات في سوريا.
وتتجلى أهمية معبر القائم ـ البوكمال لدى إيران عندما يدرك المرء أن مصالحها كانت العامل الأبرز وراء إعادة فتح المعبر في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وتبعاً لما ذكره عضو في البرلمان من القائم، فإن الحدود أعيد فتحها بصورة أساسية لمعاونة الاقتصاد السوري وتخفيف حدة أزمة نقص النفط والوقود وتوفير فرصة للحكومة السورية لإحياء الإنتاج الصناعي داخل حلب.
واكتسب المعبر أهمية إضافية بالنظر إلى أن المعبرين الحدوديين الآخرين؛ أي التنف - الوليد، وربيعة - اليعربية، لا يزالان مغلقين. وتعوق قوات أميركية و«قوات سوريا الديمقراطية» قدرة دمشق على الوصول لهذين المعبرين.
ويعتقد بعض المسؤولين المحليين في القائم أن إعادة فتح المعبر ستخدم بصورة أساسية إيران وحلفائها. ويقولون إنه سيسمح فقط للشركات المرتبطة بإيران أو الجماعات المتحالفة معها بالمشاركة في نشاطات عبر الحدود، وهي في الجزء الأكبر منها شركات لبنانية وعراقية وسورية. وكانت الحكومة اللبنانية و«حزب الله» اللبناني قد أبديا اهتماماً كبيراً بتطورات المعبر، مشيرين إلى أنه سيسهم في جعل السوق العراقية الكبيرة متاحة بدرجة أكبر أمام السلع اللبنانية وسيساعد الاقتصاد اللبناني المتداعي.
وتسعى طهران وحلفاؤها إلى ربط منطقة القائم ـ البوكمال بشبكة أوسع من الجماعات الموالية لإيران لتوحيدها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وكان «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أكد «مواصلة القوات الإيرانية و(حزب الله) اللبناني عمليات التجنيد لصالحها بشكل سري وعلني في الضفاف الغربية لنهر الفرات». وقال إن العدد «ارتفع إلى نحو 3600 من الشبان والرجال السوريين من أعمار مختلفة، ممن جرى تجنيدهم في صفوف القوات الإيرانية والميليشيات التابعة، في خضمّ الصراع الأميركي - الإيراني ودخول روسيا على الخط بتوسيع انتشارها شرق الفرات وإقامة قاعدة عسكرية في القامشلي ونشر منظومة صواريخ تحت المظلة الأميركية، إضافة إلى قاعدتي طرطوس واللاذقية وشن حملة على «معاناة» المدنيين في مخيم «الركبان» قرب قاعدة التنف، واستمرار الغارات الإسرائيلية على «مواقع عسكرية إيرانية» في البوكمال ونشر تركيا لقواتها وحلفائها شمال شرقي سوريا، تحولت الحدود السورية - العراقية إلى جبهة معقّدة لصراع إقليمي – دولي؛ إذ ترتبط استراتيجيات هذه الدول بخطوط تماس ونقاط صغيرة على الأرض وقدرة كل طرف على التغلغل في البيئة المحلية التي نقلت ولاءاتها عبر العقود والسنوات من طرف إلى طرف. بين التطورات التي ستترك آثارها المستقبلية، مستقبل الوجود العسكري الأميركي شرق الفرات مع أن واشنطن أعلنت أكثر من مرة أنها باقية في التنف «حيث تتحقق أهداف استراتيجية كبرى باستثمار عسكري صغير»، إضافة إلى مدى جرأة التوسع الروسي والتوغل التركي في شرق الفرات، ومستقبل الأكراد في العراق وسوريا... والعلاقة مع المركز في دمشق وبغداد وما يجري في هاتين العاصمتين.



إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.


مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.