غادر الرئيس أوباما العاصمة واشنطن قبل أسبوع، وسط تراجع شعبيته داخليا حيال سياساته الخارجية، والتي تأثرت كثيرا بعام كامل من الأزمات التي تنتقل من المتشددين الإرهابيين وصولا إلى وباء الإيبولا ثم الانفصاليين في أوكرانيا.
وسوف يحمله شعور بالشباب المتجدد إلى الوطن يوم الأحد عقب تعريجة اتخذها نحو القارة الآسيوية على مشارف المحيط الهادي، تستشرف صفقة كبيرة محتملة مع الصين حول قضية التغيرات المناخية، مع إحساس متجدد بأن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بزمام الأمور وتسيطر على قضايا العالم الرئيسية.
وليس من المتوقع لرحلة أوباما، التي استغرقت في مجملها ثمانية أيام، أن تغير من تلقاء نفسها من تصور الجمهور الأميركي لقيادة الرجل العالمية، خصوصا في ظل حالة الشك اللازمة لنتائج الأزمات التي أرهقت إدارته خلال العام الفائت. لكن، ألهمته رحلته الموجزة عبر حافة المحيط الهادي بإعادة استكشاف نبرته الصوتية والتلويح بقضيته القوية حيال رؤيته للعالم. في حين وفرت له إنجازاته الملموسة إبان رحلته، بصرف النظر عن تواضعها، فرصة نادرة للمباهاة.
فبالإضافة إلى الحصول على موافقة الصين على تخفيض انبعاثات الكربون لديها من خلال اتفاقية هي الأولى من نوعها بين البلدين، فسوف يعود أوباما إلى عاصمته بخطة جديدة للغاية مع بكين والتي يمكن أن تؤدي إلى أول تخفيض دولي وكبير في التعريفات الجمركية منذ 17 عاما. كما أعلن الرئيس عن التزامات جديدة للولايات المتحدة - ومن بينها ثلاثة مليارات دولار ممنوحة إلى منظمة الأمم المتحدة للمساعدة البلدان النامية على التعامل مع الآثار المترتبة على ظاهرة الاحتباس الحراري، وتشكيل مكتب جديد لفيلق السلام في دولة بورما.
يأمل أوباما ومساعدوه في أن تمهد تلك الرحلة الطريق للعامين الباقيين من فترة ولايته الثانية، وهو الوقت الذي أولى فيه رئيسان لولايتين متتاليتين جل الاهتمام للسياسة الخارجية. وألقى الرئيس خطابا من 5400 كلمة أمام جامعة كوينزلاند - يوم السبت - وهو خطاب وصف بأنه يدور حول زعامة الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
وقال أوباما «يصغر بنا العالم في كل يوم»، مؤكدا على عزم الولايات المتحدة تشكيل الأحداث في كل أنحاء العالم. ثم نقل أوباما، وهو يقف أمام الأعلام الأميركية والأسترالية، مقولة الكاتب المحلي ديفيد معلوف «إن تقلص المساحات ما بين الدول هو إحدى خصوصيات عالمنا المعاصر، حتى المحيط الهادي، أكبر المحيطات قاطبة، صار أقرب ما يكون إلى البحيرة».
وقال مسؤول كبير بالإدارة الأميركية ردا على سؤال حول الطبيعة المتوسعة لخطاب الرئيس أوباما إن الهدف من وراء ذلك كان «تأكيد وإلقاء الضوء على جدول أعمال الرئيس خلال العامين المقبلين. وقد تعامل جانب كبير من الخطاب مع المجالات التي سوف نواصل الاهتمام بها والاستثمار فيها».
وقال نقاد الرئيس أوباما إنه وعلى الرغم من خطابه فقد غض طرفه عن السياسة الخارجية التي قوضت من الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في الشؤون العالمية، وبالتالي ترك فراغا كبيرا يحتله فلاديمير بوتين رئيس روسيا، وتشي جين بينغ رئيس الصين، وتنظيم داعش، ويمكنهم من خلاله العمل على توسيع نفوذهم وقوتهم.
غير أن الرئيس انتقل مباشرة إلى مقابلته مع تشي أثناء رحلته التي استغرقت ثلاثة أيام في بكين. وبالإضافة إلى اتفاقية التغيرات المناخية والتعريفة، توصلت الولايات المتحدة مع الصين إلى اتفاق من شأنه تخفيف القيود المفروضة على التأشيرات الدراسية قصيرة الأمد، والتأشيرات السياحية وتأشيرات الأعمال كذلك من أجل تشجيع السياحة. وجاء أول اجتماع ثنائي يعقده الرئيس أوباما في بكين في صورة توبيخ رمزي موجه إلى الصين – حيث التقى مع الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، والذي تم انتخابه هذا الصيف على أرضية مكافحة الفساد في الدولة التي تشهد تحولا نحو الديمقراطية.
انتهز الرئيس أوباما الفرصة خلال الدورة الـ21 لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (APEC) المنعقد في بكين لمواجهة الرئيس الروسي بوتين، حيث تحدثا ثلاث مرات بشكل غير رسمي على هامش اجتماعات المنتدى المذكور، وشمل حديثهم وباء الإيبولا، وتنظيم داعش، والقتال الدائر شرق أوكرانيا، لمدة تصل في مجموعها إلى 15 أو 20 دقيقة، على حد وصف البيت الأبيض. ولم تُذكر أي تفاصيل بخصوص المحادثات الهامشية، غير أنها شهدت أول لقاء وجها لوجه بين أوباما وبوتين خلال خمسة شهور.
أقر الرئيس أوباما، في خطابه أمام جامعة كوينزلاند، بأن نقاده ساورتهم الشكوك حيال ما أعلنته إدارته على نحو خاص بما يسمى «محور آسيا»، وهو تحول استراتيجي في الموارد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. وقال أوباما «يتساءل الناس ما إذا كانت الولايات المتحدة تتمتع بالقوة الكافية للحفاظ على ذلك. ومن الصحيح خلال الأعوام الأخيرة أن تستحوذ الأحداث العالمية المؤثرة على اهتمامنا. وبكون الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، فإنها كذلك تضطلع بمسؤوليات متميزة نلتزم بها ونعول عليها بمنتهى السرور».
ولقد أشار في رسالة موجزة إلى الأزمات الدولية خلال العام الماضي قائلا «لذا، أجل، لدينا مجموعة من المسؤوليات. إنها حمل ثقيل نحمله بكل سرور».
وفي ثاني محطة له توقف في بورما، حيث أكد أوباما على القيم الأميركية مثل حرية التعبير، والانتخابات الديمقراطية، والتسامح حيال التنوع الديني والعرقي - وهي التيمة التي يقول المدافعون عن حقوق الإنسان إنها لم يكن لها كبير الاهتمام على جدول الأعمال الدولي للرئيس أوباما - تلقى الرئيس تحية حارة من قبل السيدة أونغ سان سوو تشي، المواطنة البورمية الحائزة لجائزة نوبل للسلام، والتي عانقته بسعادة بينما كان يقف بجوارها في شرفة منزلها مخاطبا وسائل الإعلام. ثم تقابل الرئيس أوباما مع نغوين تان دونغ، رئيس الوزراء الفيتنامي، أملا في تعميق العلاقات مع دولة سريعة النمو اقتصاديا والتي، مثل بورما وغيرها من دول جنوب شرقي آسيا، شعرت بحالة من التهديد المستمر من قبل الصين الصاعدة.
وقال مساعدو الرئيس أوباما إن الهدف الأوسع من ذلك الأسبوع كان الإشارة إلى أن محور آسيا من زاوية الولايات المتحدة لا يهدف ببساطة إلى بسط النفوذ الأميركي في آسيا، ولكن يهدف أيضا إلى كسب حلفاء جدد للولايات المتحدة - ومن بينهم بعض الخصوم التقليديين - من أجل زيادة الدور الذي تلعبه آسيا على المسرح العالمي وفي حل المشكلات الدولية. وقد وجه أوباما المديح إلى الصين، على سبيل المثال، لمساهمتها بمبلغ 130 مليون دولار للمساعدة في مكافحة وباء الإيبولا.
وزع مساعدو البيت الأبيض، من واقع إحساسهم الجيد حول الرحلة، رسائل البريد الإلكتروني المفعمة بالأخبار الإيجابية، وقد بدا الرئيس نفسه نشيطا للغاية حينما اعتلى المنصة في جامعة كوينزلاند، وكانت الموسيقى التصويرية تعزف مقطوعة من حملته الانتخابية في عام 2008، بما في ذلك أغنية «فقط في أميركا».
وفي محاولة لجذب الجمهور، أشار أوباما إلى أنه قد غرد حول دراسة عن التغيرات المناخية أعدتها جامعة كوينزلاند العام الماضي، إلى 31 مليون متابع لحسابه على موقع «تويتر» (يبلغ عدد متابعي موقع الرئيس أوباما حاليا 50 مليون متابع).
* خدمة «نيويورك تايمز»
