يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين

(«الشرق الأوسط») ترصد تحركات معبر السلوم مع مصر والداخل الليبي المضطرب

جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)
جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين

جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)
جنود على الحدود المصرية ــ الليبية يقفون خلف متاريس وبجوار دبابة، ويفحصون أوراق إحدى سيارات نقل البضائع قبل السماح لها بالدخول («الشرق الأوسط»)

«لكي تعبر كل هذه النقاط الأمنية، لا بد أن تكون من مواليد محافظة مطروح، أو متزوجا ليبية، أو لديك ما يثبت أن لك أقارب في ليبيا». هكذا قال الضابط المصري على جانب الحدود، بينما كانت نحو 50 شاحنة، ونحو 70 مصريا وليبيا، ينتظرون إنهاء الإجراءات في منفذ السلوم البري لدخول ليبيا.
في السابق كانت كل هذه الساحات الخالية والممرات الشاغرة، تزدحم بألوف المغادرين والقادمين بين جانبي الحدود. كل هذا انتهى، وأصبح عدد عناصر قوات الأمن أكبر من عدد المسافرين، وأصبحت آليات حراسة الحدود أكثر من شاحنات نقل البضائع. أما بعد أن تعبر الحدود فلن تستمع في مسجل السيارة لأصوات الشعراء وهم يتغنون على وقع الموسيقى، كما كان الحال في الماضي، ولكن ستبحث عن أخبار القتلى والمهجرين وتطورات الحرب ضد المتطرفين في المدن التي تقصدها الآن.
حتى هنا في منفذ السلوم، حيث تنتظر مع 5 أو 6 من المصريين والليبيين الذين يعدون أنفسهم لاجتياز آخر حاجز أمني في اتجاه ليبيا، يمكن أن تستمع لأخبار من تعرضوا للذبح على أيدي مقاتلي داعش في مدينة درنة التي تبعد عن حدود مصر نحو 300 كيلومتر. وتتلفت حولك في المنفذ فترى نظرات الترقب في أعين الضباط والجنود والموظفين، وتكاد تشم رائحة الاقتتال والتربص على الجانب الآخر من الحدود، على مرمى البصر. ومن بين المنتظرين هنا، يقول رحومة سعيد، وهو تاجر مصري يستغل أوراق زواجه من امرأة ليبية في التنقل بين جانبي الحدود، إن مظاهر النشاط الدائب، في هذا المنفذ البري الرسمي الوحيد بين البلدين، كانت في الماضي «مظاهر تملأ العين من شدة الازدحام والرواج الاقتصادي»، أي قبل أن تندلع الاشتباكات في طول ليبيا وعرضها، وتغلق مصر حدودها مع هذا البلد النفطي شاسع المساحة.
ويتدخل أحد زملاء الطريق المتأهبين لدخول ليبيا، وهو طالب من مدينة بنغازي، وكان يدرس في جامعة الأزهر بالقاهرة، ويدعى احسونة، ويقول في أسى إن رفاق الأمس، في إشارة إلى من قاموا بالثورة ضد العقيد معمر القذافي، يبدو أنهم كانوا يحشدون إمكاناتهم في مواجهة كل منهم للآخر، منذ وقت طويل، من أجل خوض هذه الحرب المستعرة منذ أشهر.
يصمت احسونة وينظر إلى سيارات الإسعاف الجديدة المحملة بالجرحى والقادمة حالا من الجانب الليبي من الحدود، ثم يقول: «كل يوم يسقط ضحايا.. وكل يوم تهدم المباني»، لافتا إلى أن أخبار أسرته انقطعت عنه منذ بدأ الجيش الليبي في دخول بنغازي لتحريرها من جماعات المتطرفين أواخر الشهر الماضي، ويخشى أن تكون أسرته التي تتبع المنهج السلفي قد تعرضت للانتقام من جماعة «أنصار الشريعة» الدموية.
وبينما يتدخل أحد رفاق السفر لمواساته وتطمينه على أن أسرته «بالتأكيد بين يدي الله»، وأنه «ربما لم يصبها ضرر»، تأتي من الجانب الآخر، من فوق خط الحدود، حيث يمكن أن ترى ذلك بعينيك رغم بُعد المسافة، مجموعة من العجائز الليبيات وهن يجتزن معبر إمساعد الليبي، وقد وصلن توا، وبدأن في المشي على أقدامهن ناحية منفذ السلوم، وعلى ملابسهن آثار الغبار. وولجت إحداهن وهي تحمل أوراق صاحباتها، إلى صالة الوصول المصرية الخاوية، في انتظار الضابط المسؤول لكي تأخذ إذن الدخول.
أما باقي العجائز المتعبات فجلسن يترقبنها بجوار عدة سيارات إسعاف ليبية محملة بالجرحى والمرضى كانت هي الأخرى في انتظار إنهاء إجراءات الدخول للأراضي المصرية وهي إجراءات أصبحت شديدة التعقيد. وفي الخلفية من كل هذا، أي على طول السلك المصري الشائك الممتد على الجانبين، كانت هناك عدة آليات مصفحة وجنود يرتدون الخوذات ويقفون خلف مواسير المدافع الموجهة إلى الناحية الأخرى.
ويقول عبد الله، وهو سائق سيارة إسعاف ليبية تنتظر دورها لاجتياز معبر السلوم: «المصريون أغلقوا الحدود، ويؤخرون دخول الجرحى وكبار السن، لكن هذا حقهم، فهم يخشون تسلل عناصر من داعش أو من الإخوان لتنفيذ عمليات تخريبية في مصر.. على كل حال نقل الجرحى لمصر أفضل من نقلهم إلى تونس، فبالإضافة إلى بُعد المسافة من بنغازي لتونس، تتقاضى السلطات التونسية على الحدود مبالغ كبيرة تصل لنحو 50 دينارا (نحو 30 دولارا) عن كل فرد بينما المصريون لا يتقاضون أكثر من 10 جنيهات (أقل من دولار ونصف دولار».
وعلى نافذة الجوازات بدأت الحركة تدب.. فقد انتهى الضابط المصري من وقت استراحته، واستأنف عمله الذي لا يزيد عن فحص وختم بضع عشرات من جوازات السفر في اليوم. والآن أخذ يدقق في أوراق رجل ليبي وزوجته المصرية وأطفاله الـ3. ويسأل عن سبب قدومه، ويفحص على جهاز الكومبيوتر عما إذا كان اسمه من بين الأسماء المطلوبة أو الممنوعة من دخول البلاد. وأخيرا يختم جوازاتهم، ويقول وهو يتنفس الصعداء: «تفضلوا».
ويقول هذا الضابط، ويدعى أحمد، إن منفذ السلوم مغلق بشكل رسمي، وإن المنفذ يستقبل فقط المصريين العائدين من ليبيا، أما بالنسبة للأشخاص الليبيين الذين تستثنيهم السلطات المصرية ويحق لهم دخول البلاد، من المنفذ نفسه، فلا بد أن تتوافر فيهم شروط محددة وهي أن يكون من الجرحى أو المرضى الموصى بعلاجهم في مصر، لكن بعد أن تقوم السلطات الليبية بإبلاغ الجانب المصري من الحدود بأسماء هؤلاء، اسما اسما.
ومن بين الشروط أيضا أن يكون الليبي الذي يرغب في دخول مصر متزوجا من مصرية أو أنه ابن لأم مصرية. ليس هذا فقط، بل لا بد أن تكون زوجته أو والدته بصحبته، وهناك استثناءات أخرى تتعلق بكبار السن مثل العجائز اللائي ينتظرن دورهن في دخول مصر وهن يحملن صُررا من ملابسهن وما تبقى لهن من متاع الدنيا.
وبدأت تشيع فوق هضبة السلوم مقولة يرددها المسافرون لليبيا على أسماع بعضهم البعض، وهي أن الداخل إلى هناك مفقود والخارج منها مولود، بسبب ما يأتي من أخبار عن الميليشيات التي تخوض حرب حياة أو موت مع الجيش الوطني، وقيامها بالانتقام من كل من يقع بين أيديها من مؤيدي الجيش، وذلك بقتله ونحره بلا رحمة.
وعلى كل حال لم يكن من السهل اجتياز الهضبة المصرية للوصول للأراضي الليبية إلا بشق الأنفس واجتياز إجراءات متشابكة عبر عدة نقاط يتمركز فيها رجال أمن مصريون يعيدون عليك مرة وراء مرة تحذيرات بالأخطار الكامنة هناك.. «حتى لو كان من حقك أن تسافر كصحافي أو كمواطن لديه أقارب في ليبيا، فعليك أن تعلم أنك، بوصفك مصريا، ربما لن تعود إلا جثة.. وربما جثة مقطوعة الرأس.. وفي هذه الحالة لن نستطيع أن نقدم لك إلا خدمة وحيدة، وهي تسلّم جثمانك من الجانب الآخر من الحدود لتوصيله لذويك بمصر».
ويصيح أحد موظفي الجوازات متعجبا: «يا إلهي.. كيف يمكن أن تواصل السفر إلى هناك، وأنت تستمع إلى هذه الوصايا والتوقعات التي لا يحمد عقباها».
الكل يعلم أن ليبيا يتقاتل فيها من كانوا يعرفون، حتى أشهر مضت، باسم «ثوار فبراير»، أي أولئك الذين قادوا الليبيين للانتفاضة المسلحة على حكم العقيد القذافي، بمساعدة ضربات طيران حلف الناتو، في عام 2011. الكل يعلم ذلك، لكن المشكلة في التفاصيل.
الطريق من إمساعد، وهي أول مدينة ليبية بعد الحدود المصرية، إلى الداخل الليبي، غير مأمونة «لا أحد يضمن عدم وجود متطرفين أو قطاع طرق، أو مسلحين متشددين يكرهون مصر والمصريين. هؤلاء لا يتفاوضون. بل يقتلونك على الفور، وفي أفضل الأحوال، يختطفونك لكي يتفاوضوا على مبلغ مالي كبير مقابل إطلاق سراحك، وفي نهاية المطاف يمكن أن يقتلوك أيضا بعد أن يحصلوا على الفدية». هكذا يخبرك موظف في الأمن المصري بالسلوم، يدعى شريف، وهو يرفع حاجبيه كأنه يروي لك أحداث فيلم من أفلام الرعب التي يمكن أن تشاهدها على أرض الواقع وأنت في الطريق.
وتخشى السلطات المصرية من تسلل المتطرفين من جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم داعش وأنصار تنظيم القاعدة، وغيرها من التنظيمات الخطرة التي أصبحت تنتشر في ليبيا، إلى داخل أراضيها. ولهذا أصبحت إجراءات اجتياز الحدود صعبة، سواء من حيث تقديم ما يلزم من أوراق أو من خلال ما تسمعه من قصص مخيفة لا تشجع على السفر.
وفي الليلة قبل الأخيرة على الحدود تجد في الفنادق الصغيرة الواقعة تحت هضبة السلوم حكايات لا حصر لها، تجعلك تأخذ تحذيرات الموظف شريف مأخذ الجد. فبالإضافة إلى عبور العشرات يوميا ذهابا وإيابا بين حدود مصر وليبيا البرية، توجد محاولات للتسلل من خلف الحدود الرسمية، يفشل أغلبها في حينه، ويقوم بها مصريون وعرب وأفارقة للوصول لليبيا، ويقوم بها أيضا متطرفون قادمون من ليبيا في اتجاه مصر.
وتطرح الكثير من الأسئلة، وأنت تندفع إلى الأمام، من «سوق الخضراوات» بالسلوم بمصر، حتى «سوق الحوت» في طبرق الليبية، عن سبب تسلل مواطنين من جنسيات مختلفة من مصر، إلى بلد فيه قطع للرؤوس وضربات عسكرية وتوجس من الغرباء؟ هذه أسئلة ستعرف لها إجابات متعددة ضمن هذه الحلقات التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن الحرب في ليبيا بين «الجيش الوطني» المؤيَّد من البرلمان، و«قوات المتطرفين» بكل أنواعهم، ومن بين هذه الإجابات بشكل سريع: إن بعض المغامرين يسعون فعلا للعمل في ليبيا، وبعضهم يسعى للهجرة إلى أوروبا، لكن البعض الآخر يطمح في الالتحاق بالمتطرفين الذين يقاتلون قوات الجيش والشرطة في المدن الليبية.
أما بالنسبة لمحاولات المتطرفين المدربين التسلل من ليبيا إلى الأراضي المصرية، لتنفيذ عمليات تخريبية فيها، انتقاما من الجيش والأمن بمصر، فقد أصبحت شديدة الصعوبة. أولا بالنسبة لتأمين المنفذ الرسمي بين البلدين، فتوجد في الوقت الحالي إجراءات غير مسبوقة.. مثلا توجد قوة شرطية مصرية معززة بقوة أمنية مسلحة بأسلحة ثقيلة، على المدخل الخارجي لمدينة السلوم، أي أنك قبل أن تدخل إلى، أو تخرج من، المدينة الواقعة تحت الهضبة الفاصلة بين حدود البلدين، لا بد من التعريف بنفسك وبوجهتك إضافة لتفتيشك وتفتيش سيارتك.
وقبل أن تسلك الطريق الأفعوانية الصاعدة إلى أعلى الهضبة، توجد نقطة أمنية مسلحة أخرى، تقوم بعمليات تفتيش دقيقة، وتتأكد من أن معك من الأوراق ما يمكنك من مواصلة العبور في اتجاه المنفذ. وفي أعلى الهضبة تمر بـ5 نقاط تفتيش لا يفصل كل منها عن الأخرى سوى عدة عشرات من الأمتار. نقطتان في منفذ السلوم القديم، وهو منفذ كان مهجورا وغير مستخدم منذ سنوات، لكن الآن، وبعد القلاقل المتفجرة في ليبيا، أصبحت تتمركز فيه قوات من الأمن تقف خلف متاريس وخلف مواسير المدفعية.. وهكذا تخضع في كل مرة لتفتيش دقيق لكل شيء، بداية من الأوراق الثبوتية حتى الجيوب الداخلية لحقائب السفر.
وأخيرا تنتهي من إجراءات الخروج من مصر.. تقطع نحو 500 متر مشيا على الأقدام للوصول إلى المنفذ الليبي، أي منفذ إمساعد. تجر حقائبك تحت الشمس وتتلفت خلفك فربما تأتي سيارة لتريحك من هذا المشوار المرهق. في السابق كانت هناك سيارات تقل المسافرين من منفذ السلوم إلى منفذ إمساعد، مقابل 50 جنيها للفرد الذي يفضل استئجار سيارة خاصة، أو مقابل 10 جنيهات لمن يريد أن يركب مع آخرين. في الوقت الحالي لم تعد توجد هذه الرفاهية بسبب قلة عدد المسافرين.. فقط تمشي وتتلفت وراءك ربما تأتي سيارة عابرة.
وهذا ما كان؛ سيارة كورية الصنع فخمة يقودها شاب ليبي، يدعى جمال، في العشرينات من العمر. كان في زيارة لأقاربه في السلوم، من قبيلة القطعان، وهي من كبرى القبائل في الشرق الليبي. والآن هو عائد إلى أسرته في مدينة طبرق التي يوجد فيها مقر البرلمان الليبي الجديد. سأل «إلى أين؟». وكانت الإجابة جاهزة «إلى المنفذ.. جوازات إمساعد». فوافق وقد حدد الأجرة بشكل مبالغ فيه، قائلا «أوكي.. 10 دنانير».
ومن يستطيع أن يرفض في مثل هذه الظروف. وعلى الفور كانت الحقائب في السيارة وبوابة إمساعد تقترب. يا للمفاجأة المرعبة.. البوابة خاوية. لا وجود لأي حرس أو جنود أو ضباط. لا وجود لأي موظفين. مجرد طرقات ومسارات وغرف مغلقة وقطع كبيرة من الحجارة كانت تستخدم في السابق في غلق شوارع المنفذ على ما يبدو. واجتاز السائق المعبر من دون أن نختم شعار الدخول على جواز السفر، وقال: إن هذا أمر عادي، لأنه لا يوجد أحد.
وهنا بدأ الخوف. أين هي عناصر الدولة الليبية؟ أين هو حرس الحدود؟ أين كتائب التأمين التي نقرأ عنها؟ ولم يعد هناك من ملاذ سوى السائق جمال، الذي كان يريد أن يأخذ أجرته، الـ10 دنانير، ويمضي، بيد أنه كان لا بد من إغرائه لكي ينتظر «أنت، يا أخ جمال، بالتأكيد مسافر إلى طبرق.. ولهذا دعنا نتفق على سعر التوصيلة إلى هناك بالمرة.. لكن لا يمكن مواصلة السير أكثر من هذا، قبل العودة لختم جواز السفر من المنفذ الليبي. هل تعرف أين هم ضباط الجوازات الآن؟ مَن يضمن ما يمكن أن يحدث هناك، وساعتها، لو تعرضت لأذى، لن يكون هناك أي دليل رسمي على دخولي الأراضي الليبية».
وبدأ جمال يظهر نفاد صبره، ورجع بسيارته مرة أخرى، لكن في الاتجاه المعاكس، أي من المنفذ المتجه ناحية مصر. وهناك عثر على 5 جنود ليبيين كانوا يلهون مع أحد زملائهم من زوار المنفذ قرب سيارة عسكرية عليها مدفع عيار 23 مم. قال لأحدهم «نريد أن نختم دخول مصري». وكان هناك ختمان للدخول والخروج يتدليان من عنق الجندي الذي دخل إلى غرفة ونحن خلفه، وحين شاهد كلمة صحافي في جواز السفر قال: إن هذا ممنوع، ويتطلب إجراء اتصالات مع قيادته العسكرية في المنطقة الشرقية من ليبيا. حسنا!
واستغرق الأمر مزيدا من الوقت قبل أن تأتي الموافقة بالدخول. وطبع الختم على الجواز. وبدأت السيارة تتحرك مجددا إلى أول بلدة ليبية بعد الحدود. وكما ضرب الكساد مدينة السلوم في الجانب المصري، تجد الشلل الاقتصادي شبه التام قد تمكن من مدينة إمساعد على الجانب الليبي.. محال تجارية شبه مغلقة ومقاه خاوية ومراكز اتصالات يطن فيها الذباب. توجد شاحنات ليبية وأخرى مصرية لنقل البضائع، لكن السائق جمال يقول إنها لا تساوي شيئا مقارنة بالمئات من الشاحنات الضخمة التي كانت تسد الطرقات هنا وتملأ الساحات الممتدة على جانبي المدينة.
كانت البضائع تأتي من الموانئ البحرية الليبية ويجري تشوينها في مخازن كبيرة في «إمساعد»، إلى أن تأتي الشاحنات المصرية لنقلها إلى داخل مصر. وفي المقابل كانت الشاحنات المصرية تحجب الشمس هنا من كثرتها وهي محملة بقوالب الرخام والسيراميك والإسمنت والجبس والحبال وغيرها.
وخلافا للفراغ الأمني الموجود في منفذ إمساعد البري، يبدو الأمر مختلفا في داخل بلدة إمساعد نفسها، والتي لا يزيد عدد سكانها عن نحو 5 آلاف نسمة. هنا توجد قوات عسكرية ليبية نشطة. وكان يمكن مشاهدة ما لا يقل عن 9 سيارات دفع رباعي فوقها مدافع من عيار 14.5 مم و23 مم، وجنود يحملون أسلحة من نوع «إيه كيه 47». وتشعر بوجود عيون تراقب الغرباء. وفي ساحة سيارات الأجرة بدا الموقف يعبر عن نفسه. لا أحد هنا. وتبدو موائد مطعم «ثورة 17 فبراير» الذي كان يعتمد على المسافرين بين البلدين، مهجورة ويغطيها التراب، بينما الريح تطير بقايا الورق والغبار على الواجهة.
وقبل أن يتوقف أمام مقهى «الحدود» المتخصص في بيع القهوة الإيطالي، يضيف السائق جمال قائلا في يأس، وكأنه غير قادر على السكوت، إن الحرب الداخلية في ليبيا أثرت على كل شيء وقتلت التجارة بين البلدين، ولم تعد هناك غير محاولات بائسة لتهريب البضائع إما عن طريق البر، وهو أمر أصبح شديد الصعوبة، أو عن طريق البحر، حيث تتولى مراكب صغيرة نقل السلع إلى السلوم عبر خليج البردي المقابل للهضبة المصرية.
ويزيد موضحا «اليوم.. لا يوجد شيء مضمون. الأمن الليبي في إمساعد لم يعد يتساهل مع المهربين كما كان الحال قبل شهور.. وحراس الحدود المصريون، من الجانب الآخر، يراقبون كل شيء، وأصبحوا يبصرون المراكب وهي في الظلام في عرض البحر، ويصادرونها بما فيها من سلع، ومهربين».
وظن صاحب المقهى وهو يمسح بملعقة صغيرة على رغوة الفنجان قبل أن يقدمه للسائق جمال، أننا تجار ممنوعات أو مهربون، فنبهنا سريعا لكي نأخذ حذرنا، وهو يشير إلى سيارة جيش ليبية توقفت حالا أمام المحل. وما هي إلا أقل من دقيقة حتى دخل ضابط أسمر وأحمر العينين ومتحفز.. مسدس يتدلى من خصره، وفي يده بندقية «إيه كيه 47». وفحص الأوراق، ثم بدا أنه استراح أخيرا لفكرة وجود صحافي هنا، فطلب من زميله عبر جهاز اللاسلكي أن يترك السيارة ويأتي لشرب القهوة هنا.
ويحمل الضابط رتبة مقدم، ويدعى احميدة، وهو من قبيلة العبيدات، وهي واحدة من القبائل الكبرى التي تهيمن على المنطقة الشرقية من البلاد، ويرى أن مسؤولية حماية الحدود ليست لكونه يتبع الجيش الليبي فقط، ولكن لأنه «عبيدي» أيضا هو والمجموعة التي تعمل معه، وغالبيتهم متطوعون ولا يتقاضون أي رواتب من الدولة. ويضيف أنه لا يصح أن يقال: إن المتطرفين يمرون من أراضي العبيدات سواء كان أولئك المتطرفون قادمين من مصر إلى ليبيا أو العكس.
وتمكنت مجموعة احميدة من توقيف عشرات المتسللين عبر الحدود، وتسليم المصريين منهم إلى الجيش المصري، وتسليم الليبيين أو الجنسيات غير الليبية، ممكن كانوا في طريقهم إلى مصر، إلى وحدات الجيش الليبي القريبة من هنا. ومع ذلك يقول المقدم احميدة إن مجموعته التي تعمل بالتعاون مع كتيبة «عمر المختار» التابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي تفتقر للكثير من المعدات اللازمة لضبط الحدود، ومن بينها السيارات المجهزة والأسلحة ومناظير الرؤية الليلية.
ويقول إنه رغم ضعف الإمكانات فإن الكتيبة الحدودية تمكنت من توقيف المئات من الجنسيات المختلفة ممن كانوا يسعون للعبور إلى مصر أو إلى ليبيا بشكل غير قانوني، على أيدي مهربين مسلحين يستخدمون سيارات الدفع الرباعي، وإن من بين من جرى توقيفهم خلال الشهرين الماضيين مصريون وليبيون وسودانيون ويمنيون وسوريون، لافتا إلى أن غالبية هؤلاء كانوا يقصدون مدينة بنغازي للانضمام إلى المتطرفين مما يسمى بـ«أنصار الشريعة» و«ميليشيات الإخوان» الذين يحاربون الجيش والشرطة، وأن بعضهم كان قادما من مصر مباشرة والبعض الآخر كان قادما من السودان عبر الأراضي المصرية. ويضيف أن هذا النوع من المهاجرين المتطرفين يجري التعامل معهم عن طريق جهات التحقيق الليبية لمعرفة من يقف وراءهم ومن يقوم بتمويلهم، وأن بعض المهاجرين الآخرين يسعون فقط للعمل في مدينة طبرق الهادئة، لكن كل من يلقى القبض عليه تجري إعادته من حيث أتى، حيث جرى تسليم الجانب المصري أكثر من 300 مهاجر من هذا النوع خلال الأسابيع الماضية.
والعجيب أن الضابط احميدة قدم نصائح وهو يشيعنا متطابقة للنصائح التي سبق أن قدمها الضباط المصريون عن خطر البوابات الأمنية الوهمية التي يديرها المتطرفون بين المدن الليبية، واحتمال أن يذبحوك مباشرة لو عرفوا أنك صحافي مصري. وبدأت رحلة المتاعب، إلا أن السائق جمال بدأ في تلطيف الأجواء وإملاء التعليمات التي تضمن سلامة الوصول إلى طبرق؛ إنها تعليماته الخاصة.
أولا: الأجرة 160 دينارا، يضاف إليها الدنانير الـ10 الأولى الخاصة بالتوصيلة من منفذ السلوم لمنفذ إمساعد، فتكون 170 دينارا. ثانيا: لا حديث باللهجة المصرية في أي من البوابات والنقاط الأمنية التي سنمر بها، فربما تكون إحداها تابعة للمتطرفين، فيذبحونك من دون أن آخذ أجرتي. وضحك. وصمت قليلا. ثم واصل قائلا: التصوير ممنوع.. الحديث في أي أمور سياسية مع الناس، وأنت معي، ممنوع، سواء في بلدة قصر الجدي أو في طبرق. وبعد أن نفترق، افعل ما تشاء، لا تعرفني ولا أعرفك. والآن نستمع إلى الأخبار في الراديو.

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي


السعودية ومصر تطالبان بمنح الدبلوماسية وقتاً لتجنب تداعيات التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

السعودية ومصر تطالبان بمنح الدبلوماسية وقتاً لتجنب تداعيات التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

طالبت المملكة العربية السعودية ومصر بمنح مزيد من الوقت للمسارات السياسية والدبلوماسية لتجنب تجدد المواجهات العسكرية وخفض التصعيد بالمنطقة، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الخميس، بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية فإن الاتصال «يأتي في مواصلة التنسيق القائم بين البلدين الشقيقين بشأن التطورات المتلاحقة بالمنطقة».

وصرح السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن الوزيرين «تناولا خلال الاتصال الجهود المشتركة المبذولة لاستعادة التهدئة ومنع التصعيد بالمنطقة بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ومن بينهم الولايات المتحدة الأميركية ودولة قطر الشقيقة».

وأكد الوزيران على ضرورة «إعلاء الحكمة ولغة الحوار وإتاحة مزيد من الوقت للدبلوماسية والمسارات السياسية، وتشجيع مختلف الأطراف المعنية على التفاوض وإبداء المرونة اللازمة لتجنيب المنطقة تداعيات ومخاطر تجدد المواجهات العسكرية، التي لا تزال المنطقة تعاني من انعكاساتها السلبية»، بحسب بيان الخارجية المصرية.

اتفق الوزيران على استمرار التنسيق والتشاور وتكثيف التحركات والاتصالات خلال الفترة الراهنة مع مختلف الأطراف المعنية، لمحاولة التوصل إلى توافق حول تغليب مسار المفاوضات والتعهد بعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية للحيلولة دون تدهور الأوضاع الأمنية أو زيادة التوترات في المنطقة.

ويوم الثلاثاء الماضي، أكدت السعودية وقطر ومصر، دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لحلول شاملة تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، مشددة على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك.

جاء الموقف المشترك في محادثات هاتفية جمعت الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي بنظيرَيه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، والمصري الدكتور بدر عبد العاطي؛

وتناول البحث المستجدات الإقليمية، والجهود الدبلوماسية المبذولة لخفض التصعيد، واحتواء التوترات، والحد من اتساع النزاعات في المنطقة.

وفي اليوم نفسه وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية التفاهم والحوار «قبل فوات الأوان»، ومحذراً من أن البديل سيجلب نتائج «كارثية» على المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيرته السلوفينية ناتاشا پيرتس موسار، حذر السيسي من المساس بأمن المملكة العربية السعودية، مجدداً «رفض بلاده القاطع لأي تهديد قد ينال من أمن واستقرار المملكة وسائر الدول الخليجية».


إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام «الروبوتات» والوسائل غير المأهولة في عملياته البرية بجنوب لبنان، في موازاة شهادات للأهالي عن دخول مسيّرات صغيرة إلى منازلهم وانفجار بعضها في محيطهم.

وبينما ترى قراءات عسكرية أن هذه التقنيات تمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على الاستطلاع والتقدم وتقليل الخسائر البشرية، تبرز مخاوف من تأثيرها على السكان ومن قدرة الأنظمة الذاتية على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

زامير: تسريع الدمج

وخلال جولة في منطقة الخيام، الأربعاء، اطّلع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير على نموذج «فريق القتال الروبوتي» الذي عرضه اللواء 769 وكتيبة جمع المعلومات 869، وفق بيان للجيش الإسرائيلي.

وقال زامير إن «الوسائل الروبوتية والتكنولوجية تعمل أمام القوات وإلى جانبها لتعزيز فاعليتها وحمايتها»، وأمر بتسريع دمج هذه القدرات في الوحدات المقاتلة.

طائرة مسيّرة إسرائيلية تحلّق في أجواء زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

تطور تكنولوجي

وفي تحليل لبناني لما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، قال العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الحلو إن «توسّع الجيش الإسرائيلي في استخدام الأنظمة غير المأهولة والتقنيات الروبوتية في عملياته البرية بجنوب لبنان يعكس تطوراً في طبيعة الوسائل العسكرية المعتمدة، سواء على مستوى الاستطلاع والمراقبة أو تنفيذ العمليات الميدانية».

وأشار إلى أن «الإعلان الإسرائيلي عن هذه القدرات لا يقتصر على البعد العسكري والتقني، بل يحمل أيضاً رسائل نفسية ومعنوية موجّهة إلى (حزب الله) والدولة اللبنانية، فضلاً عن الداخل الإسرائيلي».

حرب روبوتية

وأوضح الحلو، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحديث عن حرب روبوتية يعني الانتقال إلى استخدام أنظمة وتقنيات تتمتع بقدرة على العمل واتخاذ القرارات بصورة ذاتية، سواء كانت مسيّرات جوية أو منصات وآليات أرضية تعمل بواسطة تقنيات الروبوتيك».

وأضاف أن «هذه الأنظمة تتلقى المعلومات والمعطيات من محيطها، وتحللها، ثم تتخذ القرارات المتعلقة بحركتها وطريقة تنفيذ مهامها بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر من المشغّلين البشريين في كل مرحلة من مراحل عملها»، لافتاً إلى أن «هذا التطور يرفع مستوى الفاعلية العملياتية، ويحدّ من تأثير عامل التعب والإرهاق البشري على الأداء العسكري».

وأشار إلى أن «أحد أبرز الفوارق بين الأنظمة الروبوتية والعنصر البشري يتمثل في القدرة على العمل لفترات طويلة ومتواصلة؛ إذ إن الإنسان يحتاج إلى الراحة والطعام وتلبية احتياجاته الجسدية، في حين تستطيع الأنظمة غير المأهولة مواصلة تنفيذ مهامها لفترات أطول، وفق قدراتها التقنية والتشغيلية».

وضرب مثالاً على ذلك بأن «طائرة غير مأهولة قد تتمكن من البقاء في الجو لمدة تصل إلى ثلاثين ساعة، في حين أن الطيار البشري لا يستطيع مواصلة التحليق طوال هذه المدة من دون راحة»، عادَّاً أن «هذا الفارق يمنح الأنظمة الروبوتية ميزة عملياتية مهمة، خصوصاً في المهام التي تتطلب مراقبة واستطلاعاً مستمرين».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني يتفقدون حطام سيارة استهدفتها طائرة مسيّرة إسرائيلية ببلدة شبعا نوفمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

مسيَّرات داخل البيوت

ونُقل، الخميس، عن سكان في ميفدون بقضاء النبطية روايات عن مسيّرات صغيرة دخلت منازلهم. وتحدثت طفلة من عائلة ملي عن مسيّرة انفجرت بعدما اقتربت منها ومن شقيقها، في حين روى أحد أفراد العائلة دخول مسيّرة أخرى منزلَه وتحليقها بين الغرف والنوافذ.

وفي هذا السياق، رأى العميد المتقاعد سعيد قزح أن «إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير دمج أنظمة غير مأهولة في العمليات البرية بجنوب لبنان يؤكد التفوق التكنولوجي الكبير الذي تتمتع به إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، ويعكس التحول المتسارع نحو استخدام الروبوتات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية؛ بهدف تقليل المخاطر على الجنود والحد من الخسائر البشرية»، محذراً في المقابل من أن «الاعتماد على الأنظمة القتالية المبرمجة مسبقاً يطرح مخاطر جدية على حياة المدنيين، ويثير إشكاليات مرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني».

وأوضح قزح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه التطورات تؤكد حجم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والأميركي، لكنها ليست مفاجئة؛ إذ سبق أن استُخدمت المسيّرات للدخول إلى المنازل، وهناك روايات عديدة عن تجهيز بعضها بميكروفونات تتيح التواصل مع الموجودين في الداخل».

مسيّرة إسرائيلية تحلّق فوق العاصمة اللبنانية بيروت صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن «إسرائيل تمتلك أنواعاً متعددة من الروبوتات والآليات العسكرية غير المأهولة، التي يمكن تشغيلها والتحكم بها عن بُعد، وبعضها مزود بمدافع صغيرة أو رشاشات، وتستطيع تنفيذ مهمات الاستطلاع والمراقبة والاشتباك والقتال، فضلاً عن التعامل مع الألغام والعبوات المفخخة»، موضحاً أن «الهدف الأساسي من استخدام هذه الوسائل هو الحد من تعريض العسكريين للخطر؛ إذ بات بإمكان الجيوش إرسال آليات غير مأهولة إلى مناطق خطرة، بدلاً من الدفع بالجنود مباشرة إلى داخلها».

مخاطر كبيرة

ورأى أنّ «ما يحصل اليوم ليس مستغرباً، بل يشكل امتداداً لتطورات تكنولوجية كان متوقعاً أن تدخل إلى الميدان العسكري». لكنه حذَّر من أن «هذا التطور ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً عندما تكون الروبوتات أو المسيّرات مبرمجة مسبقاً للتعامل مع أهداف محددة، بحيث تطلق النار تلقائياً بمجرد رصد هدف يتطابق مع المعايير الموضوعة لها، من دون العودة إلى قرار بشري مباشر».

وأوضح أن «المشكلة تكمن في احتمال إصابة أشخاص أبرياء أو مدنيين غير مشاركين في القتال، أو سقوط ضحايا آخرين موجودين بالقرب من الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن «هناك نقاشاً واسعاً بين المختصين في حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بشأن استخدام هذه الأنظمة، ولا سيما عندما تكون مبرمجة مسبقاً لاتخاذ قرار إطلاق النار، بدلاً من أن تكون خاضعة لمشغّل في غرفة عمليات يستطيع مشاهدة الهدف وتقييمه قبل اتخاذ القرار».

وفيما يتعلق بإمكان توظيف هذه التقنيات في أي عملية تقدم بري إسرائيلية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، أكد قزح أن «الجيش الإسرائيلي يستطيع استخدام الروبوتات والآليات المسيّرة عن بُعد في مراحل التقدم المختلفة، خصوصاً للتعامل مع الألغام والعبوات المفخخة وتفجيرها، وفتح مسارات آمنة نسبياً أمام القوات البرية، بما يسمح بتقليل المخاطر على الوحدات العسكرية المتقدمة».


فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
TT

فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

جدل تشكَّل سريعاً عقب فوز الديمقراطي الأميركي من أصل مصري، عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خصوصاً وسط اتهامات ينفيها بانتمائه إلى تنظيم «الإخوان» الذي حظرته السلطات المصرية منذ 2013، وأحاديثه الأخيرة التي تطالب بتقليل المساعدات الأميركية العسكرية للقاهرة.

فوز مثير للجدل

وفاز السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الأربعاء، ليصبح بذلك أول مسلم ينتخب في ذلك المجلس، متغلباً على منافسه الجمهوري مايك روجرز (63 عاماً).

وسبق أن أثار السيد جدلاً في مصر خلال خطاب في مدينة ديترويت الأميركية بعد فوزه في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية بميشيغان في أغسطس (آب) الماضي، عقب قوله: «لولا هجرة والدي لجامعة وين ستيت لكنت سائق تاكسي في مصر كأبناء عمومتي»، وهو ما أثار عاصفة انتقادات ضده.

وتجدد الجدل في مصر عقب فوز السيد، بعد أيام من حديثه عن ركيزة أساسية في علاقة واشنطن بالقاهرة، ألا وهي المساعدات العسكرية الأميركية، إذ دعا إلى خفض هذا التمويل، إلى جانب المساعدات المقدمة لإسرائيل، حسبما ذكرت شبكة «سي إن إن» الأميركية، الأربعاء.

يُذكر أن السيد وُلد عام 1984 في ولاية ميشيغان لعائلة مصرية مهاجرة من مدينة الإسكندرية الساحلية، ودرس الطب في جامعتَي ميشيغان وكولومبيا، وتخصص في علم الأوبئة. وفي عام 2015، عاد السيد إلى ميشيغان لتولي إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت.

عبد الرحمن السيد السيد خلال حفل أُقيم ليلة الانتخابات في «ذا ديبارتمنت آت هادسونز» بمدينة ديترويت بميشيغان خلال وقت مبكر من يوم 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

تباينات

وتعليقاً على فوز السيد، كتب الصحافي المصري أحمد الطاهري، الرئيس السابق لقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للدولة: «عبدول في خطاب عام 2012 ضمن مجموعة من الجالية وعدد من أعضاء التجمعات المرتبطة بتنظيم الإخوان أعلن دعمه (للرئيس المصري الراحل المنتمي للإخوان محمد مرسي) في الإعلان الدستوري وحصار المحكمة الدستورية». وأضاف: «هذه مرجعيته بغض النظر عن الأداء الملحمي في الانتخابات الذي يُحسب له، ولا نتجنى عليه، لكن إخوانيته جزء من تكوينه وصناعته».

في المقابل، احتفى مدونون مصريون على مواقع التواصل الاجتماعي بفوز السيد، معتبرين أن وصول شخصية من أصول مصرية إلى موقع سياسي أميركي يستحق الاهتمام، فيما ركز آخرون على حضور ملامح من الشخصية المصرية في طريقة حديثه ومواجهاته السياسية.

وعبَّر عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ، عبر «فيسبوك» عن أنه «سعيد جداً بفوز عبدول»، وعدّه «هزيمة لترمب ولكل ما يمثله، وهزيمة لإسرائيل»، مضيفاً: «من يقول لي أصل عبدول إخوان، ووقَّع على مذكرة لمرسي، سأقول: إعلاميون وصحافيون كبار من المتصدرين للشاشات والمشهد العام حالياً غازلوا الإخوان ي أثناء حكمهم، ثم أصبحوا اليوم يهاجمونهم ويهاجمون كل من يعارض النظام الحالي أو يختلف معه».

وعلى شاكلة هذه التباينات جاءت آراء نائب مصري وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إذ يرى أحمد علاء فايد، عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب المصري، أن فوز السيد «شأن أميركي بحت».

وشبَّه فايد الاهتمام الجماهيري العابر بالدعم التشجيعي للأندية الرياضية العالمية الذي لا يغير من الواقع المعيشي للمشجع شيئاً، مشدداً على ضرورة قراءة المشهد السياسي الخارجي بموضوعية بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو ردود الفعل.

وأوضح فايد أن أي مواطن يتم انتخابه في الكونغرس، بغض النظر عن خلفيته أو أصوله، يعبِّر في المقام الأول والأخير عن اهتمامات ورغبات وأولويات الناخب الأميركي الذي قام بانتخابه لضمان استمراريته السياسية.

ويرى الخبير السياسي المصري عمرو الشوبكي أن حسابات مثل هذه الشخصيات وتوجهاتها تلتزم في المقام الأول بالبيئة السياسية والاجتماعية لدولها، وليست بالضرورة انعكاساً للواقع المحلي المصري.

وعن جدل الانتماء السياسي للسيد، أضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً كبيراً من هذه النقاشات يُعد محط تجاذبات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية، مبيناً أهمية تفكيك هذه القضايا بعيداً عن المزايدات، والنظر بموضوعية إلى طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الشخصيات ضمن سياقها الحزبي.

وعن تقديره للموقف المحتمل من عبد السيد تجاه مصر، نبّه الشوبكي إلى أن الأجندة السياسية للديمقراطيين لا سيما في ملفات بينها حقوق الإنسان ستكون بوصلته.

موقفه من القاهرة

بدوره، قال الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عاطف سعداواي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التقييم يجب أن يخضع لمعايير النظام السياسي الأميركي الذي يعمل السيد في إطاره، بعيداً عن الانتماءات، مشيراً إلى أن حديثه خلال حملته الانتخابية عن مصر ومستقبله فيها حال لم يهاجر، «لا يشي بأي تفاؤل أو دعم للقاهرة، وسيكون مرتبطاً بسياسات الحزب الديمقراطي المعروفة بتشددها ضد مصر».

وأشار إلى أن التاريخ يثبت عدم صواب الرهانات على جذور المسؤولين الأميركيين، مستشهداً بحالة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي حظي باحتفاء عربي غير مسبوق عند وصوله للسلطة، بينما جاءت سياساته العملية خلال فترتي حكمه متناقضة مع تلك التوقعات ومسَّت القاهرة مراراً عبر ضغوط.

ويعتقد منير أديب، الباحث المصري المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، أن فوز السيد «يمثل تطوراً يستحق المتابعة المصرية، ليس بسبب أصوله المصرية أو خلفيته الدينية، وإنما بالنظر إلى مواقفه السياسية السابقة، ورؤيته لقضايا الشرق الأوسط، وطبيعة علاقاته بالتيارات السياسية والدينية والمنظمات ذات الحضور في الولايات المتحدة».

وأضاف أديب أن تقييم تأثير أي عضو في الكونغرس على العلاقات المصرية - الأميركية يجب ألا ينطلق من جنسيته الأصلية أو ديانته، وإنما من مواقفه المعلنة، وسجله التشريعي، وتحركاته داخل المؤسسات الأميركية، وقدرته على التأثير في دوائر صنع القرار، فعضوية مجلس الشيوخ تمنح صاحبها أدوات مهمة، تشمل المشاركة في مناقشة المساعدات الخارجية، والرقابة على السياسة الخارجية، والتصويت على التعيينات والاتفاقيات ذات الصلة بالأمن القومي الأميركي.

وأكد أن «عبدول سبق أن واجه اتهامات سياسية بوجود صلات له بجماعة الإخوان المسلمين، استند بعضها إلى مواقف وتصريحات سابقة، من بينها توقيعه على رسالة عام 2012 مؤيدة لقرارات الرئيس الأسبق محمد مرسي»، مشدداً على أنه «رغم نفيه مراراً وجود أي صلة له بالجماعة، فإنه يتبنى رؤية الإخوان وتصوراتهم بواقع انتمائه إلى جناح في الحزب الديمقراطي يتقاطع مع قراءات الإخوان لبعض أبرز ملفات المنطقة».