عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين

«تويتة» الشعر وأفلام «الموبايل».. حداثة اضطرارية تقفز خارج النص

عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين
TT

عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين

عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين

الورقة والقلم لكتابة الشعر والقصة. الريشة والألوان والقماش المشدود لفن البورتريه. الكاميرا الضوئية لفن التصوير الفوتوغرافي. كاميرات السينما الضخمة لصناعة الأفلام. أشكال تقليدية فرضت قيودها الصارمة على صورة الإبداع. منذ مئات السنين، كانت تلك الأشياء هي القواعد الأولى، وكان على المبدع أن يلتزم بها إذا أراد أن يصل إنتاجه إلى الجمهور. وعلى المستوى الشخصي، ربما كان الكاتب أو الرسام أو المصور يشعر بـ«لذة» منقوصة إذا استبدل بواحدة من تلك الأدوات أخرى حداثية في أي من أعماله.
لكن «عصرنة» الدنيا مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، فرضت آلياتها على كل أشكال الحياة. ودخل التطور الرقمي على كل مناحي اليوم للبشر. فهل كان يمكن أن يتجاوز ذلك الاقتحام اللامحدود مجالا من المجالات؛ ومن بنيها الإبداع؟
ربما كان فن «التدوين» الإلكتروني، هو أول من فتح الباب، في عالم اليوم، أمام رقمنة الثقافة بشكل عام. إذ كانت المدونات على فضاء الإنترنت بديلا مقبولا لعدد من ناشطي الشباب ومثقفيهم، الذين لم يجدوا مجالا أو سبيلا إلى من يحتوي كتاباتهم على الورق، فبحثوا عن بديل متاح للجميع في فراغ الشبكة العنكبوتية لنشر كتاباتهم.
ولم يكن غريبا أن تلقى هذه الموضة الجديدة رواجا فائقا بين أبناء الجيل نفسه، نظرا لكونها ثقافة سريعة ومتاحة مجانا، تتمرد على التقليدية وترسخ لمفاهيم العصر وشبابه، خصوصا في ظل مصاعب أخرى اقتصادية واجتماعية ساهمت في خنق صناعة الثقافة بآلياتها التقليدية، إذ شهدت صناعتا السينما ونشر الكتب في مصر، على سبيل المثال، كبوة هائلة خلال السنوات الـ10 الماضية، وجاءت أحداث الربيع العربي ربما لتطلق «رصاصة الرحمة» على مثل تلك الصناعات.
رواد الإبداع التقليديين هاجموا، في البداية، أشكال الثقافة الجديدة، متهمينها بـ«الدخيلة» «السطحية». لكن شيئا فشيئا، ومع تغول سيطرة الرقمنة على مجريات الحياة، بدا لافتا تراجع الدور السابق لوسطاء النشر ومصاعب نشر الإبداع في ظل الضغوط الاقتصادية. وانحنى كثير من المبدعين أمام العاصفة، واندمجوا معها ليصير بعضهم، خلال السنوات القليلة الماضية، «ديجيتال» بمفهوم شباب هذه الأيام، لنشهد «قصيدة الـ(تويتر)»، و«قصة الـ(فيسبوك)»، و«أفلام المحمول»، و«بورتريه الغرافيتي»؛ وغيرها من الأشكال الحداثية للفنون التقليدية.
«الحداثية» والتأقلم معها، ربما ليست في حد ذاتها، ظاهرة جديدة، وإن كان المصطلح نفسه اشتق حديثا. فقديما أطلق على الفنان المصري محمد عبد الوهاب لقب «موسيقار الأجيال»، نظرا لقدرته الفائقة على التأقلم والانتقال بين فجوات العصور الموسيقية بسلاسة بالغة ليصير دائما من الرواد، ولم تشعر الأجيال القديمة بـ«تغريبة» عميقة في هذه الانتقالات.
على المنوال نفسه، وبعد عدد من دواوينه اللافتة المطبوعة، انخرط الشاعر المصري جمال القصاص في فضاء الـ«فيسبوك» و«تويتر»، يتنقل على سطحه بومضات شعرية خاطفة، تظهر التعليقات عليها حجم التفاعل والترحيب بذلك المسلك.
عن تجربته هذه، يقول القصاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «كل فنون الميديا الحديثة، صنعت نقلة في علاقة التواصل بين المبدع والمتلقي، بعد أن ظل ذلك التواصل معضلة أساسية في اتهام الأدب بأنه بعيد عن الجماهير أو يتسم بالغموض. فقد حلت التكنولوجيا الحديثة هذه العلاقة، وأصبح هناك ما يمكن أن نسميه بالمتلقي الفوري، الذي يتابع الإبداع لحظيا وبشكل مباشر».
كما يرى القصاص أن الوسائط الحديثة قلصت المسافات بين المبدعين أنفسهم، وسمحت للمبدع أن يتعامل مع نظرائه في شتى أنحاء العالم، وبأي لغة، باستخدام التكنولوجيا، وهو ما ينعكس إيجابيا على الإبداع، خصوصا أنها أسهمت في تجاوز الحدود الشكلية الخاصة بمواصفات الأدب، لتجعله عابرا للحدود والنوعية. كما انعكست هذه الأدوات على طبيعة النص الأدبي نفسه، الذي أصبح يكتب بلغة أكثر سلاسة وبساطة وخالصة من التعقيدات اللغوية، لكي تصل بسرعة أكبر إلى المتلقي.
أما عن الأبعاد السلبية، فيشير القصاص إلى تأثر دور النشر، حيث أصبح المبدع في غنى عن اللجوء إليها كوسيط، بعد أن أصبح متاحا له أن يضع إنتاجه ليقرأ مباشرة، خصوصا أنه أصبح هناك بعض المواقع التي تقوم بشراء المنتج الثقافي مقابل ربح مادي يعود على المبدع نفسه.
وكذلك يرى القصاص أن تلك الأدوات لا تستطيع أن تخلق «الناقد المتخصص»، لأنها تؤدي - غالبا - إلى التشتت في «البانوراما الكبيرة» التي تخلقها، كما أن المتلقي لا يستطيع المكوث طويلا أمام النص أحيانا، وإذا لم يعجبه يغادره متعجلا، لأنه اعتاد على نوعية سريعة من القراءة. إضافة إلى أن تلك الظاهرة، تحد من مقومات الخصوصية البيئية للإبداع بشكل عام، حيث لا يستطيع المبدع التوغل في بيئته حتى يفهمه أبناء البيئات الأخرى التي أصبح يتواصل معها. ويخلص إلى القول: «بشكل عام، هذه الظواهر لا تساعد على ترسيخ ما يمكن أن نسميه بالشكل الأدبي، لأنها تفرز شكلا عابرا على السطح لا يحفل بالعمق».
الأدب ليس وحده في قائمة «عاصفة الرقمنة»، فالسينما أيضا دخلت على هذا الخط، ودخلت إلى الدنيا ظواهر مثل «أفلام المحمول» التي يتم تصويرها فقط بكاميرات الهواتف المحمولة، ويتم عرضها على شاشاتها. وصار يقام لها عدد من المسابقات، ربما لا تزال محدودة في العالم العربي، ولكنها منتشرة في الغرب بشكل أوسع وأكثر إقبالا.
وعلى الرغم من عدم مشاركة المبدعين التقليديين في إنتاج فعلي في هذه الظاهرة حتى الآن، إلا أن كثيرا من هذه المسابقات والمهرجانات، أصبح يقام تحت رعاية عدد من هؤلاء المبدعين في إطار المشاركة في لجان التحكيم.
ويقول الناقد والخبير السينمائي البارز يوسف شريف رزق الله، إن «رأيي قد يكون تقليديا، باعتباري مشاهدا للأفلام منذ نحو 50 عاما. فمن وجهة نظري أن الفيلم، أيا كان الوسيط الذي تم استخدامه في التصوير، يجب أن يشاهد في قاعة سينما، أي على شاشة كبيرة وفي وسط مشاهدين آخرين، حتى يحدث التفاعل والتأثر والتأثير».
ويرى رزق الله، أن مشاهدة الفيلم يجب أن تحظى بـ«طقوس»، وتتم من دون منغصات أو مؤثرات تفصل التفاعل، منتقدا على سبيل المثال، «فترة الاستراحة» وسط الفيلم في دور العرض المصرية، التي وصفها بـ«المفزعة والمزعجة»، حيث يتم قطع العرض في منتصفه، أو حتى في منتصف مشهد من دون مراعاة لتواصل التفاعل مع الفيلم.
أما فيما يتعلق بالوسائل الحداثية، مثل الموبايل، فيقول رزق الله: «بدأت المسألة تنتشر بشكل ما، ومن الممكن أن تفرز مخرجا واعدا يثبت موهبته، لينتقل بعد ذلك إلى العمل بشكل احترافي. لكن لا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك متعة في مشاهدة فيلم على شاشة صغيرة مهما كبر حجمها. وقد تجد هذه الظاهرة صدى لدى البعض ممن لا يمثل لهم الأمر فارقا في مشاهدة العمل السينمائي بقواعده التقليدية. وهي قد تكون تطورا تكنولوجيا. لكن في رأيي شخصيا، فأنا غير مقتنع أنها من الممكن أن تؤدي إلى وسيلة مشاهدة للعمل الفني».
لكن «قواعد السوق» الحاكمة لعلاقة «المنتج والمستهلك» التقليدية في «صناعات الثقافة»، كثيرا ما دفعت المبدعين والصناع إلى تجاوز التقليدية، وكمثال صارخ على ذلك، فإن المشهد التقليدي لرواد المواصلات العامة في كل شوارع أوروبا، تغير خلال الأعوام الـ5 الماضية بشكل صارخ، حيث كان من النادر أن ترى بينهم من لا يحمل كتابا أو جريدة، والآن من النادر ألا ترى بينهم من لا يحمل جهازا إلكترونيا سواء «محمول» أو «تابلت». وهذا ما دفع الكثير من أساطين النشر في الغرب إلى توجيه كثير من جهودهم إلى المنصات الإلكترونية لجذب ود هذه الشريحة الطاغية من الجمهور.
وحول ما إذا كان من الممكن أن تدفع السينما ورواد هذه الصناعة ومبدعيها إلى الدخول إلى حيز «الرقمنة» إرضاء لرغبات وأذواق المتلقين، وتغير «ذوق الثقافة» بشكل عام، يقول رزق الله: «لا أعتقد أن هذا من الممكن أن يحدث، لأن السينما خلال نحو 100 عام كان مكانها دور العرض. مهما حدث من تقدم تكنولوجي، قد ينتشر أكثر أن تشاهد الأفلام والإبداعات من خلال وسائط أخرى؛ لكن ستظل دور العرض هي المكان المفضل لعرض الأفلام. فحين ظهر التلفزيون مثلا في الخمسينات، كانت هناك تخوفات من انصراف الناس عن السينما والاكتفاء بالمشاهدة المنزلية، لكن هذا لم يحدث، بل أسفر ذلك عن تطورات في السينما ذاتها، مثل السينما سكوب، وصولا إلى الآي ماكس، لكنها ظلت موجودة بشكلها الأول، فقط استفادت من التقدم».
وعلى الرغم مما تتعرض له الثقافة التقليدية من أزمات وكبوات، تتعلق باقتصادات الإنتاج ودعم المبدعين وأمزجة الأجيال الحديثة، لا يرى رزق الله أن المستقبل مغلق تماما أمام عودة تلك الأشكال إلى الحياة، مع الصعود المتوازي للعصر الرقمي. بل على العكس، فإنه يتفاءل «بوجود بشائر كثيرة تبث الأمل في وجود إنتاج جيد في مجال صناعة السينما في عام 2015، وهناك عدد من الأفلام التي تم تصويرها بالفعل، أو هي قيد التصوير، ذات المستوى المرتفع، وهي مؤشرات ونماذج جيدة للمستقبل القريب».
وفي النهاية، تظل العلاقة بين التقليدية والحداثة علاقة «شد وجذب» أشبه بطرفي المقص، لكن نقطة الربط الثابتة بينهما دائما هي المبدع نفسه.



رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي
TT

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

نعى اتحاد أدباء العراق الكاتبة والروائية، الزميلة لطفية الدليمي، التي وافاها الأجل بعد صراع مرير مع المرض، في إحدى مستشفيات عَمَّان، بعد مسيرة غنية في كتابة القصة والرواية استمرت أكثر من خمسين عاماً.

ولدت الراحلة في بغداد عام 1943، وأكملت دراستها في مدارس بغداد، وحصلت على شهادة بكالوريوس الآداب في اللغة العربية. وتعتبر من المدافعات البارزات عن حقوق المرأة في العراق، وأسست مع عدد من المثقفات العراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد.

عملت في تدريس اللغة العربية لسنوات عدَّة، ثم عملت محررة للقصة في مجلة الطليعة الأدبية العراقية، ومديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية العراقية.

ساهمت على مدى سنوات في كتابة أعمدة صحافية في الصفحات الثقافية العراقية والعربية، ومنها صفحتا «ثقافة»، و«كتب»، في «الشرق الأوسط»؛ حيث نشرت كثيراً من المقالات الأدبية والترجمات على امتداد أكثر من ثماني سنوات.

درست اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة لندن، كلية غولدسمث عام 1978.

تُرجِمت قصصها إلى الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، وتُرجمت رواية «عالم النساء الوحيدات» إلى اللغة الصينية، كما شاركت في معرض الكتاب الدولي في مدينة فرانكفورت الألمانية بدعوة من معهد غوته، وقدَّمت محاضرة عن تجربتها الإبداعية فيه عام 2004، وكذلك في مهرجان القارات الثلاث بجزر الكناري، في ندوة الرواية عام 2004.

وقُدمت رسائل دكتوراه وأطروحات ماجستير عدَّة عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية والعربية والعالمية، وكانت عضواً مؤسساً في المنبر الثقافي العراقي. وعضواً مؤسساً في الجمعية العراقية لدعم الثقافة.

أسَّست مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة في بغداد عام 2004، وترأست تحرير مجلة «هلا» الثقافية الشهرية التي صدرت في بغداد عام 2005، والتي صدر منها أربعة أعداد وتوقفت في 2006. وشاركت في كثير من المؤتمرات والملتقيات والندوات، في تونس والأردن والمغرب وسوريا والإمارات العربية وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وألمانيا.

غادرت العراق عام 2006 إلى الأردن، ثم إلى فرنسا لحضور مؤتمر حرية الإعلام بدعوة من اليونيسكو وهيئة الإعلام العراقية. أقامت بصفة لاجئة في باريس أواخر عام 2006 وعام 2007، وغادرت نهاية 2008 إلى العاصمة الأردنية عمان؛ حيث كانت تقيم لحين رحيلها.

تركت لطفية الدليمي آثاراً أدبية كثيرة. ففي مجال القصة والرواية نُشر لها أكثر من ثلاثين عملاً، وفي الترجمة أكثر من عشرين عملاً، إضافة إلى أعمال درامية في المسرح والتلفزيون.


مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
TT

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات مع مارلين» (Conversations avec Marilyn). هذا الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في 12 فبراير (شباط) الماضي يقدم شهادةً حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الشقراء القنبلة» أو «ممثلة الإغراء» التي لا تملك سوى جمالها.

يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال تصوير فيلم «المختلون» عام 1960 واستمرت لقاءاتهما في حانات نيويورك المتوارية، عن امرأةٍ مسكونة بهواجس الفكر، تتحدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعيٍ حادٍ واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماماً «اللعبة» التي تفرضها الصناعة السينمائية؛ حيث وصفت الشخصية التي تؤديها بأنها «عبءٌ ثقيل» وفستانٌ ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقاً في بطون الكتب وعوالم الأدب.

ويذكر ويذربي أن مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلةٍ طاردتها العدسات، بل كانت «مثقفةً متخفية» في جسد أيقونة إغراء، وقد جاء كتابه «حوارات مع مارلين» ليمنح هذه الحقيقة توثيقاً إنسانياً بعيداً عن صخب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها، وكأداةٍ لفهم الذات والمجتمع.

يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لم تكن مجرد ديكور في الغرفة، بل بمثابة مختبر لعقلٍ جائع للمعرفة، حيث احتوت على أكثر من 430 كتاب، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألبير كامو وبودلير وفيتزجيرالد، وعملاق الأدب الآيرلندي جيمس جويس التي كانت تحتفظ بنسخٍ مُعلّمة بخط يدها من أعماله، ولا سيما روايته «يوليسيس» التي تُعدُّ من أبرز أعمال الأدب الحداثي وتحدياً فكرياً يستحق المحاولة المتكررة، بحسب ما نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نهمة للأدب الروسي، لتولستوي وبالأخص لدوستويفسكي الذي وجدت في شخصياته المعذبة صدىً لمعاناتها الشخصية، حيث قرأت «الإخوة كارامازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المخصصة لها بعنوان «الشظايا» ما يلي: «دوستويفسكي يفهمني، يعرف ما معنى أن تكون ممزقاً بين الضوء والظلام، بين الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة من روايته «المحاكمة»، وكانت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بالضبط: محاكمة دائمة دون معرفة التهمة الحقيقية».

مكتبة مارلين مونرو

وأشار الكاتب إلى أن مارلين كانت تحب قراءة أعمال من الأدب الاجتماعي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاستقصائي الذي فضح الفساد في أميركا، لكنها كانت تخفي كتبه في مواقع التصوير خوفاً من الاتهام بالتعاطف مع اليسار في تلك الحقبة التي عرفت بالمكارثية واضطهاد الاشتراكيين، كما قرأت أيضاً لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجدت في روايته صوتاً للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائماً بأصولي».

كما كان للشعر مكانة خاصة في قلب مارلين. فكانت تحتفظ بدواوين والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب». أما كارل ساندبرغ، الشاعر الذي وصفته بـ«صوت أميركا الحقيقي»، فقد كان بمثابة الأب الروحي لها. التقت به شخصياً عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر من ثلاث مرات. أحبت مارلين قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال التقليدية، ربما لأنها رأت في ذلك انعكاساً لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية التي حُبست فيها. وما يجهله البعض هو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصاً شعرية جُمعت في كتاب «الشظايا» الذي نشر في 2010، كشفت عن موهبة شعرية حقيقية تبحث عن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة.

كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها

في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي:

أنا من كلا الاتجاهين

أبقى بطريقة ما معلّقة نحو الأسفل أكثر ما أكون

لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح

أشدّ حضوراً حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ

بيد أنّ أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان

التي رأيتها ذات مرة في لوحة

آه أيتها الحياة، لقد خدعوك

كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مجرد فضول فكري، حيث قرأت معظم أعمال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مع أساتذة معروفين، كما احتفظت بنسخٍ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية من خلال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لماذا أبحث دائماً عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إليه». كانت تقرأ أيضاً لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه.

لم ينفصل وعي مارلين الثقافي عن التزامها بالقضايا الإنسانية الكبرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولاً عميقاً تجاه نضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وربطت بين قراءاتها التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة.

 


«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
TT

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.