الوباء يفتح جبهة جديدة لـ{القوميين»

تنافس بين الدول يقوّض الوصول إلى أدوات إنقاذ الحياة

TT

الوباء يفتح جبهة جديدة لـ{القوميين»

في الوقت الذي يواجهون فيه الوباء الذي لا يعرف الحدود، وقع العديد من قادة بلدان العالم المتقدمة اقتصادياً رهينة المبادئ القومية التي لا تعترف بالخجل، مما يقوض الجهود الجماعية المبذولة لترويض وربما احتواء الوباء الفيروسي الجديد.
ويقود الولايات المتحدة الأميركية حاليا، وهي القوة العلمية منقطعة النظير، رئيس ينتقد ويسخر بصفة علنية من التعاون الدولي حال سعيه الدؤوب لمواصلة الحرب التجارية العالمية. والهند، التي تنتج كميات هائلة من العقاقير والأدوية، قابعة تحت حكم شخصية هندوسية قومية تواصل تصعيد المواجهات على كافة الأصعدة مع دول الجوار. وهناك الصين، القوة الجبارة في مجال الأجهزة والعقاقير الوقائية، عاقدة العزم بإصرار عجيب على استعادة الأمجاد الإمبراطورية التي طواها الزمان.
الآن، في الوقت الذي يحتاج العالم إلى التعاون والتضافر لهزيمة وباء «كورونا» - إذ يتحد العلماء عبر الحدود للوصول إلى لقاحات، وتنسق الجهات الصناعية فيما بينها لتوفير الإمدادات الحيوية - نجد المصالح الوطنية في الصدارة برغم كل شيء. وهذه المرة، تحولت المنافسة بين الكثير من البلدان لما هو أكبر من مجرد صناعة الهواتف الذكية أو الحواسيب اللوحية أو حتى الطائرات النفاثة المتقدمة. فهذه المعركة الجارية تدور رحاها حول التفوق لأجل الوصول للمنتجات التي تساعد في البقاء على قيد الحياة وتقلل من الوفيات قدر الإمكان.
ولقد حظرت 69 دولة أو قيدت تصدير معدات الحماية الشخصية، أو الأجهزة الطبية، أو العقاقير الدوائية، وفقا لمشروع التأهب التجاري العالمي في جامعة سانت غالين السويسرية. وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن النزعة الحمائية سوف تقلل من توافر اللقاحات اللازمة والمطلوبة بشدة على مستوى العالم.
ونظرا لأن كل دولة من دول العالم في حاجة ماسة إلى نفس أدوات إنقاذ الحياة في آن واحد، فإن التنافسية الوطنية تجعل من الوصول إلى تلك الأدوات من المخاطر الجمة بالنسبة للجميع.
ويشير البعض إلى المأساة التي تتلاعب بمصائر العالم راهنا، كذريعة تبرر زيادة الاكتفاء الذاتي، بحيث يقل اعتماد المستشفيات على الصين والهند في الحصول على العقاقير الدوائية ومعدات الحماية.
تقول روزماري جيبسون، خبيرة الرعاية الصحية في مركز «هامستينغز» المستقل للأبحاث في نيويورك: «تنتج الصين وحدها الغالبية العظمى من المواد الكيميائية الأساسية المستخدمة في صناعة المواد الخام لمجموعة من الأدوية النوعية المستخدمة حاليا في علاج الأشخاص الذين أدخلوا المستشفيات إثر الإصابة بفيروس (كورونا) التاجي». وتشتمل هذه العقاقير على المضادات الحيوية، وعلاجات ارتفاع ضغط الدم، ومهدئات. وتابعت جيبسون «الجميع يتنافس الآن على التوريد الموجود في كل دولة بعينها».
وقال تشاد باون، الخبير التجاري الدولي لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في العاصمة واشنطن: «إذا كان الهدف الجدير بالتنوع من مصادر الإلهام لكل دولة بالنظر إلى الداخل فقط وتفكيك الإنتاج العالمي، فمن شأن ذلك أن يزيد من حالات الضعف العالمية».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومستشاره التجاري بيتر نافارو، قد استغلا الوباء الراهن كفرصة سانحة لمضاعفة الجهود لإجبار الشركات متعددة الجنسيات على التخلي عن الصين ونقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة. واقترح نافارو جملة من القواعد التي تجبر موفري الرعاية الصحية في الولايات المتحدة على شراء معدات الحماية الشخصية والعقاقير الدوائية من الموردين الأميركيين.
على مدى سبعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، سادت فكرة أن التجارة العالمية تعزز الأمن والازدهار عبر البلدان الاقتصادية الكبرى. ومع تبادل الناس لمختلف السلع والبضائع عبر الحدود، كما يقول المنطق، يصبحون أقل احتمالا لحمل الأسلحة. ويحصل المستهلكون على منتجات أفضل جودة وأرخص سعرا. مع تحفيز المنافسة والتعاون والابتكار.
لكن في العديد من البلدان - لا سيما الولايات المتحدة - أسفر الإخفاق الصارخ من جانب الحكومات في توزيع المكافآت بالإنصاف المطلوب إلى تقويض الثقة العامة في التجارة، الأمر الذي أفسح المجال أمام العقلية الحمائية التي تعتبر أن السلع والموارد ذات محصلة صفرية.
والآن، تحوّل منظور المحصلة الصفرية إلى ما يشبه القوة التوجيهية تماما مثل المنطق محل النظر محدود النطاق بصورة مثيرة للقلق: الإمدادات الحيوية المحتملة من الأدوية هي في تناقص مستمر، مما يؤدي إلى تفاقم العداء وشيوع عدم الثقة.
وفي الأسبوع الماضي، ألمحت الإدارة الأميركية إلى قانون حقبة الحرب الكورية في تبريرها لحظر تصدير الأقنعة الواقية المصنوعة في الولايات المتحدة، في حين أصدرت الإدارة الأوامر إلى الشركات الأميركية المنتجة لهذه الأدوات في الخارج بإعادة توجيه أوامر الشراء إلى الأسواق المحلية أولا. وقالت شركة «ثري إم» الأميركية إن وقف شحنات الأقنعة المخطط إرسالها إلى الخارج سوف يعرض العاملين في قطاع الرعاية الصحية للمخاطر في كل من كندا وأميركا اللاتينية. وأضافت الشركة تقول يوم الاثنين إنها توصلت إلى تسوية مع الحكومة الأميركية بشأن إرسال بعض الأقنعة إلى الأسواق المحلية والبعض الآخر إلى الأسواق الخارجية.
وفي الأسابيع الأخيرة، فرضت كل من تركيا، وأوكرانيا، وتايلاند، وتايوان، وإندونيسيا، وبنغلاديش، وباكستان، وجنوب أفريقيا، حظر تصدير الأقنعة الواقية إلى الخارج. كما فرضت فرنسا وألمانيا حظرا مماثلا على الأقنعة الواقية وغيرها من معدات الحماية الشخصية، ولم ترفع الحظر المذكور إلا بعد فرض الحظر من جانب الاتحاد الأوروبي إلى خارج الكتلة الأوروبية. وفرضت الهند حظراً مماثلاً على تصدير أجهزة التنفس الصناعي والمطهرات.
وفرضت المملكة المتحدة حظرا على تصدير عقار «هيدروكسي كلوروكوين»، المضاد لمرض الملاريا الخاضع للاختبارات راهنا للوقوف على فوائده المحتملة ضد فيروس (كوفيد - 19) وأعلنت هنغاريا الحظر على تصدير المواد الخام لهذا العقار والأدوية التي تحتوي عليه.
وقالت ماريانغيلا سيماو، مساعدة المدير العام للأدوية والمنتجات الصحية لدى منظمة الصحة العالمية في جنيف: «لا تساعدنا قرارات حظر التصدير، فهي تعطل سلاسل التوريد لبعض المنتجات المطلوبة فعليا في كل مكان».
واعتمد الرئيس ترمب سياسة عدائية بصورة خاصة لما يتعلق بتأمين المخزون الأميركي من عقار «هيدروكسي كلوروكوين»، متجاهلا تماما مشورة العلماء الفيدراليين الذين حذروا من أن الاختبارات الخاصة بهذا العقار لا تزال طفيفة، مع القليل للغاية من الإشارات على فوائد العقار في التعامل مع فيروس «كورونا».
وتعد الهند أكبر دول العالم المنتجة للعقار المذكور. وفرضت الحكومة الهندية الشهر الماضي الحظر على تصدير العقار، رغم أنها نصت في قرار الحظر على استمرار الشحنات في ظروف ضيقة للغاية. وقال ساتيش كومار، الأستاذ المساعد في المعهد الدولي لأبحاث إدارة الصحة في نيودلهي: «في موقف كهذا، يتعين على كل دولة الاعتناء بنفسها تماما. وإن فقدنا القدرة على رعاية مواطنينا، فسوف تكون الأوضاع الداخلية شديدة الحرج».
وبعد طلب الرئيس الأميركي من الهند رفع القيود على التصدير مساء الاثنين في الوقت الذي هدد فيه بالانتقام التجاري، بدت الحكومة الهندية تخفف من موقفها المتشدد.
تشير الحسابات الرياضية إلى أن سياسة التخزين لتغطية الاحتياجات الوطنية قد تترك البلدان الأخرى في حالة من العوز الشديد. فمن المرجح للهند أن تطلب تأمين 65 طنا متريا من العقار المذكور، وفقا لتصريح أودايا بهاسكار، المدير العام لمجلس ترويج تصدير المنتجات الدوائية في الهند، وهي هيئة صناعية حكومية معنية بالترويج لصادرات المستحضرات الدوائية الهندية.
وكانت إحدى الشركات المصنعة - واتسون فارما، المملوكة لشركة تيفا للمستحضرات الدوائية في غرب الهند، تسعى إلى مضاعفة إنتاجها من عقار «هيدروكسي كلوروكوين» بمقدار ثلاث مرات خلال الأسبوعين المقبلين.
ومع استكشاف شركات الأدوية العالمية لمختلف الأشكال الجديدة من علاجات فيروس «كورونا» التاجي - تلك المهمة المشوبة بالتعقيدات الكبيرة حتى في ظل الظروف المختبرية المثالية الحالية - يتعين على هذه الشركات تلمس سبيلها بكل عناية وحذر خشية إضافة طبقة جديدة من التعقيدات الجغرافية السياسية في العالم الحقيقي.
ويتعين على الشركات الغارقة حتى أسنانها في علوم الجينات، وطلبات التصنيع الصارمة للغاية، أن تعثر على طريقة لتطوير العقاقير الجديدة، والشروع في الإنتاج على المستوى التجاري الكبير، مع توقع الكيفية التي تحد بها من الميول الخبيثة للساسة القوميين الذين يقفون على سدة الاقتصادات الكبرى وما تتمخض عن ذلك من تعطيل سلاسل التوريد على الصعيد العالمي.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended