{الشرق الأوسط} في مهرجان القاهرة السينمائي (5): قراءة في واقع السينما العربية ومهرجاناتها

تتنافس فيما بينها لكن خطواتها المختلفة تقودها إلى الأمام

(يمين) «القط» من الأفلام القليلة التي لديها حظ في العروض التجارية، (يسار) «يوميات شهرزاد» المشترك في مسابقة «آفاق السينما العربية»
(يمين) «القط» من الأفلام القليلة التي لديها حظ في العروض التجارية، (يسار) «يوميات شهرزاد» المشترك في مسابقة «آفاق السينما العربية»
TT

{الشرق الأوسط} في مهرجان القاهرة السينمائي (5): قراءة في واقع السينما العربية ومهرجاناتها

(يمين) «القط» من الأفلام القليلة التي لديها حظ في العروض التجارية، (يسار) «يوميات شهرزاد» المشترك في مسابقة «آفاق السينما العربية»
(يمين) «القط» من الأفلام القليلة التي لديها حظ في العروض التجارية، (يسار) «يوميات شهرزاد» المشترك في مسابقة «آفاق السينما العربية»

بينما تستمر دورة مهرجان القاهرة السينمائي وتقترب من نهايتها يوم الثلاثاء المقبل، تنطلق بضعة مهرجانات أخرى على مدى الأسابيع القليلة المقبلة من الآن وحتى منتصف الشهر المقبل.
مهرجان سينمائي أقيم في الجزائر ومهرجان قرطاج التونسي في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. بعده مباشرة يبدأ مهرجان مرَّاكش السينمائي الدولي وقبل نهايته في الـ13 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، يبدأ مهرجان دبي السينمائي الدولي ما بين الثامن والـ14 من الشهر. وفي حيّـز ضيق بين الاثنين يُـقام مهرجان «أجيال» في الدوحة من الأول حتى السادس من ديسمبر (كانون الأول). وقبل ذلك، وعلى أعتاب نهاية مهرجان القاهرة السينمائي الحالية، تنطلق عروض مهرجان آخر يقام في القاهرة هو «بانوراما السينما الأوروبية» الذي هو، حسب مصدر مسؤول في مهرجان القاهرة «مدعوم بميزانية خاصّـة مؤمّـنة من قِـبل الاتحاد الأوروبي ويشهد إقبالا جماهيريا كبيرا».
الحديث عن انعدام التوازن بات لا ينفع من حيث تكراره. مهرجاناتنا السينمائية العربية الأساسية تنطلق جميعا في الأشهر الـ3 الأخيرة. ينفد مهرجان أبوظبي بجلده كونه يتقدّمها جميعا وسريعا ما يكسب سباقها الكبير. دبي يختمها ويستعين بسمعته الجيّـدة وبتاريخه الحافل ليسحب السجادة من تحت أقدام المهرجانات التي تأتي بعد أبوظبي وتسبقه.
بعضها، مثل مهرجان مراكش، لا يبدو مكترثا لمن ينافس من فهو يعتبر نفسه بمنأى عن هذه المشاغل. النقد السابق بأنه أدار ظهره للسينما المغربية ذاتها ولم يشجّـعها بات مكررا والنقد الآخر بأنه لا يكترث لعرض الأفلام العربية غير المغربية صحيح وهو لا يخفي ذلك. في حين أن مهرجان «أجيال» القطري ما زال يمشي على أرض رخوة كونه ما زال طري العود يحمل رغبة الاختلاف عن السائد بتشجيع المواهب الجديدة.
إنه حيّـز صغير من الاهتمام. نطاق يعرّض المهرجان إلى أزمة إذا لم يجد بين تلك المواهب ما يستحق أن يبني عليه صرحه. سيتم غزو الشاشة في «أجيال» بأفلام أولى وثانية لمخرجين شبّـان من حول العالم، لكن الخشية هي أن لا تستطيع أفلام منتجة هنا المشاركة بزخم فاعل على مدى كل الدورات، وذلك تبعا لغزارة وجودة الإنتاجات الممكنة.
كل مهرجان من هذه الدائرة الآن يسعى للاختلاف عن أمثاله. بالنسبة لمهرجان القاهرة فإن الزخم الذي واجهه من قِـبل الجمهور منذ افتتاحه وحتى اليوم لم يشهد تراجعا. الإقبال عكس شوقا وشغفا بمشاهدة الكم الكبير المتاح من الأفلام العربية والأجنبية التي أفرزتها هذه الدورة وتوق لمعرفة ما إذا كانت السينما في مصر وفي باقي دول العالم العربي تتحرّك قدما وكيف؟ والجواب يأتي يوميا على شكل أفلام تعكس واقع السينما العربية في هذه المرحلة. وفي حين أن هذه الأفلام قادرة على إثارة الأسئلة بدورها وطرح الأفكار وبعض الرؤى، فإنها بمجموعها تبدو كما لو كانت آخر خط دفاع ثقافي متاح أمام الفرد العربي لتحدي الأحداث الجارية والتغلّـب عليها.
لا عجب أن هذا الحضور، إذن، يعكس رغبة في التأكيد على حب الجمهور المصري للعودة إلى الوضع الذي كانت فيه الحياة الثقافية مرصّـعة بالنشاطات من معارض وحفلات موسيقية ونشر كتب ومؤلّـفات متنوّعة وإنتاج الأفلام على نوعيها التجاري الموجّـه، بقناعة، للجمهور السائد، وتلك البديلة أو المستقلة أو الذاتية (التسمية لم تعد ذات شأن) التي تتوجه، بقناعة أيضا، إلى الفئة الباحثة في الفيلم عن الفن والطرح الثقافي أو السياسي في بعض الأحيان.

* مهرجان قرطاج ضرورة ثقافية
* مهرجان قرطاج يستند إلى تاريخه كمحفل لعرض الأفلام العربية والأفريقية في مسابقة واحدة. قليل من التقدم المنتظر منه هذا العام بسبب الأحوال السائدة وبسبب أن معظم ما يعرضه من أعمال عربية قديم شوهد في محافل أخرى. لكن عودته، مثل عودة مهرجان القاهرة، ضرورة ثقافية وسياسية لا ريب فيها.
وفي مرحلة هي حرجة حتى من دون تلك العوامل السياسية المختلفة والحالات الأمنية والاقتصادية، فإن توزيع الفيلم المهرجاناتي معدوم. الواحد منها لديه حظّ كبير واحد ثم تتعدد حظوظ أخرى أصغر شأنا. رهان الفيلم المهرجاناتي (أي الذي ينشد الاشتراك في المهرجانات السينمائية متميّـزا بجدّته ونوعيّـته) على أول مهرجان يختاره وسواء أنال واحدا من جوائزه المادية أم لم ينل، فإنه يأمل للانتقال إلى مهرجانات أخرى. هذه المهرجانات هي عصب حياته الحقيقي ولسبب مؤسف ولكنه وجيه: لا وجود لفرص عروض أخرى، ولو كانت لما استفاد الفيلم وحده بل كل الأفلام ولترعرعت الصناعة السينمائية ونمت كما لم تفعل من قبل. لكن لا المحطّـات التلفزيونية تكترث لأن تشتري، ولا الموزعون راغبون في بذر بضعة ألوف من الدولارات لشراء ما يعتقدون أنه لن يعود عليهم إلا ببضع مئات. كذلك يرفض كل أصحاب الصالات تخصيص صالة واحدة لعرض الأفلام «الفنية» ولو على أساس الرهان على مستقبل أفضل وتأسيس جمهور يعتاد على وجود هذه الصالة وأعمالها المتميّـزة.
هذه ليست عوائق صغيرة وبسيطة، ونتائجها وخيمة من حيث إن السينما العربية باتت منقسمة إلى قسمين بينهما فاصل كبير: أفلام محدودة العدد (معظمها مصري الإنتاج) يعرض في صالات السينما، وأفلام كثيرة الإنتاج (من كافّـة الدول العربية المنتجة) تتجه إلى المهرجانات. أفلام النوعية الأولى هي التي تدر إيرادا ماديا (مجزيا وكبيرا في بعض الحالات) بالطريقة التقليدية وهي بيع التذاكر للجمهور. في حين أن أفلام النوعية الثانية هي تلك التي لا تجد لنفسها صالات عرض تساعدها لتوسيع فرص احتكاكها بالجمهور العام.
في مواجهة التطرّف
أفلام المهرجانات العربية محاصرة، كما يتّــضح، باستثناء اتجاه واحد هو التنافس على الجوائز الكبيرة. فعندما ينال المنتج أو المخرج 100 ألف دولار (أو يزيد في بعض الأحيان) عن فيلم حققه (ميزانيات اليوم لا تقل عن ضعف هذا المبلغ كمعدّل عام) يكون سدد جزءا من الكلفة الكبيرة وعاد مزهوّا بنصيب مالي من غير المتوقع، في الكثير من الحالات، تحقيقه من جراء السوق السينمائية.
لكن هناك استثناءات. فيلم «وجدة» لهيفاء منصور فاز بجائزة أولى وفاز بعروض تجارية ولو في صالات الغرب. كذلك فيلم «كرامل» للبنانية نادين لبكي. وكانت أفلام يوسف شاهين تعرض في المهرجانات وتحقق بعض الكسب في فرنسا وبعض صالات العالم العربي. واليوم يقف «القط» لإبراهيم البطوط في الخانة المنفتحة على هذه الاحتمالات ذاتها. بعد عرضه في مهرجان أبوظبي (حيث خرج خالي الوفاض من الجوائز المباشرة)، يدخل نطاق مهرجانات أخرى هنا وهناك ويحضّـر نفسه لعروض تجارية أيضا.
لكن هذه هي فعلا الاستثناءات. أما القاعدة فباتت أن الفيلم، فاز أو لم يفز، يولد على شاشة المهرجانات ويموت عليها حال انتهاء عروضه.
«القط» واحد من الأفلام المعروضة في مسابقة «آفاق السينما العربية» جنبا إلى جنب مع الفيلم الموريتاني «تمبوكتو» لعبد الرحمن سيساكو (الذي سيفتتح مهرجان قرطاج) والأردني «ذيب» لناجي أبو نوار والتونسي «شلاط تونس» لكوثر بن هنية والمغربي «الصوت الخفي» لكمال كمال والفلسطيني «ستيريو فلسطين» لرشيد مشهراوي والكويتي «كان رفيقي» لأحمد الخلف واللبناني «يوميات شهرزاد» لزينة دكّاش.
لجنة تحكيم هذه المسابقة (المؤلّـفة من الممثلة ليلى علوي والمنتج التونسي نجيب عيّـاد والناقد محمد رُضا) تجد لديها الكثير مما تعاينه في أفلام كلها جيّـدة وبعضها لا يصح تجاهل حقّـه في واحدة من الجائزتين اللتين ستمنحهما في الليلة الأخيرة من ليالي المهرجان. لكنها المهمّـة الصعبة التي لا بد منها.
في الوقت ذاته، هناك الكثير من الحديث في أروقة مهرجان القاهرة ومقاهيه في دار الأوبرا عن وضع الفيلم العربي، لكنه ليس الحديث الذي يستطيع تغيير السائد. لا وجود لمنتجين يملكون القرار بفتح الحنفية المغلقة لدر بعض الاستثمار في المواهب الفنية ولا لموزّعين أو أصحاب صالات يقررون ما هو خير للبلد في حربه ضد التطرّف. من هنا، إقامته، وإقامة سواه، تبقى، في عرف كثيرين هنا، خير ما يمكن تسديده على هذا الصعيد من سهام ضد أوضاع التطرّف والتهديد الأمني الموجود.
لذا ليس غريبا أن نجد الفنانين والمعنيين يتحدّثون في تصريحاتهم الصحافية وسواها عن انعقاد هذه الدورة وجدواها في مواجهة التطرّف وأعداء مصر الذين يريدون تقويض أمنها. على ذلك، فإن إيجابيات هذا المهرجان المتعددة، تجابهها حالة مستمرّة من السلبيات معظمها في نواحي التنظيم بين من هم دون مستوى الإدارة العليا.
هذا رغم أن البعض، من الإداريين الكبار أيضا، ينتقد بشدّة القسم الآخر من الإداريين الكبار متسائلا عن السبب في الفوضى التي تقع في عروض الأفلام (من تأخير ومن تجاوزات في شروط العرض وسواها). وعن أحدهم الذي لا يريد ذكر اسمه: «هناك أخطاء رهيبة نعلم بها نحن أكثر من الإعلام والجمهور. مال تتساءل أين صُـرف وموظفون مسؤولون لا يفعلون شيئا. هناك خيبة أمل وتخبّط شديد. يكفي ما ساد حفل الافتتاح من فوضى غير مفهومة الأسباب رغم الخبرة المتراكمة والوقت الذي كان متاحا لتفادي مثل هذه التجربة».
الفريق الآخر يرد بأن ما تخلل حفل الافتتاح كان خارجا عن الإرادة البشرية مثل هبوب الريح ما جعل المايكروفونات تنقل صوت الريح وصوت المقدّم والمتحدثين الكثر في وقت واحد. لكن لماذا لم تزوّد المايكروفونات بأجهزة رادعة لصوت الهواء طالما أن الحفل قرر أن يُـقام في الهواء الطلق؟

* نتاجات وأزمات
* يبدو ما حدث بعيدا الآن، لكنه لا يزال يتردد خصوصا مع اقتراب موعد الاختتام الذي سيقوم في مكان مفتوح آخر (الأهرامات)، لكن ما يتسبب في الضيق حقيقة أن عروض الأفلام كثيرا ما تبدأ متأخرة. لا نتحدث عن 5 أو 10 دقائق يمكن نسيانها (رغم أنها أيضا ليست مبررة) بل عن نصف ساعة وأكثر كما حدث مع فيلم محمد راضي «حائط البطولات».
في هذا النطاق، لا يشبه مهرجان القاهرة مهرجانا آخر بين المهرجانات العربية الرئيسة. الوقت لا يهدر (على النحو ذاته على الأقل) في سواه مثل مراكش ودبي وأبوظبي. لكن ذلك ليس اختيارا إداريا وليس ناتجا عن عدم اكتراث رئيس المهرجان بل عن عدم إنجاز الأشياء على نحو كامل بل توقّـف المسؤولين المنتدبين لهذه المهام عن المتابعة لأكثر من نصف ما هو متوقع.
هل يكمن الحل في إدارة أجنبية؟
لقد فعلتها المهرجانات الرئيسة العربية الأخرى: أبوظبي جلب أميركيا ودبي جلب كنديا والدوحة (الذي توقف بعد 4 سنوات) جلب أسترالية. أما مراكش فما زال يعمل بمقتضى إدارة فرنسية. بالنسبة لدبي وأبوظبي فقد استطاعا في الوقت المناسب التخلّـص من الإدارة الغربية من دون أي خسائر في المقابل. على العكس، زادت صلة المهرجانين بالهوية الوطنية الشاملة لدولة تريد أن تقتحم كل المجالات الإبداعية بنجاح من دون تردد أو كلل. لكن مهرجان مراكش لا يزال مرتبطا بتلك الإدارة ولا توجد أي نيّـة للتخلّـي عن هذا الارتباط ما يفسّـر سبب عزوف المهرجان عن توجيه بعض برمجته صوب المزيد من الأفلام المغربية والعربية الأخرى.
وضع السينما المغربية يختلف عن تلك المصرية ولو أن عدد الإنتاجات في السنوات الأخيرة أصبح متقاربا، هذا على الرغم مما قاله المنشّـط والسينمائي نور الدين الصايل وصرّح به. هو أكّـد على أن السينما المغربية احتذت بنجاح بما وفّـرته الأفلام المصرية السابقة من تجارب، وطالب- عن صواب- بأن لا تتخلّـى السينما المصرية عن ريادتها للسينما العربية.
لكنه أكد أن وضع السينما المغربية بخير إذ أنتجت نحو 25 فيلما في العام الحالي. الرقم هو جيّـد بلا ريب، لكن ليس فقط أن عدد الجيّـد من هذه الإنتاجات محدود (فهذا أمر شائع بين الكثير من الدول) بل إن صالات السينما في المغرب (كما في الجزائر وتونس) تقفل أبوابها ما يجعل عرض هذه الأفلام، تجارية أم فنيّـة، محدودا و- إذا ما استمر الحال- سيؤدي إلى انحسار.
أسباب ذلك متعددة من أهمها القرصنة وتعدد وسائل العروض حاليا. لكن الآمال الوحيدة تكمن في قدرة المنتجين والمخرجين المختلفين على المواصلة رغم قلّـة فرص العروض. من هذا الوضع ترتفع الأعمال الجيّـدة ومن الأزمات تنمو المواهب التي تريد أن تثمر أعمالها عن نتائج فنية مبهرة يُـتاح لها أكثر من الاشتراك في المهرجانات العربية المتزاحمة. تريد، والكثير منها فعل، الخروج من الخطوط الجغرافية العربية إلى العالم.
في هذا الصدد، وفي كل عام، تسجل السينما العربية خطوة، ولو صغيرة، إلى الأمام.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».