«لقد وصلت إلى باب الجحيم وعدت»... مصابون بـ«كورونا» يروون تجربتهم

مصابة عرفت نتيجة التحليل من التلفزيون... وأخرى تنصح الشباب: «الوباء ليس زكاماً»

رجل يرتدي قناعاً واقياً في أحد شوارع ليون الفرنسية (أ.ف.ب)
رجل يرتدي قناعاً واقياً في أحد شوارع ليون الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

«لقد وصلت إلى باب الجحيم وعدت»... مصابون بـ«كورونا» يروون تجربتهم

رجل يرتدي قناعاً واقياً في أحد شوارع ليون الفرنسية (أ.ف.ب)
رجل يرتدي قناعاً واقياً في أحد شوارع ليون الفرنسية (أ.ف.ب)

يخيّم الموت على المستشفيات والقلق على المنازل، وكذلك الوحدة والرغبة في المشاركة أو بالتغيير... مصابون بفيروس كورونا المستجد يروون آلامهم ومخاوفهم، وقد فضّل بعضهم عدم الكشف عن أسمائهم الكاملة، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية:
روما - فابيو بيفيرالي، طبيب قلب إيطالي من سكان روما يبلغ 65 عاماً: أمضى ثمانية أيام «معزولاً عن العالم» في قسم العناية الفائقة والإنعاش في مستشفى بوليكلينيكو اومبيرتو أونو في روما، وهي عيادة طب أسنان تم تحويلها إلى مستشفى لمواجهة الأزمة.
وقال فابيو «كنت أشعر بآلام غريبة (...) كأن هناك قرداً على ظهري. هكذا وصف أحد المرضى لدي العوارض التي شعر بها». وأضاف «علاج الأوكسجين مؤلم والبحث عن الشريان الكعبري صعب. كان أفراد الطاقم الطبي يقومون بذلك مرتين في اليوم. لقد ساعدني واقع أنني طبيب لتحمّل الألم. كان المرضى الآخرون يائسين يصرخون (كفى، كفى)!». وتابع «أُعطي مضادات للفيروسات، ضد الملاريا والإيدز وحتى عقار توسيليزوماب لالتهاب المفاصل».
وروى أن «الوقت الأصعب هو خلال الليل. لم أتمكن من النوم والقلق كان يجتاح الغرفة (...). تبدأ الكوابيس ويخيّم الموت». وقال «كنت أشعر بالخوف من أن أموت من دون أن أتمكن من الإمساك بأيادي أفراد عائلتي. كان اليأس يجتاحني».
كانت أجساد أفراد الطاقم الطبي «مغطاة بالكامل، القدمان واليدان والرأس. لم أتمكن من رؤية إلا عيونهم خلف الأقنعة الزجاجية. عيون فيها الكثير من العاطفة. لم أكن أسمع إلا أصواتهم. الكثير منهم كانوا صغاراً في السنّ، أطباء في الصفوف الأمامية. كانت لحظة أمل».

ووهان (الصين) - وان شونهو، صيني يبلغ 44 عاماً يعاني من ارتفاع ضغط الدمّ، هو مستثمر متزوج ولديه فتاة تبلغ تسعة أعوام: نُقل في 30 يناير (كانون الثاني) إلى مستشفى ميداني في ووهان (وسط)، حيث ظهر الوباء للمرة الأولى. تعافى بعد مرور 17 يوماً في المستشفى. وقد أمضى 14 يوماً في الحجر الصحي ينتظر أن يتلقى على هاتفه رمزاً يؤكد أن صحته سليمة.
في المرة الأولى التي ذهب فيها إلى المستشفى وكانت حرارة جسمه مرتفعة، تمّ تشخيص إصابته بـ«كوفيد - 19»، إلا أنه أُعيد إلى منزله مع مضادات حيوية لعدم توفر غرفة له. وقال «كنت مرعوباً».
تفاقمت حالة شونهو وبدأ بالسعال. أُدخل إلى أول مستشفى في 30 يناير، وتلقى علاجاً بالهرمونات لتخفيض حرارة جسمه، لكنه كان لا يزال يعاني من صعوبات في التنفس. كان هناك نقص في الأدوية، في حين استخدم العاملون الصحيون أكياس نفايات لتغطية أحذيتهم.
في الرابع من فبراير (شباط)، نُقل إلى أحد المستشفيين الميدانيين اللذين شُيّدا خصيصاً للمصابين بـ«كورونا المستجد» في ووهان. وقال «لم أكن خائفاً، لكن كان هناك خوف بين المرضى».
وأضاف «اليوم أرى الأمور بطريقة مختلفة. أشعر بهدوء حيال كل شيء، فعلاً هدوء. (...) لقد وصلت إلى باب الجحيم وعدت. رأيت أولئك الذين لم يتعافوا والذين ماتوا. هذا الأمر أثّر فيّ كثيراً. لم أعد آخذ أي شيء على محمل الجدّ».

جوهانسبرغ - كريستين، محللة جنوب أفريقية تبلغ 28 عاماً تعاني من تكهف النخاع الشوكي، ثبُتت إصابتها بـ«كورونا المستجد» في 20 مارس (آذار): لم يتمكن صديقها داوي وهو محام جنوب أفريقي يبلغ 30 عاماً وصحته جيدة، من إجراء الفحص لأن «النظام (الطبي) تحت الضغط»، لكن لديه العوارض نفسها. وهما يعزلان نفسيهما في المنزل في جوهانسبرغ حيث يعملان عن بُعد.
شعرت كريستين بأول عوارض بعد يومين من احتكاكها بزميلة لها مصابة وجاء الفحص ليؤكد الأمر. بعد ثلاثة أيام، أصبح داوي في الوضع نفسه. وتقول كريستين «العوارض تتقلّب من ساعة إلى أخرى. تذهب وتعود، كأنها موجات. الأمر مختلف عن الزكام: هناك إرهاق وصعوبة في التنفس وضغط على مستوى الصدر. الطريقة الفضلى لوصف ذلك هي كأنكم على علو مرتفع ولديكم صعوبة في التنفس».
يتساءل داوي أحياناً ما إذا كانا «يبالغان»؛ لأن «هناك أياماً نشعر فيها أننا بأحسن الأحوال. في اليوم نفسه، نرتعش (جراء الحرارة المرتفعة) وبعدها نشعر أننا تحسّنا. الأسوأ (...) هو خلال عطلة نهاية الأسبوع عندما واجهت صعوبة في التنفس وسألت نفسي ما إذا كان يجب أم لا الذهاب إلى المستشفى (...). شرح لي طبيبي كيفية معرفة ما إذا كان ينقصني الأكسيجين قائلاً (انظر ما إذا كان لون أظافرك تحوّل إلى الأزرق)».

مولوز (فرنسا) - جميلة كيروش، ربة منزل فرنسية تبلغ 47 عاماً كانت عاملة نظافة في السابق، متزوجة ولديها ثلاثة أبناء يبلغون 6 و11 و19 عاماً: أُصيبت بـ«كورونا المستجد» في 17 مارس وعزلت نفسها في منزلها في مولوز في شرق فرنسا حيث يتفشى المرض كثيراً.
وروت لوكالة الصحافة الفرنسية «أُصبت بنوبة سعال. في اليوم التالي، تفاقم الأمر، فقدت صوتي وحاستي الذوق والشمّ. عندما كنت أسعل، كنت ضعيفة، ضعيفة جداً. لم أجرِ الفحص، لكن الطبيب شخّص إصابتي بالفيروس».
وأضافت «توسّلت لزوجي كي يأخذ إجازة لمدة أسبوع لكنه يعمل في ملحمة، فقال لي (تخيلي إذا قام الجميع بذلك؟ لن يعود هناك طعام)».
وتابعت: «في المنزل، أرتدي قفازات وقناعاً واقياً. لا ألمس الطعام. لكن اثنين من أبنائي يسعلان».
واعتبرت أن «الأسوأ من كل شيء هو الفروض المدرسية. يضع أبنائي ضغطاً كبيراً على أنفسهم، يريدون أن ينجحوا في المدرسة. يعطيهم أساتذتهم فروضاً وكأن الوضع طبيعي. ابنتي البكر البالغة 19 عاماً تحضّر لشهادة الباكالوريا المهنية وأراها تبكي عندما لا تتمكن (من التركيز) ولا يمكنني أن أضمّها بين ذراعي ومواساتها ومساعدتها».
وتابعت «نفسيتي غير مرتاحة على الإطلاق. لا أكفّ عن البكاء، لا راحة، هذا الوضع يفوق قدراتي».

بوينس آيرس - ماريسول سان رومان، عالمة اجتماع وطالبة أرجنتينية تبلغ 25 عاماً: أُصيبت بـ(كوفيد - 19) في 10 مارس أثناء عشاء وداعي في مدريد بعد إغلاق معهد «إمبريسا» حيث كانت تتعلّم، قبل عودتها إلى وطنها. وهي تخضع للحجر الصحي في منزلها.
في 12 مارس، عادت إلى بوينس آيرس وبدأت حجراً صحياً إلزامياً فُرض على جميع العائدين من دول تفشى فيها الوباء. في اليوم التالي، ظهرت الأعراض الأولى. وروت «كانت حرارة جسمي 40 درجة مئوية، كاد حلقي ينفجر، كنت أشعر أنني أتمزّق من الداخل». وأضافت «ما إن رآني الطبيب، أدرك أنني كنت على احتكاك بمصاب؛ لأنه كان هناك أشخاص في صفّي في الجامعة مصابين بـ(كورونا المستجد)».
وقالت ماريسول إنها صدمت. «هذا الأمر لا يحدث، عمري 25 عاماً، أنا شابة، صحتي جيدة، هذا جنون».
يتجنّب والدها البالغ 65 عاماً الاحتكاك بها فيترك لها الطعام أمام باب غرفتها. ينبغي عليها وحدها أن تتعالج من التهاب رئوي ناجم عن سعالها وقياس معدّل الأكسيجين في الدمّ. وقالت إن فترة المرض هي «وحدة، وحدة كاملة».
انتشرت قصّتها وأجرت مقابلات كثيرة مع وسائل إعلامية. وقالت إنها تلقت إهانات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها عادت إلى البلاد في حين هي مصابة بالفيروس. لكنها قالت «حاولت من جهتي (...) أن أكسر الوصمة المقترنة بالمصاب بـ(كورونا المستجد)».
وكتبت على حسابها على تطبيق «إنستغرام» أن دورها اليوم هو أن تكون شخصاً لديه «يقظة اجتماعية»، «يقول للناس أن يصبحوا متيقظين لأن الأمر ليس مزحة، وأن كونكم شباباً لا يعطيكم مناعة ضد شيء، وأن (كورونا المستجد) ليس زكاماً».

باباهويو (الإكوادور) - لورينا مدرّسة إكوادورية تبلغ 33 عاماً: هي ابنة شقيقة «المصابة الأولى» في الإكوادور التي كانت عائدة من عطلة في إسبانيا واستقبلت باحتفال عائلي جمع نحو ثلاثين شخصاً في أواخر فبراير في المدينة الواقعة في جنوب غربي البلاد.
وروت لورينا «خالتي لم تذهب إلى أي مكان. لم يكن لديها وقت. عند وصولها، لم تكن بحال جيّدة (...) قالت لنا إنها تشعر بأن حرارتها مرتفعة أثناء الرحلة وأن الكثير من الناس كانوا يسعلون» في الطائرة.
في 22 فبراير، نُقلت الخالة البالغة 71 عاماً إلى مستشفى في غواياكيل، بؤرة الوباء في الإكوادور. وبعد أسبوع ثبُتت إصابتها وتمّ عزل أقربائها وإجراء الفحوص لهم. في الأول من مارس، رأوا على التلفزيون وزيرة الصحة كاتالينا اندرامونو - التي أُقيلت من منصبها مذاك - تعلن عن خمس إصابات في مؤتمر صحافي. وتقول لورينا في إشارة إلى هذه الإصابات الخمس «هم نحن!»، مضيفة «علمنا بالأمر عبر التلفزيون من دون إعلامنا» مسبقاً.
في 13 مارس، توفيت الخالة. وأصيب نحو عشرة أفراد من العائلة بينهم لورينا التي تعافت لاحقاً. لا يعرف أحد فعلا كيفية معالجة المرضى المعزولين في منازلهم. الأطباء «يقولون لي: (قومي بقياس ضغط الدمّ لهم، بنفسك) ويرفضون لمس أهلي».


مقالات ذات صلة

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

رياضة عالمية مشجع يحمل صورة للاعب تشاكا خلال مباراة سويسرا واسكوتلندا الأخيرة في دوري الأمم (أ.ب)

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

عوقب قائد المنتخب السويسري غرانيت تشاكا، الخميس، بغرامة مالية على خلفية استخدام شهادة مزورة لتلقيح ضد كوفيد خلال فترة تفشي الجائحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية بريل إمبولو خارج قائمة سويسرا بدوري الأمم (أ.ف.ب)

إمبولو يلحق بتشاكا خارج قائمة سويسرا في دوري الأمم

فقد منتخب سويسرا، الذي بلغ دور الثمانية في بطولة كأس العالم لكرة القدم، لاعباً ثانياً من قائمته في دوري أمم أوروبا بسبب قضايا تعود إلى سنوات مضت.

«الشرق الأوسط» (برن (سويسرا))
صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من وصمة عار إلى «ترند»... العلاج النفسي يتحوّل إلى موضة اسمُها «ثيرابي»

شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
TT

من وصمة عار إلى «ترند»... العلاج النفسي يتحوّل إلى موضة اسمُها «ثيرابي»

شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)

عام 2009، نشرت الـ«غارديان» تحقيقاً بعنوان «الصحة النفسية، أقوى المحرّمات». استندت الصحيفة البريطانية آنذاك إلى استطلاعٍ شمل 2000 شخص، أَقرَّ 30 في المائة منهم بأنهم يجدون صعوبةً في الإفصاح عن إصابتهم بخللٍ نفسيّ.

حدث ذلك في لندن قبل 17 سنة من الآن، أي في الماضي القريب، وفي بقعةٍ من العالم تُعَدُّ طليعيّةً في مجال الصحة النفسية وحرّيّة الفَرد واحترامه. لكن أين ذلك العنوان ممّا يشهده حالياً الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع عموماً، من طفرةٍ في المحتوى المرتبط بالصحة النفسيّة ومن بَوحٍ جماعيّ بكدمات النفس ونُدوبِها. وكأنّ الموضوع الذي وُضع في خانة المحرّمات لعقود، تحوّل خلال السنوات الماضية إلى موضة أو «ترند»، يُحاضر فيها ذَوو الاختصاص وحتى مَن لا يمتّون للاختصاص بصِلة!

من خانة المحرّمات إلى خانة «الترند»... الصحة النفسية موضة وسائل التواصل الاجتماعي (بكسلز)

بسرعةٍ قياسية، سقطت وصمة العار عن المشكلات النفسية، وصارت زيارة المعالج أو الـ«ثيرابي» أشبَه بساعة الـ«بيلاتيس» أو بموعد العناية بالبشرة. لعبت عوامل كثيرة دوراً في هذا التحوّل الجذري، أوّلها الانفتاح الذي يُسجَّل على وسائل التواصل الاجتماعي في التعامل مع موضوع الصحة النفسية، يليها تَهافُتُ المشاهير على البَوح علناً بآلامهم الدفينة وصدماتِ طفولتهم وخضوعهم لعلاج نفسي، وليس آخرها الآثار التي خلّفتها جائحة «كورونا» على الصحة النفسية والعلاقات البَشّريّة.

البطلة الأولمبية سيمون بايلز في طليعة المشاهير الذين جاهروا بمشكلاتهم النفسية (رويترز)

العلاج النفسي عبر التاريخ.. طرد أرواح وصدمات كهربائية

في القرون الوسطى، غالباً ما كان يُعزى المرض النفسي إلى مَسٍّ شيطاني أو خلل أخلاقي، وكانت العلاجات تشمل طقوس طرد الأرواح الشريرة أو العزل الاجتماعي، كما كانت تذهب أحياناً إلى حدّ الإعدام.

لم يتطوّر التعامل مع المرضى النفسيين ما بين القرنَين الـ17 والـ19، وذلك بالتزامن مع بدء إنشاء المصحّات العقليّة. كان يُعزل أي شخصٍ مصاب بصدمةٍ أو بعلّةٍ نفسية في تلك الأماكن المرعبة والشبيهة بالسجون. وبدلاً من محاولة فهم حالته، كان يواجَه بأساليب علاجيّة قاسية مثل تقنية إراقة الدم، أو جراحة فصّ الدماغ، أو جلسات الصدمات الكهربائيّة.

الصدمات الكهربائية من دين العلاجات القديمة للمرض النفسي (موقع جامعة كامبريدج)

فرويد.. «أبو الثيرابي»

بحلول القرن الـ20، وبفَضل «أبي التحليل النفسي» ومؤسِّس الـ«ثيرابي» بنُسختها المعاصرة سيغموند فرويد، شهدَ عالم الصحة النفسية تحوّلاً جذرياً. غيّر طبيب الأعصاب النمساوي مسار النقاش في مسبّبات الاختلال النفسي، فحوّلَها من الخرافات الخارقة للطبيعة باتّجاه الأفكار والمشاعر الكامنة في العقل الباطن. ارتكز فرويد إلى الحوار بين المعالج والمريض بدل التدخّلات الطبية العنيفة، واستقى الحلول من الغوص في تحليل الطفولة وتفسير الأحلام.

أبو التحليل النفسي طبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد (ويكيبيديا)

في القرن الـ20 كذلك، وتحديداً في الخمسينات، بدأ تطوير الأدوية النفسية مثل مضادات الاكتئاب والقلق. لَحِقَها في الثمانينات العلاج المعرفي السلوكي CBT، مقدّماً أساليب منهجيّة وعمَليّة للتعامل مع حالات الصحة النفسية.

شهدت أواخر القرن الـ20 بدايةً خجولة لسقوط وصمة العار عن المرض النفسي وعلاجه. اتّخذت الرعاية الصحية طابعاً أكثر إنسانيةً وتعاطفاً، غير أنّ الأحكام الاجتماعية ظلّت قاسية. حتى هوليوود لم تُبدِ تفهُّماً للمرض النفسي، فتكرّرت في السينما والمسلسلات الصور النمطيّة عن العلاج النفسي، من خلال شخصيات المعالجين المتّسمة بالبرود العاطفي والتي تستخدم أساليب غامضة ومثيرة للسخرية أحياناً. أما شخصية المصاب بمشكلة نفسية فغالباً ما جرى تصويرها على أنها تفتقر للاستقرار وتشكّل مصدر خطر وإجرام.

شهد القرن الـ20 مقاربة أكثر إنسانيةً وتفهّماً للمرض النفسي (بكسلز)

اليوم العالمي للصحة النفسية

خلال العقد الأخير، اجتمعت عوامل عدّة لتُسقط وصمة العار بشكلٍ شبه نهائي عن المرض النفسي، والأهمّ عن علاجه الذي باتَ يُحكى عنه في الإعلام والمجالس الخاصة على حدٍ سواء، من دون مواربة.

من بين أولى العوامل التي حفّزت هذا التغيير في النظرة، حملات التوعية العالمية إلى أهمية الصحة النفسية وعلى رأسها استحداث اليوم العالمي للصحة النفسية في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام.

سرعان ما التقط الإعلام الإشارة فتبنّى التوعية بدَوره من خلال البرامج التلفزيونية والتحقيقات الصحافية، التي ساهمت في إسقاط وصمة العار عن المرض النفسي، بمجرّد أن تُدخل المُصطلح إلى البيوت وتشرحَه وتبسّطَه لساكنيها الذين كانوا يتفادون ذكره ويخجلون منه.

شعار هذه السنة لليوم العالمي للصحة النفسية (الاتحاد العالمي للصحة النفسية)

«ثورة الصحة النفسية» على يد «السوشيال ميديا»

إلّا أنّ ما يمكن تسميتُه «ثورة الصحة النفسية»، انطلق فعلياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ بفِعل فيديوهات المؤثّرين والمقولات المُلهمة ونصائح علماء النفس، المحفّزة كلّها على الاعتناء بالصحة النفسية، وحب الذات، وعدم الخجل من المعاناة النفسيّة.

تَزامنَت تلك الفَورة في المُجاهَرة بمكنونات النفس، مع جائحة «كورونا» التي نتجت عنها آلامٌ نفسية كثيرة. تَضاعفَ الوعي الجماعي إلى أنّ الصحة النفسية والعقليّة هي حقيقة تمسّ الجميع، وليست خيالاً أو مجرّد «كلام إعلام». وبالتالي، لن يكون ما بعد 2020 إطلاقاً كما كان قبله بالنسبة إلى موضوع الصحة النفسية، وأولى الدلائل على ذلك أنّ عمليات البحث عن عبارة «الصحة النفسية» ارتفعت أكثر من الضعف ما بين 2020 و2024 وفقاً لـ«غوغل ترندز».

شكّلت جائحة «كورونا» نقطة تحوّل في التعامل مع الصحة النفسية والإقرار بأهميتها (أ.ف.ب)

وبما أنّ الجيل زد (مواليد 1997 إلى 2012) هو في طليعة ضحايا موجة القلق والاكتئاب التي تجتاح العالم منذ 5 سنوات، وبما أنّ أبناء هذا الجيل هم توائم «السوشال ميديا»، لا يواجهون صعوبةً ولا خجلاً في التعبير عن مشكلاتهم النفسية علناً وعبر حساباتهم على وسائل التواصل. تُلهِمُهم في ذلك طبعاً شخصياتٌ شابّة محبوبة تحدّثت عن صدمات الطفولة وعن الخضوع لعلاج نفسي؛ من بين هؤلاء الأمير هاري، والفنانون سيلينا غوميز وبيلي آيليش وجاستن بيبر، والبطلة الأولمبية سيمون بايلز، وغيرهم الكثير.

تحدّث الأمير هاري مراراً عن معاناته النفسية الناتجة عن صدمات الطفولة (رويترز)

الصحة النفسية ضحيّة التسليع؟

لكلّ ثورةٍ تَبِعاتها السلبيّة، لا سيّما إذا كانت مُحرّكاتُها الرئيسة تدور على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث هوَس «الترند» والمشاهَدات والمبيعات.

لا تكفي عبارات مثل «فكّر بإيجابيّة» و«أحبب نفسك أوّلاً» لعلاج الاكتئاب الحادّ أو القلق المُزمن. فهذه الإيجابيّة السامّة تؤذي أكثر ممّا تفيد المتألّمين نفسياً، لا سيّما منهم مَن ليس بوسعهم تكبُّد تكاليف العلاج.

وكما أنّ الصحة النفسية والعلاج لا يجب أن يكونا من المواضيع المحرّمة، ليس من المستحبّ كذلك أن يتحوّلا إلى مجرّد «ترند» بما تحمل من تسليعٍ واستسهال وتسخيف، والأخطر بما قد ينتج عنها من تشخيصٍ خاطئ، ومعلوماتٍ غير دقيقة، واستخدامٍ عبثيّ للمصطلحات النفسيّة.


بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
TT

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

أقرَّ وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس (آذار) من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

وجاء الاعتماد، خلال اجتماع للوزراء في المنامة، الخميس؛ بناءً على مقترح تقدَّمت به السعودية ممثلةً بمجلس شؤون الأسرة، انطلاقاً من مبادرة كويتية لتخصيص يوم للمرأة الخليجية، وحظي بتوافق أعضاء اللجنة الدائمة لشؤون المرأة بدول الخليج.

ويستند اختيار 4 مارس إلى الدلالة التي تحملها المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون، وما تجسده من أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء، بما يعكس دور المرأة بصفتها شريكاً فاعلاً في مسيرة العمل الخليجي المشترك.

ويكتسب التاريخ بُعداً إعلامياً لوقوعه في مستهل الشهر الذي يشهد اهتماماً عالمياً بقضايا المرأة، بما يتيح مساحة خليجية للاحتفاء بها وإبراز إسهاماتها، قبيل يومها الدولي في 8 مارس.

ناقش المجتمعون استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة (مجلس التعاون)

ويُمثِّل اعتماد يوم المرأة الخليجية مناسبة سنوية لإبراز إسهاماتها وحضورها في مختلف المجالات، وتقديم تجربة تعكس خصوصية دول مجلس التعاون وهويتها المشتركة.

كما تُعزِّز هذه المناسبة السنوية حضور المرأة في مسارات العمل الخليجي المشترك، بما يجسد روح التكامل والتعاون بين دول المجلس.

وناقش الاجتماع عدداً من الموضوعات المتعلقة بتطوير التعاون، بينها استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة، التي تتناول محاور عدة، من أبرزها، مهارات سوق العمل، ومكافحة العمل الجبري والاتجار بالأشخاص، وتعزيز التوازن وتكافؤ الفرص في السوق.

وبحث الوزراء مواصلة إعداد الإطار الاسترشادي الخليجي للوظائف الخضراء، وآخر لتنظيم وتوحيد جهود استقدام عمال الخدمة المنزلية في دول المجلس، ومشروع لتنظيم بيئة العمل في اقتصاد المنصات، وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وجاهزية أسواق العمل.


بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
TT

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

في عام 2006، أثار فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة الأميركية صوفيا كوبولا - بأسلوبه الخيالي وألوانه الزاهية التي تشبه الحلوى - انقساماً في الآراء بين الجمهور، وذلك بسبب تفاصيل حديثة مثل أحذية للمصمم مانولو بلانيك، والموسيقى التصويرية المعاصرة. ومع ذلك، تحوَّل الفيلم بمرور الوقت إلى عمل كلاسيكي، ويحتفي «قصر فرساي» بالذكرى الـ20 لصدوره من خلال معرض يُقام في «بيتيت تريانون (Petit Trianon)»؛ وهو القصر الصغير الواقع ضمن المجمع الملكي والذي خُصِّص للملكة لاستخدامها الخاص في سبعينات القرن الـ18، حيث صُوِّرت أجزاء من فيلم «ماري أنطوانيت».

يُقام المعرض تحت إشراف هيلين ديلاليكس ولوران سالومي ويستمر حتى 24 يناير (كانون الثاني)، حيث يعرض من جديد الأزياء التي صمَّمتها ميلينا كانونيرو (والتي نالت عنها جائزة الأوسكار) إلى جانب مجموعة من الدعائم السينمائية والرسومات التخطيطية والصور الفوتوغرافية. وفي الغرف الخاصة بماري أنطوانيت، تُستخدَم تماثيل عرض الملابس (ألمانيكان) لإعادة تجسيد بعض المشاهد واللقطات من الفيلم.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

كما تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور، التي صوَّرت نحو 100 ساعة من اللقطات خلف الكواليس بهدف إنجاز فيلم وثائقي. ورغم رحيل إليانور كوبولا في عام 2024 دون إتمام المشروع، فإن ابنتها أكملته نيابة عنها. ومن المقرر طرح الفيلم الوثائقي «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)» - الذي يُعدُّ بمثابة كبسولة زمنية توثِّق الفيلم الأصلي ومسيرة مخرجة شابة كانت تشق طريقها في عالم السينما - في دور العرض الأميركية بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول).

في مقابلة حديثة، تحدثت كوبولا (55 عاماً) عن عودتها إلى قصر فرساي، ونضالها من أجل إبراز المنظور النسائي في الفيلم، ومشاهدتها لمقاطع فيديو معدلة بأسلوب «الهيب هوب» لفيلم «ماري أنطوانيت» على منصة «تيك توك».

فيما يلي مقتطفات محرَّرة من تلك المحادثة.

* هل شعرتِ بالمفاجأة عندما تواصل معكِ مسؤولو «قصر فرساي» بخصوص هذا المعرض؟

- نعم، لقد فوجئت حقاً؛ كان شعوراً سريالياً أن أُوجد هناك مجدداً، في المقر الحقيقي لماري أنطوانيت، ومعي الأزياء التي استُخدِمت في نسختنا من الفيلم. لقد أعجبني اهتمام القائمين على المعرض بمواد التحضير والأبحاث، لذا تحمَّست لفتح الصناديق التي كنت أحتفظ بها في مخزن بمنزل عائلتي في «نابا فالي». كما احتفظت آن سيبيل، مديرة العمل الفني، بكثير من الأشياء، وقامت مُصمِّمة الأزياء الرائعة لدينا، ميلينا كانونيرو، بتتبع قطع مختلفة وتجميع الإكسسوارات لإعادة تشكيل المشهد بالكامل، حتى إننا أعدنا تهيئة بعض أنظمة الإضاءة التي استُخدمت في الفيلم.

* ما الذي تتذكرينه عن مشاعركِ في العمل على الفيلم؟

- كان الأمر مرهقاً ومربكاً للغاية، لأنني لم يسبق لي أن توليت مشروعاً بهذا الحجم من قبل. تطلب إنجاز العمل وجود عدد هائل من الأشخاص، بمَن في ذلك الممثلون الثانويون (الكومبارس) وطاقم العمل. أعتقد أنني كنت أتمتع بنوع من السذاجة التي تميِّز مرحلة الشباب؛ فلا أظن أنني سأقدم على خطوة مثل هذه الآن.

لكنني كنت أمتلك رؤيةً واضحةً للغاية في مخيلتي، وكنت أسعى حقاً لتقديم نوع مختلف من الأفلام التاريخية. فالأفلام التي نشأتُ عليها كانت تعتمد على مشاهد بصرية ضخمة تشبه اللوحات الفنية؛ إذ كان ينتابني دائماً شعور بأنك تنظر إلى التاريخ من بعيد، بينما أردتُ لهذا الفيلم أن يمنح المشاهد شعوراً بالانتقال الفعلي عبر الزمن والعيش جنباً إلى جنب مع الشخصيات، وعندما زرتُ الغرف الخاصة الحقيقية لماري أنطوانيت، أدهشني أن الأقمشة كانت تتميَّز بلون فيروزي زاهٍ؛ وهو أمر لم يكن مألوفاً في الأفلام التاريخية آنذاك، حيث كانت الألوان السائدة دائماً هي درجات الألوان الترابية الهادئة والباهتة.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* هل فاجأكِ الجدل الذي أُثير حول المفارقات الزمنية (استخدام عناصر حديثة في سياق تاريخي) في الفيلم عند صدوره؟

- كان أمراً محبطاً أن يشعر البعض بالإساءة الشديدة بسبب ذلك. بالنسبة لي، يصعب عليّ استيعاب فكرة أن الموسيقى الحديثة قد تكون مسيئة للناس إلى هذا الحد، خصوصاً أن هذا الأسلوب أصبح شائعاً جداً الآن. كنت أدرك أن قيام مخرجة أميركية بتقديم هذه القصة قد يُنظَر إليه بوصفه أمراً مستفزاً أو متمرداً بعض الشيء، لكنك لا تستطيع أبداً التنبؤ مسبقاً بكيفية تلقي الجمهور للأعمال الفنية.

* يبدو أن سمعة الفيلم قد تغيرت بشكل ملحوظ منذ طرحه. هل تشعرين بذلك؟

- بالتأكيد. أشعر بأن الفيلم اكتسب جمهوراً جديداً تماماً من الشباب؛ فابنتاي تريانني مقاطع فيديو معدلة للفيلم على أنغام موسيقى الهيب هوب عبر تطبيق «تيك توك»، وهو أمر أحبه كثيراً. لقد كانت مفاجأة سارة وممتعة، لأن الأفلام عادةً لا تحظى بالحديث عنها أو الاهتمام بها بعد فترة من عرضها.

* سيصدر الفيلم الوثائقي الذي قمتِ بمونتاجه استناداً إلى اللقطات التي صوّرتها والدتك، «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)»، في الولايات المتحدة خلال شهر أكتوبر. لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت للعودة إلى تلك المادة؟

- لم يُستخدَم سوى جزء صغير جداً منها كمادة إضافية لإصدار الـ«DVD» في ذلك الوقت، ثم مضينا قدماً في حياتنا؛ فقد كنت منشغلة بإنجاب وتربية أطفالي ونسيت الأمر تماماً. ولكن خلال الجائحة، اجتمعت العائلة بأكملها في منزلنا في «نابا». أخرجت أمي اللقطات لمشاهدتها، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراها فيها. لقد كان أمراً مذهلاً بالنسبة لي أن أرى كل التفاصيل التي التقطتها عدستها، وكل جوانب الحرفية والإتقان: الأزياء، والشعر المستعار، والزهور. كانت لديها رغبة حقيقية في تقديم عمل فني باستخدام تلك اللقطات. لقد رحلت عن عالمنا قبل عامين، لكن في أواخر حياتها، كان إنجاز هذا الفيلم أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لها، وقد وعدتها بأنني سأفعل ذلك. لقد عملت كثيراً خلال العام الماضي مع مونتير وصديق لوالدتي، محاولةً استشراف الطريقة التي كانت تود أن يُصاغ بها الفيلم، رغم صعوبة تكوين رؤية موضوعية للأمر؛ نظراً لأنني أظهر فيه، ولأن رؤية نفسي في تلك المرحلة العمرية المبكرة تسبب لي نوعاً من الحرج.

جيسون شوارتزمان وكيرستن دانست في مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* لماذا؟

- لأنني لم أكن أتمتع حينها بتلك الثقة في فرض رأيي أو إثبات ذاتي؛ كنت لا أزال أشق طريقي بوصفي مخرجةً شابةً. وفكرتُ أن هذا قد يكون مثيراً لاهتمام الشباب الآخرين الشغوفين بالسينما، ليروا كيف تتطور رحلة الإنسان بوصفه شخصاً مبدعاً. كما أن الأمر يتيح لي الرؤية من خلال عيني والدتي، وهي تراقب ابنتها في أثناء العمل. لقد كان العمل على هذا الفيلم تجربة عاطفية للغاية، وشعرتُ بأنه بمثابة هدية تركتها لي.