هل تسترت الصين على عدد وفياتها؟

«هدنة» شي ـ ترمب مهددة بالانهيار مع تزايد الاتهامات

عامل توصيل ينتظر خارج فرع «ماكدونالدز» في ووهان أمس (إ.ب.أ)
عامل توصيل ينتظر خارج فرع «ماكدونالدز» في ووهان أمس (إ.ب.أ)
TT

هل تسترت الصين على عدد وفياتها؟

عامل توصيل ينتظر خارج فرع «ماكدونالدز» في ووهان أمس (إ.ب.أ)
عامل توصيل ينتظر خارج فرع «ماكدونالدز» في ووهان أمس (إ.ب.أ)

أثار إعلان الصين رفع الحظر عن بؤرة وباء كورونا الأولى، هوباي، أمل الملايين عبر العالم بقرب انتهاء الجائحة التي أصابت مليون شخص وأودت بحياة عشرات الآلاف، لكنّه أثار في الوقت ذاته حفيظة عدة دول حول مصداقية الحصيلة الصينية الرسمية للإصابات والوفيات.
وبعدما تحدّثت تقارير بريطانية خلال الأيام الماضية عن «غضب» لندن من تكتّم بكين على الحجم الحقيقي لعدوى «كوفيد - 19»، وجّه تقرير استخباراتي أميركي مساء الأربعاء اتّهامات مباشرة للصين بـ«التضليل» بشأن الحصيلة التي نشرتها لضحايا فيروس كورونا المستجدّ على أراضيها، مؤكّدا أنّ العدد الحقيقي للوفيات الناجمة عن الوباء أعلى بكثير.
ورجّحت مصادر حكومية بريطانية تأخير مشاريع «الجيل الخامس» التي يشارك فيها عملاق الاتصالات الصيني «هواوي» لجهة العراقيل التي يطرحها وباء كورونا، واستجابة لضغوط بعض النواب الميّالين إلى الطرح الأميركي المشكك في «نوايا» بكين. وقال زعيم حزب المحافظين السابق، إيان دانكن سميث، في مقال نشرته صحيفة «ميل أون صنداي» إن الدول سايرت الصين لوقت طويل، على أمل انتزاع اتفاقات تجارية. «لكن بمجرّد ما تنتهي هذه الجائحة الفظيعة، ينبغي علينا إعادة التفكير في هذه العلاقة، وبنائها على أساس متّزن أكثر وصريح».
وذهبت صحيفة «صنداي تايمز» أبعد من ذلك، ناقلة عن مصادر لم تُسمّها أن مستشاري رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون العلميين رجّحوا أن تكون الأرقام الحقيقية للإصابات داخل الصين أعلى من تلك المعلنة بـ15 إلى 40 مرة. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطّلع: «هناك حملة تضليل مثيرة للاشمئزاز، وهي غير مقبولة. إنهم (الحكومة الصينية) يعرفون أنهم أخطأوا بشدة، (...) وينشرون الأكاذيب».
من جهتها، تقدّر الاستخبارات الأميركية أن عدد الوفيات والإصابات بفيروس كورونا الذي أعلن في الصين «خاطئ» و«بعيد عن الواقع»، وفق ما نقلت «بلومبيرغ» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين مطّلعين. وجاء ذلك في تقرير استخباراتي تلقى البيت الأبيض نسخة منه الأسبوع الماضي، واطّلع عليه عدد من المشرّعين الأميركيين.
وقال السيناتور الجمهوري بن ساسي، إن «الادعاء بأن عدد الوفيات بفيروس كورونا في الولايات المتحدة أكبر مما هو في الصين خاطئ»، مؤكدا أن «الحزب الشيوعي الصيني كذب ويكذب وسيواصل الكذب بشأن فيروس كورونا المستجد من أجل حماية النظام». ورأى زميله في مجلس النواب، ويليام تيمونز، أن «الاستخبارات الأميركية أكدت ما نعرفه أساسا: الصين أخفت خطورة الفيروس لأشهر»، معتبرا أن «العالم يدفع اليوم ثمن خطئهم»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وتنتقد مصادر غربية منذ أيام حملة «التضليل» التي تنتهجها بكين، التي يتّهمونها بمحاولة التسويق لانتصارها على الوباء مبكّرا، وتوجيه أصابع الاتهام إلى الخارج. وكانت بكين قد خرجت باتّهامات غير مسبوقة للجيش الأميركي، وحمّلته مسؤولية «نشر» الفيروس في ووهان، ما تسبب في تلاسن شديد اللهجة بين واشنطن وبكين. وتزامن وصف الرئيس الأميركي ووزير خارجيته الجائحة بـ«الوباء الصيني» أو «فيروس ووهان»، مع طرد الصين صحافيين أميركيين من أراضيها.
ونجح الرئيسان الأميركي والصيني في إبرام «هدنة دبلوماسية» في اتّصال جمعهما قبل أيام، عبّر ترمب على إثره عن احترامه لجهود بكين في مكافحة الفيروس. إلا أن هذه الهدنة لم تصمد طويلا، وانتقلت المواجهة الكلامية من مرحلة التشكيك إلى الاتهامات المباشرة، وإن لم تصدر رسميا من البيت الأبيض.
وعند سؤاله عن حقيقة تستر بكين على الأرقام الرسمية، اكتفى ترمب بالقول إن «أرقامهم تبدو أقل من الواقع قليلا»، قبل أن يسارع للتأكيد أن العلاقات الثنائية مع الصين «جيدة»، وأنه يبقى قريبا من نظيره الصيني شي جينبينغ.
وذهب نائب الرئيس الأميركي مايك بنس أبعد من ذلك، وقال في تصريحات لشبكة «سي.إن.إن» مساء الأربعاء: «ما يبدو واضحا الآن هو أن المرض تفشى في الصين قبل وقت طويل من إدراك العالم في شهر ديسمبر (كانون الأول) أنها تواجه هذا الوباء... وربما قبل شهر كامل من ذلك».
وبدت منسّقة خلية الأزمة التي شكلها البيت الأبيض لمكافحة الوباء وكأنها تؤكد أن الحصيلة الصينية المعلنة أقل من الواقع. وقالت الطبيبة ديبورا بيركس: «أعتقد أن الهيئة الطبية رأت من خلال الأرقام الصينية أن الأمر خطير، لكنه أقل من أن يثير مخاوف». وتابعت: «أعتقد أننا كنا نفتقد حجما كبيرا من الإحصائيات، بالنظر إلى ما حصل في إيطاليا ويحصل في إسبانيا».

في المقابل، رفضت بكين هذه الاتهامات، ووصفتها بـ«الوقحة». وقالت وزارة الخارجية الصينية، أمس، إن المسؤولين الأميركيين يدلون بتعليقات «وقحة» تلقي بظلال من الشك على تقارير الصين عن حالات الإصابة بفيروس كورونا في البلاد. وأكدت المتحدثة باسم الوزارة، وفق وكالة رويترز، أن الصين تصرفت بطريقة منفتحة وشفافة بشأن تفشي الفيروس، الذي بدأ في البلاد أواخر العام الماضي. وأضافت أنه يتعين على الولايات المتحدة التوقف عن تسييس قضية صحية، والتركيز بدلا من ذلك على سلامة شعبها.
ولا شكّ أن هذا النقاش سيهمين على العلاقات الصينية - الغربية خلال الأشهر، وربما السنوات، المقبلة مع تمدد تداعيات الوباء عبر العالم، الاقتصادية منها والبشرية. فما حقيقة تستر بكين على الأرقام الحقيقية لإصابات «كوفيد - 19» ووفياته داخل أراضيها؟
اعتمدت تقارير إخبارية صينية وغربية على صور وشهادات من سكان مدينة ووهان، بؤرة الوباء، كمؤشر على أن عدد الوفيات يتجاوز بكثير رقم 2548 المعلن رسميا. كما أشارت إلى أن صدور قرار إغلاق دور السينما على صعيد البلاد، بعد ساعات قليلة من الاحتفاء بإعادة فتحها في غالبية مناطق الصين، دليل على أن الوباء ليس تحت السيطرة بعد.
ونشرت شبكة «كيشين» الصينية صورا لعشرات الأوعية لحفظ رماد الموتى، قبل توزيعها على الأهالي. فيما نقل موقع «راديو فري آسيا»، المدعوم أميركيا، إن 7 دور عزاء على الأقل بدأت مطلع الأسبوع الماضي في توزيع حوال 500 وعاء لأهالي الموتى يوميا، ما يرفع عدد الوفيات عدة أضعاف بالمقارنة مع الحصيلة الرسمية.
إلا أنه يصعب الاعتماد على هذه التقديرات كإحصائيات موثوقة، إذ أن هذه الأرقام قد تشمل المتوفين من أسباب لا علاقة لها بالوباء خلال فترة الإغلاق التام التي استمرت شهرين، والتي كان يُمنع خلالها على الأهالي المشاركة في أي تأبين أو حتى تسلم رماد المتوفّين، كما أشارت مجلّة «فورين بوليسي».

ومثلما يستحيل الجزم في حقيقة حصيلة الوفيات الصينية جرّاء الوباء، يصعب كذلك تحديد ما إذا كانت حكومة شي تتعمّد إخفاء الأرقام الحقيقية، أم أن تقنية حساب الإصابات تواجه تحديات شبيهة بتلك التي تواجهها بقية بلدان العالم لندرة أجهزة الفحص، أو عدم دقّتها، أو تجاهلها الإصابات الطفيفة.
وقد نشرت بكين، أول من أمس، للمرة الأولى عدد الأشخاص المصابين بفيروس «كورونا» والذي لا تبدو عليهم أي أعراض، عقب ضغوط من الداخل ومخاوف من عودة تفشي الوباء. ولم تكن البلاد تعلن حتى الآن إلا عن المصابين الذين تظهر عليهم أعراض المرض. وكانت اللجنة قد أعلنت، أول من أمس، أنها ستبدأ بنشر معلومات يومية حول هذه الحالات التي لا تظهر عليها أعراض المرض وتعد معدية، في مسعى لتهدئة القلق المتزايد لدى المواطنين. وصدرت دعوات إلكترونية للحكومة للكشف عن مثل هذه الحالات، بعدما قالت السلطات في نهاية الأسبوع إن امرأة مصابة في إقليم هينان كانت على تواصل مع ثلاث حالات لا تظهر عليها أعراض المرض. لكن هذه الحالات لا تضاف إلى الحصيلة الرسمية للإصابات، إلا حين تظهر عليها أعراض المرض.
أما العامل الآخر الذي قد يكون وراء نشر الصين إحصائيات متواضعة عن عدد الوفيات والإصابات، هو تستر مسؤولين محليين على حقيقة تفشي الوباء في أقاليمهم خوفا على مستقبلهم السياسي، واستجابة لمطالبة القيادة في بكين بفرض إجراءات صارمة لتصفير الإصابات المحلية.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.