مساعٍ انقلابية للسطو على حوافز نقدية لـ130 ألف معلم

TT

مساعٍ انقلابية للسطو على حوافز نقدية لـ130 ألف معلم

أفادت مصادر تربوية يمنية في صنعاء، بأن الميليشيات الحوثية بدأت مساعي حثيثة هذا الأسبوع من أجل السطو على الحوافز النقدية المقدمة عبر «يونيسيف» لنحو 130 ألف معلم في مناطق سيطرة الجماعة الانقلابية الموالية لإيران.
وكانت «يونيسيف» شرعت من أواخر 2018 في تمويل سعودي وإماراتي في اعتماد حوافز نقدية للمعلمين في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية قدرها 50 دولاراً في الشهر بعد أن أقدمت الجماعة على توقيف رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لها بمن فيهم المعلمون وكوادر القطاع التربوي.
وذكرت مصادر تربوية وأخرى نقابية لـ«الشرق الأوسط»، أن قادة الميليشيات الحوثية بإيعاز من يحيى الحوثي شقيق زعيم الجماعة المعين وزيراً لتربية وتعليم الانقلاب، بدأت في عقد اجتماعات مع المسؤولين في «يونيسيف» لجهة الضغط على المنظمة الدولية لإحلال عناصر الجماعة في كشوف صرف الحوافز النقدية عوضاً عن المعلمين المعتمدين في المدارس من قبل الانقلاب على الشرعية في 2014.
واتهمت المصادر الجماعة الحوثية بأنها تسعى إلى القضاء على آخر رمق في قطاع التعليم من خلال مصادرة الحوافز النقدية المخصصة لمساعدة المعلمين الذين يكافحون منذ أربع سنوات في مناطق سيطرة الجماعة دون رواتب.
وأكد مدير مدرسة لتعليم البنين في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم ذكر اسمه خشية التنكيل به، أن قادة الميليشيات يزعمون أن الدراسة توقفت حالياً بسبب الإجراءات الاحترازية من تفشي فيروس كورونا، وأن هذا يجعل المعلمين غير مستحقين للحوافز النقدية.
ونددت وكيلة مدرسة للبنات بالسلوك الحوثي التعسفي الذي يريد أن يحرم المعلمين والمعلمات من الحافز النقدي المقدم عبر «يونيسيف» على ضآلته، وقالت لـ«الشرق الأوسط»، «بإمكان الجماعة الحوثية دفع رواتب المعلمين والموظفين بكل سهولة من العائدات الضخمة التي تجنيها من الضرائب والزكاة والإتاوات والجمارك وموارد المؤسسات، إلا أنها بدلاً من ذلك تخطط الآن للسطو على الفتات المقدم من (يونيسيف)».
وضربت وكيلة المدرسة مثالاً على استهتار الجماعة الحوثية بالتعليم والمعلمين، حين كشفت عن قيام الجماعة بإجبار المؤسسات الإيرادية في العاصمة صنعاء على تقديم مبلغ 650 مليون ريال هذا الأسبوع لمصلحة مقاتلي الميليشيات في الجبهات، (الدولار نحو 600 ريال) وقالت «إن هذا المبلغ وحده كان يكفي لصرف رواتب 10 آلاف معلم ومعلمة».
في غضون ذلك، زعمت المصادر الرسمية للجماعة، أن عناصرها في قطاع التربية والتعليم وما تسميه الجماعة «المجلس الأعلى لتنسيق الشؤون الإنسانية» عقدوا اجتماعاً مع المسؤولين في مشروع الحوافز النقدية المقدم من منظمة «يونيسيف» للمعلمين.
وأفادت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» بأن قادة الجماعة شددوا «على أهمية التنسيق الإيجابي لصرف حوافز المعلمين»، وقالوا «نريد أن تكون هذه الحوافز ميزة لا مشكلة يترتب عليها مزيد من الأعباء». وفي حين زعم عناصر الجماعة خلال الاجتماع، أن «يونيسيف» لم تلتزم بالمعايير والآليات المتفق عليها لتحقيق هدف تحفيز المعلمين في القطاع التربوي، كشفوا عن أنهم «أعدوا قوائم للمعلمين والمتطوعين من عناصر الجماعة وسلموها للمنظمة الدولية غير أن الأخيرة» اعتمدت قوائم الصرف للعام الماضي.
وبينما شدد مسؤولو الجماعة على «يونيسيف» لاعتماد الكشوف التي أعدوها، تؤكد مصادر تربوية في صنعاء أن الجماعة الحوثية لم تكتف بآلاف الأسماء من الموالين لها الذين فرضتهم في العامين السابقين ضمن كشوف صرف الحافز، بل تريد أن تضيف المزيد منهم تحت مسمى «المتطوعين الجدد».
وسبق للجماعة الحوثية عرقلة صرف الحوافز النقدية المقدمة عبر «يونيسيف» للمعلمين في مناطق سيطرتها أكثر من مرة، كما أنها فرضت - بحسب اتهامات حكومية وأخرى تربوية - استقطاع جزء من الحافز لمصلحة قياداتها في قطاع التربية، وأحلت المئات من عناصرها للحصول على الحافز بدلاً من المعلمين الحقيقيين.
يشار إلى أنه منذ سيطرت الجماعة المسنودة إيرانياً على صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014 وانقلبت على الحكومة الشرعية بدأت في نخر كل مؤسسات الدولة وثقافة المجتمع وتعليمه وعاداته وتقاليده، وحولت المدارس إلى ساحات للتطييف والتجنيد وحشد المقاتلين من المراهقين وصغار السن.
وبحسب التقارير الحكومية الرسمية وغيرها من تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، فهناك «نحو 4.5 ملايين طفل يمني تسربوا وحُرموا من التعليم منذ انقلاب الميليشيات الحوثية بسبب تدمير الجماعة للمدارس وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، وسعيها إلى تعطيل العملية التعليمية والاستفادة من الأطفال في التجنيد والزج بهم في جبهات القتال، إضافة إلى وضع مناهج تدعو للطائفية والكراهية وتهدد النسيج الاجتماعي».
وتقدر التقارير، أن نحو مليون طفل على الأقل لقوا حتفهم منذ الانقلاب الحوثي، سواء أكان ذلك بسبب الاستهداف المباشر جراء القصف والقنص أو الألغام أو بسبب عدم تلقي اللقاحات والدعم الصحي والغذائي.
وبسبب فساد الميليشيات الحوثية وقيامها بتجريف قطاع التعليم، تذكر تقارير حكومية أن أكثر من مليوني طفل يمني في سن الدراسة تحولوا إلى سوق العمل، حيث يقومون بأعمال شاقة من أجل إطعام أنفسهم وأسرهم.
ولأن سياسة الجماعة تقوم على مساعيها الحثيثة لتجهيل المجتمع واستقطابه إلى منظومتها الطائفية والعقائدية استطاعت - بحسب التقارير الحكومية - تجنيد نحو 25 ألف طفل في صفوفها للقتال، فضلاً عن مئات الطلبة الذين قامت بخطفهم عنوة وإلحاقهم بمعسكرات التجنيد على مدار السنوات الخمس الماضية.
وإمعاناً من الميليشيات في تجريف هذا القطاع الحيوي، لم تكتف بحرمان نحو 130 ألف معلم من رواتبهم، لكنها قامت بفصل الآلاف منهم، وأجبرت الآلاف على النزوح، وأحلت المئات من عناصرها لنشر أفكار الجماعة في مختلف المدارس، كما أسندت أعمال الإدارة إلى المنتسبين لسلالة زعيمها ابتداءً من مديري المدارس ومديراتها وصولاً إلى منصب الوزير الانقلابي الذي يشغله شخصياً شقيق زعيم الجماعة يحيى الحوثي.
وكانت إحصائية حكومية ذكرت، أن الجماعة الحوثية ارتكبت في العاصمة صنعاء وحدها أكثر من 28 ألف انتهاك بحق قطاع التعليم خلال عام واحد بين الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2018 وأكتوبر 2019.
كما دفع سلوك الميليشيات التدميري آلاف المعلمين لترك مدارسهم والتوجه للبحث عن مهن بديلة لسد رمقهم وتوفير القوت الضروري لذويهم بعد أن قطعت الميليشيات رواتبهم عنوة، في حين بقي البعض الآخر يكافح من أجل القيام بدوره التعليمي في الحد الأدنى، لكن تحت رحمة قادة الجماعة وعناصرها.
وفي حين لم يتوقف السلوك الانقلابي الحوثي بحق قطاع التعليم والتربية عند أي سقف، أكد أحدث تقرير لفريق الخبراء الدوليين التابعين لمجلس الأمن الدولي أن الجماعة الحوثية ترسل الأطفال بعد خطفهم من منازلهم أو مدارسهم إلى معسكرات تدريبية لتلقي محاضرات حول الآيديولوجية الحوثية والجهاد ثم إرسالهم إلى الجبهات وإخضاعهم لظروف قاسية ومنعهم من زيارة عائلاتهم.
وبينت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه إذا استمر انقلاب الميليشيات الحوثية فسيبلغ متوسط التحصيل العلمي في اليمن ثالث أدنى مستوى في العالم.
وقالت الدراسة «إنه في سيناريو عدم حدوث الحرب، كان يمكن لليمن أن يحقق تكافؤاً بين الجنسين في التحصيل العلمي، حيث شهد اليمن تقدماً من 174 إلى 169 من أصل 186 دولة، من خلال تدابير الوصول إلى التعليم - بما في ذلك معدلات الالتحاق والانتقال والتخرج في مختلف مستويات التعليم.
وتؤكد دراسة لـ«يونيسيف» عن تقييم وضع الخدمات الأساسية في اليمن، أن 4.7 مليون طفل في التعليم الأساسي والثانوي – أي 81 في المائة من إجمالي الطلاب – في حاجة إلى المساعدة لضمان استمرار تعليمهم.
وأشارت الدراسة إلى أن نحو مليونَي طفل خارج المدرسة، يمثلون أكثر من ربع الأطفال في سن المدرسة، و1.71 مليون طفل نازحين داخلياً، محتاجون إلى المساعدة التعليمية.


مقالات ذات صلة

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية…

عبد الهادي حبتور (الرياض)

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.