دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي

وصفات للشفاء من «الغباء» و«الغطرسة» مع عودة إلى الفلسفة

دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي
TT

دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي

دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي

«الموت طالب حثيث هذه الأيام، والعالم يحتاج إلى علمائه وحكمائه للعبور إلى برّ الأمان».. بهذه الكلمات توجهت «دار الجديد»، على صفحتها على «فيسبوك»، إلى قرائها، داعية إياهم إلى العودة للكتب، وهي تذكرهم بعدد من مؤلفاتها التي تصلح للقراءة في هذه الفترة، حيث يحتاج الإنسان إلى التأمل من جديد في أحوال حياته، وربما إجراء مراجعات عميقة. واستغل عدد من دور النشر اللبنانية فرصة جلوس الناس في حجرهم الإلزامي لحثهم على القراءة، وإغرائهم بتخفيضات، واقتراح عناوين ومضامين تتلاءم مع المرحلة.
وقسمت رشا الأمير، صاحبة «دار الجديد»، الكتب الصادرة عن دارها إلى مجموعات، لكل منها وظيفة، وكأنها أدوية تعالج الروح. ففي باب «كتب الشفاء»، والقصد منها شفاء الروح من أدرانها وأعبائها، يمكن للقارئ أن يعود للكتاب الجميل جداً الذي ترجمته «الجديد» للمفكر الإيطالي نوتشيو أوردينه، ويحمل اسم «لوجه ما لا يلزم». وضمن هذه المجموعة كتاب عبد الله العلايلي «أين الخطأ؟» الذي عاد فيه إلى مجموعة من القضايا التي شغلت الرأي العام ذات يوم، وقدم فيها رؤية تنويرية، مما تسبب باتهامه بالهرطقة، وإبعاده عن منصب الإفتاء. وكذلك في الوصفة «ديوان الحلاج» الذي أعده الزميل عبده وازن.
وتضيف الأمير أنها ستعكف على وضع مجموعات مختلفة تبعاً لوظيفتها، وستكون هناك مجموعة «الشفاء من الغباء»، ومجموعة غيرها لـ«الشفاء من الغطرسة»، تضم كتاب «في صحبة العربية» لأحمد بيضون، و«السجينة» لمليكة بوفقير. «لا أدعي أن دارنا صيدلية، لكنني أحب تشبيه الكتب بالأدوية التي تعالج كثيراً من المشكلات التي نعانيها».. تقول الأمير وهي تحذر من أن الانكباب غير المسبوق على قراءة الروايات وحدها، كما حصل في السنوات السابقة، ليس كافياً لفتح الآفاق. فالنفس بحاجة إلى تشريع نوافذها على مآدب فكرية مختلفة تساعدنا على استعادة التوقد الذهني. فلا بأس من قراءات في التاريخ والفكر والتربية والسياسة والفلسفة. ولا بد أيضاً من العودة، بحسب الأمير، إلى كلاسيكيات فاتتنا، وكان يفترض أن تكون جزءاً من تكويننا الثقافي، وربما أن الفرصة قد حانت للعودة إليها. فالوقت مناسب لقراءة الكتب الدينية التي هي مراجع رئيسية للشعوب في حياتها، كما النصوص الأدبية الكبرى في اللغات الأجنبية التي نجيدها. كأن يعود الفرنكوفونيون إلى بروست مثلاً. وفي العربية، من المفيد العودة إلى الرازي وابن رشد ولزوميات أبي العلاء. فما فائدة أن أقرأ آخر 50 رواية صدرت، دون أن تكون لديّ أي إطلالة على كتب فكرية؟
وكانت دور النشر تتحسب من بعض التعثر مع بدء الوباء، لكن إغلاق مطارات بالجملة وتوقف البريد لم يكن في الحسبان. وكانت «دار الآداب» قد بدأت على صفحات التواصل الاجتماعي التذكير بكتبها التي تتلاءم والظرف الوبائي الذي يمر به العالم، لا سيما بعد أن أخذ المرض ينتشر في الصين، مشجعة على شراء هذه الكتب عن بعد، لإيصالها إلى القراء في البلدان التي يعيشون فيها، عن طريق موقعي «جملون» و«نيل وفرات»، مع هامش ربح زهيد. وكان البحث جارياً حول طريقة تعقيم الكتب لإيصالها سليمة آمنة إلى طالبيها. لكن إغلاق المطارات جعل كل هذا يتوقف بانتظار انفراجات جديدة. حتى «أمازون» لم يعد قادراً على الحركة في ظل الوضع الحالي، فكيف بالمواقع العربية؟
وثمة حسومات مشجعة، يعرضها موقع «كتبٌ دوت كوم» مثلاً على القراء. وللصمود في الحجر المنزلي، حسم 20 في المائة على جميع الكتب الصادرة عن «دار التنوير»، ويرشح الموقع مجموعة من الكتب العلمية والفلسفية المميزة. وهو يوصل كتبه مجاناً إلى كل المناطق اللبنانية؛ كتب فلسفية وعناوين تتحدث عن تخطي الصعاب. فمن بين العناوين التي يقترحها الموقع «الطمأنينة الفلسفية» لسعيد ناشيد، و«التداوي بالفلسفة» للكاتب عينه، وكذلك «كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك؟» لكاتبه ألان روبوتون، وكتاب ستيفن هوكينغ «التصميم العظيم». وبما أن الكلام كثير عن أهمية النوم لرفع قدرات الجسم الدفاعية في مواجهة الوباء، ثمة عرض على كتاب ماتيو ووكر «لماذا ننام؟». وكذلك تقدم صفحة «بوك أوتليت» على «فيسبوك» حسومات لقرائها، حيث توصل لهم الكتب إلى المنازل، مع حسم 20 في المائة على كتب «دار التنوير» مثلاً، و30 في المائة على كتب «مركز دراسات الوحدة العربية» كافة.
وتعد صاحبة «دار الآداب»، رنا إدريس، أنه مقابل الإقبال على الكتب في أوروبا لتمضية الوقت، فإن كتب دارها الإلكترونية التي تعرضها على تطبيق «أبجد»، ورغم أنه بإمكان القارئ تحميل ما يريده منها بـ15 دولاراً شهرياً فقط، فإنها لم تلحظ زيادة في الشراء، بعد سريان الحجر في غالبية الدول العربية.
وعلى صفحتها على «فيسبوك»، تعيد «دار الآداب» التذكير برواية «الطاعون» لألبير كامو التي كثر ذكرها هذه الأيام، خاصة أن والدها سهيل إدريس هو مترجمها، ودارها هي التي أصدرتها مع صعود نجم الكاتب في منتصف القرن الماضي. وتحت عنوان «تغدو الكتب سفننا عندما يأتي الطوفان»، تعرض الدار كتاباً حول «العبور»، مثل «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، و«البحر والسفينة وهي» لحنا مينة، و«لا نسبح في البحر مرتين» لحسونة المصباحي.
أما «دار الساقي»، فعلى رأس اقتراحاتها «كيف أتخلص من التوتر؟» لهارييت غريفي، ناصحة بالهدوء للحفاظ على الصحة، ولرفع جهاز المناعة في مواجهة المرض. وللتسلية كتاب نيكولاي غوغول «الأمسيات في قرية قرب نيكانكا»، عن حياة القرويين البسطاء في الريف الأوكراني، وهو الكتاب الذي قال بوشكين بعد قراءته: «لم أرفع رأسي عنه حتى النهاية». وعلى أي حال، فإن رنا إدريس تعترف بأن ثمة صعوبة في شراء الكتب أو إيصالها، خاصة خارج لبنان. والطريقة الوحيدة المتاحة للقارئ في الظرف الحالي هي المؤلفات التي يمكن شراؤها إلكترونياً، أو تلك التي تتاح قرصنتها وموجودة أصلاً على الإنترنت. وفي شيء من الفكاهة، تقول إدريس «من ليس لديه زوادة من الكتب في منزله لمثل هذه الأيام، ولا يستطيع أن يشتري كتاباً إلكترونياً، ليقرأ كتاباً مقرصناً، فهذا أفضل من التوقف عن القراءة، وفقدان هذه العادة».
وإن كانت دور النشر في لبنان تسعى جاهدة لمواكبة قرائها في محنتهم هذه بتقديم أفضل ما لديها مما يتناسب والظرف الصعب الذي يعيشون، فإن ناشرين يعترفون بأنهم هم أنفسهم مأخوذون بقراءة الأخبار، ومتابعة متغيرات العالم، أكثر مما يستطيعون التركيز على الكتب التي تحتاج إلى التعمق والتأمل. وهم يخشون حقاً أن يكون لهذه المحنة انعكاسات خطيرة على صناعة الكتاب العربي عموماً. وتذكر إدريس أن إلغاء معارض الكتب جملة، كما تم هذه السنة، هو خسارة كبيرة لا يمكن أن تعوض، موضحة: «نحن نبيع 70 في المائة من نتاجنا في المعارض. وكل العلاقات البشرية والاقتصادية تتم في هذه المناسبة. وبما أن المحنة يبدو أنها ستطول، وسيستمر الناس لفترة أخرى يتفادون الأماكن المزدحمة والتجمعات، فإن هذا سيؤثر سلباً». والنشر مرتبط بشكل مباشر بمهنة الطباعة التي هي أيضاً قد تفقد موظفيها وعمالها بسبب توقف العمل.
وبالتالي، فإن مهنة النشر في فترة المخاض هذه، وفي الوقت الضائع، ليست أحسن حالاً من مهن غيرها، ولا يبدو أبداً أن القراء العرب في مزاج جيد.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».