في «جزيرة النساء» الإستونية... التقاليد المحلية تواجه الاندثار

في «جزيرة النساء» الإستونية... التقاليد المحلية تواجه الاندثار

يبلغ عدد سكانها 686 شخصاً والصعوبات الاقتصادية تزيد من معدل الهجرة
الأربعاء - 7 شعبان 1441 هـ - 01 أبريل 2020 مـ رقم العدد [ 15100]
لندن: «الشرق الأوسط»

منذ قرون عدة على جزيرة صغيرة تكسوها الغابات في بحر البلطيق، تزرع نساء يرتدين تنانير بخطوط حمراء ويضعن أوشحة على رؤوسهن، الأرض، ويحرسن المنارة، ويترأسن المراسم الدينية.

أما الرجال على جزيرة كينو الواقعة على مسافة 10 كيلومترات من سواحل إستونيا، فيبحرون على مدى أسابيع، بل أشهر، تاركين للنساء تولي شؤون الحياة في واحدة من آخر المجتمعات في العالم التي تقودها نساء.

وحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، فإن نمط الحياة على الجزيرة يواجه الاندثار، إذ تدفع الصعوبات الاقتصادية عدداً متزايداً من سكان الجزيرة إلى المغادرة بحثاً عن عمل في مكان آخر. وتقول مارية ماتاس، وهي دليلة سياحية ومسؤولة التراث في كينو لوكالة الصحافة الفرنسية، «نناقش كلنا يومياً، ونحن على طاولة المطبخ، موضوع استمراريتنا».

وتتمحور الحياة في كينو على تقاليد قديمة وأغانٍ شعبية تندرج ضمن ثقافة فريدة من نوعها، ضمتها اليونيسكو إلى قائمة التراث العالمي الشفوي.

وتضيف ماتاس بقلق: «سنفقد هذه الحياة في حال لم يعد الناس يقيمون هنا».

ويبلغ عدد سكان الجزيرة المسجلين 686 شخصاً، إلا أن 300 منهم يقيمون فيها طوال السنة، أي أقل من النصف عما كان عليه العدد قبل الأزمة المالية العالمية في 2008 التي ضربت إستونيا في الصميم.

وتضم الجزيرة، البالغة مساحتها 16 كيلومتراً مربعاً، بعض الطرقات المعبدة، وفقط متجرين صغيرين للمواد الغذائية ومتحفاً وكنيسة، فضلاً عن مدرسة صغيرة لا يزيد عدد تلاميذها عن 36، فيما كان العدد نحو مائة قبل سنوات قليلة.

ويوضح الصياد مارغوس لارينتس، وهو يقوم بتدخين أسماك اصطادها قبل فترة قصيرة، «الفقمة وطيور الغاق تطرح المشكلة الأكبر» على الصيد.

وهذان النوعان محميان بعدما اندثرا تقريباً في منتصف القرن الماضي بسبب الصيد الجائر. ومنذ ذلك الحين، عادا بأعداد كبيرة، وباتا يهددان بدورهما الأسماك المحلية. وأظهرت دراسة أجريت عام 2010 أن كمية الأسماك المصادة تراجعت 10 مرات، وعدد بعض الأنواع الأخرى مائة مرة.

ويرى مارغوس وزوجته مارج، على غرار كثيرين، أنهما لم يعودا قادرين على تحصيل لقمة العيش من البحر. وشأنهما في ذلك شأن كثيرين، باتا يؤمنان حاجاتهما من المواد الغذائية من خلال تربية الحيوانات وزراعة الأرض. وتوضح مارية ماتاس أن شغل الصوف والحياكة، وهي وسيلة تقليدية لكسب العيش، لم تعد مجدية على الصعيد الاقتصادي، مؤكدة: «كل هذه الأمور التي كانت مهمة في الماضي لم تعد كذلك الآن».

وقد غادر الكثير من الصيادين الجزيرة بحثاً عن عمل في النرويج أو فنلندا. خلال لقاء أسبوعي صباحي، تتبادل 12 امرأة من كينو المستجدات والشائعات والذكريات حول طاولة وضعت عليها الأسماك المملحة والبسكويت والشوكولا.

وهن يتحدثن عن الرجال الذين اختاروا البقاء على الجزيرة، وباتوا يخوضون مجالات كانت سابقاً حكراً على النساء.

وتشير ميراسي سالمه: «أوسكار كان من أوائل الرجال الذين راحوا يعملون في الحقول».

ويُروى في الجزيرة أن سالمه، وهي شخصية نسائية لها ثقلها، أصرت على أن يأتي زوجها أوسكار للعمل معها في المزرعة، عندما كانا في سن الخامسة والعشرين.

وتقول سيدة أخرى مستذكرة ذلك: «كنا نضحك لرؤية رجل يعمل معنا في الحقل».

ويستقطب نمط الحياة المميز هذا، السياح. فيزور الجزيرة 30 ألف شخص، نصفهم من إستونيا، والنصف الآخر من أوروبا وآسيا. وفي غياب الفنادق والمطاعم، يستقبل سكان الجزيرة هؤلاء الضيوف في منازلهم. إلا أن السياحة لا تزدهر إلا في فصل الصيف. قد تكون أدوار النساء والرجال تغيرت، إلا أن ثمة مهمة لا تزال تقع على عاتق السيدات، وهي المحافظة على ثقافة كينو العائدة لقرون غابرة. عندما كان الرجال يخرجون إلى البحر، كانت النساء بحسب التقليد، ينظمن المهرجانات والمآتم والزيجات في مراسم قديمة ومعقدة تمتد أحياناً لأيام عدة.

فحفلات الزواج في كينو فريدة من نوعها، وتتخللها ثلاثة أيام من الموسيقى والرقص والطقوس السابقة لحقبة المسيحية، منها السحر الأزرق الذي له فوائد وقائية، حسب التقليد المحلي، ويقوم على تغطية رأس العروس بقماش أبيض مطرز بالأحمر يعتقد أنه يوفر لها {حماية خارقة}، حتى وصولها إلى منزل زوجها.

وتشكل الأغاني الشعبية، مع إتقان العزف على الكمان أو الأكورديون، مؤهلات ضرورية للنساء اللواتي يرتدين في غالب الأحيان تنورة بخطوط حمراء خاصة بجزيرة كينو.

المغنية فيرفيه كوستر، البالغة 92 عاماً، التي تعتبر تجسيداً لروح نساء كينو المميزة تشارك الرأي. ففي غرفة الجلوس في منزلها، تروي سنوات عملها في مياه البحر الجليدية، وفي حراثة الحقل، وهي تضع جوارب صوف في قدميها فقط، وتقول «كان الوضع قاسياً جداً».

لكنها عرفت الراحة والشهرة بفضل 400 أغنية تتمحور حول حياة الجزيرة والطبيعة، والحب خصوصاً. ورغم مغادرة عدد كبير، الجزيرة، إلا أن البعض يعود إليها.

فقد عادت عازفة الكمان ماريا ميلكسون إلى كينو، بعد دراستها الجامعية، وهي تنقل الإرث الموسيقي إلى أطفال الجزيرة في مركز ثقافي مصنوع من الخشب.


إستونيا المرأة ثقافة الشعوب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة