فلسطينيون ينعون مخيم اليرموك بعد مخطط عمراني وضعته دمشق

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء أبناء حي «رمز العودة» جنوب العاصمة السورية

أطفال يلعبون وسط الدمار في مخيم اليرموك جنوب دمشق (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون وسط الدمار في مخيم اليرموك جنوب دمشق (أ.ف.ب)
TT

فلسطينيون ينعون مخيم اليرموك بعد مخطط عمراني وضعته دمشق

أطفال يلعبون وسط الدمار في مخيم اليرموك جنوب دمشق (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون وسط الدمار في مخيم اليرموك جنوب دمشق (أ.ف.ب)

تبددت إلى حد كبير آمال اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى مخيم اليرموك، جنوب دمشق، باعتباره رمزاً لـ«حق العودة» إلى أراضيهم في فلسطين؛ ذلك بعدما كشفت محافظة دمشق عن مخطط تنظيمي سيغير من الواقع العمراني والديموغرافي للمخيم الذي دمرت الحرب أجزاء واسعة منه.
بات كثير من الفلسطينيين النازحين من المخيم إلى مناطق مجاورة له، ينعون في جلساتهم الخاصة مخيم اليرموك الذي بنوه حجراً على حجر، خلال عقود من الزمن، إلى أن تحول لتجمع اجتماعي قوي لهم، ومركز تجاري مهم في دمشق، ثم منطلق لأكبر المظاهرات التي كانت تخرج للتنديد بممارسات السلطات الإسرائيلية في فلسطين، والمطالبة بـ«حق العودة» إلى أراضيهم التي هُجروا منها عام 1948، وذلك بعد إطلاق المسؤول في محافظة دمشق عن ملف المخيم سمير الجزائرلي، في بداية الشهر الجاري، تصريحات كشف فيها عن تفاصيل مخطط تنظيمي للمخيم سيتم تنفيذه.

- بنايات عالية
لاجئ فلسطيني عجوز في العقد السابع، نزح من المخيم بعد سيطرة فصائل المعارضة المسلحة عليه في نهاية عام 2012، ويعيش على أمل العودة إلى منزله وعودة المخيم إلى ما كان عليه قبل الحرب، منذ أن سمع بتصريحات الجزائرلي، يردد على مسامع كل من يصادفه من نازحي المخيم عبارة: «العوض بسلامتكم». يقول لـ«الشرق الأوسط»: «حارات اللوابنة، والصفدية، والمغاربة، والصفورية، والطبارنة، والفدائية، راحت. ستصبح بنايات عالية»، في إشارة إلى أن العائلات في تلك الجادات كانت تربط كثيراً منها صلات قرابة، وتعيش في ظل تكاتف وتعاون اجتماعي كبيرين، بينما في المستقبل القادم «لا تعرف العائلة من سيكون في جوارها. ربما أشخاص لا نعرفهم ولا يعرفوننا، وقد لا يكونون من سكان المخيم أصلاً»، بحسب تعبير العجوز.
«مخيم اليرموك» الواقع على بعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب العاصمة، وتبلغ مساحته نحو كيلومترين مربعين، يتبع إدارياً محافظة دمشق؛ لكنه كان منذ ستينات القرن الماضي يتمتع بخصوصية إدارية مُنِحت له بقرار رسمي، بأن تديره «لجنة محلية» بشكل مستقل. ويحده من الجهة الجنوبية «الحجر الأسود»، ومن الجهة الغربية حي «القدم»، بينما يحده من الشرق حي «التضامن»، ومن الشمال منطقة «الزاهرة». وتم وضع اللبنات الأولى لإقامة «مخيم اليرموك» عام 1957، عندما كان بقعة صغيرة، قبل أن تتوسع دمشق ويصبح المخيم جزءاً أساسياً من مكوناتها الجغرافية والديموغرافية، وأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن، ورمزاً لـ«حق العودة». كما غدا يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» كونه يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، البالغ عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ، علماً بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيماً، تتوزع على ست مدن.
وفي بدايات القرن العشرين، تسارع التطور العمراني في المخيم، وتحسنت الخدمات بشكل ملحوظ فيه، وتم افتتاح كثير من المراكز والمؤسسات الحكومية والأسواق التجارية، لدرجة بات منطقة حيوية جداً، أكثر من أحياء وسط العاصمة التي استقطبت تجارها لفتح فروع لمحالهم التجارية فيها، للاستفادة من الكثافة السكانية، وجني أكبر قدر ممكن من الأرباح في أسواق (الألبسة، والأحذية، والصاغة، والمفروشات، والمأكولات الجاهزة)، باتت الأكبر والأكثر حيوية في العاصمة السورية.
وبعد التوسع الكبير الذي طاله، بات «مخيم اليرموك» يقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول هو «المخيم القديم»، ويمتد بين شارعي اليرموك الرئيسي غرباً وفلسطين شرقاً، ومن مدخل المخيم شمالاً وحتى شارع المدارس جنوباً منتصف المخيم، والثاني منطقة «غرب اليرموك» وتمتد من شارع اليرموك الرئيسي شرقاً وحتى شارع الثلاثين غرباً، ومن مدخل المخيم شمالاً وحتى سوق السيارات جنوباً، وأما القسم الثالث فيسمى منطقة «التقدم» وتمتد من سوق السيارات شمالاً وحتى مقبرة الشهداء جنوباً، ومن منطقة دوار فلسطين شرقاً وحتى حدود المخيم المحاذية للحجر الأسود غرباً.
وقبل اندلاع الحرب في سوريا التي دخلت عامها العاشر، كان المرء بمجرد وصوله إلى «مخيم اليرموك»، يدرك تماماً أن لقبه لا ينطبق عليه، ذلك أنه ومع دخوله في شارع اليرموك الرئيسي من مدخله الشمالي، يواجه سيلاً بشرياً تتزاحم أقدامه على الأرصفة لإيجاد مكان لها، وتتقدم ببطء كالسلحفاة، في وقت لا يختلف فيه المشهد في بقية أسواقه. لكن ما حل بـ«مخيم اليرموك» خلال سنوات الحرب، تسبب في نكبة لسكانه، تجاوزت في مآسيها نكبة عام 1948 ونكسة 1967؛ حيث قُتِل وأُصِيب المئات، ونزح أغلب سكانه الذين كان يبلغ عددهم ما بين 500 و600 ألف نسمة، من بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني.

- ثلاثة «حلول»
وفي مايو (أيار) 2018، شنَّ الجيش الحكومي وفصائل فلسطينية موالية، عملية عسكرية عنيفة في المخيم، أنهت سيطرة فصائل معارضة، وتنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» على المنطقة، وتسببت في حجم دمار في المخيم يتجاوز نسبة 60 في المائة من الأبنية والمؤسسات والأسواق والبنى التحتية، بينما النسبة المتبقية تحتاج إلى ترميم كبير يكلف مبالغ مالية باهظة للغاية.
الجزائرلي -في تصريحاته التي أدلى بها لمحطة إذاعية محلية، وتتداولها صفحات ونشطاء على موقع «فيسبوك»- كشف أن الشركة الهندسية وضعت ثلاثة حلول للتعامل مع «مخيم اليرموك»: الأول يكمن في «تهذيب» بعض الشوارع، وإعادة تأهيل المناطق الأكثر تضرراً، والثاني القيام بعملية تنظيمية للمناطق الأكثر تضرراً، وإبقاء «المخيم القديم» على وضعه حسب التنظيم القديم 2004، المعدل عام 2013، والثالث إعادة تنظيم كامل الـ220 هكتاراً.
وكشف أنه تم التوافق على الحل الثاني؛ كونه مرتبطاً بتعديلات بسيطة في شارع اليرموك الرئيسي، لتبدأ بعدها عملية إعادة السكان إلى منازلهم بشرط إثبات الملكية؛ مشيراً إلى أن الفترة الحالية تشهد تعاوناً مع جميع المديريات لإعادة تأهيل منطقة اليرموك، من أجل إعادة السكان إلى المناطق الأقل تضرراً. ولفت إلى أن «المناطق الأكثر تضرراً ستتم إعادة تنظيمها بمواصفات قياسية، ضمنها أبراج في شارع الـ30 الأكثر تضرراً؛ كونها كانت منطقة مواجهات عسكرية، على أن تأخذ هذه الأبراج صفة التعويض والسكن»، وأشار إلى أنه «خلال أيام، سيتم تسلم مخطط شارع الـ30 من شركة الدراسات، ليتحرك بعدها المسار القانوني»، بينما «سيتم توسيع شارع اليرموك الرئيسي ليصبح عرضه 40 متراً»، علماً بأن عرضه الحالي يصل إلى ما بين 20 إلى 25 متراً.
وأشار الجزائرلي إلى أن «منطقة اليرموك أصبحت تابعة تنظيمياً لمحافظة دمشق بموجب قرار رئيس الوزراء، بعد أن كانت تابعة للجنة المحلية العائدة لوزارة الإدارة المحلية، وتم تأسيس دائرة خدمات اليرموك التي بدورها تتابع عملية إعادة تأهيل المخيم، وستكون العودة إلى المخيم خلال الأشهر القليلة القادمة، ولكن نواجه مشكلات تخص المباني، فمنها متصدعة غير قابلة للسكن، ومنها مدمرة بالكامل».
ويوضح لاجئ فلسطيني نزح من سكان منطقة «غرب اليرموك» لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه المنطقة التي يتحدث الجزائرالي عن أنه ستتم إقامة أبراج فيها، تصل مساحتها إلى نحو نصف مساحة المخيم، ثم يتساءل: «متى سيتم إنشاء هذه الأبراج وتعود الناس؟ منذ عام 2012 تقوم الحكومة بتنفيذ مشروعي التنظيم في منطقتي بساتين الرازي بحي المزة وكفر سوسة، المشمولتين بالمرسوم رقم 66، وحتى الآن لم يشيد برج واحد!» ويضيف: «عدا عن ذلك، كثير من سكان المخيم يتساءلون: من الذي سيسمح لهم بالعودة؟ وهل سيكون هناك سكان جدد؟»، في إشارة إلى أن عدداً كبيراً من أبناء المخيم انضم إلى فصائل المعارضة، وجرى تهجيرهم وعائلاتهم إلى الشمال السوري، وهؤلاء لن يسمح لهم بالعودة، إضافة إلى أن هناك عدداً كبيراً أيضاً من اللاجئين آثر الهجرة إلى دول الجوار، ودول أوروبية.
ويعرب اللاجئ الفلسطيني عن اعتقاده بأن ما يجري بالنسبة للمخيم ليس مجرد عملية تنظيم، أو إعادة إعمار ما تدمر: «بقدر ما هو مرتبط بالوضع السياسي العام في المنطقة والعالم»، في إشارة إلى التناحر الدولي الكبير الحاصل في سوريا. ويضيف: «يبدو أن مخيم اليرموك قد لا يعود كأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، ورمز لـحق العودة» إلى أراضيهم في فلسطين.
أحد أصحاب المحال التجارية الواقعة على طرفي شارع اليرموك الرئيسي، يبدي استغرابه من عزم المحافظة توسيع الشارع ليصبح عرضه 40 متراً، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كيف سيتم تعويض أصحاب تلك المحال والمكاتب التجارية الواقعة فوقها؟ هل سيتم تعوضيهم بمحال بديلة على الشارع نفسه، أم في الجادات الداخلية؟»، لافتاً إلى أن ثمن المحل الواحد قبل الحرب، عندما كان الدولار الأميركي يساوي نحو 50 ليرة سورية، كان يبلغ ما بين 50 إلى 60 مليون ليرة، فكم ثمنه الآن؟ والدولار يساوي 1150 ليرة؟
وأشار إلى أن الجزائرالي لم يوضح في تصريحاته، إن كانت عملية التوسيع ستتم على حساب المباني على جانبي الطريق، أم على حساب المباني من جانب واحد، موضحاً أنه بناء على تلك التصريحات، فإن «المخيم القديم» سيبقى على حاله، وتتبعه المحال التجارية الواقعة على الجهة الشرقية من الطريق، وبالتالي فإن عملية التوسيع بالكامل ستتم على حساب المحال والمباني الواقعة على الجهة الغربية، والتي تتبع منطقة «غرب اليرموك».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.