«المرأة العصامية»... دراما عن حياة أول مليونيرة سوداء في أميركا

«المرأة العصامية»... دراما عن حياة أول مليونيرة سوداء في أميركا

مسلسل قصير على «نتفليكس» يبهج أجواء هيمنت عليها كآبة الوباء
السبت - 3 شعبان 1441 هـ - 28 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15096]
لندن: غالية قباني

يحقق مسلسل «المرأة العصامية» أو «Self Made» الذي بثته «نتفليكس»، مؤخراً، عدة شروط تجعله واسع المشاهدة، فهو ممتع وغير سطحي، ويحمل الجديد للمشاهد المشبع بكم كبير من الأعمال الدرامية المعروضة على خدمة «نتفليكس» وغيرها، إضافة إلى أن بطلته أوكتافيا سبنسر، كانت قد لفتت الأنظار إليها في فيلم «المساعدة» عام 2011 الذي فازت فيه بأوسكار أحسن ممثلة مساعدة، لتستمر في الحضور بأدوار أخرى كان آخرها هذا المسلسل القصير المكون من أربع حلقات، في أول بطولة مطلقة لها.

برغم متابعتي الشخصية لتجارب السود في أميركا، سواء في زمن العبودية أو فترة النضال لتحقيق المساواة في الحقوق المدنية، إن كان على شكل معارض صور أو دراما وأعمال وثائقية أو تقارير صحافية، لم يصدف أن قرأت عن مليونيرة أميركية من أصول أفريقية، تدعى مدام سي جي ووكر، برزت بداية القرن العشرين وكانت أول سوداء تحقق نجاحاً في عالم الأعمال اعتمد على منتجات العناية بالشعر وحمل اسمها وتوجه إلى الملونات، أساساً، ممن يعانين من تجعد الشعر أو سقوطه، الأمر الذي يجعلهن أقل ثقة بأنفسهن.

يبدأ المشهد الأول للمسلسل، بامرأة في سوق عامة تبيع منتجاً للشعر تروج له بصوت عال. تسألها فتيات سمراوات شدهن الفضول، إن كان المنتج مضمون النتائج، فترد عليهن: «طبعاً مضمون. أنا جربته بنفسي وحصلت بعد ذلك على رجل».

هذه المرأة هي سارة التي تعمل في غسل الملابس في البيوت، التي تزوجت في عمر الأربعة عشر بعد أن تيتمت في سن السابعة وعانت الفقر، ونتيجة لإهمالها نفسها وربط شعرها طوال الوقت، إضافة إلى ضغوطات الحياة لتوفير لقمة العيش، تصاب بمرض في فروة رأسها، مما يجعل زوجها يخونها مع امرأة أخرى ويعيرها ببقع الصلع. يهجرها الزوج، الذي يتركها مع طفلتها الصغيرة، لتدخل في مزيد من الضغوط النفسية وسقوط الشعر، حتى تدق بابها، يوماً، بائعة متجولة جميلة نصف سوداء، تدعى آدي مونرو، تروج لمنتج مقوي للشعر تبيعه بين النساء الملونات. ولأن سارة لا تملك المال الكافي لشراء منتج من هذا النوع، تعقد المرأتان صفقة، وهي أن تهتم سارة بغسيل آدي، مقابل تجريب الثانية المرهم على شعر سارة التي تساعدها أيضاً في إعداد منتج تقوية الشعر.

سارة البسيطة التي تملك ذكاءً فطرياً، عرضت على آدي التي تبحث عن مندوبات يروجن منتجها، أن تقوم هي بهذا الدور فهي تجيد جذب الزبونات، لكن آدي، تنظر لسارة باستخفاف وتقول لها، إنها تريد مندوبات فاتحات البشرة تنتشرن في الشوارع والبيوت وتكونن مقبولات لترويج منتجها. الشعور بالإهانة والتحدي يدفع سارة إلى بيع بعض العبوات من دون علم مالكة المشروع وتعود بالمال إلى آدي لثبت لها كفاءتها، لكن هذه تطردها، وتتهمها بأنها تسرق منها، مذكرة إياها، أن دورها يكمن في «تنظيف الغسيل الوسخ فقط».

تكشف هذه الدراما عن العنصرية التي يمارسها الملونون على بعضهم بعضاً، إذ كلما خف لون البشرة السوداء تباهت المرأة على غيرها من السوداوات، وحظيت بإعجاب الرجال السود أنفسهم. يحدث هذا في ظل عنصرية أوسع في المجتمع الأميركي الأبيض كانت تشمل جميع الملونين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، المجتمع الذي كان حديث العهد بتحرير العبيد في شمال البلاد وجنوبها على يد الرئيس إبراهام لنكولن في عام 1865 نتيجة لانتهاء الحرب الأهلية وانتصار الشمال على الجنوب (مناطق مزارع التبغ والسكر التي شهدت حشداً للعبيد المخطوفين من القارة الأفريقية). وسارة نفسها ولدت بعد تحرير العبيد بسنتين، لأبوين كانا من عبيد ملاك المزارع. غير أن المجتمع الأميركي بعد عدة عقود على الإعلان الدستوري الذي حرر العبيد، كان لا يزال يمارس التسلط على السود ولا يعترف بهم سواسية لهم، حتى لو منحهم الدستور هذا الحق.

الموقف الجارح بسبب اللون من أبناء جنسها، سيواجه سارة مرة أخرى، عندما يخونها زوجها الثاني (سي جي ووكر الذي حملت اسمه وعرفت به في نشاطها التجاري ولم تغيره حتى بعد الطلاق)، مع فتاة ببشرة أفتح منها كانت تعمل عندها في المشروع الذي توسع لاحقاً. غير أن سارة التي ولدت حرة وتحمل كبرياءً وثقة بنفسها، كانت تعلق على تباهي ذوات البشرة الأفتح والشعر الأشقر قليلاً بأنفسهن، بأن هذا اللون هو دليل على أن «أمهاتهن وجداتهن تعرضن للاغتصاب من الرجل الأبيض».

سيستمر هذا الصراع بين السوداء سارة وخفيفة السمرة آدي طوال الحلقات الأربع، يلعب عليه المخرج بإدخال مقاطع كرتونية عبر المشاهد تظهر حلقة مصارعة تتخيلها سارة وترى نفسها تفوز على آدي في الجولات.

يدفع التحدي سارة ووكر الذكية ذكاءً فطرياً، إلى تركها مهنة الغسيل التي تشينها، وتقرر أن تحول بيتها إلى معمل لمنتجات الشعر بمساعدة زوجها وابنتها، فقد تعلمت سر المهنة من آدي مونرو، لكنها تعمل على تحسين المنتج الذي كان يتميز برائحة كريهة كبريتية، وتجعله مقبولاً برائحة طيبة، وتبدأ بالانطلاق عبر البيوت والأسواق المفتوحة لتطور العمل لاحقاً، فتنتقل إلى أنديانا بوليس الأكثر تحضراً فتبدأ بالتوسع من خلال معمل خاص وتوسع المنتجات إلى جهاز لفرد الشعر الذي كان فكرتها الخاصة ومنطلقاً للأجهزة التي عرفت في العالم لتمليس الشعر. كما افتتحت صالونات تجميل توسع إلى عدة ولايات بينها حي هارلم في نيويورك. وراحت سارة تنشر بين النساء السود ضرورة الاهتمام بإطلالتهن لكي يحسن من وضعهن في المجتمع، وتحثهن على قص شعورهن واختيار تسريحات جريئة كما تفعل المرأة البيضاء. كانت تقول إن كل سوداء رثة غير مرتبة تترك تأثيراً على النظرة العامة إلى بقية النساء السوداوات.

لم تكن الأرض مفروشة أمام مدام سي جي ووكر، هناك من خانها ونقل أسرار العمل إلى منافستها، مثل صهرها وزجها، وهناك الذكورية العالية بين الرجال السود التي لم تتقبل فكرة حضور النساء الملونات في عالم الاقتصاد والمجتمع «لأن الرجل الأسود لم يحقق نفسه بعد»، بحسب شخص بارز يقود حراكاً للدفاع عن حقوق السود، قالها لها في مؤتمر، رافضاً وجودها نداً للرجال، رغم أنها بينت أن مشروعها سيدعم مئات النساء اللواتي سيعملن في صالوناتها. لكن سارة الدؤوبة الذكية التي تتعلم من تجاربها رغم الطعنات، ورفضت أن تحضر الاحتفالات والمؤتمرات لتكتفي بالمساهمة في إعداد الطعام للحضور كما تفعل بقية زوجات المشاركين. غير أن المفاجأة تأتي من الزوجات وقريبات أولئك الرجال تحديداً، فقد دعمن فكرتها وجمعن لها مبلغاً من المال لتمضي في مشروعها الذي يسهم في دعم النساء الملونات في أميركا وقد وصلت إلى تشغيل 2000 امرأة في فروع متاجرها.

التوسع الذي حققته شركة مدام سي جي ووكر، حتى باتت منتجاتها موجودة في محلات وصيدليات كثيرة في الولايات الأميركية، نقلها اجتماعياً إلى الحي الراقي في نيويورك، فتستثمر هذا النجاح في العمل الخيري والمواقف السياسية ويعترف بها لا الرجال السود فقط، بل حتى رجال الأعمال والشركات الكبرى الذين تهافتوا على عرض منتجاتها في متاجرهم. وتوكل لابنتها أليليا، بعضاً من مسؤولياتها وتدعم بعض الفتيات القادمات من مجتمع السود بفرص العمل أو المنح الجامعية. لكنها ترحل وهي ما زالت في قمة عطائها بسبب وهن صحتها نتيجة متاعب في الكلى. لتكمل ابنتها ومن بعدها سلالتها مسيرة الجدة ونجاحاتها وتبرز ضمن الطبقة العليا بين الأميركيين الأفارقة.

اعتمد مسلسل «المرأة العصامية» بتصرف على سيرة ذاتية عن سارة ووكر كتبتها حفيدة ابنتها، أليليا بندلز، الصحافية والمنتجة التلفزيونية المعروفة، في كتاب صدر عام 2001 وحصل على عدة جوائز في أميركا.

الحلقات الأربعة ممتعة، وأداء أوكتافيا سبنسر، في أول بطولة مطلقة لها، جاء مميزاً جداً غطى على بقية فريق الممثلين معها وسيثبتها في بطولات مطلقة قادمة، رغم أن الحلقة الأخيرة تسارعت فيها الأحداث كثيراً لتسدل الستارة على حياة مدام سي جي ووكر. أما كاتبة العمل ومخرجته نيكول جيفرسون أشر، فقد نجحت في تقديم مناخات حياة السود في أميركا في تلك الفترة، وهي كانت كتبت أعمالًا درامية سابقة عن حياة الأميركيين من أصول سوداء، بينها فيلم «مدام الملكة»، عن امرأة رئيسة عصابة في حي هارلم بنيويورك، مما منحها المهارة في تفهم عالم النساء السوداوات بين أواخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين.


أميركا دراما نتفلكس

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة