متى ستكتُبُ روايتك؟

الكتابة الروائية فنّ يتّسمُ بالغواية أكثر من الأنماط السردية الأخرى

متى ستكتُبُ روايتك؟
TT

متى ستكتُبُ روايتك؟

متى ستكتُبُ روايتك؟

«الرواية هي كتابُ الحياة المشرق» بهذه العبارة المشعّة يختزل أحد أقطاب الحداثة الروائية «دي. إتش. لورنس» قيمة الرواية ومكانتها الاعتبارية في حياة الأفراد والأمم، وقد جاءت عبارته تلك في سياق مقالة تأريخية له «تعدُّ اليوم واحدة من أهم الأدبيات التأسيسية لفن الرواية» عنوانها «لماذا تُحسبُ الرواية شأناً مهماً؟».
ليس لورنس وحده هو من كتب في أهمية الفن الروائي؛ بل إن معظم روائيي وروائيات عصر الحداثة وما بعد الحداثة وحتى حقبة الرواية المعاصرة ورواية القرن الحادي والعشرين ساهموا في تدعيم نظرية الرواية وكشفوا عن رؤاهم بشأن الفن الروائي، وإذا ما شئتُ إيراد أمثلة فسأكتفي بالأمثلة القياسية التالية: «فن الرواية» للروائي ميلان كونديرا، «تأمّلات في السرد الروائي» للكاتب والروائي أمبرتو إيكو، «فن الرواية» للكاتب والروائي كولن ويلسون. ذهب بعض الروائيين إلى كتابة مطوّلات روائية صارت بمثابة كتب منهجية تدرّسُ في الجامعات، وأميل في هذا الشأن للإشارة إلى الكتاب المهم الذي كتبته الروائية والأستاذة الجامعية جين سمايلي (Jane Smiley) بعنوان «13 طريقة في النظر إلى الرواية»، ذلك الكتاب الذي أراه عظيم الأهمية للروائي المبتدئ والمتمرّس في حرفته الروائية لسببيْن: الأول، لكون الكتاب مكتوباً من وجهة نظر روائية خبرت العملية الروائية وحيثياتها الدقيقة، وبالتالي لم يأتِ ما كتبته بدفعٍ من المتطلبات الأكاديمية واشتراطاتها الضيقة، أما السبب الثاني فهو أنّ الكتاب يضمّ في فصله الأخير قراءة الكاتبة لمائة رواية ورواية «101 رواية»، «ونلاحظ قصدية الكاتبة في الإحالة إلى ألف ليلة وليلة وأجوائها السحرية!!»، والكاتبة إذ تقدّمُ هذه القراءة فهي تعلن للقارئ معتمدها الأدبي (Literary Canon) الخاص بها والذي تراه خليقاً بتشكيل الذائقة الروائية المميزة لكلّ من يعتزم الانغمار الكامل في مخاضة الكتابة الروائية العسيرة.
الكتابة الروائية فنٌّ يتّسمُ بالغواية، وهي قادرة على الإمساك بعقل القارئ وروحه بطريقة -ربما- تعجز عنها الأنماط السردية الأخرى، وتلك حقيقة كُتِب بشأنها الكثير من الشروحات والمسوّغات التي تتفق جميعها على أنّ الرواية تمتلك مقدرة متفرّدة في قول أي شيء وكلّ شيء؛ الأمر الذي جعلها ممارسة مهنية وإنسانية ذات طبيعة معولمة تتعالى على محدّدات الزمان والمكان والبيئة والجغرافيات البشرية. تناولتُ في مقدّمة كتابي المترجم «تطوّر الرواية الحديثة» الأسباب التي أراها مسوّغة لامتلاك الرواية هذه الفتنة المغوية التي تدفع الجميع لتجريب الكتابة الروائية في طورٍ واحد -على الأقلّ- من أطوار حياتهم.
تروي الكتب التي تتناول التأريخ الروائي أنّ الرواية كانت تُخاطِبُ النساء حصراً في بواكيرها الأولى، وكان مطلوباً من الرواية أن تملأ ذلك الفراغ العاطفي لديهن بكتابات تغلب عليها الرومانسية الفيّاضة التي وصفها الدكتور جونسون بأنها «مفسدة للعقل الجميل وحسّ المحاكمة الأخلاقية المسؤولة». لستُ في حاجة إلى القول إن تلك كانت عهوداً شهدت بواكير الكتابة الروائية المثبتة تأريخياً في القرن الثامن عشر؛ أما في وقتنا الحاضر فقد شهد الفن الروائي اعترافاً راسخاً بكونه الفاعلية الإنسانية الأكثر رواجاً وتأثيراً من سواه حتى بات كلّ فردٍ في هذا العالم -حتى لو كان عالماً وأكاديمياً متخصّصاً في أحد الفروع المعرفية الصلبة- يتوق لكتابة روايته، ولو شئت إيراد مثال معاصر فسأذكر الرواية المنشورة حديثاً بعنوان «موت الشمس – Sunfall» للفيزيائي الأشهر «جِم الخليلي». لا يمكن للمرء أن يغفل هنا ملاحظة أنّ الرياضياتيين والفيزيائيين هم أكثر شغفاً في الفن الروائي بالمقارنة مع سواهم من العلماء، وربما تشير هذه الحقيقة إلى أنّ الرواية فاعلية فكرية تتناغم مع آلية تخليق الأفكار في الفروع المعرفية خارج نطاق الفاعلية السردية المتداولة.
لستُ هنا مهجوسة بتقديم المسوّغات التي تُعلي شأن الكتابة الروائية، أو تقديم وصفة -كما وصفات الطبخ- للرواية الجيدة؛ بل أسعى لمخاطبة كلّ من يستأنسُ في نفسه شغفاً في الولوج لغابة السرد الروائي -من الشباب والشابات بخاصة- وسأسجّلُ بعض الأفكار التي أراها مفيدة في هذا الشأن:

الرواية الأولى تتصادى مع وقائع من سيرتك الذاتية
كلّ من جرّب كتابة روايته الأولى سيجد نفسه مدفوعاً بقوة قهرية لتوظيف وقائع من سيرته الذاتية، والسبب وراء ذلك واضح: إنه أشبه ما يكون بآلية دفاعية لا تنفكّ تضغط على المرء للتشبث بملاذ آمن يكمنُ في سيرته الذاتية. هذه آلية طبيعية ناجمة عن الخشية من ولوج عالم الأفكار والوقوع في مطبّات منطقية أو نهايات مستغلقة أو عوالم هيكلية فكرية غير مقنعة أو ساذجة. لا ضير بالطبع من تناول المرء لسيرته الذاتية وبخاصة في روايته الأولى؛ لكنما يتوجب أن تنطوي هذا السيرة على ما يستحقُّ التحوّل من واقعة حياتية عادية إلى تجربة إنسانية نتشاركُها مع الآخرين، والمعيارُ الأوحد لتقدير هذه الأهمية هو الفرد ذاته ومروءة أخلاقياته وتقديره الشخصي المرتكن إلى منظومة يفترضُ أن تتّسم بقدر معقول من النزاهة.

غواية المُعتمد الأدبي
أغلبنا تلبّستنا غواية المعتمد الأدبي في بواكيرنا الأدبية: أن نرتكن لمعتمدٍ أدبي اتفق عليه أحد كبار النقّاد «هارولد بلوم، جورج شتاينر، فرانك كيرمود... إلخ» ونمضي في قراءة الأعمال الروائية المسطورة فيه تباعاً حتى نأتي عليها كلها. القراءة فعلٌ محمود في كلّ الأحوال، والنتائج المترتبة عليها رائعة ومفيدة؛ لكنما الاختلاف يكمن في طبيعة المعتمد الأدبي الذي نعتمده؛ فهو ناتجٌ كيفي يتفق مع سيكولوجيا الفرد وذائقته القرائية وعمره البيولوجي وخبرته الحياتية، وما مِن معتمد أدبي يتفق عليه اثنان باستثناء المعتمدات الأدبية التي ترسّخت بفعل المواضعات النقدية. كلّ منّا يخلق معتمده الأدبي الخاص به بفعل القراءة الروائية المتصلة والمتنوّعة وغير المقتصرة على أسماء روائية بعينها دون سواها.

أهمية القراءة الواسعة والمتنوّعة في الحقول المعرفية المستجدة
لا أقصدُ هنا القراءة الواسعة في الحقول المعرفية المعروفة: الفلسفة والسيكولوجيا وتأريخ الأفكار؛ بل أقصدُ -بالتحديد- القراءات في الميادين المعرفية المشتبكة التي نشأت مع الثورة المعلوماتية الرابعة -تلك الثورة التي باتت تطرق أبواب العالم، وباتت تتمظهرُ في مفردة الأنسنة الانتقالية (Transhumanism) وسائر موضوعات الثقافة الثالثة. كان القطار -على سبيل المثال- أحد الأمثلة كثيرة الشيوع في الروايات الحداثية لكونه التجسيد الشاخص للحداثة العلمية والتقنية، وفي السياق ذاته ينبغي لمفردات عصر الثورة الرابعة أن تكون جزءاً من أي مشروع روائي جاذب يسعى لنيل الاعتراف والمقبولية في حدودها الدنيا الممكنة.

وهمُ الاندفاع وراء الأخدوعات السائدة
تشيعُ بين آونة وأخرى موضة كتابية معيّنة تلقى دعماً من جانبٍ ما، ثمّ تتغوّلُ تلك الموضة لتستحيل نمطاً يسعى الجميع لاعتماده تقليداً روائياً سائداً. من الطبيعي أن يميل الشباب لتقليد تلك الموضات الكتابية طمعاً في جائزة أو حظوة؛ غير أنّ مقتلة الكاتب الروائي تكمن في اعتماده نمطاً كتابياً مصطنعاً لا يتناغم مع ميله الطبيعي وشغفه.
أودّ هنا الإشارة إلى ظاهرة «الفصاحة الجديدة» كمثال؛ فقد شاع هذا النمط الكتابي باعتباره محاولة جريئة للتوغّل في القيعان المجتمعية السحيقة الحافلة بالعوالم الديستوبية المسكوت عنها، وقد تمادى بعض كتّابنا الشباب -بل حتى بعض الروائيين المخضرمين كذلك- في هذه الفصاحة الجديدة التي صارت ميداناً لتجريب كلّ القباحات اللغوية الفجة والمبتدعات الروائية المصطنعة.
الكتابة الأصيلة المتناغمة مع خبرة الفرد وممكناته اللغوية لهي أفضلُ وأبقى من كتابة مصطنعة يتوسّلُ بها الفرد وسائل وأساليب مفروضة بطريقة قسرية ومُخادِعة.

أهمية إتقان لغة ثانية
قد يقرأ أحد الشباب مئات وألوفاً من الأعمال الروائية وغير الروائية المكتوبة باللغة العربية؛ لكن ما من وسيلة تعويضية للنقص الكامن في معرفتنا بالآخر وعوالمه وتجاربه سوى قراءة أعماله بلغتها الأصلية. الإنجليزية بالطبع هي اللغة العالمية الأكثر رواجاً وتأثيراً من سواها؛ وعليه لو أراد أي منّا ترسيخ فرادته الروائية ورصانته المعرفية العامة فليس من بديل عن إتقان الإنجليزية في المقام الأول، ولو استطاع لمعرفة لغة أخرى –إلى جانب الإنجليزية- سبيلاً فسيكون أمراً عظيم الفائدة والأهمية.

هاجسُ التجنيس الروائي
لا يوجد في العالم كاتبٌ روائي يخاطبُ نفسه قبل الشروع في عمل روائي جديد: هذا عمل سأكتبه بموجب مقاسات رواية ما بعد الحداثة، أو رواية القرن الحادي والعشرين. إنّه يكتبُ بموجب ذائقته الشخصية ومواصفات الكتابة التي تستطيع استيعاب ما يبتغي تمريره من أفكار وخبرات. تمثل رواية القرن الحادي والعشرين مصداقاً للمدى الواسع الذي يمكن أن تبلغه الحدود القصوى في الكتابة الروائية؛ فقد ارتدّت الكتابة الروائية إلى نمطٍ من السرديات الكلاسيكية -التي سادت في بواكير الرواية- مع تطعيمها بأنماط سردية تناغم المقدرة المفترضة للرواية في تناول كل شيء وأي شيء، ولو تفحّصنا واحدة من روايات كاتب معاصر (إيان ما كيوان، على سبيل المثال) لشهدنا توليفة من الكتابة الفنتازية والوثائقية وسرديات التخييل التأريخي ورواية الخيال العلمي والمستقبليات المحكومة بالذكاء الصناعي.

التعجل الروائي مصيدة ومثلبة كبرى
يستلزم العمل الروائي المصنوع بطريقة تستحقّ جهد القراءة ثلاث سنوات -في المعدّل- من البحث والمتابعة والكتابة، وهذا ما نشهده في الروايات المبدعة لكبار الكتّاب العالميين. إنّ إصدار رواية «أو ما يشبه الرواية» كلّ ستة أشهرٍ أو سنة، وبصرف النظر عن المسوغات الدافعة له، لهو فعلٌ يشي بكتابة متعجّلة تفتقر إلى البحث الرصين والتنقيب في الوقائع والتواريخ والحيثيات الدقيقة فضلاً عن كونه إشارة غير محمودة لكاتب يكتبُ كلّ ما يعنّ له من أفكار لحظية متوهماً أن هذا الفعل هو رواية. الرواية صناعة دقيقة وصبورة تعتمد خريطة تضاريس فكرية مسبقة ومحدّدة المعالم -يمكن إعادة ترتيبها كلّ حين؛ إنما ليس ممكناً العمل من دونها أو حتى التخلي عنها- وسنكون غشماء كثيراً لو صدّقنا الأكذوبة التي تقول «إن الرواية هي من تقودك ولستَ أنت من يقودُها».

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية
TT

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة العمودية في التعاطي مع الشعر في مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الجوائز المنظمة للتشجيع على هذه القصيدة بالذات دون سواها.

وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هذا الوجود، وهذا الحضور القائم على الاستحضار بمختلف الأدوات الممكنة؛ أي أن هيمنة هذه القصيدة بالذات تسحب معها بُعداً مهماً من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر.

أما الرسالة الأشد دلالة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث للقصيدة الخليلية، إنما تستبطن مقاربتنا للشعريّ في الزمن الراهن بأدوات جمالية من الماضي، ممّا يكشف أيضاً هذا القبول - ولكنه متردد واحتجاجي - لأدوات قصيدة التفعيلة بعض الشيء، وقصيدة النثر بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يسبحون ضد التيار منذ عقود طويلة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات.

تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تجمع بين ضخ الميزانيات الضخمة وحداثة الوسائط الرقمية، مما نجح في تحويل هذا الفن التراثي النخبوي إلى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجيال الناشئة، وتتجاوز الميزانيات السنوية المرصودة لإحياء وتكريس هذا النمط حاجزَ عشرات الملايين من الدولارات في المشهد الثقافي العربي؛ وهو استثمار معلّل برغبة مؤسساتية صريحة في صون الهوية القومية التاريخية، وحمايتها من عواصف التحولات الأدبية المعاصرة، وعلى رأس هذه العواصف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنتاجات الكبرى؛ حيث تمنح بعض الجوائز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكراً على المجالس المغلقة الرافضة للأدوات الشعرية الحديثة في كتابة الشعر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الدولارات، نجحت في جذب الجمهور الناشئ وتحقيق جماهيرية للشاعر الذي يكتب الشعر العمودي ويتنافس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لتكريم البنية القديمة للقصيدة الكلاسيكية الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها.

هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تم رصد ميزانيات حكومية لتطوير تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كأدوات عروضية متطورة تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الكسر العروضي بدقة فائقة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المعقدة لعلم العروض والبيان العربي. إن هذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نجاح مجهودات إعادة إحياء الشعر العمودي، وتمكينه من الصمود والامتداد داخل الوعي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقصيدة النثر. إنّها معادلة صعبة بين قصيدة تتمتع بالاعتراف والدعم، وقصيدة تفتقد إلى الاعتراف، ومنظوراً إليها ناقصةَ الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يمكن توصيفه بديكتاتورية نظام القصيدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معاً بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجاً وتلقياً.

هنالك نزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية وما سواها من منتجات الغَيرية المهدِّدة للهوية العربية في مفهومها الواسع العام. ومن المهم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثم تعود حيث عرف الشعر العربي في العصر الحديث مدارس وتيارات واتجاهات عدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسلامي. لذلك، فإن عصر النهضة يمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ الشعر العربي ككل، وعاملاً مهماً في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصاً أنه بعد عصور ازدهار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر العباسي، شهدت الحياة الأدبية العربية نوعاً من الخمول والضعف، أصاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومسّ كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الذي مثّل بدوره سبباً أساسياً من أسباب ظهور النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مدلولياً تشير إلى حالة من التعارض مع ما سبق، وإلى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة.

وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص تلك التي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولى وتحديداً مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل في جزء من تحليلها ومن استنتاجاتها في إطار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية في أحد أهم وجوهه، وذلك من منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المهمة، ويخضع في إنتاجه وتلقيه إلى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه كما أبرز ذلك بيير ماشري (Pierre Macherey)؛ لا ينبغي التعامل مع المنتج الأدبي الإبداعي كما لو كان منغلقاً على نفسه، متمركزاً فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفق ما ذهب إليه لوسيان غولدمان، نتاج ذاتٍ جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية.

إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثم جاءت جماعة «الديوان»، وتولدت المدرسة الرومنطيقية، وذلك في بداية القرن العشرين متأثرة برموز الرومنطقية في الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبولو»، وأيضاً ما سُمي «أدب المهجر»، وصولاً إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر من السبعينات من القرن الماضي، التي انطلقت بأعلامٍ ذوي مواهب مجيدة ونظرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية.

ومن الملاحظات الخاطفة التي نسوقها بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب أظهر خصوصية البيئة العراقية الشعرية في هذا النزوع للتجديد والتجريب، الذي تواصل إلى اليوم؛ حيث نجد حالة من الانفتاح الجمالي فريدة من نوعها من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبداعي، وأيضاً التلقي.

ولعل هذا الكم من المدارس والاتجاهات الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادةٌ قوية لمكانة الشعر في الثقافة والحضارة العربيتين، واستنهاضٌ لوظيفة الشعر عند العرب وتلبيةٌ لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالاً من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحيائية تظهر ثم تخفت قليلاً ولكن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الهوية التي تمارس الانكفاء من خلال القصيدة العمودية والتي تشغل مقام مقوِّمٍ من مقومات الهوية العربية.

في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعرُ التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعاً باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقناع بالشعر الحديث، واستغلت جيداً فترة الركود «العمودي» الظرفي التي تحصل دائماً)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيراً عن حيوية الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية، فإنها لا تزال تُدفع بعيداً نحو الهامش والمبادرات الفردية. ولا يكاد يُرصد لهذا النمط التجديدي ميزانيات تُذكر، ولا توجد تطبيقات ذكية ممولة حكومياً تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الحداثي، مما يترك الموهبة الشابة المعاصرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وسائل التواصل الاجتماعي وهذا في حد ذاته موضوع جدير بالاهتمام.

ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ندرة الجوائز الكبرى المخصصة حصرياً للتجريب النثري، وحرمان الأصوات الجديدة من منصات التكريس اللائقة وتدريب الناشئة، مما يجعل طباعة الدواوين الحديثة ونشرها عبئاً مالياً يقع على كاهل الشاعر نفسه وعدد من دور النشر الطلائعية. إن هذا التفاوت الصارخ في الضخ المالي والاهتمام المؤسساتي لا يعكس قيمة الفن الحقيقية، بقدر ما يكرس قطيعة تجعل الشعر الحديث محاصراً في النطاقات النخبوية الضيقة، ومحروماً من أدوات الانتشار التي تضمن له الحضور والامتداد في الوعي الجمعي؛ ناهيك عن أن الشعر الحديث بقدرته الخاصة على تدوين الراهن وتصوير تفاصيله بحساسية جديدة مع اللغة والواقع والروح المختلفة، سينتهي بنا إلى إيقاف الزمن الشعري عند العمودي، إذ الجماليات المختلفة هي أزمنة وأمكنة مختلفة أيضاً.

من باب الموضوعية، ربما يمكن القول إنه بحكم أن الإعلام الثقافي تشرف عليه في الغالب أصوات حداثية ومتشبعة بالإبداع العالمي، وعاشت في عواصم عربية وغربية جُبلت على التجديد، فإن الصفحات الثقافية تحتفي بالتجارب الشعرية الحداثية أكثر من الأخرى الكلاسيكية.

الفكرة باختصار لا تكمن في مناصرة القصيدة العمودية وتوفير آليات دعم قوية لتأمين البقاء وتأثيرها، فذاك أمر طبيعي ويؤدي وظيفة سوسيولوجية ذات علاقة بالهوية الجمعية، إضافة إلى ما تعنيه مناصرتها من حفظ للغة العربية كمقوِّم رئيسي من مقومات البناء الرمزي للهوية العربية. فالمشكلة - كما تبدو لنا - في هيمنة العمودي وغياب ممارسة ديمقراطية تجاه التعبيرات الجمالية كافة. كما أنه ليس من صالح الشعر العربي ولا الثقافة العربية ألا يوجَّه الضوء للدعم والمناصرة لتجارب شعرية غاية في الإبداع وصنع الدهشة، فقط لأنها من خارج أوزان القصيدة الخليلية. فلتتبارَ الأشكال الشعرية كافة، والرابح دوماً هو الشعر، الذي لا يحدده شكل ولا جماليات بعينها؛ فالشعر انفتاح وانقلاب متواصل تماماً كما هو العقل النقدي الذي محركه النقد.

بيت القصيد أو الجملة الشعرية المراد تسويقها: الشعر لا يضره إحياء القديم ولكن يزهر عندما ننصت لقلبه الحيّ الذي يتجدد مع كل دورة حياة.


«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون
TT

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة نفسية، وزمن كيميا خاتون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

غير أن الرواية الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت لا تنظر إلى الزمن بوصفه خطاً يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجياً داخل وعي البطلة، لتصبح الحدود بين الذاكرة والتخييل، وبين التجربة النفسية والاستدعاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتاً غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي.

يفتح السرد أمام البطلة بوابة زمنية تستعيد عبرها حياة «كيميا القديمة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار التقمص والتزامن والذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها في حوار متصل مع جدها المنحدر من أصول صوفية.

كما يبدو اختيار الكاتبة لعمل بطلتها المعاصرة في مونتاج الأفلام الوثائقية مفتاحاً فنياً لبنية الرواية نفسها؛ إذ يتفعّل «المونتاج السردي» على امتداد العمل بين زمنين ومكانين وذاكرتين، وتدخل المشاهد المتباعدة في علاقات جديدة، بحيث تضيء كل لقطة ما يقابلها في الزمن الآخر. وتعيد الرواية تركيب شذرات سيرة كيميا داخل وعي امرأة معاصرة، فتغدو الحكاية القديمة مرآة لأزمات الحاضر. ويصبح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مع طبيعة وعيها الذي يجمع صوراً وأصواتاً وأزمنة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة.

ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألم أو الإحساس بالتخلي، بل يمتد إلى جراح الطفولة نفسها؛ فكلتاهما تواجه عالماً صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه.

تبعات الزلزال

تخلق الرواية بعض ومضاتها السردية الأبرز من خلال التقابل بين أحداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مشاهد الرواية يتزامن زلزال قونيا، الذي عدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مع توابع زلزال ضرب بيروت، وأعادت حوله بعض الأصوات المعاصرة إنتاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقاباً أو لعنة.

ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها.

تنجح الكاتبة في منح زمن قونيا كثافة محسوسة؛ فلا يظهر القرن الثالث عشر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالماً تجري معايشته عبر تفاصيل البيوت والأفنية والمدارس والأسواق والملابس والطعام ومجالس العلم والسماع. وتتيح هذه التفاصيل للقارئ أن يدخل بيت الرومي، ويرى نافورته وشجرة الدلب وحبات التفاح المتدلية من أغصانها، ويتابع التحوّلات التي أحدثها حضور شمس التبريزي في البيت والمدينة معاً. وتستعين دندشلي بالمادة التاريخية المتاحة، في مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي، أحد أبرز المراجع القديمة عن سيرة الرومي وشمس التبريزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الروائي لإعادة تركيب الحكاية من منظور الشخصية التي ظلت طويلاً على هامشها.

وفي هذا المزج بين المرجع التاريخي والتخييل، لا تبحث الرواية عن إجابة قاطعة عما وقع، بقدر ما تحاول تصور ما كان يمكن أن تشعر به طفلة وجدت نفسها داخل واحدة من أشهر العلاقات الروحية في التاريخ. ولذلك لا تصبح قونيا ديكوراً تاريخياً، بل عالماً له لغته وأسئلته وصراعاته، تخضعه الرواية في الوقت نفسه للمراجعة، خصوصاً حين تتحول لغة «الباطن» والمشيئة الروحية إلى وسيلة لتبرير قرارات إنسانية قاسية.

محاكمة الأسطورة

تقود الكاتبة قارئها إلى سرد ملغم بالمفارقات داخل عالم الصوفية؛ فهي تنجذب إلى أسئلته عن الزمن والروح والفناء، لكنها ترفض التسليم بهالة القداسة التي أحاطت بأبطاله، ومن ثم تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لنجم شمس التبريزي، لا سيما بعد الانتشار الواسع لرواية «قواعد العشق الأربعون»، كما لا تقف من جلال الدين الرومي موقف التسليم الذي يحجب تناقضاته البشرية.

لا تستهدف الرواية إنكار القيمة الروحية أو الشعرية للرومي والتبريزي، بقدر ما تسائل الثمن الإنساني الذي دفعه المحيطون بهما، وعلى رأسهم كيميا، فهي تعيد النظر في موافقة الرومي على تزويج الطفلة اليتيمة ذات الثالثة عشرة من شيخه المتقدم في العمر، في زواج بدا هدفه ضمان استقرار شمس ومنعه من مغادرة قونيا، إلى جانب إسكات الأقاويل التي لاحقت شدة تعلق الرجلين ببعضهما البعض.

هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالأسطورة التي قدمت الرومي وشمس بوصفهما رمزين للعشق المتعالي، تخفي في هامشها طفلة جرى التعامل معها كوسيلة لحماية هذا العشق وضمان استمراره. ومن خلال نقل كيميا من الهامش إلى مركز السرد، تتحول «عروس قونيا» من إعادة رواية سيرة صوفية شهيرة إلى مساءلة مَن امتلك حق كتابة تلك السيرة.

وفي مقابل هذه المراجعة التاريخية، تمضي البطلة المعاصرة في مراجعة أزماتها الشخصية؛ طفولتها، وشعورها بالتخلي، وهشاشتها النفسية، وقدرتها على التمييز بين ما عاشته بالفعل وما أعاد لا وعيها بناءه، وهكذا تتقدم المحاكمتان معاً؛ محاكمة الأسطورة في الماضي، ومحاكمة البطلة لتصوّرها عن نفسها في الحاضر.

ومع نهايتها، تكشف الرواية عن مفاجأة سردية لا تهدم ما سبق أن شيدته من أزمنة وعوالم، بقدر ما تكثف سؤالها عن العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن النفسي، وعن المسافة الملتبسة بين الذاكرة والتخييل، وهي الأسئلة التي تشير إليها الكاتبة في المراجع التاريخية والنفسية والفلسفية التي استعانت بها، من دون أن تنحاز إلى تفسير نهائي لما عاشته البطلة.


ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.