بيروت تتقهقر مؤقتاً أمام الوباء وتترقب زواله لاستئناف انتفاضتها

شوارعها مقفرة ومثقفوها بلا مقاهٍ ووسطها بلا ثوار

لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)
لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)
TT

بيروت تتقهقر مؤقتاً أمام الوباء وتترقب زواله لاستئناف انتفاضتها

لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)
لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)

لم يسبق للجيل الذي أنتمي إليه، وربما للجيل الذي سبق، أن وجد نفسه أمام جائحة مماثلة، تخرج بغتة من ظلماتها لتعصف بكل ما ناضل البشر لتحقيقه من مظاهر الرفاهية والتقدم، وبكل ما اختزنوه في دواخلهم من بريق الوعود وبراعم الأحلام.
صحيح أن الحياة على الأرض لم تكن وردية بالكامل، بل كانت مهدّدة على الدوام بأعتى أنواع الحروب والتدمير والقتل الجماعي الذي وصل إلى ذروته في حربي القرن العشرين العالميتين، ولكن ما نحن بصدده الآن هو عدوّ من نوع آخر يُعدّ لنا في الخفاء سموماً مجهولة المصدر تتكفل خلال أيام قليلة بنقلنا إلى الضفة الأخرى من الوجود.
هكذا فجأة تنقلب الأولويات رأساً على عقب، ويتراجع إلى الخلف صراع الهويات والطبقات والأجيال والنظم السياسية والآيديولوجية، تحت ضربات العدو الضاري الذي لا يميز بين جبروت الجلادين وهشاشة الضحايا؛ بين الجشع الصلف للمرابين وأصحاب الثروات، وبين النظرات المطفأة للفقراء والمعوزين، كما بين النخب الأكثر ثقافة والجموع الغارقة في جهلها المزمن.
إن الهلع الذي يثيره الوباء الجديد في دواخل البشر، متأتٍّ من إحساس لدى الجميع بأنهم يخوضون معركة غير عادلة مع المجهول واللامرئي ومتناهي الصغر. فأنت في حالة استنفار قصوى ضد لا شيء تقريباً. ولكن هذا اللاشيء قد يكون قادماً من جهة ابنك أو أبيك أو زوجتك أو حبيبتك، بحيث يتحول الناس الألصق بقلبك إلى مجرد فزاعات ناقلة لعدوى الوباء القاتلة. وهذا اللاشيء جاهز للإطاحة بك قبل أن تصحو من ذهولك، وقبل أن تجد جواباً عن المسوغ الأخلاقي و«القانوني» الذي يودي بك على حين غرة إلى مقصلة الإعدام. وإذا كانت الحياة تقلد الأدب في كثير من وجوهها، فنحن جميعاً شبيهون ببطل كافكا الذي اختزله صاحب رواية «القضية» بالحرف «ك»، والذي يساق إلى الإعدام ويتم شنقه دون أن يتبين الجرم الذي قاده إلى مصيره الفاجع. أوَلسنا نقف الآن بلا أسماء ولا أعمار ولا ألقاب، في مواجهة ذئب الخفاء هذا؟ أولسنا «كاءات» الألفية الجديدة التي لم تحمل لنا سوى براميل الاستبداد المتفجرة والسواطير المخيفة للظلاميات المتقابلة. ومن نجوا من هذه وتلك، يواجهون الآن عدوّاً أكثر هولاً وأشدّ إثارة للرعب.
لم يكن عهد بيروت، التي وفد إليها وباء «كورونا» قبل أسابيع قليلة، جديداً مع الكوارث. فهذه المدينة التي عُرفت لعقود خلتْ بـ«لؤلؤة الشرق»، لم يستقر تاريخها الطويل على حال واحدة من الرخاء أو البؤس، ومن الازدهار أو التلاشي... بل هي بدت شبيهة بأدونيس المقتول بأنياب الخنزير البري، والذي تعيده الآلهة إلى الحياة، استجابة لتضرعات حبيبته عشتروت، مطلع كل ربى. وقد بدأت أولى مآسيها زمن نبوخذ نصر، الذي عمد في نهاية القرن السادس الميلادي إلى هدم المدينة وإحراقها بشكل تام. ثم تجددت مأساتها بعد 4 قرون مع القائد السلوقي تريفون، الذي دمرها مرة أخرى وظلت من بعده خراباً لمدة قرن كامل. وفي القرن الرابع للميلاد، ضربها زلزال كبير، كان فاتحة لزلازل أشد هولاً ضربتها في منتصف القرن السادس، حيث تسبب أحدها في «تسونامي» بحرية ماحقة غمرت معظم أحياء المدينة وقتلت 30 ألفاً من سكانها. وإذا كان المؤرخون قد أسهبوا في الحديث عن نكبة المدينة بعد الزلزال، فإن الشعراء لم يتوانوا بدورهم عن التعاطف مع مدينة الشرائع والتحسر على مجدها الآفل. وكان أبرز هؤلاء أغاتيوس اليوناني الذي كتب في رثائها، وعلى لسانها: «ها أنا ذا المدينة التاعسة، كومة من الخرائب وأبنائي أموات. هل تبكون أيها العابرون الماشون فوق أطلالي؟ هل تأسون لمجد بيروت التي لا وجود لها؟ وداعاً يا ملاحي البحار. وداعاً أيتها القوافل الآتية من ورائها».
وفي القرن الثالث عشر، إبان حكم المماليك، تعود الزلازل لتضرب المدينة من جديد، حيث يتحدث المقريزي عن تمكّن أحدها من إغراق الجزر الصغيرة الواقعة قبالة الشاطئ. ولم تكن بيروت بمنأى عن الوقائع الكارثية للمجاعة التي ضربت المنطقة في ذروة الحرب العالمية الأولى؛ حيث تعرض لبنان لحصار خانق، تبعته موجة غير مسبوقة من الجراد، الأمر الذي أدى إلى أن يخسر البلد الصغير نصف سكانه، في حين كانت الجثث المتلاحقة تتكدس في شوارع المدن والقرى ولا تجد من يدفنها.
وإذا كان ما تقدّم لا يعني بأي حال عقد مقارنة بين ما تعرضت له بيروت على امتداد العصور من كوارث ماحقة، وبين محنتها الحالية التي لم تبلغ بعد حدود الكارثة، فإن ما تعيشه المدينة منذ شهور عدة، ولبنان بوجه عام، هو أشبه بزلزال سياسي واجتماعي تسبب فيه نظام المحاصصة الطائفية والنهب المنظم الذي أوصل البلد إلى الإفلاس التام، وزاد الفقراء فقراً، ودفع بالطبقة الوسطى إلى الاضمحلال. وفجأة، ومن حيث لا يتوقع أحد، ظهر وباء «كورونا» الذي أخذه اللبنانيون في البداية على محمل الخفة والهزل، ورأوا فيه فرصة لارتجال النكات، ليتبين بعد أيام أنه الوباء الأخطر على الوطن الصغير وسكانه منذ مائة قرن كامل، وليجبر اللبنانيين على التزام بيوتهم، والسلطة على إعلان النفير العام وإغلاق جميع المنافذ التي تسمح للوباء بالتسلل.
ومع أن وضع بيروت ليس الأسوأ بين مدن العالم، إلا إن الوباء سقط على مدينة منهكة وفاقدة للمناعة ومثخنة بالطعنات. وهي لم تكن بحاجة لإعلان حالة الطوارئ الصحية وضبط حركة التجول في حدودها الدنيا، لكي تنغلق على ذاتها كالشرنقة وتستعيد ما اجتازته عبر تاريخها من أهوال. فأحياؤها شبه مقفرة، وشوارعها لا تعبرها سوى سيارات قليلة، وبعض المارة الذين يحدقون ذاهلين في الفراغ والصمت اللذين يلفّان كل شيء. وأولئك الذين تجرأوا على التجول، بداعي الفضول أو العمل أو المغامرة البحتة، يحدق كلّ منهم في الآخر بحذر وتوجس شديدين. لا بل إن مجرد عطسة من هنا أو سعال من هناك قد يحدثان حولهما الهلع نفسه الذي يمكن أن يحدثه اختراق طائرة معادية جدار الصوت، أو سقوط قذيفة في المكان. أما شارع الحمراء الذي أقطن منذ عقود عند طرفه الغربي فهو لم يعد يشبه نفسه أبداً، حيث المحلات بمعظمها مغلقة، والمفتوحة منها بلا رواد ولا بريق، والذين صادفتهم أثناء تجوالي هناك، كانوا بمعظمهم من المتسولين والمشردين، أو الخارجين للتمون خشية انقطاع المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية. أما مقاهي الرصيف التي ميزت المدينة في عصرها الذهبي، فكانت «خاوية على عروشها» تماماً ولا أثر فيها لأي حياة. وفيما أوى معظم المثقفين إلى منازلهم مكرهين، كان بعضهم يهيم على وجهه بلا وجهة واضحة في الشارع المهجور، بينما فوجئتُ ببعضهم الآخر يقف قبالة مقهى «الروسا» المقفل، «الهورس شو» سابقاً، كأنه امرؤ القيس يقف على أطلال «سقط اللوى»، التي استهل بذكرها معلقته الشهيرة. أما وسط المدينة، حيث رفعت قوى الثورة بيارقها وشعاراتها لأشهر عدة، فقد كان معظم الخيام المنصوبة بين جنباته خالية من المعتصمين، فيما أصرّ بعض الشباب على ملازمة خيامهم، لكيلا يسمحوا للوباء المستفحل بأن ينجح في إخماد شرارة الثورة التي عجزت السلطة عن إخمادها، كما عبّر أحدهم بشكل حرفي.
قد تجد مقولة سارتر الشهيرة «الجحيم هم الآخرون»، ما يسوّغها في فضاء المدينة التي شلّ سكانها الخوف من كل ما يلمسونه أو يصادفونه. فحتى الجمال يفقد في ظروف كهذه سلطته، ليدخل هو الآخر في خانة الاحتمالات الموبوءة والناقلة للعدوى. لكن ثمة وجهاً آخر للصورة يمثله أولئك الجنود المجهولون الذين تطوعوا بملء إرادتهم لدرء الخطر عن سكان عاصمتهم، كما يمثله كثير من الأطباء والممرضين و«فدائيي» القطاع الصحي و«فدائياته». كما أن الوباء الجديد قد استطاع، بفعل ضراوته التي لا تميز بين الهويات والعقائد والطوائف والطبقات والأعمار، أن يحشد لمواجهته كل هذه القوى مجتمعة، حتى إذا نجحت المدينة لاحقاً في استئصاله، عادت السلطة إلى فسادها والثورة إلى الشوارع.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.