بيروت تتقهقر مؤقتاً أمام الوباء وتترقب زواله لاستئناف انتفاضتها

شوارعها مقفرة ومثقفوها بلا مقاهٍ ووسطها بلا ثوار

لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)
لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)
TT

بيروت تتقهقر مؤقتاً أمام الوباء وتترقب زواله لاستئناف انتفاضتها

لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)
لافتة توعوية حول «كوفيد 19» في أحد شوارع بيروت الخالية (أ.ف.ب)

لم يسبق للجيل الذي أنتمي إليه، وربما للجيل الذي سبق، أن وجد نفسه أمام جائحة مماثلة، تخرج بغتة من ظلماتها لتعصف بكل ما ناضل البشر لتحقيقه من مظاهر الرفاهية والتقدم، وبكل ما اختزنوه في دواخلهم من بريق الوعود وبراعم الأحلام.
صحيح أن الحياة على الأرض لم تكن وردية بالكامل، بل كانت مهدّدة على الدوام بأعتى أنواع الحروب والتدمير والقتل الجماعي الذي وصل إلى ذروته في حربي القرن العشرين العالميتين، ولكن ما نحن بصدده الآن هو عدوّ من نوع آخر يُعدّ لنا في الخفاء سموماً مجهولة المصدر تتكفل خلال أيام قليلة بنقلنا إلى الضفة الأخرى من الوجود.
هكذا فجأة تنقلب الأولويات رأساً على عقب، ويتراجع إلى الخلف صراع الهويات والطبقات والأجيال والنظم السياسية والآيديولوجية، تحت ضربات العدو الضاري الذي لا يميز بين جبروت الجلادين وهشاشة الضحايا؛ بين الجشع الصلف للمرابين وأصحاب الثروات، وبين النظرات المطفأة للفقراء والمعوزين، كما بين النخب الأكثر ثقافة والجموع الغارقة في جهلها المزمن.
إن الهلع الذي يثيره الوباء الجديد في دواخل البشر، متأتٍّ من إحساس لدى الجميع بأنهم يخوضون معركة غير عادلة مع المجهول واللامرئي ومتناهي الصغر. فأنت في حالة استنفار قصوى ضد لا شيء تقريباً. ولكن هذا اللاشيء قد يكون قادماً من جهة ابنك أو أبيك أو زوجتك أو حبيبتك، بحيث يتحول الناس الألصق بقلبك إلى مجرد فزاعات ناقلة لعدوى الوباء القاتلة. وهذا اللاشيء جاهز للإطاحة بك قبل أن تصحو من ذهولك، وقبل أن تجد جواباً عن المسوغ الأخلاقي و«القانوني» الذي يودي بك على حين غرة إلى مقصلة الإعدام. وإذا كانت الحياة تقلد الأدب في كثير من وجوهها، فنحن جميعاً شبيهون ببطل كافكا الذي اختزله صاحب رواية «القضية» بالحرف «ك»، والذي يساق إلى الإعدام ويتم شنقه دون أن يتبين الجرم الذي قاده إلى مصيره الفاجع. أوَلسنا نقف الآن بلا أسماء ولا أعمار ولا ألقاب، في مواجهة ذئب الخفاء هذا؟ أولسنا «كاءات» الألفية الجديدة التي لم تحمل لنا سوى براميل الاستبداد المتفجرة والسواطير المخيفة للظلاميات المتقابلة. ومن نجوا من هذه وتلك، يواجهون الآن عدوّاً أكثر هولاً وأشدّ إثارة للرعب.
لم يكن عهد بيروت، التي وفد إليها وباء «كورونا» قبل أسابيع قليلة، جديداً مع الكوارث. فهذه المدينة التي عُرفت لعقود خلتْ بـ«لؤلؤة الشرق»، لم يستقر تاريخها الطويل على حال واحدة من الرخاء أو البؤس، ومن الازدهار أو التلاشي... بل هي بدت شبيهة بأدونيس المقتول بأنياب الخنزير البري، والذي تعيده الآلهة إلى الحياة، استجابة لتضرعات حبيبته عشتروت، مطلع كل ربى. وقد بدأت أولى مآسيها زمن نبوخذ نصر، الذي عمد في نهاية القرن السادس الميلادي إلى هدم المدينة وإحراقها بشكل تام. ثم تجددت مأساتها بعد 4 قرون مع القائد السلوقي تريفون، الذي دمرها مرة أخرى وظلت من بعده خراباً لمدة قرن كامل. وفي القرن الرابع للميلاد، ضربها زلزال كبير، كان فاتحة لزلازل أشد هولاً ضربتها في منتصف القرن السادس، حيث تسبب أحدها في «تسونامي» بحرية ماحقة غمرت معظم أحياء المدينة وقتلت 30 ألفاً من سكانها. وإذا كان المؤرخون قد أسهبوا في الحديث عن نكبة المدينة بعد الزلزال، فإن الشعراء لم يتوانوا بدورهم عن التعاطف مع مدينة الشرائع والتحسر على مجدها الآفل. وكان أبرز هؤلاء أغاتيوس اليوناني الذي كتب في رثائها، وعلى لسانها: «ها أنا ذا المدينة التاعسة، كومة من الخرائب وأبنائي أموات. هل تبكون أيها العابرون الماشون فوق أطلالي؟ هل تأسون لمجد بيروت التي لا وجود لها؟ وداعاً يا ملاحي البحار. وداعاً أيتها القوافل الآتية من ورائها».
وفي القرن الثالث عشر، إبان حكم المماليك، تعود الزلازل لتضرب المدينة من جديد، حيث يتحدث المقريزي عن تمكّن أحدها من إغراق الجزر الصغيرة الواقعة قبالة الشاطئ. ولم تكن بيروت بمنأى عن الوقائع الكارثية للمجاعة التي ضربت المنطقة في ذروة الحرب العالمية الأولى؛ حيث تعرض لبنان لحصار خانق، تبعته موجة غير مسبوقة من الجراد، الأمر الذي أدى إلى أن يخسر البلد الصغير نصف سكانه، في حين كانت الجثث المتلاحقة تتكدس في شوارع المدن والقرى ولا تجد من يدفنها.
وإذا كان ما تقدّم لا يعني بأي حال عقد مقارنة بين ما تعرضت له بيروت على امتداد العصور من كوارث ماحقة، وبين محنتها الحالية التي لم تبلغ بعد حدود الكارثة، فإن ما تعيشه المدينة منذ شهور عدة، ولبنان بوجه عام، هو أشبه بزلزال سياسي واجتماعي تسبب فيه نظام المحاصصة الطائفية والنهب المنظم الذي أوصل البلد إلى الإفلاس التام، وزاد الفقراء فقراً، ودفع بالطبقة الوسطى إلى الاضمحلال. وفجأة، ومن حيث لا يتوقع أحد، ظهر وباء «كورونا» الذي أخذه اللبنانيون في البداية على محمل الخفة والهزل، ورأوا فيه فرصة لارتجال النكات، ليتبين بعد أيام أنه الوباء الأخطر على الوطن الصغير وسكانه منذ مائة قرن كامل، وليجبر اللبنانيين على التزام بيوتهم، والسلطة على إعلان النفير العام وإغلاق جميع المنافذ التي تسمح للوباء بالتسلل.
ومع أن وضع بيروت ليس الأسوأ بين مدن العالم، إلا إن الوباء سقط على مدينة منهكة وفاقدة للمناعة ومثخنة بالطعنات. وهي لم تكن بحاجة لإعلان حالة الطوارئ الصحية وضبط حركة التجول في حدودها الدنيا، لكي تنغلق على ذاتها كالشرنقة وتستعيد ما اجتازته عبر تاريخها من أهوال. فأحياؤها شبه مقفرة، وشوارعها لا تعبرها سوى سيارات قليلة، وبعض المارة الذين يحدقون ذاهلين في الفراغ والصمت اللذين يلفّان كل شيء. وأولئك الذين تجرأوا على التجول، بداعي الفضول أو العمل أو المغامرة البحتة، يحدق كلّ منهم في الآخر بحذر وتوجس شديدين. لا بل إن مجرد عطسة من هنا أو سعال من هناك قد يحدثان حولهما الهلع نفسه الذي يمكن أن يحدثه اختراق طائرة معادية جدار الصوت، أو سقوط قذيفة في المكان. أما شارع الحمراء الذي أقطن منذ عقود عند طرفه الغربي فهو لم يعد يشبه نفسه أبداً، حيث المحلات بمعظمها مغلقة، والمفتوحة منها بلا رواد ولا بريق، والذين صادفتهم أثناء تجوالي هناك، كانوا بمعظمهم من المتسولين والمشردين، أو الخارجين للتمون خشية انقطاع المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية. أما مقاهي الرصيف التي ميزت المدينة في عصرها الذهبي، فكانت «خاوية على عروشها» تماماً ولا أثر فيها لأي حياة. وفيما أوى معظم المثقفين إلى منازلهم مكرهين، كان بعضهم يهيم على وجهه بلا وجهة واضحة في الشارع المهجور، بينما فوجئتُ ببعضهم الآخر يقف قبالة مقهى «الروسا» المقفل، «الهورس شو» سابقاً، كأنه امرؤ القيس يقف على أطلال «سقط اللوى»، التي استهل بذكرها معلقته الشهيرة. أما وسط المدينة، حيث رفعت قوى الثورة بيارقها وشعاراتها لأشهر عدة، فقد كان معظم الخيام المنصوبة بين جنباته خالية من المعتصمين، فيما أصرّ بعض الشباب على ملازمة خيامهم، لكيلا يسمحوا للوباء المستفحل بأن ينجح في إخماد شرارة الثورة التي عجزت السلطة عن إخمادها، كما عبّر أحدهم بشكل حرفي.
قد تجد مقولة سارتر الشهيرة «الجحيم هم الآخرون»، ما يسوّغها في فضاء المدينة التي شلّ سكانها الخوف من كل ما يلمسونه أو يصادفونه. فحتى الجمال يفقد في ظروف كهذه سلطته، ليدخل هو الآخر في خانة الاحتمالات الموبوءة والناقلة للعدوى. لكن ثمة وجهاً آخر للصورة يمثله أولئك الجنود المجهولون الذين تطوعوا بملء إرادتهم لدرء الخطر عن سكان عاصمتهم، كما يمثله كثير من الأطباء والممرضين و«فدائيي» القطاع الصحي و«فدائياته». كما أن الوباء الجديد قد استطاع، بفعل ضراوته التي لا تميز بين الهويات والعقائد والطوائف والطبقات والأعمار، أن يحشد لمواجهته كل هذه القوى مجتمعة، حتى إذا نجحت المدينة لاحقاً في استئصاله، عادت السلطة إلى فسادها والثورة إلى الشوارع.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».


الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended