إلغاء انتخابات وفعاليات مهمة... كورونا يربك العالم

مقاعد خالية بعد تاجيل الانتخابات في صربيا (إ.ف.ب)
مقاعد خالية بعد تاجيل الانتخابات في صربيا (إ.ف.ب)
TT

إلغاء انتخابات وفعاليات مهمة... كورونا يربك العالم

مقاعد خالية بعد تاجيل الانتخابات في صربيا (إ.ف.ب)
مقاعد خالية بعد تاجيل الانتخابات في صربيا (إ.ف.ب)

في الوقت الذي يواصل في فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) العالمي تسجيل وفيات وإصابات حول العالم وتداعيات كبرى، قررت بعض الدول التي تعاني من حالات إصابة وانتشار للفيروس تأجيل فعاليات سياسية وثقافية ورياضية وفيما يأتي آخر التطورات حول العالم:

إلغاء انتخابات... وقمم سياسية عبر الفيديو

أمرت السلطات في أوهايو بإغلاق مراكز الاقتراع في الولاية الأميركية حيث كان مقرّراً أن يُجري الحزب الديمقراطي اليوم الثلاثاء انتخاباته التمهيدية للانتخابات الرئاسية، في قرار تحدّى فيه الحاكم الجمهوري حكماً قضائياً منعه من تأجيل الانتخابات وذلك بإعلانه حالة طوارئ صحيّة ناجمة عن فيروس كورونا.

وقررت فرنسا تأجيل الجولة الثانية من انتخابات رؤساء البلديات إلى 21 يونيو (حزيران)، مؤكدين بذلك ما ذكرته قناة (بي.إف.إم) التلفزيونية الفرنسية في وقت سابق. وأضاف مصدران لوكالة رويترز للأنباء، أن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات المحلية التي أجريت أول من أمس الأحد ستظل صحيحة.

وتشير تقارير إعلامية إلى احتمال إرجاء موعد انتخابات إقليمية كانت مرتقبة خلال الربيع في إيطاليا.
وأعلنت الرئاسة الصينية لمجلس الأمن الدولي أمس الاثنين إلغاء الاجتماعين اللذين كانا مدرجين على جدول أعمال المجلس لهذا الأسبوع، وذلك بسبب تفشّي فيروس كورونا المستجدّ.
وبعدما تقرّر الأسبوع الماضي إلغاء اجتماعات مجلس الأمن ليوم الثلاثاء، كان من المفترض أن يناقش المجلس يوم الأربعاء ملف إقليم دارفور في غرب السودان ويوم الخميس ملف التعدّدية، في جلستين لم يكن مرتقباً صدور أي قرار خلالهما.
ممثل الصين لدى الأمم المتحدة جانغ جون خلال جلسة لمجلس الأمن، 10 مارس/آذار 2020.
وأمس قال المتحدّث باسم البعثة الصينية في الأمم المتحدة جوان سون في بيان مقتضب إنّه «لن تكون هناك جلسات هذا الأسبوع»، مشدّداً على أنّ «المجلس يواصل العمل في الوقت نفسه».
وأرجأت صربيا أمس، الانتخابات البرلمانية والإقليمية والمحلية التي كان من المقرر إجراؤها في 26 أبريل (نيسان) المقبل.

وبعد أن دخلت عدة دول أوروبية في إغلاق حدودها، أعلن رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل أن قادة الاتحاد الأوروبي سوف يعقدون قمة طارئة عبر الفيديو حول أحدث تطورات فيروس كورونا اليوم الثلاثاء، وسط تشديد الدول الأعضاء للقيود من أجل احتواء تفشي المرض.
وكتب ميشيل على «تويتر» حول جدول الأعمال القمة: «احتواء انتشار الفيروس وتوفير المعدات الطبية الكافية وتعزيز البحث والحد من التداعيات».

فعاليات رياضية مؤجلة وتقليص التدريبات

بدأ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) اليوم سلسلة اجتماعات عبر تقنية الفيديو، لبحث استكمال مسابقتيه للأندية (دوري الأبطال و«يوروبا ليغ»)، ومصير نهائيات كأس أوروبا 2020 المرجح إرجاؤها إلى العام المقبل في ظل المخاوف العالمية من فيروس كورونا المستجد، ومن المتوقع أن يصدر الاتحاد في ختام هذا اليوم الطويل، قراراته بشأن مسابقتي الأندية وكأس أوروبا، والتي ستقدم صورة أوضح عن سبل استكمال البطولات الوطنية للموسم الكروي، في ظل التعليق شبه الكامل للمنافسات الذي فرضه تفشي «كوفيد - 19».

وأعلن منظمو أولمبياد طوكيو 2020 الصيفي تقليص الاحتفالات المحيطة بمسيرة الشعلة الأولمبية في اليابان والمقرر انطلاقها في 26 مارس (آذار) الجاري، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد.
وسيقام «الانطلاق الكبير» للمسار في منطقة فوكوشيما (شمال شرق) دون جماهير «لتفادي انتشار العدوى»، بحسب ما قال للصحافيين المدير التنفيذي للجنة المنظمة للألعاب توشيرو موتو.

ولن يتغير مسار الشعلة في باقي المدن اليابانية، وسيتمكن المتفرجون من متابعته. لكن احتفالات الانطلاق والوصول ستبقى مغلقة أمام الجماهير، بحسب ما أوضح المنظمون في بيان.
وقد ألغت البلديات المحلية مراسم الترحيب بالشعلة، بينما طالب المنظمون من أي متفرج لا يشعر بصحة جيدة بعدم الوجود على الطرق. وسيتم قياس درجة حرارة حاملي الشعلة، وبالتالي منع الذين يعانون من درجة مرتفعة من الجري.

وتأثر الدوري الماسي لألعاب القوى، والذي أعلن اليوم عدم إقامة أول ثلاثة لقاءات بموسم 2020 في قطر والصين بسبب فيروس كورونا. وقال الدوري الماسي في بيان «بسبب العدد المتزايد للدول المتأثرة بفيروس كوفيد - 19. فإنه من غير الممكن إقامة أول ثلاثة لقاءات للدوري الماسي 2020 كما كان مخططا في 17 أبريل في قطر و9 مايو (أيار) و16 مايو في الصين».
ومن جانبه، أوقف نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي لكرة القدم التدريبات الجماعية للاعبيه في مركز التدريب الخاص بالنادي، وطالبهم بالتدريبات المنفردة، وفقا لما ذكره تقريرا إخباري.
ومنعت السلطات الأسترالية الجماهير من استخدام المعهد الوطني للرياضة في كانبيرا ضمن جهود مكافحة انتشار فيروس كورونا وتقليص فرص إصابة الرياضيين خلال فترة الاستعداد لأولمبياد طوكيو.
وأعلن بيتر كوند الرئيس التنفيذي للمعهد الوطني أن القيود المفروضة على الوجود بمقر المعهد في كانبيرا ستبدأ من يوم الأربعاء.

وفي ظل توقف مباريات كرة القدم في أوروبا للحد من انتشار فيروس كورونا وجد اللاعبان بورخا إجليسياس وسيرغيو ريغيلون وسيلة لجذب 60 ألف مشجع على الإنترنت لمتابعة مباراة قمة إشبيلية ولكن في لعبة (فيفا 20) الإلكترونية. وأقيمت المواجهة بين إغليسياس وريغيلون في نفس موعد المباراة بين الفريقين والتي كان سيستضيفها استاد رامون سانشيز بيزخوان.
 Sevilla's Sergio Reguilon and Borja Iglesias of Real Betis drew 60,000 online viewers as they battled out a Seville derby online on FIFA 20

متاحف مغلقة وفعاليات ثقافية

أرجئت حفلة متحف متروبوليتان الراقصة وهي من المناسبات الاجتماعية السنوية الرئيسية في نيويورك إلى أجل غير مسمى بسبب فيروس كورونا المستجد، على ما أعلنت آنا وينتور رئيسة تحرير مجلة «فوغ» والمشرفة على تنظيم الأمسية.
وربطت وينتور في رسالة بثتها على موقع المجلة التي تعنى بالموضة، إرجاء الحفلة «بالقرار المسؤول الذي لا مفر منه المتخذ من قبل متحف متروبوليتان بإغلاق أبوابه» حتى إشعار آخر.
A closed sign is seen outside of The Metropolitan Museum of Art on March 13, 2020 in New York City.

وأغلقت اليونان بدورها متاحفها ومواقعها الأثرية. وفي فرنسا، صار من غير الممكن زيارة متحف اللوفر وقصر فرساي وبرج إيفل.
أعلن الأردن أمس الاثنين تأجيل مهرجان عمّان السينمائي الدولي، التزاما بالقيود على الحركة والتجمعات. وتم تأجيل العديد من المهرجانات الدولية علي مستوي العالم منذ بدء انتشار الفيروس حتى إشعار آخر.
ومع التباطؤ الكبير في النشاط في الولايات المتحدة وكندا في إطار مكافحة فيروس كورونا المستجد، كانت صالات السينما شبه خالية لا بل أغلق بعضها أبوابه، فسجل شباك التذاكر في أميركا الشمالية أدنى مستوى له منذ 20 عاما.
وأغلقت الهند مزار «تاج محل» الشهير، للحد من انتشار كورونا مع تسجيل ثالث حالة وفاة بسبب الإصابة بالفيروس اليوم الثلاثاء.

وأعلن معهد جوته الألماني وقف دورات تعليم اللغة في الفصول الدراسية في البلاد وقال إن الدورات ستُقدم عبر الإنترنت من الأربعاء حتى 19 أبريل القادم. وتم إغلاق حوالي 90 فرعا من أفرع المعهد الـ157 في الخارج حاليا، مع إتاحة دورات اللغات والعروض الثقافية عبر الوسائط الرقمية فقط.
وفي وقت سابق هذا الأسبوع، أعلنت رئيس وزراء نيوزيلندا غاسيندا أرديرن إلغاء التكريم الوطني لضحايا الاعتداء الذي طال مسجدين في كرايستشيرش قبل عام، وذلك بسبب مخاوف من فيروس كورونا المستجد.
وقالت أرديرن «إنه قرار براغماتي. النصيحة التي تلقيناها، هي أن هناك أشخاصا سيسافرون من أنحاء مختلفة من البلاد، ومن الخارج. وإذا كانت هناك حالة، فقد يكون من الصعب تتبع أولئك الذين اتصلوا» مع الشخص المصاب.

وتأثرت كرة المضرب كذلك بتفشي فيروس كورونا مما دفع القائمين علي بطولة إنديان ويلز في الولايات المتحدة إلي إلغائها، وقال مدير البطولة اللاعب الألماني السابق طومي هاس في بيان: «لقد خاب أملنا لأن الدورة لن تقام، لكن الصحة وسلامة المجتمع المحلي، المشجعين، اللاعبين، المتطوعين، الرعاة، الموظفين، الباعة، وكل من له علاقة بهذا الحدث، هي ذات أهمية قصوى».


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.


ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».