تحليل اقتصادي: الخلاف النفطي... الأسباب والنتائج والتوقعات

تحليل اقتصادي: الخلاف النفطي... الأسباب والنتائج والتوقعات
TT

تحليل اقتصادي: الخلاف النفطي... الأسباب والنتائج والتوقعات

تحليل اقتصادي: الخلاف النفطي... الأسباب والنتائج والتوقعات

يعود سبب تدهور أسعار النفط إلى انهيار الطلب العالمي على النفط بسبب تفشي وباء فيروس كورونا عالمياً، واللجوء إلى إيقاف الرحلات الجوية بين كثير من دول العالم. ويبلغ استهلاك وقود الطيران العالمي نحو 8 ملايين برميل يومياً، مقارنة بمجمل الطلب العالمي البالغ نحو 100 مليون برميل يومياً. هذا بالإضافة إلى قرارات عزل الحركة الطبيعية في المدن الكبرى الموبوءة في كل من الصين وشمال إيطاليا، حيث يقبع الملايين من السكان في منازلهم للوقاية من الفيروس، وآلاف الموظفين في الشركات الكبرى الذين طلب منهم العمل من منازلهم، ناهيك بإغلاق المدارس والجامعات في عشرات الدول.
اقترح وزراء «أوبك» تخفيض الإنتاج 1.5 مليون برميل يومياً، بالإضافة إلى مستوى التخفيض الحالي، وتمديد فترة التخفيض هذه حتى نهاية عام 2020، بدلاً من نهاية يونيو (حزيران) 2020؛ طالبت مجموعة «أوبك» بهذه الاقتراحات لتوقعها انخفاض الأسعار بشكل حاد، في ظل عدم توازن ميزان العرض والطلب في الأسواق، حيث الفائض النفطي التجاري لا يزال عالياً، والطلب على النفط سينخفض بسرعة مع تفشي وباء كورونا، كما هو حاصل فعلاً، إلا أن موسكو أصرت على موقفها، وانقطعت المفاوضات بين الطرفين حتى إشعار آخر.
تدهورت أسعار النفط الخام نحو 40 دولاراً مؤخراً، لينخفض سعر نفط برنت من نحو 70 دولاراً إلى حوالي 30 دولاراً، والتوقعات أن يستمر انخفاض الأسعار في المستقبل المنظور، في ظل الظروف الحالية.
وتشكل هذه التطورات السلبية الناتجة عن وباء كورونا مسؤولية كبيرة على الدول المنتجة، وبالذات على أقطار منظمة «أوبك» وحلفائها من المنتجين (أوبك بلس). والعبء الإضافي الملقى على هذه المجموعة كان قد بدأ منذ نحو 3 سنوات تقريباً، هادفاً إلى تقليص الإنتاج لتخفيض الفائض النفطي التجاري في أسواق العالم. وتكمن خلفية هذه المجموعة في الاتفاق النفطي بين السعودية، أكبر دولة مصدرة للنفط عالمياً، وروسيا، أكبر دولة منتجة، إذ استقطبت السعودية بقية الأقطار الأعضاء في منظمة «أوبك»، بينما قادت روسيا دولاً منتجة غير أعضاء في «أوبك»، ليبلغ مجمل عدد الدول التي شاركت في مجموعة «أوبك بلس» نحو 22 دولة. واتفق أعضاء المجموعة على تخفيض الإنتاج بين 1.2 و1.9 مليون برميل يومياً، لتخفيض الفائض تدريجياً، ولأجل استقرار الأسعار والأسواق.
لكن اتضح هذه المرة أن هناك قراراً قد اتخذ على أعلى المستويات في موسكو للحد من معدل تخفيض إضافي، بالإضافة إلى تحديد فترة التخفيض الإضافية إلى أقصر فترة ممكنة. وكان من الصعب على مجموعة «أوبك»، بقيادة السعودية، الموافقة على هذه التحفظات خلال هذه الفترة. فوباء كورونا قد بدأ يتفشى عالمياً، مما يعني انكماشاً اقتصادياً على المستوى الدولي، يوحي بنمو اقتصادي نحو الصفر لعام 2020.
ومما لا شك فيه أن الخلاف قد أدى إلى تدهور الأسعار، لكن من الواضح أيضاً أنه من دون الاتفاق لتعميق تخفيض الإنتاج، فإن النتيجة الحتمية لاستمرار الفائض النفطي وانخفاض الطلب هي تدهور الأسعار، بالإضافة إلى زيادة الفائض النفطي، مما سيؤدي إلى خلل كبير في ميزان العرض والطلب النفطي مستقبلاً. ومن المتوقع، في ظل الأوضاع الحالية، أن تلحق خسائر جمة بكثير من الشركات النفطية، كما حصل في الخلافات السابقة وتجارب تدهور الأسعار، الأمر الذي سيعني انخفاض الاستثمار في تطوير طاقة إنتاجية جديدة، وبطالة الآلاف من موظفي شركات النفط. كما سيعني هذا التدهور السعري، طبعاً، عدم توازن موازنات الدول المنتجة نفسها.
جدير بالذكر أن اتفاق مجموعة «أوبك بلس» خلال السنوات الثلاث الماضية كان يعد في حينه واحداً من أنجح وأهم الاتفاقات بين منظمة «أوبك» والمنتجين غير الأعضاء في المنظمة. وقد قاد هذا التحالف كل من السعودية وروسيا، من خلال مشاورات مستمرة متواصلة. وكما كان متوقعاً منذ بداية الاتفاق، فقد برزت خلافات خلال هذه الفترة بين الطرفين حول كمية التخفيض الإنتاجي، ومدة التخفيض، ومدى التزام بعض الدول المشاركة بحصص التخفيض.
وكانت الخلافات متوقعة نظراً لطبيعة الصناعة النفطية. فالدول تلتزم باتفاقيات مع الشركات النفطية العالمية للاستكشاف والتطوير والإنتاج لحقول جديدة. وهذا أمر طبيعي مستمر في الصناعة النفطية. ومن جهتها، تضغط الشركات على الحكومات للسماح لها ببدء الإنتاج، حال الانتهاء من تطوير حقل ما، لتغطية نفقاتها وتحقيق الأرباح المتوقعة. ويختلف الأمر في حال الدول التي تسيطر فيها شركة نفط وطنية على مجمل الإنتاج، عنه في حال الدول التي تعمل بها شركات نفط عالمية، وحدها أو بالتعاون مع شركة النفط الوطنية في الدولة المعنية.
وبعد سنتين من تنفيذ الاتفاق، بدأت تبرز الخلافات على السطح، وتم نشر معظمها في وسائل الإعلام النفطية. وبالفعل، تدخلت السعودية مع العراق لتقليص الإنتاج إلى المعدل الذي التزمت به بغداد، وبادرت روسيا من جانبها بالتدخل مع كازاخستان لكي تؤجل زيادة إنتاجها من الحقول المطورة حديثاً. وكان «سبب الإقناع»، في كلتا الحالتين، أنه من الأجدى تخفيض الإنتاج إلى المعدلات المحددة، ومن ثم الحصول على أسعار أعلى. وفي الوقت نفسه، بدأت وسائل الإعلام النفطية تشير إلى محاولات شركة «روسنفت» الروسية، واحدة من أكبر شركات النفط في روسيا حالياً، وهي مقربة من الكرملين ومملوكة مناصفة بين القطاع العام والخاص، الاعتراض على استمرار العمل في تخفيض الإنتاج مع مجموعة «أوبك بلس»، نظراً إلى زيادة طاقتها الإنتاجية، واضطرارها للتخفيض من طاقتها الإنتاجية. وبدأت تصدر تصاريح رسمية من موسكو، قبيل الاجتماعات الوزارية لمجموعة «أوبك بلس»، بعدم الرغبة في تخفيض الإنتاج، أو تمديد فترة التخفيض لفترة طويلة. وقد استمرت هذه التصريحات من كبار المسؤولين الروس، رغم المفاوضات المستمرة التي تسبق، كالعادة، الاجتماعات الوزارية لأجل التوصل إلى قرار جماعي في نهاية المطاف.
وتدل التجارب السابقة عند الخلاف بين المنتجين إلى طول الفترة التي تمتد عدة أشهر لإعادة المفاوضات، والتوصل إلى اتفاق جديد حول الإنتاج، في ظل أوضاع السوق في حينه. وتدل المؤشرات المتوفرة حالياً على أوضاع اقتصادية صعبة في معظم دول العالم. والاهتمام الأساسي والأولوية بالطبع لكيفية وسرعة احتواء فيروس كورونا.

- باحث عراقي متخصص في دراسات الطاقة


مقالات ذات صلة

سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

سجّلت صناديق الأسهم العالمية أول تدفقات نقدية خارجة أسبوعية لها منذ 9 أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 20 مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (لندن، نيويورك )
الاقتصاد شاشات تعرض شعار «إنفيديا» في تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

«إنفيديا» تتوقع إيرادات بـ91 مليار دولار للربع الثاني... هل يستمر زخم الذكاء الاصطناعي؟

كشفت «إنفيديا» عن توقعات إيرادات للربع الثاني تجاوزت تقديرات «وول ستريت»، مدفوعة بطلب متنامٍ من قاعدة عملاء عريضة.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة بمتجر مجوهرات في فاراناسين الهند (أ.ف.ب)

الذهب مستقر وسط ترقب لاتفاق أميركي-إيراني

استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الخميس، مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
الاقتصاد ناقلة نفط روسية مشتبه بها تم الاستيلاء عليها من قبل البحرية الفرنسية في البحر الأبيض المتوسط ​​في جنوب فرنسا (أرشيفية - أ.ب)

النفط ينتعش وسط حالة عدم اليقين بشأن اتفاق السلام الإيراني

ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف، الخميس، مقلّصة بعض خسائرها السابقة، حيث تابع المستثمرون محادثات السلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
العالم سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)

«الفاو»: إغلاق مضيق هرمز يُنذر بحدوث «صدمة زراعية غذائية»

حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، الأربعاء، من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة يُنذر بصدمة هيكلية في قطاع الأغذية الزراعية.

«الشرق الأوسط» (روما)

أولويات الحرب لم تحجب مواجهات مالية «مستمرة» في لبنان

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)
TT

أولويات الحرب لم تحجب مواجهات مالية «مستمرة» في لبنان

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)

​تستمر القضايا المالية والنقدية العالقة في لبنان، بتوليد مزيد من الاستحقاقات الحيوية المضافة على جداول الأعمال «اللاحقة» للسلطات التنفيذية والتشريعية والنقدية، بعدما توارت نسبياً خلف عاصفة الحرب وتصدر نتائجها الكارثية على المستويات البشرية والإعمارية والاجتماعية، قائمة الأولويات السياسية والاقتصادية على حد سواء.

وفيما يعكف الفريق الاقتصادي الحكومي على إعداد «تحسينات» تلحق بمشروع قانون الفجوة المالية، وبما يشمل مناقشة تحفظات حاكمية البنك المركزي، تكفلت التعديلات الجديدة على قانون إصلاح المصارف، التي أحالتها الحكومة إلى المجلس النيابي خلال الشهر الحالي، بانتعاش المواجهات غير المنقطعة في أروقة القطاع المالي، التي تتركز أساساً حول خطة الإنقاذ ومعالجة الأزمات الهيكلية المتدحرجة للعام السابع على التوالي، والمترجمة خصوصاً بالفشل المتكرر في التزام الموجبات الإصلاحية لعقد اتفاق تمويلي ناجز مع صندوق النقد الدولي.

وأسهمت التطورات الحربية وتداعياتها، حسب معلومات تابعتها «الشرق الأوسط» مع مسؤول مالي معني، بمنح لبنان مهلاً جديدة تمتد مبدئياً حتى موعد الاجتماعات الخريفية للمؤسسات المالية الدولية، لإنجاز تشريعات خريطة طريق استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، بما يشمل الإصلاحات المنشودة في الجهاز المصرفي، وبموازاة التزام متطلبات مكافحة تبييض (غسيل) الأموال، خصوصاً لجهة كبح الاقتصاد غير النظامي، وإقفال مؤسسات وقنوات مرور الأموال غير المشروعة، ومعالجة الانفلاش النقدي من خلال إخضاعها لمقتضيات التحقق من المصدر إلى المستفيد.

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية - رويترز)

وبرز تطور استثنائي من شأنه التأثير على المداولات اللاحقة في اللجان النيابية والهيئة العامة لمجلس النواب، بعدما أقر صندوق النقد، في تقرير محدث، بوصف الأزمة التي أصابت القطاع المصرفي بأنها «نظامية»، ومساواتها بأزمات مشابهة أصابت 13 بلداً حول العالم في السنوات العشر الأخيرة، بدءاً من أنغولا في عام 2015، وصولاً إلى فيتنام في عام 2022، مما سيسهم في مطابقة الإصلاحات ومسؤولياتها مع التوصيف الدولي ومحاكاة الخطط الإنقاذية المعتمدة في تجارب الدول المشابهة.

ويرتقب أن يحسم تصنيف صندوق النقد الدولي، وفق المسؤول المالي، الجدليات الداخلية المتمادية التي أفضت إلى إطالة الفشل في اعتماد الخطة المتكاملة للخروج من نفق الأزمات المالية والنقدية واحتواء تداعياتها المعيشية والاجتماعية، بوصف ذلك ممراً إلزامياً وحيداً لاستعادة الثقة بالقطاع المالي ككل، والعودة المتدرجة إلى التعافي الاقتصادي، خصوصاً بعد الخسائر الجسيمة، إعمارياً واقتصادياً، لفصول متتالية من الحروب المدمرة، والمقدّر ألا يقل تراكمها عن 20 مليار دولار بالحدود الدنيا.

الأزمة النظامية وإعادة هيكلة القطاع المالي

كما تكتسب هذه المقاربة، وفق المسؤول المالي، أهمية إضافية في ظل النقاشات المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المالي، لا سيما مشروع قانون استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع المحال من قبل الحكومة إلى المجلس النيابي؛ إذ «إن الاعتراف بالطابع النظامي للأزمة يفرض إعادة النظر في بعض التوجهات المطروحة، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للمسؤوليات والأعباء بين مختلف الأطراف المعنية، وبعيداً عن اختزال ما جرى ضمن إطار ضيق وتحميل المودعين والبنوك كامل تبعات الانهيارات».

ويتفق هذا التطور في التوصيف الدولي لطبيعة الأزمة، مع المطالعة القضائية لمجلس الشورى قبل أكثر من سنتين، والتي استخلصت أن لبنان لا يواجه أزمة مصرفية عادية، بل أزمة نظامية، ومحملاً الدولة المسؤولية الأولى عن الأزمة المالية، نتيجة اعتماد سياسة الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل العجز في موازناتها.

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال اجتماعه في 7 مايو مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد (الرئاسة اللبنانية)

المصارف مستعدة لتحمل مسؤولياتها

جرى تجديد التداول بهذه المطالعة خلال اجتماع رئيس الجمهورية جوزيف عون، مع مجلس إدارة جمعية المصارف برئاسة الدكتور سليم صفير، وإبلاغه الاستعداد لتحمل المصارف مسؤولياتها وللمشاركة في تحمّل الخسائر، ضمن سياق لا يحوّل الإصلاح إلى تصفية، أو تحويل إعادة الهيكلة إلى تحميل غير عادل للقطاع والمودعين معاً، مما يقتضي العدالة في توزيع المسؤوليات والأعباء، والحرص على حماية حقوق المودعين، والحفاظ على مقومات استمرارية القطاع.

وشدد عون على «أهمية الوصول إلى حل عادل وشامل للأزمة المصرفية بما يرضي الجميع ويحفظ الحقوق على حد سواء»، مؤكداً أهمية الإصلاح من دون تدمير أو المس بهذا القطاع، ومشدداً على أنه «من واجب الدولة الوقوف إلى جانب القطاع المصرفي وإصلاحه وإعادة هيكلته للمحافظة على الوضع الاقتصادي وضمان حقوق المودعين»، وبأنه «من دون قطاع مصرفي سليم لن تكون هناك استثمارات، ولن يكون بلد».

حاكم «المركزي» يتحفظ

وبالأسبقية، لم يتردد حاكم البنك المركزي كريم سعيد، في إشهار تحفظاته على مندرجات مهمة واردة في المشروع الحكومي، مؤكداً حينها «أن المشروع يحتاج إلى مزيد من التوضيح والتعزيز فيما يتعلّق بالتزامات الدولة. وباعتبار الدولة الجهة النهائية التي استخدمت هذه الأموال على مدى سنوات طويلة، فإن مساهمتها يجب أن تكون محددة بشكل صريح، وقابلة للقياس، وملزمة قانوناً، ومقترنة بجدول زمني واضح وموثوق».

ولم يفُت الحاكم التطرق في مداخلاته محلياً وخارجياً، إلى معضلة «توزيع الأعباء والمسؤوليات المالية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية»، فضلاً عن العناوين المحورية التي تخص خفض العجز المالي من خلال إزالة المطالبات غير النظامية، وتصنيف الودائع ضمن فئات محددة بوضوح، وعمليات السداد عبر مزيج من المدفوعات النقدية والأدوات المالية المدعومة بالأصول، على مراحل وضمن حدود السيولة المتاحة».

وتلح المصارف على نيل حقها الطبيعي في المشاركة بالنقاشات التي تقرر مصيرها، وتبيان مقاربتها القائمة على تلازم هدفي حماية المودعين واستمرارية القطاع، وتفهم ملاحظاتها الواردة ضمن مذكرتها إلى المسؤولين، التي تستخلص أنه «عوضاً عن التوزيع العادل للمسؤوليات، أخرج مشروع القانون المحال إلى مجلس النواب، الدولة، وهي المسؤولة الأولى عن الفجوة، من أي مساهمة واضحة في الخسائر. ولم يكتفِ المشروع بذلك؛ بل ألحق الأذى بالقطاع المصرفي والمودعين على حدّ سواء».

وعلى سبيل المثال، يرد في مشروع القانون، ورغم اعتراض السلطة النقدية، وجوب تنقية أصول غير منتظمة؛ أي أنها غير مستحقة السداد للمودعين، ويقترح حسمها من بند الودائع وعدم إعادتها إلى أصحابها. بينما يحمّل المصارف، في المقابل، قيمتها بوصفها خسارة، فتقع الخسارة الفعلية على الطرفين معاً؛ أي أصحاب الحسابات والبنوك، وتكون النتيجة دفع المصارف نحو التصفية بدل تمكينها من إعادة الودائع. وبالتالي «إذا حملت المصارف أعباء تفوق مسؤولياتها وقدراتها، فإنّ النتيجة ستكون واضحة، وخلاصتها تصفية العدد الأكبر من المصارف».

وفي الخلاصة، يلفت المسؤول المالي إلى أن التجارب الدولية تظهر أن الأزمات النظامية، مهما بلغت حدتها، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء أنظمة مالية أكثر صلابة وحداثة إذا توافرت الإرادة السياسية والإصلاحات الجدية. ومن هنا، تبدو المرحلة الحالية فرصة لإعادة صياغة نموذج اقتصادي ومالي جديد يعيد للبنان موقعه ودوره المالي في المنطقة، ويؤسس لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية على حد سواء.

ولذا، يصبح من الضروري، حسب المسؤول عينه، اعتماد مقاربة تشاركية ومتوازنة تعيد بناء الثقة بالقطاع المالي والمصرفي، وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق المودعين والمستثمرين واستمرارية المؤسسات المالية؛ فإعادة النهوض الاقتصادي لا يمكن أن تتحقق عبر سياسات تصادمية أو حلول ظرفية، بل من خلال رؤية إصلاحية شاملة تعترف بحجم الأزمة الحقيقي وتؤسس لمسار تعافٍ تدريجي ومستدام.


سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

سجّلت صناديق الأسهم العالمية أول تدفقات نقدية خارجة أسبوعية لها منذ 9 أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 20 مايو (أيار)، في ظل تنامي حذر المستثمرين تجاه آفاق التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين.

وبحسب بيانات «إل إس إي جي ليبر»، قام المستثمرون بتسييل صافي 6.13 مليار دولار من صناديق الأسهم العالمية، مسجّلين أول صافي مبيعات أسبوعية منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، مدفوعين بارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.201 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007، مما عزّز المخاوف من تأثير تكاليف التمويل المرتفعة على قطاعات النمو وأرباح الشركات، وفق «رويترز».

الأسواق الأميركية تقود التراجعات

على الصعيد الجغرافي، قادت الأسواق الأميركية هذه التراجعات بضغط من عمليات جني الأرباح، حيث تمت تصفية صافي 12.05 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية، وهو أكبر مستوى مبيعات أسبوعية لها منذ منتصف مارس، وشملت الانسحابات صناديق الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة بقيمة 7.18 مليار دولار و1.86 مليار دولار و555 مليون دولار على التوالي.

وفي المقابل، شهدت الصناديق الأوروبية تدفقات داخلة بلغت 4.62 مليار دولار، بينما سجلت الصناديق الآسيوية تدفقات خارجة بقيمة 570 مليون دولار، وتخلّى المستثمرون عن صافي 2.95 مليار دولار من صناديق الأسهم في الأسواق الناشئة للأسبوع الرابع على التوالي.

وارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.201 في المائة، ما أثار مخاوف من انعكاساته على أسهم النمو وهوامش أرباح الشركات.

وعلى مستوى القطاعات، سحب المستثمرون استثمارات من صناديق الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة بقيمة 7.18 مليار دولار و1.86 مليار دولار و555 مليون دولار على التوالي.

صناديق قطاع التكنولوجيا

في المقابل، غرّدت صناديق قطاع التكنولوجيا العالمية منفردة مستمرة في جذب السيولة للأسبوع السابع على التوالي بصافي تدفقات داخلة بلغ 6.94 مليار دولار، في حين شهدت صناديق القطاعين المالي والصناعي تدفقات خارجة أسبوعية بقيمة 2.8 مليار دولار و1.3 مليار دولار على التوالي، نتيجة مخاوف التباطؤ.

وجذبت صناديق السندات الأميركية استثمارات بقيمة 12.5 مليار دولار، متماشية مع صافي مشتريات الأسبوع السابق البالغ 12.83 مليار دولار.

كما سجلت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري القصير إلى المتوسط، وصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة، وصناديق سندات البلديات، تدفقات داخلة بلغت 4.63 مليار دولار و4.43 مليار دولار و1.53 مليار دولار على التوالي.

وفي المقابل، اشترى المستثمرون صافي 12.04 مليار دولار من صناديق سوق المال الأميركية، مع عكس التدفقات الخارجة البالغة 4.19 مليار دولار في الأسبوع السابق.

كما شهدت الصناديق الآسيوية تدفقات خارجة بقيمة 570 مليون دولار، مقابل تدفقات داخلة إلى الصناديق الأوروبية بلغت 4.62 مليار دولار.

أسواق السندات

وفي أسواق السندات، اشترى المستثمرون صافي 21.89 مليار دولار من صناديق السندات العالمية، مواصلين بذلك موجة شراء للأسبوع السابع على التوالي.

وسجلت صناديق السندات قصيرة الأجل، والسندات الحكومية، وسندات الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل، وصناديق سندات اليورو، تدفقات داخلة أسبوعية بلغت 7.47 مليار دولار و3.09 مليار دولار و1.68 مليار دولار على التوالي. كما سجلت صناديق سوق النقد تدفقات داخلة بقيمة 1.06 مليار دولار، مقارنة بتدفقات خارجة بلغت 10.41 مليار دولار في الأسبوع السابق.

وفي الوقت نفسه، جذبت صناديق الذهب والمعادن الثمينة تدفقات داخلة بلغت 2.34 مليار دولار، مواصلةً أداءها الإيجابي للأسبوع الثاني على التوالي.

وفي أسواق الناشئة، تخلّى المستثمرون عن صافي 2.95 مليار دولار من صناديق الأسهم، في الأسبوع الرابع على التوالي من التدفقات الخارجة، كما سحبوا 256 مليون دولار من صناديق السندات بعد سلسلة شراء استمرت 6 أسابيع، وفق بيانات شملت 28,926 صندوقاً.


حقبة وارش تبدأ: مواجهة نارية مع التضخم وعوائد السندات

قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)
قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

حقبة وارش تبدأ: مواجهة نارية مع التضخم وعوائد السندات

قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)
قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)

تسلّم كيفين وارش رسمياً دفة قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد أدائه اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الحادي عشر للبنك المركزي، لتبدأ بذلك حقبة نقدية جديدة تأتي في توقيت هو الأكثر حرجاً للاقتصاد الأميركي منذ عقود.

ويواجه وارش فور تصفير عدّاد ولايته معضلة اقتصادية مركبة، تتشابك فيها الضغوط التضخمية الناتجة عن قفزة أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار جراء الحرب في إيران، مع تدهور حاد في ثقة المستهلكين الأميركيين، وضغوط مستمرة من سوق السندات العالمية التي تواصل دفع العوائد طويلة الأجل إلى مستويات قياسية.

مراسم تاريخية ورسائل رئاسية

وقد أدى وارش اليمين الدستورية أمام قاضي المحكمة العليا كلارنس توماس في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض، وسط حضور لافت لكبار المسؤولين، وفي مقدمتهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، وبحضور زوجته جين لودر. واستغل الرئيس دونالد ترمب المناسبة لتجديد انتقاداته الحادة لرئيس الفيدرالي السابق جيروم باول، مؤكداً دعمه الكامل لوارش، ومطالباً إياه بالحفاظ على استقلالية البنك، مع السعي لخفض أسعار الفائدة، حيث اعتبر ترمب أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة ارتفاع التضخم، واعداً بهبوط الفائدة بالتوازي مع السيطرة على أسعار الطاقة.

تعهدات الإصلاح وتحديات الثورة التقنية

وفي هذا السياق، قال ترمب، الذي لم يتوقف عن انتقاد رئيس الفيدرالي السابق جيروم باول لعدم خفضه أسعار الفائدة، إن وارش سيحظى بـ«الدعم الكامل من إدارتي»، وإنه يريده أن يكون «مستقلاً تماماً» في دوره الجديد، لكنه حثه أيضاً على الإدراك بأن «النمو لا يعني التضخم».

وأضاف ترمب لاحقاً في كلية روكلاند المجتمعية بمدينة سوفيرن في نيويورك: «سوف نخفض أسعار الفائدة... الفائدة ستنخفض مع هبوط أسعار الطاقة، وسترون ما سيحدث. لقد كان لدي رئيس فاشل للفيدرالي، واليوم أصبح لدي رئيس عظيم للفيدرالي، وهو كيفين وارش».

من جانبه، وصف وارش استدعاءه مجدداً للخدمة العامة بأنه «شرف العمر»، متعهداً بـ«قيادة مجلس احتياطي فيدرالي موجّه نحو الإصلاح، والتعلم من النجاحات والإخفاقات السابقة، والهروب من الأطر والنماذج الإستاتيكية (الجامدة)، مع الحفاظ على معايير واضحة للنزاهة، والأداء».

ترمب يلقي كلمة بعد مراسم أداء اليمين الدستورية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد (د.ب.أ)

انقسام داخلي وضغوط لرفع الفائدة

وعلى صعيد السياسة النقدية، تشتعل الأجواء داخل أروقة الفيدرالي حتى قبل الاجتماع الأول لوارش والمقرر في 16 و17 يونيو (حزيران) المقبل؛ إذ فاجأ عضو مجلس المحافظين كريستوفر والر الأسواق بتبني موقف متشدد، مطالباً بالتخلي تماماً عن «التحيز للتيسير النقدي»، وفتح الباب أمام إمكانية رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الشامل.

وتناغمت تصريحات والر مع توجهات عدد من الأعضاء المعارضين للسياسة السابقة، مما دفع الأسواق الفورية والمستقبلية إلى تسعير احتمالية رفع الفائدة في وقت مبكر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهو ما يضع تعهدات وارش بمحاربة التضخم أمام اختبار حقيقي أمام الأسواق وزملائه في المجلس.

بيسنت خلال مشاركته بمراسم أداء اليمين الدستورية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد في البيت الأبيض (د.ب.أ)

معضلة الاستقلالية واختبار «النقاط» الأول

وسيكون وارش تحت المجهر في رصد التزامه باستقلالية الفيدرالي، لا سيما مع ترقب قرار المحكمة العليا بشأن محاولات ترمب السابقة إقالة المحافظة ليزا كوك، وبالمقارنة مع الدفاع المستميت لباول عن استقلال القرار النقدي. وسيمثل اجتماع يونيو أول محطة جوهرية لوارش، حيث سيتعين عليه تحديد ما إذا كان سيقدم «مخطط نقاط» يظهر توقعاته الخاصة لمسار الفائدة بنهاية العام الحالي، وهو القرار الذي سيكشف للأسواق ما إذا كان وارش يتبنى رؤية مغايرة وجريئة تخرجه من عباءة «التفكير الجماعي» الذي انتقد به زملاءه سابقاً، أم أنه سيتحرك في ذات المسار الحذر لتفادي إرباك أسواق السندات المضطربة بطبيعتها.