انتقادات تحاصر النظام الإيراني مع تفاقم أزمة «كورونا»

أعلى حصيلة يومية للوفيات... والإصابات ثمانية آلاف... ومطالبات نيابية بفرض الحجر الصحي على مناطق

انتقادات تحاصر النظام الإيراني مع تفاقم أزمة «كورونا»
TT

انتقادات تحاصر النظام الإيراني مع تفاقم أزمة «كورونا»

انتقادات تحاصر النظام الإيراني مع تفاقم أزمة «كورونا»

تزايدت الانتقادات لتعاطي النظام الإيراني مع أزمة {كورونا} التي دخلت أسبوعها الثالث، أمس، بتسجيل أعلى حصيلة يومية للوفيات وتجاوز الإصابات ثمانية آلاف. وطالب نواب بفرض الحجر الصحي وعزل المناطق الأكثر تأثراً بالوباء، فيما تصر إدارة الرئيس حسن روحاني على الاكتفاء بمطالبة الإيرانيين بالبقاء في المنازل وتجنب التنقل.
وسجل الوباء قفزة أخرى، أمس، بتأكيد إصابة 881 شخصاً، ما رفع العدد الإجمالي للمصابين بالفيروس المستجد إلى 8042. وأعلنت وزارة الصحة عن 54 حالة وفاة ناجمة عن الوباء، في أعلى حصيلة خلال يوم واحد منذ ظهور الوباء في البلاد قبل ثلاثة أسابيع. وبذلك، يرتفع عدد الوفيات الناجمة عن الفيروس إلى 291.
وأشار المتحدث باسم وزارة الصحة كيانوش جهانبور إلى شفاء 2731 شخصاً، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عنه ان «ما يعادل عشرة أضعاف من فقدناهم من أبناء شعبنا الأعزاء، تعافوا وخرجوا من المستشفيات».
ووافق المرشد الإيراني علي خامنئي على مقترح لوزارة الصحة باعتبار الأطباء والممرضين الذين فقدوا حياتهم أثناء العمل «شهداء الخدمة».
وتعد إيران ثالث أكثر بؤرة إصابة بالفيروس من حيث معدلات الوفيات، بعد الصين وإيطاليا. ولا تزال طهران المحافظة الأكثر تأثّرا في إيران بوجود 2114 إصابة. وحلّت محافظة مازندران في المرتبة الثانية مع تسجيل 253 إصابة جديدة ليرتفع عدد الإصابات لديها إلى 886، تليها قم حيث تم تسجيل 751 إصابة.
وأثار تباين إحصائيات وزارة الصحة ومراكز المحافظات، اهتمام وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية. وقال الناطق باسم وزارة الصحة للتلفزيون الإيراني: «لا نصر على أن يصدق أحد إحصائياتنا إزاء الفيروس، نريد أن يكون شعبنا أكثر استعداداً وتيقظاً».
وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية بأن وزارة الصحة طالبت مسؤولين محليين في المحافظات بالتوقف عن نشر إحصائيات الوفيات.
وجاء الطلب غداة نشر «راديو فردا» الأميركي الناطق باللغة الفارسية، إحصائية تشير إلى وفاة 927 شخصاً في 30 محافظة إيرانية، مقابل إعلان وزارة الصحة وفاة 237. وقالت الإذاعة إنها جمعت الإحصائيات بناء على ما نقلته وكالات ومواقع رسمية إيرانية عن مسؤولين في الجامعات الطبية المسؤولة عن إدارة المستشفيات في إيران.
وكانت تصريحات حاكم مدينة كاشان بمحافظة أصفهان علي أكبر مرتضايي لوكالة «إرنا» الرسمية، عن عدد الوفيات في مدينته، قد أثارت جدلاً واسعاً. وقال إن المدينة وحدها سجلت 88 حالة وفاة و1056 إصابة، وذلك في وقت أشارت إحصائية الوزارة الأحد إلى وجود 601 إصابة في كل محافظة أصفهان.
ولم تفرض إيران حجراً صحياً رسمياً، لكن السلطات دعت السكان مراراً إلى الامتناع عن السفر ولجأت لإغلاق فنادق وأماكن إقامة لدفع الناس لتجنّب السفر.
ودعا النائب عن مدينة طهران، غلام رضا حيدري إلى ملاحقة قضائية للأشخاص الذين منعوا فرض الحجر الصحي على مدينة قم التي شكلت بؤرة لتفشي الوباء في البلاد.
ومع ذلك، اتهم رئيس الأركان محمد باقري «الأعداء» بالعمل على «إظهار عجز النظام الإداري في مواجهة تفشي كورونا».
وأدى اتساع نطاق الوباء في جميع المحافظات الإيرانية الـ31 إلى تزايد حدة الانتقادات الموجهة لإدارة الرئيس روحاني وسط توقعات باستمرار تفشي ذروة الانتشار حتى 20 من مارس (آذار) عشية عيد النوروز.
وقال النائب فردين فرمند لوكالة {إيسنا} الحكومية: «اليوم لدينا كورونا اقتصادية وکورونا عدم الثقة». وتابع أن عدم الثقة وغياب الشفافية السبب الأساسي في اعتماد الناس على استقصاء الأخبار من شبكات التواصل الاجتماعي.
من جانبه، أفاد رئيس منظمة الإدارة في طهران نعمت الله تركي، بأن المنظمة أقرت رسمياً تقسيم طهران إلى خمس مناطق، لافتاً إلى تعيين منطقة ممنوعة وحمراء، وفق ما نقل موقع صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران.
وحذر النائب عن محافظة طهران محمد رضا نجفي، أمس، من أن «التهوين أكبر خطأ إداري»، محذراً وزير الصحة سعيد نمكي من «التعرض للضغوط بتوصيات غير علمية». وتساءل: «كيف يمكن من دون إغلاق الدوائر أن تبقى الناس في المنازل؟»، بحسب ما نقلت وكالة «إيسنا» الحكومية.
ودعا نجفي وزير الصحة إلى الوقوف «بحزم وفقاً للأصول الحرفية والأخلاقية بوجه الضغوط»، وطالب الوزير بـ«إعلان إغلاق الدوائر والمحاكم، بصفتك أمينا عاما اللجنة الوطنية لمواجهة وباء كورونا». ولفت إلى أن 10 في المائة الإيرانيين أعمارهم فوق 60 عاماً، مضيفاً أن إيران لديها النسبة نفسها من أصحاب الأمراض المزمنة. وبالنظر إلى تداخل هذه الأرقام، فإن ما لا يقل عن 10 ملايين معرضون لمخاطر كبيرة.
وانتقد النائب عن مدينة همدان، أمير خجسته، طرح إمكانية «الهجوم البيولوجي» على لسان قادة عسكريين ومسؤولين على مدى الأيام الماضية. وعدّها محاولة «للتهرب من أزمة إدارة كورونا».
وكانت وزارة الصحة الإيرانية قد نفت ما نسبه نائب إلى وزير الصحة حول اكتشاف نوعين من فيروس {كورونا}، وهو ما يعزز مزاعم «الحرب البيولوجية».
ورغم نفي وزير الصحة، إلا أن إصرار القادة العسكريين، خصوصاً قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، يشير إلى إصرار داخلي على فكرة {الحرب البيولوجية}.
وقال خجسته عبر حسابه الرسمي إنه «من المؤسف، أن يهدف بعض المسؤولين من إثارة الحرب البيولوجية، إلى إحالة كل المشكلات الناجمة من أزمة إدارة كورونا للأعداء الأجانب». وأضاف: «لكن الآن فرضية الهجوم البيولوجي للأعداء باسم قلة التدبير ومعرفة المصلحة أكثر احتمالاً».
ورجح رئيس لجنة الانتخابات الإيرانية جمال عرف، أن تتجه وزارة الداخلية إلى طلب تأجيل الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي جرت في 21 من الشهر الماضي.
وأصدر وزير السياحة والتراث الثقافي علي أصغر مونسان مرسوماً بتعطيل جميع المتاحف والأماكن التابعة لوزارته.
وطالب عضو لجنة الصحة في البرلمان أبو الفضل سروش، في تصريح لوكالة «إيسنا»، بـ«اللجوء إلى القوة لإجبار الجميع على فرض سياسة البقاء في المنازل»، مطالباً في الوقت نفسه الحكومة برفع الحظر عن شبكات التواصل التي تحظى بشعبية لتشجيع الإيرانيين على ذلك.
ودعا النائب عن محافظة فارس الجنوبية بهرام بارسايي، حاكم المحافظة إلى فرض الحجر الصحي ومنع السفر إلى المحافظة، لتفادي الأوضاع المتأزمة في محافظة جيلان الشمالية، جراء تفشي الوباء. وخاطب أهل مدينته عبر «تويتر» قائلاً: «بعد استماعي الدقيق لتقرير وزير الصحة ورئيس البرلمان، أقول بصدق: نحن بعيدون عن الإدارة الواحدة، يجب أن ننتبه لأنفسنا».
بدوره، قال النائب عن محافظة شيراز علي أكبري لوكالة {إيلنا} إن نواب مدينة شيراز وجهوا رسالة إلى حاكم محافظة فارس مطالبين بضبط منافذ الدخول إليها وعدم انتظار أوامر الجهات العليا. وفي وقت لاحق نقلت وكالة «إيلنا» عن عمدة شيراز حيدر إسكندربور قوله إن «سلامة المواطنين أولويتنا»، مطالباً بوقف الحركة من وإلى شيراز التي تعد وجهة سياحية في عيد رأس السنة الفارسية المقرر في 21 مارس.
وقالت وكالة «ميزان» التابعة للقضاء الإيراني إن السلطة القضائية طلبت مواجهة «الأخبار الكاذبة والمزيفة» في شبكات التواصل والمواقع الإيرانية. وذكرت أن الجهاز القضائي أمر الدوائر التابعة له بمتابعة جدية لملاحقة الأشخاص المسؤولين عن نشر «الأخبار الكاذبة والمزيفة».
وأعلن مقرر الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان في إيران جاويد رحمن، أمس، أنه طلب من طهران إطلاق سراح جميع السجناء بشكل مؤقت، مضيفاً أن وجود سجناء سياسيين في ظل تفشي الفيروس أمر «مقلق».
ونسبت «رويترز» إلى المسؤول الأممي قوله في جنيف إن «عدداً من مزدوجي الجنسية والأجانب في خطر حقيقي... وإن لم يكونوا قد أصيبوا بفيروس كورونا، فإنهم خائفون بحق من هذه الظروف». وقال: «هذا هو ما يقلقني، ومن ثم فقد أوصيت بالإفراج بصورة مؤقتة عن جميع السجناء».
وكانت السلطة القضائية قد أعلنت الأحد عن نيتها منح نحو 70 ألف سجين إفراجاً مؤقتاً من دون شرح الآلية والتوقيت.
في سياق مواز، أعلنت شركة الخطوط الجوية الإيرانية «إيران إير» استئناف رحلاتها إلى أوروبا بعد تعليقها ليومين على خلفية إغلاق المجال الجوي الأوروبي أمام طائراتها. ونوهت الشركة في بيان بأن «كل الرحلات ستُستأنف باستثناء تلك المتّجهة إلى فيينا واستوكهولم وغوتنبرغ التي أوقفت الرحلات بسبب تفشي فيروس كورونا».
وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن استئناف الرحلات جاء بعد مشاورات أجرتها منظمة الطيران المدني وإيران ووزارة الخارجية مع مسؤولين أوروبيين كبار. وأوردت مواقع متخصصة عدة أن الوكالة الأوروبية للسلامة الجوية منعت في فبراير (شباط) ثلاث طائرات للشركة من التحليق في المجال الجوي الأوروبي.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».