«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين السينمائي (7)‬: مهرجان برلين يمنح فيلم محمد رسولوف ذهبيته

معظم جوائزه توزعت أوروبياً

باران رسولوف ترفع جائزة أبيها بحضور جيريمي آيرونز
باران رسولوف ترفع جائزة أبيها بحضور جيريمي آيرونز
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين السينمائي (7)‬: مهرجان برلين يمنح فيلم محمد رسولوف ذهبيته

باران رسولوف ترفع جائزة أبيها بحضور جيريمي آيرونز
باران رسولوف ترفع جائزة أبيها بحضور جيريمي آيرونز

الوعد تم، وتوقع هذا الناقد وسواه تحقق، إذ نال «ليس هناك شيطان» للإيراني محمد رسولوف ذهبية المهرجان الألماني، وهي الجائزة القمّة بين جوائز مهرجان برلين. الفيلم كما أشرنا أول من أمس كان آخر ما عرضته الدورة السبعون للمهرجان الألماني العتيد من أفلام المسابقة التي بلغ عددها 18 فيلماً. وهو فيلم خرج من إيران بدون علم السلطات، بل تم تصويره، كما تؤكد بعض التقارير، من دون علمها أيضاً، إذ إن المخرج رسولوف ممنوع من العمل ومن مغادرة بلاده.
هناك أربع حكايات في هذا الفيلم الإيراني تدين كلها عمليات الإعدام بحق مساجين جريمة بعضهم لا تعدو اختلاف الرأي. حكاية موظف مسؤول عن تنفيذ الإعدام بشد يد الجهاز الذي سيقوم بالمهمّة. وحكاية الحارس الذي يهرب من السجن حتى لا ينفذ حكماً بسجين، ثم حكاية جندي نفذ حكم الإعدام بحق رجل لجأ إلى منزل عائلة خطيبته، وأخيراً الفتاة التي تكتشف أن والدها بالتبني نفذ حكم الإعدام بأبيها الحقيقي.
في نهاية كل حكاية، يسجل المخرج موقفه من السلطات والقانون المتعسف الذي تتمسك به. ومع كل حكاية نفهم اختيارات المخرج الذكية، لأنه إذا ما كان صنع هذا الفيلم من دون علم السلطات، فإن هذا يفسر القصّتين الأخيرتين اللتين تدوران في الريف البعيد.
ما ساعد رسولوف أيضاً حقيقة أن اختار أربع حكايات، كل واحدة تشكل فيلماً قصيراً بحد ذاته، وتم تقديم طلبات التصوير بأسماء مخرجين آخرين، قبل أن تؤول الموافقات لمحمد رسولوف الذي صوّر كل فيلم على حدة، وبشكل سري. حين أعلن رئيس لجنة التحكيم جيريمي آيرونز، فوز «ليس هناك شر»، فوجئ الحضور باعتلاء ابنة المخرج باران رسولوف المنصة لاستلام جائزة أبيها. هي إحدى ممثلات الفيلم، وصولها إلى برلين ما زال موضع تساؤل وتخمينات. لكن الواقع هو أنها كانت هناك، ورفعت الجائزة بيدها، وقالت «هذه لوالدي».
الجدير بالذكر هنا أنها المرّة الثالثة التي يفوز بها فيلم إيراني بذهبية مهرجان برلين. المرّة الأولى مُنحت الجائزة لفيلم أصغر فرهادي «انفصال» في عام 2011، والثانية عندما فاز بها فيلم جعفر باناهي «تاكسي» سنة 2015. ويلتقي فيلم محمد رسولوف مع فيلم باناهي من حيث إن كليهما من أفلام المعارضة. ويتشابه وضع المخرجين ذاتيهما، إذ إن كليهما ممنوع من العمل، ومن مغادرة البلاد، وكل منهما هرّب فيلمه إلى أوروبا من دون علم الدولة، وفاز بجائزة برلين.
لكن فيلم رسولوف أفضل من فيلم باناهي من حيث حجم طموحاته، كما من حيث إنه عمل أجرأ في نقده. على ذلك، هناك عدة هفوات، من بينها تفاوت بين مستوى بعض الحكايات (الأولى هي الأقوى والثانية هي الأضعف).
المنافس الأول لـ«ليس هناك شيطان» تمثّل بفيلم «أبداً نادراً أحياناً دائماً» للأميركية إليزا هيتمان. النقاد أحبوا الفيلم، واعتبروا معالجته لحبكة قائمة على اكتشاف فتاة شابة العراقيل الموضوعة أمامها حين تقرر إجراء عملية إجهاض. لا بأس بموضوعه الاجتماعي، ولا برسالته، ولا حتى بتنفيذه من مشهد لآخر، وهناك قدر من الطزاجة في الطرح والمعالجة. كل ممثلي الفيلم (بدءاً ببطلته سيدني فلانيغن) من وجوه جديدة أو شبه قديمة لم تلعب أدواراً بارزة فعلياً من قبل.
لكن ما يحدث على صعيد المعالجة الفنية يفتت الجهد المبذول لسرد حكاية بشكل مباشر، واندفاع حاسم صوب الوقوف إلى جانب الفتاة في سعيها. فالتصوير تم في بنسلفانيا، ثم في مانهاتن، وهذا الاختلاف سُجّل بصرياً كما إيقاعاً. على ذلك، معالجة الفيلم واقعية ونبرته مباشرة، ولا تحاول المخرجة أن توهم بشيء وتتوجه لتقول شيئاً آخر.
جائزة أفضل مخرج ذهبت للكوري هونغ سانغسو، عن فيلم «المرأة التي ركضت». ربما هو فيلم ذو مغزى، وبالتأكيد لدى مخرجه أسلوب عمل هادئ، لكن الجائزة في غير محلها، لأن إخراج سانغسو محدود إذا ما نظرنا إلى القيمة الفعلية لكاميرا لا تفعل سوى التصوير وممثلين لا يقومون إلا بالحديث.
جائزة أفضل ممثلة نالتها الألمانية بولا بير، عن دورها في «أوندين». كما تقدم الحديث في أحد هذه التقارير، تؤدي بولا شخصية امرأة عصف الحب بقلبها مرتين؛ الأولى عندما تركها من تحب، والثانية عندما عاد إليها، ما جعل علاقتها بصديقها الجديد محط أزمة عاطفية. بير تمثل الدور بإقناع وفهم كاملين، وهي سبق وأن ظهرت في فيلم سابق لمخرج هذا الفيلم، كرستيان بتزولد، هو «ترانزيت»، حيث لعبت دورها بإقناع كذلك.
أما جائزة أفضل ممثل، فذهبت للإيطالي إليو جرمانو عن «مخبوء» (توقعناها له منذ أن شُوهد الفيلم في اليوم الثاني من المهرجان). في هذا الفيلم الذي حققه جورجيو ديريتي، لعب الممثل شخصية الرسام الغامض أنطونيو ليغابو، الذي اعتبره البعض مبدعاً، والبعض الآخر وصف أعماله بالسذاجة وما دون. يحكي الفيلم عن شخصية معقدة نفسياً ومعادية، وعلى قدر من العنف الذي ينفجر لأدنى الأسباب ضرورة. جرمانو برع في الحركة وطوّع جسده ليماثل هيئة الرسم الغريبة شكلاً ومضموناً.
إذن توزّعت الجوائز المذكورة أعلاه بين إيران غير الرسمية («ليس هناك شر»)، والولايات المتحدة («أبداً نادراً أحياناً دائماً»)، وكوريا الجنوبية («المرأة التي ركضت»)، وألمانيا (الممثلة باولا بير)، ثم إيطاليا (إيليو جرمانو).
باقي الجوائز تبدو كما لو سعياً لاستكمال دائرة أوروبية في أساسها، فالأفلام السابقة كلها أوروبية (بما في ذلك التمويل الألماني لفيلم محمد رسولوف)، والحال كذلك عند التوسع في ذكر جائزة المناسبة السبعين لمهرجان برلين (جائزة خاصة هذا العام) نالها الفيلم الفرنسي «امحِ التاريخ» للثنائي توستاف كرفرن وبنوا دلفين. كذلك تم منح جائزة أفضل سيناريو لفيلم إيطالي آخر هو «حكايات رديئة» من إخراج الشقيقين داميان وفابيو د إينوشنزو. ثم سقطت كرة أفضل تصوير في حضن الفيلم الروسي «د أ يو: ناتاشا» إذ فاز بها مدير التصوير يورغن يورجز.
بالنتيجة، هذه أفضل الأفلام والاختيارات، باستثناء تلك التي منحت الفيلم الكوري جائزة أفضل إخراج، كانت صائبة، خصوصاً وأن المستوى العام والشامل لأفلام المسابقة هذا العام لم يكن بتلك الجودة التي اعتادت عليها دورات برلين السابقة.
نذكر أن هذا ما قلناه في نهاية الدورة التاسعة والستين في العام الماضي، التي بدت كما لو أن المدير السابق دييتر كوزليك لم يكترث كثيراً وقد صدر القرار بإحالته إلى التقاعد. الفارق هنا هو أن الإدارة الجديدة المؤلفة من رأسين (كارلو شاتريان ومارييت روزنبيك) ما زالت تجرب وضعها الجديد، وواجهت أربع مشكلات أساسية:
1 - المستوى العادي لمعظم ما اختارته من أفلام للمسابقة.
2 - محاولة إرضاء المحتجين على رئيس لجنة التحكيم، الممثل البريطاني جيريمي آيرونز، كونه صرّح بمعارضته لزواج المثليين قبل عدة سنوات.
3 - ثم عملية إرضاء احتجاج آخر وُجّه هذه المرّة ضد الجائزة التي حملت اسم مؤسس المهرجان طوال السنوات الماضية، وهو ألفرد باور، الذي فجأة، وبعد سنوات خدمته والسنوات التي حمل المهرجان اسمه لإحدى جوائزه، تم الكشف عن أنه كان موظفاً في أرشيف السينما تحت إشراف النازية.
4 - الزج بعدد أكبر من المعتاد من المخرجات لإرضاء الحركات النسائية النشطة. في هذا الصدد، فإن إليزا هيتمان الفائزة بـ«الدب الفضي» عن فيلمها «أبداً نادراً أحياناً دائماً» هي المرأة الوحيدة بين المخرجات اللواتي فزن بجائزة ما.
في النهاية، لا بد من العودة إلى محمد رسولوف، الذي بالتأكيد سيواجه الآن احتمالاً كبيراً بسجنه. لقد خرق قرار المحكمة الذي صدر ضده، وخدع السلطات، ووجد طريقة لإرسال الفيلم إلى برلين، وعرضه، ونال عليه جائزة.
رسولوف ليس وحده الممنوع من العمل، لكنه النسخة الأخيرة من التعسف الذي يصيب السينمائيين الإيرانيين تبعاً لقرارات الحظر على الإبداع واختلاف الرأي. ولا ننسى أن قضيته تعود إلى عامين سابقين عندما عرض فيلمه «رجل نزيه» في مهرجان «كان»، وما إن عاد إلى بلاده حتى تم سحب جواز السفر منه، وما زال مسحوباً.
قبل إعلان الجائزة ببضعة أيام، استخدم رسولوف نظام «سكايباك»، وتواصل مع صحافي من مجلة «ذا هوليوود ريبورتر» الأميركية. ستكون هذه تهمة أخرى ضده، لكنه، وكما يقول في المقابلة، لا يهتم: «عندما تعيش في ضغط ناتج عن نظام كالذي نعيشه في إيران، تجد أن عليك إما القبول وإما الرفض. بالنسبة لي، لقد اتخذت قراري لإعلان موقفي».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».