معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات

الديمقراطيون متخوفون من صبغ ساندرز حزبهم بـ«الاشتراكية» وخسارة الرئاسة و«الكونغرس»

معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات
TT

معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات

معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات

يتوجّه الناخبون الأميركيون يوم الثلاثاء المقبل، 3 مارس (آذار) المقبل، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة فيما يُعرف بـ«الثلاثاء الكبير»، الذي يشكل الاختبار الحقيقي الأول لجماهيرية المرشح الذي يطمح للفوز بسبق التنافس على رئاسة أكبر دولة في العالم. ومع أن الانتخابات التمهيدية تشبه إلى حد كبير الانتخابات العامة المقررة، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإنها قد لا تشكّل الفيصل الذي سيحسم هوية المنافس الديمقراطي في مواجهة الرئيس الجمهوري دونالد ترمب. ومن ناحية ثانية، فإن ترمب لا يواجه خصماً جدّياً داخل حزبه في معركة تجديد ولايته الثانية والأخيرة، ذلك أن تسميته رسمياً ستبقى مؤجلة حتى «مؤتمر الحزب الجمهوري» المبرمج عقده يوم 24 أغسطس (آب) المقبل.

اسم «الثلاثاء الكبير» ليست مصطلحاً رسمياً، لكنّ النقاد السياسيين والصحافيين درجوا على استخدامه، للإشارة إلى يوم الانتخابات الذي تجري فيه مجموعة من الولايات الأميركية انتخاباتها التمهيدية وتجمّعاتها الحزبية، لتحديد عدد كبير من المندوبين إلى المؤتمرات الحزبية.
المعروف أن يوم الثلاثاء هو اليوم التقليدي للانتخابات في الولايات المتحدة. وتعود تسمية «الثلاثاء الكبير» إلى عام 1976 حين حاولت الولايات زيادة نفوذها في التأثير على عملية الترشيح. وكان أحد الأساليب هو إنشاء كتل جغرافية لتشجيع المرشحين لمنصب الرئاسة على تنظيم حملاتهم، وتمضية بعض الوقت في تلك الولايات. كما أن أحد الدوافع الرئيسية لـ«الثلاثاء الكبير» هو الرد على الانتقادات وتنفيذ اقتراحات لإصلاح النظام الأساسي الحالي، التي ينادي كثير منها بإنشاء قاعدة ابتدائية وطنية أو إقليمية أولية، للقياس عليها في تحديد هويّة المرشح، في وقت مبكر نسبياً.

نبذة تاريخية

يقول بعض الخبراء في الانتخابات الأميركية إن «الثلاثاء الكبير»، كما نعرفه، جاء نتيجة رغبة الديمقراطيين خلال عقد الثمانينات في ترشيح مرشح أكثر اعتدالاً. ولقد رشّح الديمقراطيون عام 1984 والتر مونديل، الذي كان يُعتبر من المعتدلين، لكنه هُزم في النهاية في الانتخابات العامة أمام الرئيس رونالد ريغان. وفي انتخابات 1988، نقل الحزب الديمقراطي في الولايات الجنوبية الانتخابات التمهيدية بشكل جماعي إلى شهر مارس (آذار)، في محاولة منه للحصول على جناح أكثر محافظة على أمل تعزيز حظوظ مرشح أكثر اعتدالاً. لكن المحاولة لم تسفر عن النجاح المأمول، إذ رشّح الديمقراطيون حاكم ولاية ماساتشوستس (آنذاك) مايكل دوكاكيس، الذي كان يُعتقد أنه أكثر ليبرالية من الديمقراطيين الجنوبيين، ولكن دوكاكيس خسر أمام المرشح الجمهوري جورج بوش (الأب).
اليوم، «الثلاثاء الكبير» أكثر تنوّعاً جغرافياً وأقل اهتماماً بمناطق محددة تحاول التأثير على الانتخابات. وبدلاً من ذلك، تسعى كل ولاية لأن تكون لها الكلمة في وقت مبكّر من السباق الرئاسي خوفاً من استبعادها من عملية صنع القرار. ويتطلب الأمر حسن الاختيار لمعرفة المرشح الذي يمكنه الفوز.
لقد تضخّم يوم «الثلاثاء الكبير» لدرجة أنه خلال انتخابات عام 2008 لكل من الديمقراطيين والجمهوريين، أجرت نصف الولايات الأميركية تقريباً انتخاباتها فيه. ويضيف الخبراء أن يوم «الثلاثاء الكبير» يمكن أن يكون حاسماً، ويشير إلى نهاية الانتخابات التمهيدية، كما كان الحال بالنسبة للحزبين عام 2000، كما أنه قد يكون منقسماً بشكل كبير وكافٍ للحفاظ على استمرار السباق الرئاسي التمهيدي لفترة أطول.
وتختلف الولايات التي تعقد الانتخابات التمهيدية (Primaries) يوم «الثلاثاء الكبير» من سنة إلى أخرى، حيث تختار كل ولاية يوم الانتخابات بشكل منفصل، وهو ما يؤدي إلى تقليص أو زيادة عدد المندوبين، الذين يتم اختيارهم لتمثيل الولايات في المؤتمرات العامة للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الصيف المقبل. ومن المعروف أن سياسات الولايات المتحدة يهيمن عليها حزبان سياسيان رئيسيان، هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. ويختار الحزبان مرشحهما للرئاسة في «تجمّعات» حزبية (Caucuses) يحضرها مندوبون من الولايات أو عبر انتخابات تمهيدية. ويحدّد قانون كل ولاية كيفية اختيار مندوبي كل حزب، إما عن طريق الانتخابات الأولية أو التجمعات.
هذا العام هناك أكثر من ثُلث المندوبين في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي يعملون للفوز يوم «الثلاثاء الكبير»، والنتائج التي يحققها المرشحون فيه ستحدد إلى حد كبير هوية المرشح الذي يمكنه إقناع جمهور الحزب بالشخصية التي ستمثله في مواجهة ترمب. ذلك أن الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية التي أجريت منذ بداية هذا الشهر، في ولايات آيوا ونيوهامبشير ونيفادا، واليوم تجري في ولاية ساوث كارولينا، لم تشكل مؤشراً حقيقياً لتحديد الخاسرين والرابحين لدى الديمقراطيين، لا سيما أن عددهم ما زال كبيراً نسبياً، إذ يستمر في حلبة المنافسة 8 مرشحين يتأهّبون للمواجهة يوم «الثلاثاء الكبير».
وتجدر الإشارة إلى أن الجمهوريين يمكنهم أن يشاركوا في التصويت، في معظم ولايات «الثلاثاء الكبير»، ولكن بما أن الرئيس ترمب لا يواجه منافساً جدياً، فالتركيز سيكون على انتخابات الديمقراطيين.

ولايات «الثلاثاء الكبير» هذا العام

ما الولايات التي ستصوّت في هذا اليوم، وما عدد المندوبين الذين يُتوقع فوزهم لدى الديمقراطيين؟
ستجري 14 ولاية، بجانب إقليم أميركي واحد، انتخاباتها التمهيدية، لاختيار ما مجموعه 1357 مندوباً. وهي تتوزّع على رقعة الولايات المتحدة، من ولاية كاليفورنيا غرباً إلى ولاية ماين في أقصى شمال شرقي البلاد، وتشمل ولايات آلاباما وأركنساس وكولورادو وماساتشوستس ومينيسوتا ونورث كارولينا وأوكلاهوما وتينيسي وتكساس ويوتاه وفيرمونت وفيرجينيا، ومعها إقليم ساموا في المحيط الهادي، كما سيبدأ الديمقراطيون الذين يعيشون في الخارج في الإدلاء بأصواتهم.
تصويت يوم «الثلاثاء الكبير» سيؤدي إلى تسمية مجموع المندوبين، وليس عدد الأصوات التي تُحسب عند معرفة مَن يفوز بترشيح الحزب للرئاسة؛ إذ يُصار إلى تخصيص عددٍ معيّن من المندوبين لكل ولاية بناءً على عدد السكان ووزنها في الحزب الديمقراطي. ثم تمنح الولايات أصوات المندوبين إلى المرشحين تبعاً للأصوات التي يحصلون عليها. وفي نهاية الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية يفوز المرشح الأول الذي يحصل على غالبية المندوبين، البالغ عددهم 3979، بترشيح الحزب الديمقراطي.

أهميته هذا العام؟

غير أن أهمية «الثلاثاء الكبير» هذا العام تعود إلى أن نتائج الانتخابات ستؤدي إلى تحديد 34 في المائة من المندوبين لمؤتمر الحزب العام، دفعة واحدة، وذلك بعد انضمام ولاية كاليفورنيا، أكبر ولاية أميركية من حيث عدد السكان، إلى الولايات التي ستجري انتخاباتها في هذا اليوم، مع عدد مندوبين يشكل 30 في المائة من المندوبين الذين سيفوزون يوم الثلاثاء.
في المقابل، فإن الانتخابات التي أُجريت في ولايات آيوا ونيوهامبشير ونيفادا، بجانب انتخابات ولاية ساوث كارولينا التي تجري اليوم، لا تقدّم مجتمعة أكثر من 5 في المائة من عدد المندوبين، لترتفع النسبة بعد «الثلاثاء الكبير» إلى 38 في المائة من عدد أصوات المندوبين. وفي حين يصعب تحديد اسم الفائز في هذا اليوم، إلا أن النتيجة ستظهر حتماً حسن أداء هذا المرشح أو ذاك، ومن الذي سيتمكّن من إكمال السباق الطويل للفوز بغالبية المندوبين.
أمر آخر يستحق الإشارة، هو أنه تختلف أوقات إغلاق الاقتراع حسب توقيت الولايات. إذ تغلق صناديق ولاية فيرمونت قرب الساحل الشمالي الشرقي أولاً في الساعة 7 مساء، بينما تغلق في كاليفورنيا على الساحل الغربي في الساعة 11 مساء بالتوقيت الشرقي. ولن تُعرف جميع النتائج يوم الثلاثاء، لأن فرز الأصوات قد يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، لا سيما على الساحل الغربي. بل، قد يستغرق فرز الأصوات في كاليفورنيا أياماً لأن بطاقات الاقتراع بالبريد يجب ختمها يوم الانتخابات.
حتى اللحظة لا يزال سباق الحزب الديمقراطي يفتقر إلى الوضوح. وعلى الرغم من الفوز المقنع الذي حققه السيناتور اليساري بيرني ساندرز (78 سنة) في ولاية نيفادا، واحتمال تحقيقه نتيجة طيبة أمام منافسه الأبرز نائب الرئيس السابق جو بايدن في انتخابات ولاية ساوث كارولينا المقرّرة اليوم، وهذه الولاية الجنوبية المحافظة هي آخر الولايات التي تجري انتخاباتها الأولية خلال فبراير (شباط) المودّع. إلا أن ساندرز، الذي يمثل ولاية فيرمونت الشمالية التقدمية في مجلس الشيوخ، يجد نفسه أمام امتحان صعب يوم الثلاثاء مع تصاعد الحملات السياسية ضده، خصوصاً من منافسيه الديمقراطيين ومن مسؤولي الحزب، بعد تعليقاته السياسية التي أدلى بها في برنامج «ستين دقيقة»، ودفاعه عن الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو. قال ساندرز في المقابلة: «عندما تسلّم فيديل كاسترو السلطة، أتعلمون ماذا فعل؟ لقد خلق برنامجاً ضخماً لمحو الأمية. هل هذا أمر سيئ؟ على الرغم من أن كاسترو هو مَن قام به؟».
تصريح أثار غضب الديمقراطيين، الذين هاجموه بشدة معتبرين أن أفكاره انقسامية ومثيرة للجدل، وأن استمراره بالترشح بوصفه ديمقراطياً اشتراكياً سيؤدي إلى وصم الديمقراطيين كلهم بالتشدّد اليساري، ما قد يهدد بخسارتهم غالبيتهم في مجلس النواب. وبين قيادات الحزب الديمقراطي المُعربة عن قلقها، قال السيناتور الديمقراطي مايكل بينيت: «أعتقد أن الفوز بالانتخابات التمهيدية والفوز بالانتخابات الرئاسية أمران منفصلان. على الديمقراطيين اختيار مرشح يستطيع الفوز بولايات متأرجحة، ككولورادو، ويساعدنا على الفوز بغالبية المقاعد في مجلس الشيوخ، وهذا غير سهل».
وانهالت الانتقادات على ساندرز من منافسيه الديمقراطيين فسخر الملياردير مايكل بلومبرغ (عمدة نيويورك السابق) من تصريحاته، وغرّد قائلاً: «إن ميراث فيديل كاسترو القاتم يتألف من مخيمات الاعتقال والقمع الديني والفقر المدقع وفرق الإعدام وقتل الآلاف من شعبه». أما المرشح بيت بوتيجيج، فقارن ساندرز بترمب، وركّز في الأيام الأخيرة على مهاجمة ساندرز بشكل مكثّف لإقناع الديمقراطيين بأنه هو الخيار الأنسب لانتزاع ترشيح الحزب. وقال بوتيجيج في رسائل إلكترونية تهدف إلى جمع التبرّعات، قبل يوم «الثلاثاء الكبير»، إن «حملتنا حملة فائزة، ونحن الحملة الوحيدة التي تمكّنت من هزيمة ساندرز حتى الساعة، وهذا دليل على قدرتنا على توحيد غالبية الأميركيين».
ثم إن السيناتور بوب منينديز، المتحدّر من أصول كوبية، وكبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قال: «أنا متأكد من أن المعتقلين السياسيين في سجون كاسترو، الذين أعدموا بإطلاق الرصاص، والذين عذبوا لا يرون برامج محو الأمية بأهمية خسارتهم حرياتهم وحقوقهم. ساندرز مخطئ للغاية، وآراؤه ستؤثر سلباً على السباق الرئاسي».
وأخيراً، شكّك السيناتور الجمهوري المعتدل ميت رومني، أبرز منتقدي ترمب داخل حزبه، بقدرة ساندرز على التغلب على ترمب قائلاً: «لا أعتقد أنه سيتمكن من قهر ترمب؛ فبيرني قال أموراً مثيرة للجدل في الماضي، وعندما تُصرف ملايين الدولارات لنبش الماضي في الحملة الرئاسية، لن يكون ما قاله مناسباً لكثير من الأميركيين».

ما يجب رصده قبل الثلاثاء

ومع تصاعد أسهم عدد من منافسي ساندرز، تتجه الأنظار نحو بلومبرغ الذي حصل على قوة دفع، بحسب استطلاعات الرأي، مع أنه لم يشارك في تمهيديات آيوا ونيوهامبشير ونيفادا؛ إذ أنفق ما يقارب 450 مليون دولار من أمواله الخاصة على الدعايات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي والمنشورات والندوات الشعبية. لكن اتهامه بسياسات عنصرية مثيرة للتفرقة خلال رئاسته بلدية نيويورك وتعليقاته وتمييزه ضد النساء في شركاته، تثير شكوكاً في تمكُّنه من تحقيق نتائج قوية يوم «الثلاثاء الكبير». أيضاً تتجه الأنظار نحو نائب الرئيس السابق جو بايدن، والسيناتورة إليزابيث وارين في تجاوز «الثلاثاء الكبير»، بعد النتائج المخيبة لهم في ولايتي آيوا ونيوهامبشير.
بايدن يراهن على تصويت السود في انتخابات ساوث كارولينا، اليوم (السبت)، بينما تحذّر حملة وارين من أن السباق لا يزال طويلاً، وتتطلع إلى ولايات «الثلاثاء الكبير» لتحقيق إنجاز قوي. (ستصوّت وارين في ولايتها ماساتشوستس، وهي ولاية ديمقراطية بامتياز، وتأمل أن تأتي في المركزين الأول أو الثاني في كثير من الأماكن الأخرى). ولكن ماذا لو خاب أمل بايدن ووارين في 14 ولاية، وهل سيتمكنان من إقناع المانحين والممولين بالاستمرار في دعمهما في السباق؟
حتى حظوظ بوتيجيج (عمدة مدينة ساوث بند السابق في ولاية إنديانا)، الذي حافظ على أداء معقول في الانتخابات التمهيدية الأخيرة، لا تبدو كبيرة لهزيمة ساندرز، وانتزاع ترشيح الحزب له، بعدما سرق الأخير الأضواء من كل المرشحين، بمن فيهم بايدن، الذي يأفل نجمه.
لكن بعض استطلاعات الرأي في عدد من الولايات المشاركة في انتخابات «الثلاثاء الكبير» تثير مخاوف ساندرز وانزعاجه من منافسيه الآخرين. ولا يزال أمامه كثير من الجهود لإقناع المؤسسة الحزبية الديمقراطية بأنه يستطيع قهر ترمب، وأن التشطيب خارج المراكز الثلاثة الأولى في عدد كبير من ولايات «الثلاثاء الكبير» يمكن أن يهدّد بجدّية حجته بأنه يستطيع كسب الانتخابات الوطنية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

أحدث التقديرات

وبحسب أحدث الاستطلاعات في هذه الولايات تحديداً يحقق بلومبرغ تقدماً بنسبة 1 في المائة على بايدن و4 نقاط مئوية على ساندرز وبوتيجيج في ولاية أركنساس. وفي ولاية كاليفورنيا، حيث سيُصار إلى اختيار 415 مندوباً يتقدم ساندرز على بقية منافسيه بنسبة 4 إلى 18 نقطة. وفي ولاية ماساشوستس، معقل وارين، يتقدم ساندرز عليها بنقطة واحدة، في حين أن السيناتورة آيمي كلوبوشار تحقق تقدماً في ولايتها (مينيسوتا)، متقدمة بـ6 نقاط على ساندرز.
وفي ولاية نورث كارولينا، يتقدم ساندرز على بايدن بشكل طفيف، ويأتي بلومبرغ خلفهما مباشرة، في حين استطلاع آخر يشير إلى تقدم بايدن على ساندرز بـ4 نقاط. وفي ولاية أوكلاهوما يتقدم بلومبيرغ بـ6 نقاط على بايدن وساندرز. وفي ولاية تكساس، التي تُعد من الولايات الكبرى مع 228 مندوباً، تتقارب نتائج بايدن مع ساندرز ويتقدمان على وارين بـ3 نقاط وعلى بلومبرغ بـ5 نقاط. وفي ولاية فيرمونت، معقل ساندرز، يحقق ساندرز تقدماً كاسحاً، بفارق 38 نقطة عن أقرب منافسيه، مسجلاً 51 في المائة من نسبة التفضيل، يليه بوتيجيج ثانياً بـ13 في المائة. وفي ولاية فيرجينيا يتقارب ساندرز وبلومبرغ بـ22 نقطة يليهما بايدن بـ18 نقطة.

مناظرة ساوث كارولينا

المناظرة الأخيرة التي أُجريت الثلاثاء في ساوث كارولينا، واعتُبِرت آخر فرصة للمرشحين لتحسين مواقعهم الانتخابي قبل «الثلاثاء الكبير»، توسّط فيها ساندرز المنصة، للمرة الأولى، بسبب تقدمه في استطلاعات الرأي. إلا أنه جُوبِه بسيل من الهجمات من منافسيه، ولذا تساءل عن سبب تكرارهم اسمه وهجومهم عليه. ولم يوفّر أفكاره التقدمية والأنباء التي تحدثت عن تدخل روسي لدعمه وبرامجه للرعاية الصحية والسلاح والشؤون الخارجية.
في أي حال، اعتُبِرت المناظرة محطة مهمة في مسيرة ساندرز. وهو بعدما عُرف لعقود منتقداً للمؤسسة الحزبية، صار في موقف المدافع، في حين تخشى المؤسسة الديمقراطية من تمكُّن اليساري المسنّ، من التقدم على منافسيه الديمقراطيين، خصوصاً مع اقتراب يوم «الثلاثاء الكبير». وقال بلومبرغ إن كلاً من ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أن ساندرز هو الحلقة الأضعف لدى الديمقراطيين لمواجهة ترمب.
وفي الأسبوع الماضي، أقر ساندرز بأن مسؤولين استخباراتيين أبلغوه بأنهم سيطلعونه على أن روسيا تحاول التدخل في الانتخابات لصالحه.


مقالات ذات صلة

ترمب يوقع على أوراق نقدية... وينضم لقلة من الزعماء فعلوا ذلك خلال ولايتهم

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يوقع على أوراق نقدية... وينضم لقلة من الزعماء فعلوا ذلك خلال ولايتهم

حين يظهر توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوراق نقدية من فئة 100 دولار في شهر يونيو (حزيران) المقبل فإنه ينضم بذلك إلى مجموعة صغيرة من الزعماء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مظاهرة احتجاجية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العاصمة واشنطن (أ.ف.ب)

مظاهرات واسعة النطاق ضد ترمب في الولايات المتحدة (صور)

بدأت، السبت، تحرّكات احتجاجية واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي في الولايات المتحدة وخارجها، رفضاً للحرب في الشرق الأوسط ولما يعدّه الملايين «نزعة سلطوية» لديه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في البيت الأبيض يوم 27 مارس (أ.ب)

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

في الوقت الذي تتحدّث فيه الإدارة الأميركية عن استمرار حرب إيران بضعة أسابيع أخرى، برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس كأحد اللاعبين الأساسيين في المسار الدبلوماسي.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)

ترمب: كوبا هي التالية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنّ «كوبا هي التالية»، رافضاً فكرة أنّ العمليات العسكرية التي نفذتها واشنطن أخيراً تكلّفه قاعدة مؤيديه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».