معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات

الديمقراطيون متخوفون من صبغ ساندرز حزبهم بـ«الاشتراكية» وخسارة الرئاسة و«الكونغرس»

معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات
TT

معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات

معركة «الثلاثاء الكبير» قد تحدد هوية منافس ترمب في الانتخابات

يتوجّه الناخبون الأميركيون يوم الثلاثاء المقبل، 3 مارس (آذار) المقبل، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة فيما يُعرف بـ«الثلاثاء الكبير»، الذي يشكل الاختبار الحقيقي الأول لجماهيرية المرشح الذي يطمح للفوز بسبق التنافس على رئاسة أكبر دولة في العالم. ومع أن الانتخابات التمهيدية تشبه إلى حد كبير الانتخابات العامة المقررة، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإنها قد لا تشكّل الفيصل الذي سيحسم هوية المنافس الديمقراطي في مواجهة الرئيس الجمهوري دونالد ترمب. ومن ناحية ثانية، فإن ترمب لا يواجه خصماً جدّياً داخل حزبه في معركة تجديد ولايته الثانية والأخيرة، ذلك أن تسميته رسمياً ستبقى مؤجلة حتى «مؤتمر الحزب الجمهوري» المبرمج عقده يوم 24 أغسطس (آب) المقبل.

اسم «الثلاثاء الكبير» ليست مصطلحاً رسمياً، لكنّ النقاد السياسيين والصحافيين درجوا على استخدامه، للإشارة إلى يوم الانتخابات الذي تجري فيه مجموعة من الولايات الأميركية انتخاباتها التمهيدية وتجمّعاتها الحزبية، لتحديد عدد كبير من المندوبين إلى المؤتمرات الحزبية.
المعروف أن يوم الثلاثاء هو اليوم التقليدي للانتخابات في الولايات المتحدة. وتعود تسمية «الثلاثاء الكبير» إلى عام 1976 حين حاولت الولايات زيادة نفوذها في التأثير على عملية الترشيح. وكان أحد الأساليب هو إنشاء كتل جغرافية لتشجيع المرشحين لمنصب الرئاسة على تنظيم حملاتهم، وتمضية بعض الوقت في تلك الولايات. كما أن أحد الدوافع الرئيسية لـ«الثلاثاء الكبير» هو الرد على الانتقادات وتنفيذ اقتراحات لإصلاح النظام الأساسي الحالي، التي ينادي كثير منها بإنشاء قاعدة ابتدائية وطنية أو إقليمية أولية، للقياس عليها في تحديد هويّة المرشح، في وقت مبكر نسبياً.

نبذة تاريخية

يقول بعض الخبراء في الانتخابات الأميركية إن «الثلاثاء الكبير»، كما نعرفه، جاء نتيجة رغبة الديمقراطيين خلال عقد الثمانينات في ترشيح مرشح أكثر اعتدالاً. ولقد رشّح الديمقراطيون عام 1984 والتر مونديل، الذي كان يُعتبر من المعتدلين، لكنه هُزم في النهاية في الانتخابات العامة أمام الرئيس رونالد ريغان. وفي انتخابات 1988، نقل الحزب الديمقراطي في الولايات الجنوبية الانتخابات التمهيدية بشكل جماعي إلى شهر مارس (آذار)، في محاولة منه للحصول على جناح أكثر محافظة على أمل تعزيز حظوظ مرشح أكثر اعتدالاً. لكن المحاولة لم تسفر عن النجاح المأمول، إذ رشّح الديمقراطيون حاكم ولاية ماساتشوستس (آنذاك) مايكل دوكاكيس، الذي كان يُعتقد أنه أكثر ليبرالية من الديمقراطيين الجنوبيين، ولكن دوكاكيس خسر أمام المرشح الجمهوري جورج بوش (الأب).
اليوم، «الثلاثاء الكبير» أكثر تنوّعاً جغرافياً وأقل اهتماماً بمناطق محددة تحاول التأثير على الانتخابات. وبدلاً من ذلك، تسعى كل ولاية لأن تكون لها الكلمة في وقت مبكّر من السباق الرئاسي خوفاً من استبعادها من عملية صنع القرار. ويتطلب الأمر حسن الاختيار لمعرفة المرشح الذي يمكنه الفوز.
لقد تضخّم يوم «الثلاثاء الكبير» لدرجة أنه خلال انتخابات عام 2008 لكل من الديمقراطيين والجمهوريين، أجرت نصف الولايات الأميركية تقريباً انتخاباتها فيه. ويضيف الخبراء أن يوم «الثلاثاء الكبير» يمكن أن يكون حاسماً، ويشير إلى نهاية الانتخابات التمهيدية، كما كان الحال بالنسبة للحزبين عام 2000، كما أنه قد يكون منقسماً بشكل كبير وكافٍ للحفاظ على استمرار السباق الرئاسي التمهيدي لفترة أطول.
وتختلف الولايات التي تعقد الانتخابات التمهيدية (Primaries) يوم «الثلاثاء الكبير» من سنة إلى أخرى، حيث تختار كل ولاية يوم الانتخابات بشكل منفصل، وهو ما يؤدي إلى تقليص أو زيادة عدد المندوبين، الذين يتم اختيارهم لتمثيل الولايات في المؤتمرات العامة للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الصيف المقبل. ومن المعروف أن سياسات الولايات المتحدة يهيمن عليها حزبان سياسيان رئيسيان، هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. ويختار الحزبان مرشحهما للرئاسة في «تجمّعات» حزبية (Caucuses) يحضرها مندوبون من الولايات أو عبر انتخابات تمهيدية. ويحدّد قانون كل ولاية كيفية اختيار مندوبي كل حزب، إما عن طريق الانتخابات الأولية أو التجمعات.
هذا العام هناك أكثر من ثُلث المندوبين في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي يعملون للفوز يوم «الثلاثاء الكبير»، والنتائج التي يحققها المرشحون فيه ستحدد إلى حد كبير هوية المرشح الذي يمكنه إقناع جمهور الحزب بالشخصية التي ستمثله في مواجهة ترمب. ذلك أن الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية التي أجريت منذ بداية هذا الشهر، في ولايات آيوا ونيوهامبشير ونيفادا، واليوم تجري في ولاية ساوث كارولينا، لم تشكل مؤشراً حقيقياً لتحديد الخاسرين والرابحين لدى الديمقراطيين، لا سيما أن عددهم ما زال كبيراً نسبياً، إذ يستمر في حلبة المنافسة 8 مرشحين يتأهّبون للمواجهة يوم «الثلاثاء الكبير».
وتجدر الإشارة إلى أن الجمهوريين يمكنهم أن يشاركوا في التصويت، في معظم ولايات «الثلاثاء الكبير»، ولكن بما أن الرئيس ترمب لا يواجه منافساً جدياً، فالتركيز سيكون على انتخابات الديمقراطيين.

ولايات «الثلاثاء الكبير» هذا العام

ما الولايات التي ستصوّت في هذا اليوم، وما عدد المندوبين الذين يُتوقع فوزهم لدى الديمقراطيين؟
ستجري 14 ولاية، بجانب إقليم أميركي واحد، انتخاباتها التمهيدية، لاختيار ما مجموعه 1357 مندوباً. وهي تتوزّع على رقعة الولايات المتحدة، من ولاية كاليفورنيا غرباً إلى ولاية ماين في أقصى شمال شرقي البلاد، وتشمل ولايات آلاباما وأركنساس وكولورادو وماساتشوستس ومينيسوتا ونورث كارولينا وأوكلاهوما وتينيسي وتكساس ويوتاه وفيرمونت وفيرجينيا، ومعها إقليم ساموا في المحيط الهادي، كما سيبدأ الديمقراطيون الذين يعيشون في الخارج في الإدلاء بأصواتهم.
تصويت يوم «الثلاثاء الكبير» سيؤدي إلى تسمية مجموع المندوبين، وليس عدد الأصوات التي تُحسب عند معرفة مَن يفوز بترشيح الحزب للرئاسة؛ إذ يُصار إلى تخصيص عددٍ معيّن من المندوبين لكل ولاية بناءً على عدد السكان ووزنها في الحزب الديمقراطي. ثم تمنح الولايات أصوات المندوبين إلى المرشحين تبعاً للأصوات التي يحصلون عليها. وفي نهاية الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية يفوز المرشح الأول الذي يحصل على غالبية المندوبين، البالغ عددهم 3979، بترشيح الحزب الديمقراطي.

أهميته هذا العام؟

غير أن أهمية «الثلاثاء الكبير» هذا العام تعود إلى أن نتائج الانتخابات ستؤدي إلى تحديد 34 في المائة من المندوبين لمؤتمر الحزب العام، دفعة واحدة، وذلك بعد انضمام ولاية كاليفورنيا، أكبر ولاية أميركية من حيث عدد السكان، إلى الولايات التي ستجري انتخاباتها في هذا اليوم، مع عدد مندوبين يشكل 30 في المائة من المندوبين الذين سيفوزون يوم الثلاثاء.
في المقابل، فإن الانتخابات التي أُجريت في ولايات آيوا ونيوهامبشير ونيفادا، بجانب انتخابات ولاية ساوث كارولينا التي تجري اليوم، لا تقدّم مجتمعة أكثر من 5 في المائة من عدد المندوبين، لترتفع النسبة بعد «الثلاثاء الكبير» إلى 38 في المائة من عدد أصوات المندوبين. وفي حين يصعب تحديد اسم الفائز في هذا اليوم، إلا أن النتيجة ستظهر حتماً حسن أداء هذا المرشح أو ذاك، ومن الذي سيتمكّن من إكمال السباق الطويل للفوز بغالبية المندوبين.
أمر آخر يستحق الإشارة، هو أنه تختلف أوقات إغلاق الاقتراع حسب توقيت الولايات. إذ تغلق صناديق ولاية فيرمونت قرب الساحل الشمالي الشرقي أولاً في الساعة 7 مساء، بينما تغلق في كاليفورنيا على الساحل الغربي في الساعة 11 مساء بالتوقيت الشرقي. ولن تُعرف جميع النتائج يوم الثلاثاء، لأن فرز الأصوات قد يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، لا سيما على الساحل الغربي. بل، قد يستغرق فرز الأصوات في كاليفورنيا أياماً لأن بطاقات الاقتراع بالبريد يجب ختمها يوم الانتخابات.
حتى اللحظة لا يزال سباق الحزب الديمقراطي يفتقر إلى الوضوح. وعلى الرغم من الفوز المقنع الذي حققه السيناتور اليساري بيرني ساندرز (78 سنة) في ولاية نيفادا، واحتمال تحقيقه نتيجة طيبة أمام منافسه الأبرز نائب الرئيس السابق جو بايدن في انتخابات ولاية ساوث كارولينا المقرّرة اليوم، وهذه الولاية الجنوبية المحافظة هي آخر الولايات التي تجري انتخاباتها الأولية خلال فبراير (شباط) المودّع. إلا أن ساندرز، الذي يمثل ولاية فيرمونت الشمالية التقدمية في مجلس الشيوخ، يجد نفسه أمام امتحان صعب يوم الثلاثاء مع تصاعد الحملات السياسية ضده، خصوصاً من منافسيه الديمقراطيين ومن مسؤولي الحزب، بعد تعليقاته السياسية التي أدلى بها في برنامج «ستين دقيقة»، ودفاعه عن الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو. قال ساندرز في المقابلة: «عندما تسلّم فيديل كاسترو السلطة، أتعلمون ماذا فعل؟ لقد خلق برنامجاً ضخماً لمحو الأمية. هل هذا أمر سيئ؟ على الرغم من أن كاسترو هو مَن قام به؟».
تصريح أثار غضب الديمقراطيين، الذين هاجموه بشدة معتبرين أن أفكاره انقسامية ومثيرة للجدل، وأن استمراره بالترشح بوصفه ديمقراطياً اشتراكياً سيؤدي إلى وصم الديمقراطيين كلهم بالتشدّد اليساري، ما قد يهدد بخسارتهم غالبيتهم في مجلس النواب. وبين قيادات الحزب الديمقراطي المُعربة عن قلقها، قال السيناتور الديمقراطي مايكل بينيت: «أعتقد أن الفوز بالانتخابات التمهيدية والفوز بالانتخابات الرئاسية أمران منفصلان. على الديمقراطيين اختيار مرشح يستطيع الفوز بولايات متأرجحة، ككولورادو، ويساعدنا على الفوز بغالبية المقاعد في مجلس الشيوخ، وهذا غير سهل».
وانهالت الانتقادات على ساندرز من منافسيه الديمقراطيين فسخر الملياردير مايكل بلومبرغ (عمدة نيويورك السابق) من تصريحاته، وغرّد قائلاً: «إن ميراث فيديل كاسترو القاتم يتألف من مخيمات الاعتقال والقمع الديني والفقر المدقع وفرق الإعدام وقتل الآلاف من شعبه». أما المرشح بيت بوتيجيج، فقارن ساندرز بترمب، وركّز في الأيام الأخيرة على مهاجمة ساندرز بشكل مكثّف لإقناع الديمقراطيين بأنه هو الخيار الأنسب لانتزاع ترشيح الحزب. وقال بوتيجيج في رسائل إلكترونية تهدف إلى جمع التبرّعات، قبل يوم «الثلاثاء الكبير»، إن «حملتنا حملة فائزة، ونحن الحملة الوحيدة التي تمكّنت من هزيمة ساندرز حتى الساعة، وهذا دليل على قدرتنا على توحيد غالبية الأميركيين».
ثم إن السيناتور بوب منينديز، المتحدّر من أصول كوبية، وكبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قال: «أنا متأكد من أن المعتقلين السياسيين في سجون كاسترو، الذين أعدموا بإطلاق الرصاص، والذين عذبوا لا يرون برامج محو الأمية بأهمية خسارتهم حرياتهم وحقوقهم. ساندرز مخطئ للغاية، وآراؤه ستؤثر سلباً على السباق الرئاسي».
وأخيراً، شكّك السيناتور الجمهوري المعتدل ميت رومني، أبرز منتقدي ترمب داخل حزبه، بقدرة ساندرز على التغلب على ترمب قائلاً: «لا أعتقد أنه سيتمكن من قهر ترمب؛ فبيرني قال أموراً مثيرة للجدل في الماضي، وعندما تُصرف ملايين الدولارات لنبش الماضي في الحملة الرئاسية، لن يكون ما قاله مناسباً لكثير من الأميركيين».

ما يجب رصده قبل الثلاثاء

ومع تصاعد أسهم عدد من منافسي ساندرز، تتجه الأنظار نحو بلومبرغ الذي حصل على قوة دفع، بحسب استطلاعات الرأي، مع أنه لم يشارك في تمهيديات آيوا ونيوهامبشير ونيفادا؛ إذ أنفق ما يقارب 450 مليون دولار من أمواله الخاصة على الدعايات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي والمنشورات والندوات الشعبية. لكن اتهامه بسياسات عنصرية مثيرة للتفرقة خلال رئاسته بلدية نيويورك وتعليقاته وتمييزه ضد النساء في شركاته، تثير شكوكاً في تمكُّنه من تحقيق نتائج قوية يوم «الثلاثاء الكبير». أيضاً تتجه الأنظار نحو نائب الرئيس السابق جو بايدن، والسيناتورة إليزابيث وارين في تجاوز «الثلاثاء الكبير»، بعد النتائج المخيبة لهم في ولايتي آيوا ونيوهامبشير.
بايدن يراهن على تصويت السود في انتخابات ساوث كارولينا، اليوم (السبت)، بينما تحذّر حملة وارين من أن السباق لا يزال طويلاً، وتتطلع إلى ولايات «الثلاثاء الكبير» لتحقيق إنجاز قوي. (ستصوّت وارين في ولايتها ماساتشوستس، وهي ولاية ديمقراطية بامتياز، وتأمل أن تأتي في المركزين الأول أو الثاني في كثير من الأماكن الأخرى). ولكن ماذا لو خاب أمل بايدن ووارين في 14 ولاية، وهل سيتمكنان من إقناع المانحين والممولين بالاستمرار في دعمهما في السباق؟
حتى حظوظ بوتيجيج (عمدة مدينة ساوث بند السابق في ولاية إنديانا)، الذي حافظ على أداء معقول في الانتخابات التمهيدية الأخيرة، لا تبدو كبيرة لهزيمة ساندرز، وانتزاع ترشيح الحزب له، بعدما سرق الأخير الأضواء من كل المرشحين، بمن فيهم بايدن، الذي يأفل نجمه.
لكن بعض استطلاعات الرأي في عدد من الولايات المشاركة في انتخابات «الثلاثاء الكبير» تثير مخاوف ساندرز وانزعاجه من منافسيه الآخرين. ولا يزال أمامه كثير من الجهود لإقناع المؤسسة الحزبية الديمقراطية بأنه يستطيع قهر ترمب، وأن التشطيب خارج المراكز الثلاثة الأولى في عدد كبير من ولايات «الثلاثاء الكبير» يمكن أن يهدّد بجدّية حجته بأنه يستطيع كسب الانتخابات الوطنية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

أحدث التقديرات

وبحسب أحدث الاستطلاعات في هذه الولايات تحديداً يحقق بلومبرغ تقدماً بنسبة 1 في المائة على بايدن و4 نقاط مئوية على ساندرز وبوتيجيج في ولاية أركنساس. وفي ولاية كاليفورنيا، حيث سيُصار إلى اختيار 415 مندوباً يتقدم ساندرز على بقية منافسيه بنسبة 4 إلى 18 نقطة. وفي ولاية ماساشوستس، معقل وارين، يتقدم ساندرز عليها بنقطة واحدة، في حين أن السيناتورة آيمي كلوبوشار تحقق تقدماً في ولايتها (مينيسوتا)، متقدمة بـ6 نقاط على ساندرز.
وفي ولاية نورث كارولينا، يتقدم ساندرز على بايدن بشكل طفيف، ويأتي بلومبرغ خلفهما مباشرة، في حين استطلاع آخر يشير إلى تقدم بايدن على ساندرز بـ4 نقاط. وفي ولاية أوكلاهوما يتقدم بلومبيرغ بـ6 نقاط على بايدن وساندرز. وفي ولاية تكساس، التي تُعد من الولايات الكبرى مع 228 مندوباً، تتقارب نتائج بايدن مع ساندرز ويتقدمان على وارين بـ3 نقاط وعلى بلومبرغ بـ5 نقاط. وفي ولاية فيرمونت، معقل ساندرز، يحقق ساندرز تقدماً كاسحاً، بفارق 38 نقطة عن أقرب منافسيه، مسجلاً 51 في المائة من نسبة التفضيل، يليه بوتيجيج ثانياً بـ13 في المائة. وفي ولاية فيرجينيا يتقارب ساندرز وبلومبرغ بـ22 نقطة يليهما بايدن بـ18 نقطة.

مناظرة ساوث كارولينا

المناظرة الأخيرة التي أُجريت الثلاثاء في ساوث كارولينا، واعتُبِرت آخر فرصة للمرشحين لتحسين مواقعهم الانتخابي قبل «الثلاثاء الكبير»، توسّط فيها ساندرز المنصة، للمرة الأولى، بسبب تقدمه في استطلاعات الرأي. إلا أنه جُوبِه بسيل من الهجمات من منافسيه، ولذا تساءل عن سبب تكرارهم اسمه وهجومهم عليه. ولم يوفّر أفكاره التقدمية والأنباء التي تحدثت عن تدخل روسي لدعمه وبرامجه للرعاية الصحية والسلاح والشؤون الخارجية.
في أي حال، اعتُبِرت المناظرة محطة مهمة في مسيرة ساندرز. وهو بعدما عُرف لعقود منتقداً للمؤسسة الحزبية، صار في موقف المدافع، في حين تخشى المؤسسة الديمقراطية من تمكُّن اليساري المسنّ، من التقدم على منافسيه الديمقراطيين، خصوصاً مع اقتراب يوم «الثلاثاء الكبير». وقال بلومبرغ إن كلاً من ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أن ساندرز هو الحلقة الأضعف لدى الديمقراطيين لمواجهة ترمب.
وفي الأسبوع الماضي، أقر ساندرز بأن مسؤولين استخباراتيين أبلغوه بأنهم سيطلعونه على أن روسيا تحاول التدخل في الانتخابات لصالحه.


مقالات ذات صلة

ترمب: المفاوضون الإيرانيون يخشون أن «يُقتلوا على أيدي جماعتهم»

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: المفاوضون الإيرانيون يخشون أن «يُقتلوا على أيدي جماعتهم»

أصرّ الرئيس الأميركي، الأربعاء، على أن إيران تشارك في محادثات سلام، قائلاً إن نفي طهران ذلك هو بسبب خوف المفاوضين الإيرانيين من أن «يقتلوا على أيدي جماعتهم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا جنود أوكرانيون يستعدون لإطلاق صواريخ «غراد» باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة تشاسيف يار الواقعة على خط المواجهة في دونيتسك بمنطقة دونباس في أوكرانيا - 15 يناير 2026 (رويترز)

أميركا تربط الضمانات الأمنية بتنازل أوكرانيا عن منطقة دونباس لصالح روسيا

قال الرئيس الأوكراني إن أميركا جعلت عرضها تقديم الضمانات الأمنية اللازمة لاتفاق سلام مشروطا بتنازل كييف عن منطقة دونباس في شرق البلاد بالكامل لروسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية ملعب بوسطن حيث ستقام بعض مباريات مونديال 2026 (رويترز)

أميركا تفرض تأميناً قدره 15 ألف دولار على القادمين للمونديال

يتعين على المشجعين القادمين من بعض الدول لمساندة منتخباتهم في نهائيات كأس العالم، دفع مبلغ تأمين من أجل الحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - رويترز)

عراقجي: لا نية لدينا للتفاوض... ومضيق هرمز مغلق فقط «أمام الأعداء»

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الأربعاء، أن «لا نية» لدى إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) والملياردير إيلون ماسك (رويترز)

ترمب يستبعد ماسك من مجلسه الاستشاري الجديد بمجال التكنولوجيا

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصيات ذات ثقل في مجال التكنولوجيا، من بينهم مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا جنسن هوانغ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.