بعد المفاجأة والهلع... «هوس الانعزال» يتملك الإيطاليين

أوروبا تشدد إجراءاتها بعد ظهور إصابات في عدة دول

رفوف متجر في باليرمو الإيطالية فارغة بعد تسوق السكان الخائفين من انتشار «كوفيد 19» أمس (إ.ب.أ)
رفوف متجر في باليرمو الإيطالية فارغة بعد تسوق السكان الخائفين من انتشار «كوفيد 19» أمس (إ.ب.أ)
TT

بعد المفاجأة والهلع... «هوس الانعزال» يتملك الإيطاليين

رفوف متجر في باليرمو الإيطالية فارغة بعد تسوق السكان الخائفين من انتشار «كوفيد 19» أمس (إ.ب.أ)
رفوف متجر في باليرمو الإيطالية فارغة بعد تسوق السكان الخائفين من انتشار «كوفيد 19» أمس (إ.ب.أ)

بعد المفاجأة التي أثارها ظهور عشرات الإصابات بفيروس كورونا الجديد (كوفيد - 19) في بعض مناطق الشمال الإيطالي يوم الجمعة الماضي، والهلع الذي تملك السكان إثر الإعلان عن الوفيات الأولى ورصد حالات جديدة في عدد من المناطق الأخرى، يعيش الإيطاليون الآن حالة من «هوس الانعزال» إزاء موجة التدابير الصحية والقيود الصارمة التي فرضتها الحكومة في بعض المدن الكبرى مثل ميلانو وتورينو، والإجراءات التي بدأت تفرضها دول أوروبية وغيرها على المسافرين القادمين إليها من إيطاليا.
وفيما أعلنت السلطات، أمس (الثلاثاء)، عن وفاة ضحية عاشرة، كانت بورصة ميلانو تتراجع بنسبة 6% مع تقديرات الخبراء بأن الأزمة الصحية قد تتسبب في ركود الاقتصاد الإيطالي الذي يعتمد بشكل أساسي على مناطق الشمال.
ومع ظهور الإصابات الأولى أواخر الأسبوع الماضي، أصبحت إيطاليا الدولة الأوروبية التي تسجل أكبر عدد من الإصابات بفيروس كورونا الجديد، والثالثة في العالم بعد الصين وكوريا الجنوبية. وقد بلغ عدد الحالات المؤكدة 283 حتى ظًهر أمس (الثلاثاء)، منها أول حالة في الجنوب رُصدت في باليرمو عاصمة جزيرة صقلية وحالتان في توسكانة. وتقول السلطات إن بؤر انتشار الفيروس محصورة، وإن احتواءه ممكن.
وفي ميلانو وتورينو، نصبت السلطات الصحية تجهيزات خاصة على مداخل المستشفيات لفرز المصابين بالفيروس وفصلهم عن بقية المرضى لتحاشي تكرار حالة الإهمال التي أدت إلى عدة إصابات يوم الجمعة الماضي في مستشفى «كودونيو». وفي إقليم «لومبارديا» الذي يسجل أكبر عدد من الإصابات، بدأت الفرق الطبية بإجراء فحوصات في المنازل والمستشفيات لكل من تظهر عليه عوارض الإصابة.
ويقول المستشار الخاص لوزير الصحة المكلف تنسيق حالة الطوارئ، إنه ليس من الواضح بعد إذا كان الفيروس هو السبب الذي أدى إلى الوفيات السبع، أو أنه كان عاملاً مساعداً في الحالات الصحية التي كانت متدهورة أصلاً مثل إصابات بالسرطان أو أمراض قلبية. وقال مسؤول من منظمة الصحة العالمية التي أوفدت فريقاً من الخبراء للتعاون مع السلطات الإيطالية، إن السبب الذي أدى إلى انتشار هذا العدد الكبير من الإصابات بسرعة في الأيام أواخر الأسبوع الماضي «قد يكون عدم تقدير الخطورة بالدرجة الكافية في الأيام الأولى».
وإذ يسود القلق في الأوساط الرسمية من التداعيات الاقتصادية للأزمة مع تراجع عجلة الإنتاج وانهيار قطاع السياحة، تدرس الحكومة حزمة من الإجراءات مثل إلغاء بعض الرسوم الأساسية على الكهرباء والغاز والمياه وتقديم مساعدات للمؤسسات المتضررة.
ومع ازدياد احتمالات استمرار انتشار الإصابات التي بدأت على بُعد 60 كيلومتراً من ميلانو، بدأت الدول المجاورة تشعر بالقلق وتتشدد في إجراءات المراقبة على الحدود. ويخشى الإيطاليون أن ينعزلوا أيضاً عن محيطهم الأوروبي بسبب تدابير أحادية تتخذها دول مثل فرنسا، حيث تصعّد المعارضة الضغط على الحكومة لإقفال الحدود مع إيطاليا.
وكانت النمسا قد أوقفت قطاراً مساء الأحد الماضي، في طريقه من ميلانو إلى ميونيخ عبر الأراضي النمساوية. وفيما ألغت شركة الطيران المجرية جميع رحلاتها إلى مدن الشمال الإيطالي، أعلنت الكويت عن وقف الرحلات من وإلى إيطاليا.
وفي مدينة تورينو، شهدت محال المواد الغذائية هجوماً واسعاً من المواطنين أفرغها من كامل محتوياتها في أقل من 24 ساعة، ما دفع برئيس البلدية إلى انتقاد مواطنيه وتوبيخهم قائلاً: «بدل أن تضيعوا الوقت في الهرولة إلى السوبرماركت للتبضع منها، من الأجدى أن تبقوا في المنازل للعناية بالمسنين والضعفاء. هكذا يجب أن يتصرف المجتمع الناضج».
ومع اتساع مساحة انتشار الإصابات وارتفاع عدد الوفيات، ارتفعت حرارة الجدل السياسي الذي يغلي على نار حامية منذ فترة. فبعد الانتقاد الذي وجّهه رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي، إلى بعض السلطات الإقليمية لعدم تقيدها بتعليمات الأجهزة المركزية، شنت المعارضة هجوماً قاسياً عليه، فوصفه رئيس إقليم لومبارديا، جوليو غاليرا، بأنه «جاهل يتهرب من تحمل مسؤولية إخفاق الدفاع المدني، ويلقي اللوم على السلطات والأجهزة المحلية»، وطالب باستقالته.
ويتفرغ كونتي بشكل كلي لمتابعة الأزمة منذ السبت الماضي، موزعاً وقته بين زيارة مناطق الإصابات والمستشفيات والظهور أمام وسائل الإعلام عدة مرات في اليوم. وفي أول تعليق له على التدابير التي تفرضها الدول الأخرى على سفر الإيطاليين، قال أمس إن «هذه التدابير ليست مقبولة، وإيطاليا بلد آمن للسفر والسياحة، باستثناء بعض المناطق المحدودة جداً، ربما أكثر من بلدان عديدة أخرى».
وعن نفس الموضوع، علق رئيس إقليم لومبارديا بقوله إن «بعض البلدان الأوروبية عليها أن تعيد النظر في انتمائها إلى الاتحاد الأوروبي بعد التمييز الذي يتعرض له مواطنونا». ويذكر أنه منذ ظهور فيروس كورونا في الصين، تعرض العديد من الصينيين، سياحاً ومواطنين يعيشون في إيطاليا، إلى تصرفات عنصرية ومضايقات أدانها بشدة رئيس الجمهورية سرجيو ماتاريلا، خلال زيارته أمس، إلى إحدى المدارس التي يشكل الصينيون 30% من طلابها في روما.
من جهة أخرى، ومع تزايد الإصابات في إيطاليا وتصاعد مخاطر حصول وباء، عززت عدة دول أوروبية الإجراءات الهادفة إلى مكافحة انتشار «كوفيد - 19». ووضعت رومانيا في الحجر الصحي نحو 12 شخصاً قادماً من 11 مدينة إيطالية، فُرض حولها طوق صحي.
ووضعت ممرات خاصة لنزول الركاب القادمين من مناطق عرضة للفيروس في المطارات، حيث تراقب حرارة المسافرين. كما طلب من الأشخاص الذين زاروا إيطاليا في الآونة الأخيرة أو الصين البقاء في منازلهم.
طلب أيضاً من الرعايا الفرنسيين العائدين من مناطق إيطالية سُجّل فيها انتشار للفيروس تجنّب «كل خروج غير ضروري» على مدى أسبوعين بعد عودتهم وإبقاء أولادهم في المنزل.
وطلبت بريطانيا من المسافرين العائدين من مناطق فيها إصابات بشمال إيطاليا أو القادمين من الصين وكوريا الجنوبية وإيران، عزل أنفسهم في المنزل وتجنب أي احتكاك بشريّ وإبلاغ السلطات بذلك، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. كما نصحت السلطات البريطانية الأشخاص القادمين من مناطق قريبة من مناطق سُجلت فيها إصابات بالقيام بالمثل، إذا ظهرت عليهم عوارض المرض.
أما البوسنة، فنصحت الأشخاص الذين توجهوا إلى الدول التي تسجل إصابات باستشارة طبيب أو البقاء في المنزل. كذلك، طلب البرلمان الأوروبي من كل الذين توجهوا إلى مناطق فيها إصابات، عدم الخروج على مدى 14 يوماً.
من جهتها، ألغت شركة الخطوط الجوية البلغارية كل رحلاتها بين صوفيا وميلانو حتى 27 مارس (آذار) من دون الكشف عن عدد الرحلات المعنية. فيما أعلنت النمسا عن احتمال إغلاق حدودها مؤقتاً مرة جديدة، إثر توقف مؤقت لحركة السكك الحديد على معبر «برينر» الأحد.
وفي فرنسا، مُنعت حافلة من الدخول انطلقت من إيطاليا، الاثنين، في ليون (وسط - شرق)، بسبب الاشتباه بوجود حالة على متنها، وتبين في نهاية المطاف أنه ليست هناك إصابات فيها. وفي كرواتيا، تم إلغاء كل الرحلات المدرسية للأيام الـ30 المقبلة.
ونصحت عدة دول، خصوصاً النمسا والمجر وأوكرانيا ورومانيا، رعاياها بعدم التوجه إلى المناطق في إيطاليا التي سُجلت فيها إصابات. وقامت فنلندا أيضاً بتحديث نصائح السفر، ودعت مواطنيها إلى إبداء «تيقظ شديد» حين يوجدون في إيطاليا وإبلاغ السلطات القنصلية بمشاريعهم للسفر، فيما دعت أيضاً الدنمارك المسافرين إلى توخي الحذر.
وفي مطاري بودابست وديبريكن (شرق المجر) وكييف، يتم قياس حرارة الركاب القادمين من إيطاليا. كما بدأت أوكرانيا بقياس حرارة المسافرين عند حدودها البرية مع المجر، حيث تمر حافلات تقوم برحلات بين إيطاليا وأوكرانيا.
وطلبت شركة الخطوط الجوية الأوكرانية الدولية من طاقمها شراء قفازات وأقنعة مطاطية على متن الرحلات القادمة من إيطاليا. وأعلن مطار براغ عن «إجراءات نظافة مكثفة». أما في وارسو، فصعد فريق طبي إلى طائرات قادمة من إيطاليا للتحقق من حرارة الركاب قبل السماح لهم بالنزول.
وفي كرواتيا، تقوم شرطة الحدود وخبراء أوبئة باستجواب كل الأشخاص القادمين من مناطق إيطالية فيها انتشار للفيروس. بينما رفضت وكالة الصحة السويدية إقامة مراكز مراقبة في المطارات، معتبرةً أنها «غير فعالة»، وتتطلب -حسب قولها- الكثير من الإمكانات لأن الأشخاص المصابين قد لا تظهر عليهم العوارض.


مقالات ذات صلة

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية بريل إمبولو خارج قائمة سويسرا بدوري الأمم (أ.ف.ب)

إمبولو يلحق بتشاكا خارج قائمة سويسرا في دوري الأمم

فقد منتخب سويسرا، الذي بلغ دور الثمانية في بطولة كأس العالم لكرة القدم، لاعباً ثانياً من قائمته في دوري أمم أوروبا بسبب قضايا تعود إلى سنوات مضت.

«الشرق الأوسط» (برن (سويسرا))
صحتك رجل يتلقى لقاحاً (رويترز)

عدالة توزيع اللقاحات قد تنقذ حياة 3 ملايين شخص في الوباء المقبل

خلصت دراسة جديدة إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 3 ملايين شخص في الجائحة المقبلة إذا تقاسمت الدول اللقاحات بطريقة عادلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك  الفيروسات المسببة لنزلات البرد تزداد نشاطاً خلال الأشهر الباردة (رويترز)

عادات يومية قد تساعد في الوقاية من نزلات البرد والإنفلونزا

مع بداية شهر سبتمبر من كل عام، غالبا ما تنتشر الفيروسات المسببة لنزلات البرد الشائعة بكثافة، وفيروسات الإنفلونزا، وكورونا، والفيروس المخلوي التنفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أطباء وممرضات يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون برعاية مريض على جهاز التنفس الصناعي بوحدة العناية المركزة بمستشفى سانت لازلو الذي يعالج مرضى كورونا في بودابست 13 ديسمبر 2021 (أ.ب)

أبرز أطباء أميركا يقدّمون توصيات بشأن تطعيمات الإنفلونزا وكورونا

حثت أبرز المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة السكان على الحصول على اللقاحات المحدَّثة ضد الإنفلونزا وكورونا، الخريف المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
TT

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)

قدم رئيس وزراء ساموا اعتذارا الاثنين، بعد انتشار مقطع فيديو له يظهره وهو يهتف «هايل هتلر» (يحيا هتلر) ويؤدي تحية نازية.

وقال لاأولي ليواتيا شميدت في بيان إن اللقطات تعود لتجمع عائلي جرى قبل نحو 20 عاما، ولم يكن مفترضا أبدا أن تظهر للعلن. وأوضح «تُظهر اللقطات ترديدي لعبارة هايل هتلر وقيامي بحركة مرتبطة بألمانيا النازية خلال تجمع عائلي خاص (...) لم يكن موجها للعامة».

وأضاف «مهما كان السياق أو القصد خلال هذا التجمع قبل عشرين عاما، فإنني أدرك أن تلك الكلمات والحركة كانتا غير لائقتين ومن شأنها أن تسببا الإساءة والألم، ولذا فإنني أعتذر عن استخدامها».

وكان شميدت قد أعرب سابقا عن دعمه القوي لإسرائيل، وتعهد بفتح سفارة في القدس قبل نهاية العام. وقال «أنا أرفض النازية ومعاداة السامية والعنصرية وجميع أشكال التطرف السياسي».

وكان شميدت قد ارتدى شال الصلاة اليهودي عند أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزراء عام 2025، حيث دخل القاعة على وقع صوت بوق الشوفار الاحتفالي. وقال حينها وفقا لوسائل إعلام محلية «أنا أقف إلى جانب إسرائيل، أرض الله». وتابع «ستقف ساموا وتدعم أرض الله المقدسة».

وتؤمن دول المحيط الهادئ الشديدة التدين مثل ساموا، بنبوءات العهد القديم التي تقول إن اليهود مقدر لهم أن يعودوا يوما ما إلى أرض إسرائيل.


النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.