في مهرجان أبوظبي السينمائي (الأخيرة): روسيا تخرج بلآلئ 3.. منها السوداء لأفضل فيلم روائي طويل

«ذكريات منقوشة على حجر» العراقي يفوز بجائزة الفيلم العربي

«طاغوت» الفائز بالجائزة الأولى بين الأفلام الروائية
«طاغوت» الفائز بالجائزة الأولى بين الأفلام الروائية
TT

في مهرجان أبوظبي السينمائي (الأخيرة): روسيا تخرج بلآلئ 3.. منها السوداء لأفضل فيلم روائي طويل

«طاغوت» الفائز بالجائزة الأولى بين الأفلام الروائية
«طاغوت» الفائز بالجائزة الأولى بين الأفلام الروائية

* فاز الفيلم الروسي «لفاياثان» (طاغوت) لأندريه زفياكنتسيف بجائزة «اللؤلؤة السوداء» لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الطويلة، وقيمتها 100 ألف دولار، في ختام مهرجان أبوظبي السينمائي، مساء أول من أمس، وهي واحدة من اللآليء التي أسفرت عنها الدورة الثامنة لهذا المهرجان، التي جاءت مفعمة بالنجاحات على مستويات تنظيمية وإدارية وعلى مستوى الأفلام المشاركة. ونال جائزة أفضل فيلم من العالم العربي وقدرها 50 ألف دولار الكردي العراقي شوكت أمين كوركي عن فيلمه «ذكريات منقوشة على حجر».
«طاغوت» فيلم روسي سبق له أن سجّـل نجاحا في مهرجان «كان» السينمائي عندما فاز بجائزة أفضل سيناريو (كتبه المخرج وأوليغ نيغين). هنا، وجدته لجنة التحكيم التي قادها الممثل الهندي عرفان خان هو المستحق الأكبر بين كل الأفلام التي جرى عرضها في هذه المسابقة التي ضمّت 17 فيلما.
أعضاء اللجنة الآخرون هم الممثل الفلسطيني علي سليمان، والكاتب الجزائري واسيني الأعرج، والمخرج والمنتج الأميركي ستيفن شاينبرغ، والمخرجة الأسترالية كايت شورتلاند.
جائزة لجنة التحكيم الخاصة ذهبت إلى فيلم روسي آخر هو «تجربة» لألكسندر كوت، ولا بد أن هذه «النقاشات» دارت حول أي مِـن هذين الفيلمين يستحق الأولى، ومن منهما يستحق الثانية.

* فساد الحياة
* «طاغوت» فيلم قوي في حضور كل مشهد ولقطة، ولو على تكرار في المفادات المسجّـلة. حكاية آسرة الأجواء، بسبب موقعها في بلدة ساحلية اسمها كولا في شمال غربي روسيا، كما بسبب البيئة الخادعة التي يتحرّك فيها بطل الفيلم كوليا (أليكسي سيريبياكوف) مواجها تآكل الأخلاقيات من حولها.
هو يملك منزلا متواضعا على مقربة من البحر يعيش فيه وزوجته ليليا (إيلينا ليادوفا) وابنه روما (سيرغي بوخودييف). في أحد الأيام يصل المحامي الموسكوفي ديمتري (فلاديمير فدوفيتشنكوف) ليساعد كوليا في نزاع قضائي. فالمحافظ (بدين وسكير وشرس يمثّل حكوميين فاسدين ويؤديه جيّدا رومان ماديانوف) يريد وضع اليد على المنزل مستخدما مزيجا من الأدلة الواهية، مفادها أن كوليا لا يملك الأرض التي بنى عليها بيته.
هناك قصة إنسانية كاملة لساعتين ونصف الساعة تقريبا. كوليا يحب زوجته، وزوجته تخونه مع المحامي. كوليا يضرب المحامي الذي يعود أدراجه إلى موسكو ويحاول إصلاح البين مع زوجته، التي تبدو كما لو أنها تعلمت درسا لن تنساه. لكن الصبي روما لا يسامحها. ذات صباح تستيقظ وتلجأ إلى أرض مرتفعة مباشرة عن البحر. تلقي بنفسها. ليس أمام كوليا اتجاه يلجأ إليه، لا على الأرض ولا في السماء. لا عدالة القانون واقعة ولا مخلص يقود الحل إذا ما لجأ كوليا إليه، كما في ذلك اللقاء بينه وبين الخوري الأرثوذكسي الذي يسأل فيها الأول الثاني عن الله والإيمان، ولماذا يحدث معه ما يحدث معه. لا جواب، وهذا ما يسهم في سقوط كوليا إلى حضيض نفسي عميق آخر.
المشهد الذي نرى فيه هدم الآلة الضخمة («ليفياثن» زمانها) للبيت مخيفة. الكاميرا تكمن في داخل البيت مقابل الجدار الذي ستدمره الآلة. وعندما يتم تدمير ذلك الجدار، تبدو تلك الآلة مثل وحش يدخل عش طائر ليهدمه. نرى ذلك «البولدوزر» التايتانيكي وهو يستدير يمنة ويسرى، كما لو أنه يبحث عما يلتهمه، ثم يضرب المزيد من دعائم البيت. اللقطة الأخيرة هي لبقايا الحياة؛ قوارب صيد مهجورة، سواحل نائية. بحر حزين وهيكل لذلك الحوت الذي مات قبل البشر منسيا.
«تجربة» فيلم مختلف تماما (تناولناه يوم أمس) حول ذلك المسن وابنته الشابة الذين يعيشون في مكان ناءٍ من أرض شاسعة. يموت الأب بفعل تعرّضه لبرد قارس، وتبقى الفتاة لتواجه مستقبلا غامضا. لكن هناك تجربة نووية على الأرض تطيح بكل شيء، بل وتستخرج جثة الأب من القبر، عندما تمتد موجات الانفجار لاقتلاع كل شيء أمامها، بما فيها حياة كل من شاهدناه في هذا الفيلم.
الممثل الروسي أليكسي سيريبياكوف حظي بجائزة أفضل ممثل عن دوره في «طاغوت»، أما جائزة أفضل ممثلة، فذهبت إلى ماريا بونيفي عن دورها في فيلم سوزان باير الجديد «فرصة أخرى». «تمبكتو» (فيلم آخر من تلك التي فازت في دورة «كان» الأخيرة) حصل على تنويه خاص.

* الأفلام التسجيلية
* ضمن هذه المسابقة ومسابقة الفيلم التسجيلي الطويل، كما مسابقة «آفاق»، للفيلم الأول أو الثاني لمخرجه، هناك غصن من شجرة الجوائز يخصص جائزتين للسينما العربية. يبدو الأمر كما لو أن المسابقة بذاتها تحوي مسابقة أخرى بداخلها وعلى نحو غير صحيح، لكنها الطريقة الوحيدة المتاحة للمهرجان لكي يمنح السينما العربية بعض جوائزه. هذا لأنه لا توجد أفلام عربية تصل إلى ما تصل إليه أفلام أجنبية من قوّة إنجاز وتنفيذ وانصهار مثالي لعناصر العمل.
«ذكريات على حجر» لشوكت أمين كوركي، إخراجيا ليس بالفيلم المتماسك وأفضل منه «القط» من زاوية أيهما أفضل إخراجا تحديدا.
المخرج اللبناني غسان سلهب خرج بجائزة استحقها، وهي جائزة أفضل مخرج من العالم العربي، وذلك عن فيلمه «الوادي» (أيضا من تلك التي عرضناها هنا خلال هذه التغطية).
على الصعيد التسجيلي، نال الفيلم البريطاني - الأفريقي «فيرونغا» (كونغو) اللؤلؤة السوداء، وهو للمخرج البريطاني أورلاندو فون إينسايدل، الذي قرر فضح فساد تقوم به جهات مختلفة لسرقة ثروات محمية طبيعية (اسمها «فيرونغا») من ناهبين وعسكريين مرتشين، مما يهدد تلك المحمية (التي هي أولى المحميات الطبيعية في أفريقيا، إذ تم إنشاؤها سنة 1928) باندثار ثرواتها الطبيعية المختلفة.
جائزة لجنة التحكيم ذهبت إلى فيلم «الهدف المقبل يربح» للبريطانيين مايك برت وستيف جاميسون يستلهم مما حدث مع فريق ساموا الأميركي من وقائع قبيل كأس العالم. أما جائزة أفضل فيلم تسجيلي من العالم العربي، فذهبت إلى الفيلم الفلسطيني - الكندي المستحق «المطلوبون الـ18» حول 18 بقرة شاركت في الانتفاضة الأولى في بلدة بيت ساحور المسيحية. المخرج العربي الذي نال جائزة «أفضل مخرج من العالم العربي» كان ياسمين فداء عن «ملكات سوريا»، وهو شريط معتدل الجودة في واقعه المجرّد يقوم على تصوير تدريبات على مسرحية تقوم بها لاجئات سوريات أمام مدربهن الأردني، تمهيدا لتقديم «نساء طروادة» على المسرح.
تنويه خاص ذهب إلى طلال دركي وفيلمه «عودة إلى حمص»، الذي كان يستحق أكثر من التنويه، كونه فيلما بذل فيه مخرجه جهدا كبيرا للإحاطة بالبدايات الأولى للثورة السورية، وكم كانت مطالبها بريئة حيال ما تبعها من تداخلات.

* غيابات
* فيلم «محطات الصليب» للألماني ديتريخ بروغمان، يتناول مسائل الإيمان والكنيسة. أفضل ممثل هنا هو دوغان إيشي، الطفل الذي قاد بطولة «سيفاش»، الفيلم التركي المفذلك الذي حققه كان موجديسي (وشوهد في فينيسيا. جائزة أفضل ممثلة ذهبت لمن يستحق، وهي الممثلة الكورية يون دا - كيونغ عن دورها في فيلم «في مكانها». الفيلم نفسه كان يستحق جائزة لو كان له مجال في هذا النطاق المزدحم).
حين يأتي الأمر للجوائز العربية، فإن «ذيب» للأردني ناجي أبو نوّار هو الفائز باللؤلؤة كأفضل فيلم من العالم العربي، وهو فيلم تناولناه هنا أكثر من مرة واكتشاف السينما العربية الأول هذا العام.
جائزة أفضل مخرج من العالم العربي في مسابقة «آفاق» ذهبت إلى ليث سالم عن «رجل من أوران». في وسط كل هذا سقطت من اعتبار لجان التحكيم بضعة أفلام ما كان يجب لها أن تسقط. هناك على سبيل المثال «شغيل الحب» للهندي أديتيا فيكرام سنغكوبتا الذي اكتفت النتائج بتسديد «تنويه خاص» صوبه.
الفيلم الكازاخستاني - الجيورجي «جزيرة الذرة» (نال جائزة مهرجان كارلوفي فاري الأولى) كان أولى من «العجائب» بالجائزة هنا. وكما كان متوقّعا، خرج الفيلم الأميركي «99 منزلا» بلا ذكر أو جائزة، على أساس أنه فيلم أميركي لديه ما يعوض خسارته إذا لم يفز، في حين أن عدم فوز «عودة إلى حمص» فسر بأن الفيلم سبق له أن التقط جوائز عدّة في مهرجانات أخرى، وهو وضع لا علاقة له بتقييم الفيلم بحد ذاته. لكن معظم الأفلام والأسماء التي نالت جوائز استحقت ما نالته ليطوي المهرجان أفضل دوراته إلى اليوم.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».