* فاز الفيلم الروسي «لفاياثان» (طاغوت) لأندريه زفياكنتسيف بجائزة «اللؤلؤة السوداء» لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الطويلة، وقيمتها 100 ألف دولار، في ختام مهرجان أبوظبي السينمائي، مساء أول من أمس، وهي واحدة من اللآليء التي أسفرت عنها الدورة الثامنة لهذا المهرجان، التي جاءت مفعمة بالنجاحات على مستويات تنظيمية وإدارية وعلى مستوى الأفلام المشاركة. ونال جائزة أفضل فيلم من العالم العربي وقدرها 50 ألف دولار الكردي العراقي شوكت أمين كوركي عن فيلمه «ذكريات منقوشة على حجر».
«طاغوت» فيلم روسي سبق له أن سجّـل نجاحا في مهرجان «كان» السينمائي عندما فاز بجائزة أفضل سيناريو (كتبه المخرج وأوليغ نيغين). هنا، وجدته لجنة التحكيم التي قادها الممثل الهندي عرفان خان هو المستحق الأكبر بين كل الأفلام التي جرى عرضها في هذه المسابقة التي ضمّت 17 فيلما.
أعضاء اللجنة الآخرون هم الممثل الفلسطيني علي سليمان، والكاتب الجزائري واسيني الأعرج، والمخرج والمنتج الأميركي ستيفن شاينبرغ، والمخرجة الأسترالية كايت شورتلاند.
جائزة لجنة التحكيم الخاصة ذهبت إلى فيلم روسي آخر هو «تجربة» لألكسندر كوت، ولا بد أن هذه «النقاشات» دارت حول أي مِـن هذين الفيلمين يستحق الأولى، ومن منهما يستحق الثانية.
* فساد الحياة
* «طاغوت» فيلم قوي في حضور كل مشهد ولقطة، ولو على تكرار في المفادات المسجّـلة. حكاية آسرة الأجواء، بسبب موقعها في بلدة ساحلية اسمها كولا في شمال غربي روسيا، كما بسبب البيئة الخادعة التي يتحرّك فيها بطل الفيلم كوليا (أليكسي سيريبياكوف) مواجها تآكل الأخلاقيات من حولها.
هو يملك منزلا متواضعا على مقربة من البحر يعيش فيه وزوجته ليليا (إيلينا ليادوفا) وابنه روما (سيرغي بوخودييف). في أحد الأيام يصل المحامي الموسكوفي ديمتري (فلاديمير فدوفيتشنكوف) ليساعد كوليا في نزاع قضائي. فالمحافظ (بدين وسكير وشرس يمثّل حكوميين فاسدين ويؤديه جيّدا رومان ماديانوف) يريد وضع اليد على المنزل مستخدما مزيجا من الأدلة الواهية، مفادها أن كوليا لا يملك الأرض التي بنى عليها بيته.
هناك قصة إنسانية كاملة لساعتين ونصف الساعة تقريبا. كوليا يحب زوجته، وزوجته تخونه مع المحامي. كوليا يضرب المحامي الذي يعود أدراجه إلى موسكو ويحاول إصلاح البين مع زوجته، التي تبدو كما لو أنها تعلمت درسا لن تنساه. لكن الصبي روما لا يسامحها. ذات صباح تستيقظ وتلجأ إلى أرض مرتفعة مباشرة عن البحر. تلقي بنفسها. ليس أمام كوليا اتجاه يلجأ إليه، لا على الأرض ولا في السماء. لا عدالة القانون واقعة ولا مخلص يقود الحل إذا ما لجأ كوليا إليه، كما في ذلك اللقاء بينه وبين الخوري الأرثوذكسي الذي يسأل فيها الأول الثاني عن الله والإيمان، ولماذا يحدث معه ما يحدث معه. لا جواب، وهذا ما يسهم في سقوط كوليا إلى حضيض نفسي عميق آخر.
المشهد الذي نرى فيه هدم الآلة الضخمة («ليفياثن» زمانها) للبيت مخيفة. الكاميرا تكمن في داخل البيت مقابل الجدار الذي ستدمره الآلة. وعندما يتم تدمير ذلك الجدار، تبدو تلك الآلة مثل وحش يدخل عش طائر ليهدمه. نرى ذلك «البولدوزر» التايتانيكي وهو يستدير يمنة ويسرى، كما لو أنه يبحث عما يلتهمه، ثم يضرب المزيد من دعائم البيت. اللقطة الأخيرة هي لبقايا الحياة؛ قوارب صيد مهجورة، سواحل نائية. بحر حزين وهيكل لذلك الحوت الذي مات قبل البشر منسيا.
«تجربة» فيلم مختلف تماما (تناولناه يوم أمس) حول ذلك المسن وابنته الشابة الذين يعيشون في مكان ناءٍ من أرض شاسعة. يموت الأب بفعل تعرّضه لبرد قارس، وتبقى الفتاة لتواجه مستقبلا غامضا. لكن هناك تجربة نووية على الأرض تطيح بكل شيء، بل وتستخرج جثة الأب من القبر، عندما تمتد موجات الانفجار لاقتلاع كل شيء أمامها، بما فيها حياة كل من شاهدناه في هذا الفيلم.
الممثل الروسي أليكسي سيريبياكوف حظي بجائزة أفضل ممثل عن دوره في «طاغوت»، أما جائزة أفضل ممثلة، فذهبت إلى ماريا بونيفي عن دورها في فيلم سوزان باير الجديد «فرصة أخرى». «تمبكتو» (فيلم آخر من تلك التي فازت في دورة «كان» الأخيرة) حصل على تنويه خاص.
* الأفلام التسجيلية
* ضمن هذه المسابقة ومسابقة الفيلم التسجيلي الطويل، كما مسابقة «آفاق»، للفيلم الأول أو الثاني لمخرجه، هناك غصن من شجرة الجوائز يخصص جائزتين للسينما العربية. يبدو الأمر كما لو أن المسابقة بذاتها تحوي مسابقة أخرى بداخلها وعلى نحو غير صحيح، لكنها الطريقة الوحيدة المتاحة للمهرجان لكي يمنح السينما العربية بعض جوائزه. هذا لأنه لا توجد أفلام عربية تصل إلى ما تصل إليه أفلام أجنبية من قوّة إنجاز وتنفيذ وانصهار مثالي لعناصر العمل.
«ذكريات على حجر» لشوكت أمين كوركي، إخراجيا ليس بالفيلم المتماسك وأفضل منه «القط» من زاوية أيهما أفضل إخراجا تحديدا.
المخرج اللبناني غسان سلهب خرج بجائزة استحقها، وهي جائزة أفضل مخرج من العالم العربي، وذلك عن فيلمه «الوادي» (أيضا من تلك التي عرضناها هنا خلال هذه التغطية).
على الصعيد التسجيلي، نال الفيلم البريطاني - الأفريقي «فيرونغا» (كونغو) اللؤلؤة السوداء، وهو للمخرج البريطاني أورلاندو فون إينسايدل، الذي قرر فضح فساد تقوم به جهات مختلفة لسرقة ثروات محمية طبيعية (اسمها «فيرونغا») من ناهبين وعسكريين مرتشين، مما يهدد تلك المحمية (التي هي أولى المحميات الطبيعية في أفريقيا، إذ تم إنشاؤها سنة 1928) باندثار ثرواتها الطبيعية المختلفة.
جائزة لجنة التحكيم ذهبت إلى فيلم «الهدف المقبل يربح» للبريطانيين مايك برت وستيف جاميسون يستلهم مما حدث مع فريق ساموا الأميركي من وقائع قبيل كأس العالم. أما جائزة أفضل فيلم تسجيلي من العالم العربي، فذهبت إلى الفيلم الفلسطيني - الكندي المستحق «المطلوبون الـ18» حول 18 بقرة شاركت في الانتفاضة الأولى في بلدة بيت ساحور المسيحية. المخرج العربي الذي نال جائزة «أفضل مخرج من العالم العربي» كان ياسمين فداء عن «ملكات سوريا»، وهو شريط معتدل الجودة في واقعه المجرّد يقوم على تصوير تدريبات على مسرحية تقوم بها لاجئات سوريات أمام مدربهن الأردني، تمهيدا لتقديم «نساء طروادة» على المسرح.
تنويه خاص ذهب إلى طلال دركي وفيلمه «عودة إلى حمص»، الذي كان يستحق أكثر من التنويه، كونه فيلما بذل فيه مخرجه جهدا كبيرا للإحاطة بالبدايات الأولى للثورة السورية، وكم كانت مطالبها بريئة حيال ما تبعها من تداخلات.
* غيابات
* فيلم «محطات الصليب» للألماني ديتريخ بروغمان، يتناول مسائل الإيمان والكنيسة. أفضل ممثل هنا هو دوغان إيشي، الطفل الذي قاد بطولة «سيفاش»، الفيلم التركي المفذلك الذي حققه كان موجديسي (وشوهد في فينيسيا. جائزة أفضل ممثلة ذهبت لمن يستحق، وهي الممثلة الكورية يون دا - كيونغ عن دورها في فيلم «في مكانها». الفيلم نفسه كان يستحق جائزة لو كان له مجال في هذا النطاق المزدحم).
حين يأتي الأمر للجوائز العربية، فإن «ذيب» للأردني ناجي أبو نوّار هو الفائز باللؤلؤة كأفضل فيلم من العالم العربي، وهو فيلم تناولناه هنا أكثر من مرة واكتشاف السينما العربية الأول هذا العام.
جائزة أفضل مخرج من العالم العربي في مسابقة «آفاق» ذهبت إلى ليث سالم عن «رجل من أوران». في وسط كل هذا سقطت من اعتبار لجان التحكيم بضعة أفلام ما كان يجب لها أن تسقط. هناك على سبيل المثال «شغيل الحب» للهندي أديتيا فيكرام سنغكوبتا الذي اكتفت النتائج بتسديد «تنويه خاص» صوبه.
الفيلم الكازاخستاني - الجيورجي «جزيرة الذرة» (نال جائزة مهرجان كارلوفي فاري الأولى) كان أولى من «العجائب» بالجائزة هنا. وكما كان متوقّعا، خرج الفيلم الأميركي «99 منزلا» بلا ذكر أو جائزة، على أساس أنه فيلم أميركي لديه ما يعوض خسارته إذا لم يفز، في حين أن عدم فوز «عودة إلى حمص» فسر بأن الفيلم سبق له أن التقط جوائز عدّة في مهرجانات أخرى، وهو وضع لا علاقة له بتقييم الفيلم بحد ذاته. لكن معظم الأفلام والأسماء التي نالت جوائز استحقت ما نالته ليطوي المهرجان أفضل دوراته إلى اليوم.

